بسم الله الرحمن الرحيم

 

الجمهورية اليمنية

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

جامعة الإيمان

عمادة الدراسات العليا والبحث العلمي

كلية الإيمان - قسم التفسير وعلوم القرآن

 

سورة التحريم

(دراسة تحليلية)

 

بحث تكميلي مقدم لنيل درجة المشيخة (الماجستير)

إعداد الطالب/ بشير قحطان علي الحمودي

إشراف: د/ صالح بن يحيى صواب

1429هـ  -  2008م

 

شكر وعرفان

 

انطلاقاً من قول الحق تبارك وتعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (1)  ومن قول الرسول r: " لا يشكر الله من لا يشكر الناس "(2) فإني أتقدم بالشكر الجزيل لله وحده، فهو المستحق للشكر على نعمه التي لا تعد ولا تحصى.

ثم أتقدم بالشكر والعرفان لفضيلة الوالد الأستاذ الدكتور الشيخ / عبد المجيد الزنداني رئيس جامعة الإيمان، وجميع العاملين المخلصين في إدارة الجامعة، وأُدين بالفضل والتقدير لأساتذتي الأفاضل، الذين لهم يد العون بعد الله جل جلاله في إخراج هذا البحث إلى حيز الوجود، وأخص بالتقدير فضيلة الأستاذ الدكتور/ صالح بن يحيى صواب المشرف على هذا البحث، الذي وهبني أوقاته الغالية، وأحاطني بعطف أبوته، فقد ألفيته مشرفاً معيناً، وموجهاً بدقة عند المسير، ومنبهاً عند الوئيد، ميسراً لي سبل الالتقاء به أعظم تيسير، فبذل جهده، وشجعني على متابعة هذا البحث، ولم يأل جهداً في التوجيه والنصح، فقد كان لي نعم المعلم ونعم المرشد، فبارك الله فيه وفي ذريته، ونفع الله به وبعلمه في الدارين.

كما أتقدم بالشكر والتقدير لفضيلة المناقشين د/عبد الحق القاضي، ود/عبد اللطيف هايل،على تفضلهما قبول مناقشة هذا البحث، وأعدهما بأني سآخذ بكل توجيهاتهما. وأشكر كل من أعانني بأدنى توجيه، أو تصويب حتى خرج البحث بهذه الصورة .


المقدمة

     

الحمد لله الذي جعل العلم ميراث الأنبياء، وجعل ورثته هم العلماء، الذين هم أكثر الناس خشية لربهم وأعرفهم به، ولذلك شرفهم ربهم بأرفع المقامات، وأعلى الدرجات، نحمده سبحانه أن جعل العلم سبيل العارفين، ومنار السالكين، ونوراً وهدى للعالمين، وهادياً إلى الحق وإلى صراط مستقيم .

وأشهد أن لا اله إلا الله وحد لا شريك له، له الملك وله الحمد، وصف نفسه بالعلم فقال وهو أصدق القائلين: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾(3).

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، معلم الناس الخير من بعثه الله بالعلم والهدى والنور رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.         

أما بعــد،،،

فإن خير ما صرفت فيه الجهود، ووقفت لأجله الأعمار، هو خدمة كتاب الله عز وجل، تفسيراً وشرحاً وبياناً وإيضاحاً، ولهذا أفنى جهابذة من العلماء أعمارهم في خدمة كتاب الله، فنعم ما صنعوا، فتفننوا في تنويع علومه، فمنهم من اهتم ببديعه وبيانه وبلاغته وفصاحته، ومنهم من اهتم بأسلوبه وتركيبه وأوزانه وإعرابه، ومنهم من اهتم بأحكامه، وتشريعاته وحلاله وحرامه، ومنهم من اهتم بناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده ومفصله ومجمله، ومنهم من اهتم بقصصه وأخباره وعبره وعظاته، ومنهم من اهتم بجوانبه الاجتماعية والتربوية، فعالج من خلال القران الكريم واقعه، ومع هذا فالقرآن لا يخلق على كثرة الرد ، لكونه المعجزة الخالدة لكل الدهور والأزمان، فعلومه غير متناهية، وفيه من العلوم ما يناسب كل عصر ويلائم كل مِصر.

فأحببتُ أن أسلك سبيل هولاء العلماء، مع ضعف قوتي، ووهن عضدي، وقلة زادي، لكن لأجل الدربة في فن التفسير، والفرار من قول الرسول r لربه: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ﴾(4) وآثرت أن أجري هذا البحث على جانب من أهم الجوانب التي جاء الإسلام للحفاظ عليها، ولتقويم سلوكياتها. فأحببتُ أن يكون موضوع بحثي لإتمام رسالة الماجستير بعنوان: (سورة التحريم دراسة تحليلية) وذلك لاشتمالها على وضع الأسرة في واقعنا الاجتماعي من حيث أنها محلٌُُ لنظر الإسلام عليها؟ وكيف أعطاها الاهتمام الأكبر؟ لذلك ذكر الله عز وجل بعضاً من سيرة النبي r ليبين لنا كيفية المعاملة وطريقة الملاطفة بأطهر بيتٍ عرفه التاريخ، فذكر الله تعالى لنا بعضا من هذه الصور، ليبين لنا في القران أن مثل هذه الخلافات لا تكاد تخلو من بيت مهما كان طهرها، ومهما كان شرفها، ولكن يجب علينا أن نعرف طريقة الرسول الأعظم في معاملته مع أهل بيته، وأن نجعل الرسول r هو النموذج الأرفع، والطراز العالي، من  حيث القدوة الحسنة والمعاملة الطيبة، مع المجتمع ومع أهل بيته، ولو تمسكنا بهذه القدوة لما اختلف اثنان في طريق، ولما رأينا نوعا من هذه الخلافات الكثيرة، الموجودة في المجتمعات، ولعشنا العيشة الطيبة الهنيئة، ولسمت فوق رؤسنا الرأفة والرحمة حيث إننا قد جعلنا القران كتابنا والرسول قدوتنا.

و يمكن أن نُجمل أهمية البحث وأسباب اختياره في هذه السورة بما يلي:

1.اشتماله على مواضيع مهمة جداً يحتاجها مسلمو العصر ودعاته أشد  الاحتياج ومن  هذه المواضيع:

أـ العلاقات الزوجية، وكيفية الملاطفة والصبر على حسن العشرة.

ب ـ الأسماء الحسنى والصفات الإلهية، وأثرها في تربية النفس البشرية.

ج ـ وقاية الأسرة من النار، وأثر ذلك على المجتمع والأمة.

د ـ التوبة النصوح، وتعلق الفلاح بها في الدنيا والآخرة.

هـ ـ صلة القرابة، التي لا تنفع صاحبها ما لم يكن ذا إيمان وتقوى.

2. الرغبة في جمع شتات مواضيع هذه السورة، بأسلوب مقرب سهل سلس، يجد القارئ فيه ضالته حول ما يتعلق بالسورة، ويجد المربي فيه بغيته، خصوصا وأن السورة واردة في المقررات الدراسية للمرحلة الأساسية في مدارس الجمهورية اليمنية  


 منهجي في البحث

 

1.  قسمت البحث إلى تمهيد للسورة وفصلين، وتعرضت في هذين الفصلين لأهم ما ورد فيهما من مسائل:  اللغة، والفقه والأصول، والعقيدة والإيمان، والتربية والسلوك .

2.    عزوت الآيات إلى مواضعها من سور القران الكريم، مع ذكر اسم السورة ورقم الآية.

3.  خرجت الأحاديث الواردة في البحث من كتب الحديث، مع ذكر درجة الحديث من أقوال بعض العلماء، إلا إذا كان الحديث في الصحيحين أوفي أحدهما.

4.    ترجمت الأعلام الواردة في البحث.

5.    وضعت  فهارس شاملة للبحث.

خطة البحث

 

يشتمل  البحث على مقدمة وتمهيد وفصلين وخاتمة

المقدمة...وفيها:

- أهمية البحث وأسباب اختياره  

- منهجي في البحث

- خطة البحث

التمهيد وفيه:

أولاً: أسماء السورة

ثانياً: هل السورة مكية أم مدنية

ثالثاً: عدد آيات السورة، وترتيب نزولها، وفضلها

رابعاً: الجو العام للسورة، وما اشتملت عليه السورة، وأغراض السورة

خامساً:مناسبة السورة لما قبلها ولما بعدها

سادساً:أسباب النزول في آيات السورة

الفصل الأول : المقطع الأول من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ..﴾إلى قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: التحليل اللغوي وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: القراءات المتواترة

المطلب الثاني: التحليل اللفظي واللغوي

المطلب الثالث: أوجه الإعراب

المطلب الرابع: أوجه البلاغة

المبحث الثاني :التحليل الفقهي والأصولي وفيه أربعة مطالب: 

المطلب الأول: حكم تحريم شي من المباح سوى الزوجة

 المطلب الثاني: كفارة اليمين

المطلب الثالث: حكم إفشاء الأسرار

المطلب الرابع: هل خطاب النبي r خطاب لجميع أمته؟

المبحث الثالث :التحليل العقدي وفيه ثلاثة مطالب :

المطلب الأول : عصمة الرسول r وعتاب الله له

المطلب الثاني : إثبات صفة العلم والخبرة

المطلب الثالث : أسماء الله الواردة في الآيات وحظ العبد منها

المبحث الرابع: التحليل السلوكي والتربوي وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول : واقعية الرسالة

المطلب الثاني : الغيرة عند النساء وجوانبها التربوي

المطلب الثالث : اختيار المرأة الصالحة من أبجديات بناء الأسرة المسلمة

 المطلب الرابع : مسؤولية الرجل في تربية أبنائه التربية الصالحة

الفصل الثاني: المقطع الثاني من قوله تعالى: ﴿  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ إلى قوله تعالى:﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾ وفيه أربعة مباحث :

المبحث الأول التحليل اللغوي وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: القراءات المتواترة

 المطلب الثاني: التحليل اللفظي واللغوي

 المطلب الثالث: أوجه الإعراب

 المطلب الرابع: أوجه البلاغة

المبحث الثاني التحليل الفقهي والأصولي وفيه ستة مطالب:  

المطلب الأول: حكم التوبة

المطلب الثاني: التوبة النصوح

المطلب الثالث: حكم التوبة من ذنب دون ذنب

المطلب الرابع: حكم زواج المسلمة بمشرك وزواج المشرك بمسلمة

المطلب الخامس :المقصود بجهاد المنافقين في قوله تعالى:  ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ ﴾

المطلب السادس : شرع من قبلنا هل هو شرع لنا ؟

المبحث الثالث التحليل العقدي وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول : توبة صاحب الكبيرة تقبل عقلا أم سمعا

المطلب الثاني : صاحب الكبيرة هل هو مخلد في النار أم لا ؟

المطلب الثالث : أنوار المؤمنين حقيقية يوم القيامة يجب الإيمان بها

المطلب الرابع : عقائد النصارى الباطلة في المسيح واستدلالهم: بقوله تعالى:﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾

المبحث الرابع:التحليل السلوكي وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: الفوائد التربوية من الأمثال الثلاثة  المذكورة في السورة

المطلب الثاني: لفتات تربوية من قصة امرأة فرعون

المطلب الرابع : الأساليب التربوية التي اشتملت عليها السورة

الفهارس.

وفي الختام فما من صواب فمن الله الواحد الديان، وما من خطأ فمن نفسي والشيطان، ولا يسلم أي جهد بشري من القصور والخطأ، فلو أن كتابا عرض سبعين مرة ثم عرض مرة آخرى لوجد فيه خطأ، أبى الله أن يكون هناك كتاب صحيح غير كتابه (5).


الخاتمة

 

   وفي خاتمة هذا البحث، فإني أحمد الله على منته وفضله إذ وفقني لاستنباط بعض معاني سورة التحريم، وتفسير آياتها تفسيرا تحليلياً، وهناك بعض النتائج والحقائق التي توصلت إليها من خلال بحثي في هذه السورة منها:

1. التفسير التحليلي تفسير شيق جدا، حيث أنه يحتوي على علوم شتى كعلم القراءات وعلم الإيمان، وعلم الفقه والأصول، والقضايا التربوية والسلوكية.

2. اشتمال السورة الكريمة على أكثر من خمسين موضوعاً مهماً في الإيمان والأصول والفقه والأخلاق.

3- هذه السورة العظيمة وهي تذكر الأحكام الفقهية، والأوامر الإلهية، والمعاني التربوية، تُحيطها بالحقائق الإيمانية، والمثيرات الوجدانية التي تدفع إلى العمل والإخلاص.

4. الأنبياء معصومون عن الخطأ، وأن ما فعله النبي r من تحريمه للعسل والجارية ليس ذنباً يقتضي الغفران، وأن العتاب لما وقع منه على خلاف الأولى بمقامه الشريف في ترضية أزواجه.

5. المسلم إذا حرم على نفسه شيئاً من المباح سوى الزوجة لا يحرم عليه، ولفظ التحريم لا يعتبر يمين ولا يترتب عليه شيء بل هو لغوا

6. قول المسلم لشيء من المباحات سوى الزوجة: هو علي حرام لا يعتبر يميناً، وأن تحريم النبي r لجاريته صاحبته يمين أوجبت الكفارة .

7. حفظ الأسرار من الأخلاق النبيلة وحكم كتمانها تجري عليه الأحكام الخمسة

8. ضرورة قيام المؤمن بمسؤوليته تجاه أهله تعليماً ونصحاً وتوجيهاً حتى ينجوا جميعاً من عذاب الله.

9. أكدت السورة على وجوب التوبة من جميع الذنوب.

10. التوبة النصوح هي التوبة التي تشتمل على ثلاثة أشياء : الإخلاص في القصد،  والصدق في العزم، وأن تكون شاملة لجميع الذنوب

11. أنوار المؤمنين يوم القيامة أنوار حقيقية، يجب الإيمان بها

 12. جهاد المنافقين يكون باللسان والحجة، وذلك ببيان مؤامراتهم والرد على شبههم وتعرية باطلهم.

13. صلة القرابة بالصالحين لا تنفع صاحبها، ما لم تكن قائمة على الإيمان والتقوى.

وختاماً فإني أحمد الله وأشكره على الإعانة والتيسير، وأستغفره من الزلل والخطأ، وأسأله القبول والتوفيق، وأصلي وأسلم وأبارك على سيدنا محمد من له الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في هدايتنا وتبصيرنا، وسبحانك اللهم وبحمدك نستغفرك ونتوب إليك.



(1) [إبراهيم : 7].

(2) -أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في شكر المعروف(4/255) برقم 4811  ،  سنن أبي داود ، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، وأخرجه الترمذي في كتاب البر  والصلة ،باب ماجاء في الشكر لمن أحسن اليك (4/339) برقم 1945 وقال: حديث حسن صحيح، سنن الترمذي :للإمام محمد بن عيسى الترمذي ،تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرين ،دار إحياء التراث العربي –بيروت، بدون طبعه، وقال الألباني: صحيح انظر :صحيح سنن الترمذي باختصار السند ،صحح أحاديثه الألباني (2/185)رقم،2073،  مكتب التربية العربي بدول الخليج، إشراف زهير الشاوش،  ط1 :1408ه وانظر:صحيح الجامع الصغير وزيادته لمحمد ناصر الدين الألباني (2/1122) برقم 6601 ،  المكتب الإسلامي، إشراف زهير الشاوش  ،ط3: 1408ه.

(3) [المجادلة : 7]

(4) [الفرقان : 30]

(5) - موضح أوهام الجمع والتفريق:  لأحمد بن علي بن ثابت البغدادي ( 1/14)، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، دار المعرفة-بيروت ،ط1 :1407هـ.