بسم الله
الرحمن الرحيم
الجمهورية اليمنية
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جامعة الإيمان
عمادة
الدراسات العليا والبحث العلمي
أحكام الإفلاس في الفقه الإسلامي
والقانون اليمني
دراسة مقارنة
بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير
إعداد الطالب: أحمد محمد
صالح يحي الخضمي
إشراف الدكتور: صالح بن
أحمد الوعيل
كلمة شكر وعرفان
أقدم شكري
واعترافي بتقصيري أولاً لله عز وجل الذي منّ عليّ بجميع النعم، وإن كان من شكر
لأحد من خلقه، فإنه موصول بشكره سبحانه وتعالى لما عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم: (من لا
يشكر الناس لا يشكر الله)(1).
فأتقدم بشكري الجزيل، وتقديري الذي ليس له عندي مثيل، إلى كل من تعاون معي بالكثير
أو القليل، في إنجاح هذا البحث المتواضع الذي أرجو أن يدخلني الله به سواء السبيل،
وأخص بالذكر شيخي الفاضل، شيخ جامعة الإيمان رئيسها ومؤسسها الشيخ/ عبد المجيد بن
عزيز الزنداني ـ حفظه الله ورعاه ـ ثم لا يفوتني في هذا المقام أن أتقدم بأسمى
آيات الشكر والعرفان، وأعظم الاعتراف والامتنان لشيخي الكريم الدكتور/ صالح بن
أحمد الوعيل المشرف على هذه الرسالة ورئيس لجنة مناقشتها، الذي ما بخل عليّ بوقته
وملاحظاته وتصويبه وتسديده لما أقوم به، وأقدم شكري وتقديري أيضاً لعضوي لجنة
المناقشة الدكتور أمين علي مقبل – مناقشاً عضواً، والدكتور/ أحميد فرحان العفيف –
مناقشاً عضواً في هذه الرسالة، والذين تجشما عناء القراءة، والمجيء لتقويم ما أعددته
في هذا البحث الماثل بين يدي العدالة للحكم عليه؛ لأستفيد مما يظهر للجنة من
الاستدراك عليه، كما أشكر الوالد الفاضل: الدكتور/ محمد عبد العزيز فرحان الحميري
الذي أبى إلا أن ينزلني منزلة أبنائه، فما ضن علي بالنصح والإرشاد وتقوية عزيمتي،
وشحذ همتي كل ما التقيت به، فجزاه الله عني خيراً. وإن لمن كان له نصيب الأسد في
دعم إبراز هذا الموضوع إلى حيز الوجود مادياً ومعنوياً مكانة خاصة في قلبي، ومنزلة
كبيرة يستحيل طمسها من ذاكرتي، ومعروفاً عظيماً لا أنساه ما بقي من عمري، إنهما
أخواني الأكبر الشيخ/ محمد بن محمد صالح، والأصغر الأستاذ/ داود محمد صالح،
فأشكرهما كثيراً، وأكنز صنيعهما في رصيد الأخوة أبداً، وأشكر كل من حضر، أو دعا
فقد ساهم وعبر، وأطلب من كل إخواني الدعاء بأن يفصح الله لساني ويوضح بياني أكثر
وأكثر، وأن يرزقني الإخلاص لأنتفع به يوم المحشر، والله المستعان وعليه التكلان
وهو حسبنا ونعم النصير.
المقدمة
الحمد الله
الذي بنعمته تتم الصالحات، الصلاة والسلام على سيدنا محمد خير البريات، وعلى آلة
وصحبه وسلم تسليماً كثيراً في كل الأوقات، وفي كل ما مضى وما هو آت، في أرجاء
الأرض وفي السماوات.
أما بعد:
جرت العادة أن بعض الباحثين يكتبون في مواضيع مستقلة للاستفادة منها، لكن لا
يهتمون بواقع الأمة، ولا يتلمسون المشاكل التي تجر وراءها الويلات، وتحمل في
طياتها الضغائن التي تعقبها النكبات، وخاصة ما يتعلق بجانب المعاملات في الأمور
وسائر التجارب، إذا أننا في زمان جربت فيه الذمم، وضعفت فيه لدى بعض الناس الأخلاق
والقيم، وضاعت فيه الحقوق، وكثر فيه العقوق، كما قال الشاعر:
|
عفاءً على هذا الزمان فإنه |
زمان عقوق لا زمان حقوق |
ونحن هنا
تجنباُ للتكرار غير المفيد، وسعياً وراء كل ما تنتجه المماحكات السياسية
والاقتصادية في الأزمات في جديد، ومشاركته منا في إبداء بعض الحلول بالقول السديد،
أثرت أن يكون موضوع بحثي في مهمات مسائل باب الإفلاس والحجر على المفلس للغرماء،
وأسميته:
"أحكام الإفلاس
في الفقه الإسلامي والقانون اليمني"
ولا يعبر
هذا البحث عن موضوع الحجر على المفلس للغرماء بأكمله، إذ أنه باب طويل قد أنهاه
بعضهم إلى نحو سبعين صورة، بل قال الأذرعي: "هذا باب واسع لا تنحصر أفراد
مسائله"(2).
ولما يمكن أن يثمره هذا البحث من مساهمة جدية على أرض الواقع، فقد ربطنا المادة
الفقهية بالمواد القانونية اليمينية.
أهمية البحث وأسباب
اختياره
إن الله عز
وجل قد نظم للإنسان حياته الكريمة عن طريق الشرع الحنيف؛ ليعشي مع بني جنسه عيشة
هنيئة في حالة الشدة والرخاء، وفي حالة السراء والضراء، وفي حالة يساره وإعساره،
وبما يكفل للأمة حفظ حقوقها العامة والخاصة على السواء، فقد شرع الله أحكاماً
تُصان لها الحقوق وتُضمن بها الملكيات، ومنها أحكام الإفلاس في الفقه الإسلامي،
وقد تعمدت اختيار هذا الموضوع وقدمته على غيره للأمور الآتية:
أن بعض الشخصيات
الطبيعية "كالإنسان" والاعتبارية" كالشركات" تفلس وتظل قائمة
والحالة هذه، فيتعامل معها الآخرون بحسن نية وليس لديهم علم بأحكام الإفلاس وآثاره
وما يترتب عليه.
أن حقوق بعض الدائنين تضيع لدى المدينين
"المفلسين" أما لجهل بعضهم بأحكام الإفلاس الفقهية، أو لعدم علمهم
بالإجراءات القانونية الخاصة بموضوع الإفلاس وأردفتها بالمسائل الفقهية.
أن موضوع الإفلاس وما
يتعلق به من مواضيع المعاملات المتعلقة بذمم الناس وحقوقهم المبنية على المشاحة،
لذا كان من المهم جداً إبراز هذا الموضوع ي بحث مستقل لتسهيل الاستفادة من مسائله
عند الحاجة إليها.
منهج البحث
يتمثل منهجي في هذا البحث فيما يلي:
جمع ما
يتعلق بالموضوع من الناحيتين الفقهية والقانونية قدر المستطاع.
الرجوع على
مصادر وأمهات الفقه الإسلامي وعزو كلا الفقهاء إلى تلك المصادر برقم الجزء
والصفحة.
الرجوع إلى
نصوص القانون التجاري كون نصوصه خاصة بتنظيم أحكام المعاملات التجارية، والقانون
المدني كونه يتضمن الأحكام العامة في المعاملات، والمراجع فيما لم يرد به نص في
القانون الخاص، وكذا الاستعانة ببعض شروح القانون المتعلقة بالموضوع، ولا أتعرض
لشرح هذه المواد القانونية إلا فيما تدعو إليه الحاجة.
ذكرت في
مسائل الموضوع مذاهب الفقهاء، وألتزم في ذلك الترتيب الزمني لأصحاب المذاهب
الأربعة وغيرهم، ولا أتعصب لأي مذهب وإنما أذكر أراء الفقهاء في المسألة بالتفصيل،
وإن كان يوجد في هذه الطريقة شيء من تكرار ما عند المذهب الأول بذكره في المذهب
الآخر، إلا أن فيها فائدة عليمة من ناجية بيان كل ما قاله كل مذهب في المسـألة على
حدة؛ لينتفع بذلك القارئ وتعم الفائدة، وقد "سبق السيف العذل" بأن تقدمت
بالخطة بما يوافق هذه الطريقة.
خرجت الأحاديث المتعلقة بالموضوع، فإن كان
الحديث في الصحيحين اكتفيت بهما، أو بأحدهما إن كان في واحد منهما فقط، وإن كان في
غيرهما تتبعت من خرجه قدر الإمكان.
ترجمت لبعض الأعلام من غير المشهورين كالصحابة
وأئمة المذاهب وتلاميذهم وأئمة الحديث واللغة الذين ذاع صيتهم واستفاضت شهرتهم.
وضعت الفهارس للآيات القرآنية، والأحاديث
النبوية، والأعلام، والأشعار،والأمثال العربية والمصادر والمراجع ثم فهارس موضوعات
البحث.
خطة البحث
يتكون
البحث من مقدمة، وفصلين، ثم الخاتمة والفهارس على ما هو مبين في التقسيم الآتي:
المقدمة:
وذكرت فيها أهمية البحث وأسباب اختياري له، ومنهج البحث، ثم تقسيمات هذا البحث.
الفصل
الأول: أحوال المدين قبل الحجر عليه الحكم بإفلاسه وفيه مبحثان:
المبحث
الأول: التعاريف والأدلة، وفيه خمسة مطالب:
المطلب
الأول: تعريف الإفلاس لغة واصطلاحاً.
المطلب
الثاني: تعريف الحجر لغة واصطلاحاً.
المطلب
الثالث: أدلة الحجر على المفلس من السنة وفعل الخلفاء.
المطلب
الرابع: الحكمة من الحجر على المفلس.
المطلب
الخامس: الفرق بين الإعسار والإفلاس.
المبحث
الثاني: حكم الحجر على المفلس شرائطه وطرق إثباتهن ويحتوي على خمسة مطالب:
المطلب
الأول: حكم الحجر على المفلس وشرائطه.
المطلب
الثاني: طرق إثبات الإفلاس.
المطلب
الثالث: توقف الحجر على المدين على قضاء القاضي.
المطلب
الرابع: تصرفات المفلس قبل الحكم عليه بإفلاسه.
المطلب
الخامس: سفر المدين المفلس.
الفصل
الثاني: أحوال المدين بعد الحجر عليه والحكم بإفلاسه. فيه مبحثان:
المبحث
الأول: أثر الحكم على المدين بإفلاسه والحجر عليه، وفيه أربعة مطالب:
المطلب
الأول: منع المفلس من التصرف في ماله.
المطلب
الثاني: حلول الديون المؤجلة على المفلس أو عدم حلولها.
المطلب
الثالث: بيع مال المفلس وقسمة ثمنه بين الدائنين بالمحاصة.
المطلب
الرابع: الملازمة والحبس الاحتياطي للمدين.
المبحث
الثاني: حكم رجوع صاحب المتاع إلى المال على المفلس، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: استرداد الدائن عين ماله الذي وجده في
مال المدين المفلس.
المطلب
الثاني: شروط الرجوع في المبيع على المفلس.
المطلب
الثالث: أمور تتعلق برجوع صاحب المتاع أو المال على المفلس.
الخاتمة:
وقد بينت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث.
الفهارس
العامة.
خاتمة البحث
نستخلص مما
أقدمنا، في البحث عن أحكام الإفلاس في الفقه الإسلامي والقانون اليمني أهم النتائج
الآتية:
أن الحجر
على المفلس ثابت بصريح السنة وفعل الخلفاء، وأن الحكمة في ذلك هي الحفاظ على حقوق
الآخرين لئلا تضيع.
أن حجر على
المفلس لا يكون إلا بقضاء القاضي، وأن يثبت بالوسائل الشرعية والقانونية أن المدين
قد أفلس فعلاً، فحينئذ يمنع من التصرف في ماله في كل ما يضر بالغرماء الدائنين له.
أن على
الحاكم بعد صدور الحكم على المدين بإفلاسه أن يقوم ببيع ماله، وقسمة ثمنه بين
الدائنين بالمحاصة، وأن الديون المؤجلة لا تحل شرعاً، بل تبقى في ذمة المفلس حتى
يحل أجلها، فإذا حل أجلها قبل أن يقسم الحاكم المال دخل أصحابها في المحاصة مع
الغرماء.
أن من وجد
ماله بعينه في مال المفلس فهو أحق به لتظافر النصوص النبوية في ذلك، وأن الرجوع
على الفور لا على التراخي، وفي ما أحدثه المفلس في السلعة من تغيير تفصيل للعلماء.
أن حبس
المدين الذي ثبت إفلاسه جائز إذا امتنع عن الوفاء بما عليه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1) سنن الترمذي 4/339 ، برقم 1954
، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(2) - أسني المطالب شرح روض الطالب 2/205.