بسم الله الرحمن الرحيم

الجمهورية اليمنية

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

جامعة الإيمان

عمادة الدراسات العليا والبحث العلمي

 

التوكل في القرآن الكريم

دراسة  موضوعية

 

بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير

  

إعداد الطالب: علي بن عمر بن سالم بلعجم

إشراف الدكتور:حيدر بن أحمد الصافح


شكر وتقدير

 

الحمد لله رب العالمين, أحمده تعالى على نعمه المتكررة التي لا تحصى, ومن نعم الله تعالى علي أن يسَّر لي وأعان على إتمام هذا البحث وإخراجه بالصورة التي بين أيدينا, فله الحمد والشكر في الأولى والأخرى.

وبعد الثناء على الله تعالى, فأني أتوجه بالشكر والتقدير لجامعة الإيمان التي أتاحت لنا الفرصة بالدراسة في أحضانها, واستقطبت لنا العلماء الناصحين من أنحاء متفرقة من العالم, ووفرت لنا كل ما نحتاجه أثنا دراستنا فيها, فللمسؤولين المخلصين فيها الشكر والتقدير, وعلى رأسهم فضلية الشيخ العلامة رئيس الجامعة/ عبد المجيد بن عزيز الزنداني حفظه الله تعالى ورعاه.

كما أخص بالشكر والتقدير فضيلة الشيخ الدكتور/ حيدر بن أحمد الصافح الذي تفضل بالإشراف على رسالتي, فكان له الفضل الكبير عليَّ بعد الله عز وجل في التوجيه والإرشاد والنصيحة, فجزاه الله خير الجزاء.

وأخـص بالشـكر أيضـاً فضـيلة المناقشـين الكريمين الشـيخ الدكتور/ صالح صواب , والشيخ الدكتور/ عبد الغني حيدر, لقبولهما مناقشة رسالتي, واللذان سيتوجان هذا البحث بالتصحيحات والتصويبات والفوائد والي سآخذها بعين الاعتبار, فجزاهما الله خير الجزاء.

كما لا يفوتني أن أشكر كل من تعاون معي لإعداد هذه الرسالة, فجزى الله الجميع خيراً, وأجزل لهم الأجر والمثوبة في الدنيا والآخرة.


المقدمة

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله, وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, فهذان النوران بها اهتدى أول هذه الأمة, وهما سبيل نجاتها في كل زمان وحال, فمن تمسك بهما رشد, ومن ضل عنهما غوى, وما نرى اليوم في واقع حياة امتنا من بؤس , وذلة وتبعية, ماهو إلا بسبب بعدها عن هذين النورين, ولاخلاص لها من هذا الواقع إلا بما صلح به أولها, ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾(1), فصلاحها بالعودة إلى هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حميد.


أهمية البحث

 

في الآونة الأخيرة اهتم الباحثون بدراسة كتاب الله تعالى عموماً والعناية بمواضيعه خصوصاً؛ وذلك لما حظي به هذا الكتاب المعجز من الدلالات والإشارات اللطيفة, والأسرار العجيبة, لا سيما وهو كتاب الله العظيم, الذي لا تزيغ به الأهواء و لا تلتبس به الألسنة, ولا يشبع منه العلماء, ولا يمله الأتقياء, ولا يخلق من كثرة الرد, ولا تنقضي عجائبه, ولا تفنى غرائبه, من قال به صدق, ومن حكم به عدل, ومن عمل به أجر, ومن دعا إليه فقد هدي إلى صراط مستقيم.

ومما لا شك فيه فإن الاهتمام بمواضيع القرآن الكريم تعلماً وتعليماً وتبسيطاً وتفهيماً يعتبر من أعظم القرب التي يتقرب بها إلى الله تعالى, إذ هو الكتاب الذي أمتن الله به على هذه الأمة, وتكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه وصيانته من التحريف والتبديل كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(2).  

ولم يحظ كتاب في الوجود بعناية مثلما حظي القرآن الكريم الذي كتبت حوله مئات الكتب, وسيظل هذا الكتاب الخالد مورد العلماء الذي لا ينضب, وإسهاماً مني في تقريب معاني القرآن, وإظهار ثمرته على الواقع العملي فقد وقع إختياري على بعض مواضيعه وهو التوكل على الله تعالى إذ هو جزء من التوحيد, وهو قرين العبادة, فلا يتحقق التوحيد, ولا تتمحض العبادة, ولا يتجرد الأخلاص لله عز وجل إلا بالتوكل عليه سبحانه وتعالى.

ولما كان الإنسان بطبيعته ضعيفاً كما قال الله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾(3), فهو في حاجة شديدة إلى التوكل على الله تعالى؛ لذا كان لابد من بيان هذه العبادة الجليلة والقربة العظيمة لما فيها من شد أزر الضعفاء, وارتقاءٍ بالأقوياء وقد وسمته بـ (التوكل في القرآن الكريم ، تفسير موضوعي ), وقبل أن أبدأ بخطة هذا البحث سأذكر الآتي:ـ

 


أسباب اختيار الموضوع

 

1.    آيات القرآن الكريم المستفيضة التي تناولت موضوع التوكل على الله تعالى  .

2.  دقة وغموض كثير من مسائل التوكل, لأنه متعلق بالقلب, مما أوجد الالتباس عن بعض الناس, فخلطوا بين التوكل والاتكال, والتوكل والركون إلى الأسباب.

3.  إنتشار الماديات في هذه الأزمنة المتأخرة أضعف كثير من العبادات والطاعات لاسيما العبادات القلبية منها, كالتوكل على الله تعالى والثقة به سبحانه وتعالى. على الأسباب وترك الاعتماد على خالق الأسباب .

4.  حال كثير من الناس من تعظيمهم للأسباب, واعتقاد النفع والضر فيها , والركون إليها, وانتظار الرزق, وحصول الشفاء, منها دون الاعتماد على الله تعالى, فأردت ببحثي هذا إزالة اللبس, وتوضيح العلاقة الشرعية بين التوكل والأسباب.

5.    غياب كثير من ثمار وآثار التوكل على الله تعالى في مجتمعات أهل الإسلام.

ومما أهدف إليه أيضاً من بحثي هذا المتواضع:

‌أ-    الحث على التوكل كواجب من واجبات الإسلام , وعبادة تزيد في الإيمان , وقربة تقرب من الرحمن, وتوصل صاحبها إلى الفوز بجنة الرضوان.

‌ب-      التعبد لله تعالى من خلال التأمل والتفكر والتدبر لاسم من أسمائه الحسنى الذي أكثر القرآن من ذكره, وله تعلق بحظوظ العبد كلها.

‌ج-        التدبر لآيات القران الكريم تطبيقاً لقول الله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب ﴾(4).

‌د-        بيان المواطن الي يتأكد فيها طلب التوكل على الله تعالى.

‌ه-        بيان عوائق ومفسدات التوكل, حتى يحذرها من يريد تحقيق التوكل على الله تعالى0


المنهج في البحث

 

1-  جمعت فيه بين المنهج الإستقرائي في جمع الآيات والأقوال ودراستها, وبين المنهج الإستنباطي لاستنباط المفاهيم المتعلقة بمطالب البحث او إستخراج الرأي الراجح عند الاختلاف,

2-     جمعت الآيات القرآنية المتعلقة بالتوكل ودرستها .

3-     عزوت الآيات إلى سورها وأرقامها .

4-     ذكرت عن الحاجة الأحاديث المتعلقة بالموضوع لتوضيح المعاني المراده من مطالب البحث.

5-     خرجت الأحاديث النبوية الواردة في البحث من مصادرها الأصلية غالباً, كما نقلت الحكم على بعضها.

6-     نسبت الأقوال إلى أصحابها من مصادرها الأصلية غالباً .

7-     ربطت أغلب مباحث ومطالب الموضوع بآيات القرآن الكريم.

8-     ترجمت للأعلام الواردة أسماؤهم في المتن دون الحواشي, وأحلت على مراجع الترجمة .

9-     وضعت فهارس لموضوعات البحث ليسهل الرجوع إليها .


خطة البحث

  يشتمل البحث على مقدمة, وثلاثة فصول, وخاتمة وفق الخطة الآتية:

الفصل الأول: تعريف التوكل, والوكيل ومعانيه، وفيه مبحثان:

المبحث الأول:  تعريف التوكل لغةً, وشرعاً، وفيه مطلبان :

المطلب الأول : تعريف التوكل لغة .

المطلب الثاني : تعريف التوكل شرعاً .

المبحث الثاني: الوكيل, ومعانيه، وفيه مطلبان :

المطلب الأول : الوكيل من أسماء الله الحسنى.

المطلب الثاني : معنى الوكيل.

الفصل الثاني: أهمية التوكل, وعلاقته بالأسباب، وفيه مبحثان :

المبحث الأول : أهمية التوكل, وحكمه, والأمر به في شرائع الأنبياء، وفيه أربعة مطالب :

المطلب الأول: أهمية التوكل.

المطلب الثاني: فضل التوكل.

المطلب الثالث: حكم التوكل.

المطلب الرابع: الأمر به في شرائع الأنبياء.

المبحث الثاني: العلاقة بين التوكل والأسباب، وفية ثلاثة مطالب :

المطلب الأول: الخلاف في مسألة العلاقة بين التوكل والأخذ بالأسباب.

المطلب الثاني: التحقيق في مسألة العلاقة بين التوكل والأخذ بالأسباب, وبيان محل النزاع فيها.

المطلب الثالث: التوكل وبعض الأسباب الملازمة للإنسان في حياته اليومية .

الفصل الثالث: أنواع التوكل, وثماره، وفيه مبحثان:

المبحث الأول: أنواع التوكل, ومتعلقاته، وفيه أربعة مطالب :

المطلب الأول: أنواع التوكل, ومراتب ودرجات التوكل على الله .

المطلب الثاني: مواطن التوكل.

المطلب الثالث: أسباب تقوية عقيدة التوكل.

المطلب الرابع:  عوائق التوكل.

المبحث الثاني: ثمار وآثار التوكل, ونماذج من المتوكلين، وفيه مطلبان:

المطلب الأول: ثمار وآثار التوكل.

المطلب الثاني: نماذج من المتوكلين على رب العالمين. الفهارس


الخاتمة

 

          وفي ختام هذا البحث فإني أحمد الله عز وجل, وأتوكل عليه وأثني عليه الخير كله ـ وهو أهل الثناء والحمد والتوكل ـ على ما أعان من إكمال هذا البحث ويسر, ثم أصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد بن عبد الله سيد المتوكلين  على رب العالمين فصلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم نلقاه على الحوض يوم الدين وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وبعد:

          فهذه رسالة تناولت فيها موضوعا من أهم المواضيع التي تحدث عنها القرآن, وهو موضوع له تعلق كبير بعلاقة العبد بربه, وهو من أهم وأدق أعمال القلوب, وهو ( التوكل على الله تعالى ) وبعد أن طوفنا مع هذا البحث يطيب لي في آخر هذه الرسالة أن أختم بخلاصة تبين أهم ما توصلت إليه من النتائج والتوصيات على النحو الآتي:


أهم نتائج البحث

 

1)  التوكل على الله تعالى واجب من الواجبات العينية التي أمر الله عباده بها, وهو عبادة جليلة تقرب العبد من ربه, وينال بها محبته ورضاه وتوفيقه.

2)  توصلت إلى إدراك معنى التوكل على الله وأنه الاعتماد عليه وتفويض الأمور إليه والرضا عنه والثقة به مع الأخذ بالأسباب المقدرة شرعاً وقدراً.

3)  الوكيل من أسماء الله الحسنى ويتضمن الوكالة الحقيقة التي لا تنبغي أن تكون إلا لله عز وجل فهو سبحانه المستحق لهذا الاسم الجليل وحده.

4)    اسم الله الوكيل يجمع في معناه عددا آخر من أسماء الله تعالى؛ لأن جميعها أسماء لله تعالى لذا يتضمن بعضها معنى البعض الآخر.

5)  توصلت إلى أن كثرة اهتمام القرآن بالتوكل والحديث عنه كان سبب تقدم منزلة ومقام التوكل والمتوكلين على غيرها من منازل السير إلى رب العالمين.

6)  التوكل على الله تعالى جزء لا يتبعض وصفة ثابتة لا تتغير ؛ لذا فهو مأمور به في شرائع الأنبياء التي سبقت وفي شريعة الإسلام الخاتمة.

7)  توصلت إلى أن التوكل أنواع الواجب منه هو التوكل على الله تعالى, وأهله فيه على مراتب ودرجات, وما عداه فتوكل باطل لا يجوز.

8)  التوكل كالإيمان من متعلقات القلب يزيد وينقص فهناك أسباب تساعد على زيادته وتقويتة كالتفكر في الأسماء الحسنى, والإيمان بالله, والاطلاع على سير المتوكلين وغيرها, كما أن هناك عوائق تنقصه أو تفسده كالركون إلى الأسباب, والغرور والإعجاب بالنفس, وغيرها .

9)  التوكل عبادة مطلوبة في كل زمان وحال, إلا أنه في مواطن يتأكد فيها حضوره ليحقق ثمرته، منها: عند الخوف من كمر الأعداء, وعند خشية بأس الشيطان, وفي ساحات الجهاد, وعند طلب النصر والفرج, إلى آخر ما ذكرت في البحث0

10)   الناس في فهم العلاقة بين التوكل والأخذ بالسبب أصناف وأقسام , فمن تارك للسبب بالكلية بحجة التوكل، إلى تارك للتوكل بالكلية ، معتمدا على الأسباب, وكمال التوكل وحقيقته يكمن في الجمع بين التوكل و مباشرة السبب.

11)  توصلت إلى  أن الأسباب التي يعملها الإنسان في حياته اليومية كالتداوي وطلب الرزق لا تنافي التوكل على الله تعالى ولا تقدح فيه؛ إذا باشرها الإنسان دون الركون إليها، وإنما معتمداً على الله تعالى ومعتقدا أنه وحده الذي بيده النفع والضر .

12)  الناس الذين بلغوا القمم العالية في التوكل كثر لا يعلمهم إلا الذي توكلوا عليه, مما دلني على أن التوكل عبادة في استطاعة الإنسان تحقيقها, وبلوغ أعلى مراتبها.

13)  ازددت يقينا من خلال البحث بصلاحية القرآن, وشمول علمه, وحله لمعضلات المشاكل الاعتقادية القلبية, والعمليه, وما يطرأ في واقع الإنسان من جديد المشاكل.

14)  التوكل سبيل كل خير وفلاح في الدنيا والأخرى, وهو حصن منيع من كيد الأعداء من شياطين الإنس والجن, وهو آلة النصر والغلبة, و سبب من أسباب حصول الرزق, والقوة والشجاعة, تفريج الكروب, ودخول الجنة.


التوصيات

 

  أهم ما أوصي به مما يتعلق بخدمة البحث ما يلي:

1)  التذكير الدائم بهذه العبادة بكل وسائل التبليغ كالخطب, المحاضرات, والدروس, والإذاعة , والتلفاز, والصحافة, والإنترنت وغير ذلك؛ لأهميتها, وحاجة الناس إليها لا سيما في هذا الزمان الذي تعلقت فيه النفوس بالماديات.

2)     ضرورة استيفاء البحث في المسائل الدقيقة الغامضة في موضوع التوكل, والتي لها علاقة كبيرة جدا بمواضيع الاعتقاد والتزكية.

3)  ضرورة استيفاء البحث في الوسائل العملية التي تعين على تحقيق العبادات القلبية كالتوكل وغيره, واهتمام الدعاة وأهل العلم بها, وتربية الأمة عليها.

4)  أوصي الباحثين وطلبة العلم بمزيد من التأمل والتدبر والاطلاع والبحث  في كتاب الله تعالى, والوقوف على معانيه وعجائبه, وأسراره .

هذه أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها من خلال بحثي, وإن كنت أطمح إلى أفضل من ذلك وأكمل, وكنه جهد البشر يعتريه النقص والتقصير, ويأبى الله الكمال إلا لنفسه, ولكتابه, والعصمة إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم, وملائكته.

وكما بدأت أختم فأقول تيمناً:

﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(5).


(1) [الحشر:من الآية7].

(2) [الحجر:9].

(3) [ النساء:28].

(4)  [ص :29].

(5) [الصافات:180-182].