بسم الله الرحمن الرحيم
الجمهورية اليمنية
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جامعة الإيمان
أحكام
تحية الإسلام وآدابها
في
الشريعة الإسلامية
بحث تكميلي
مقدم لنيل درجة الماجستير
إعداد : برهان عبد الله
سالم حسن الشعيبي
إشراف الدكتور : عبد الحق بن عبد الدائم القاضي
1425هـ –
المقدمة :
إن الحمد لله ، نحمده، ونستعينه، ونستغفره،
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل
فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى وآله صحبه وسلم.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 102] .
وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ
وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً
وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾[النساء:1].
وقال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾[الأحزاب:70-71].
أما بعد :
فإنه التحية بين الناس تشريع قديم لا سيما تحية
الإسلام، حيث شرعها الله عزوجل لأبينا آدم عليه السلام، وهي من الأمور التي بدلها
الإسلام عما كانت عليه في الجاهلية، ففي إبان الجاهلية كان أحدهم إذا التقى بصاحبه
في الصباح يقول له: (أنعم صباحاً)، وإذا التقى به في المساء يقول له: (أنعم مساء)،
ولكي نعي قيمة التحية الإسلامية، لابد أن نعرف أنها هي ذاتها تحية أهل الجنة، كما
قال الله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا
سَلامٌ﴾[يونس:10] ، ولذلك حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم في
أكثر من حديث؛ لأنها من أكمل التحيات لفظاً ومعنى، كما أ،ها من أهم عوامل الروابط
الاجتماعية التي تدل على تواضع المسلم ونيل أخلاقه، مع ما فيها من الدلالة على
نزاهة القلوب من الحسد والحقد والبغض والكبر والاحتقار، وحسبك في ذلك أنها من
السنن التي حافظ عليها الأنبياء، فهي من طبع كل تقي، وديدن كل صفي، ومن هذه
الزاوية نلمس عن قرب كم هو الإسلام دقيق في شؤونه، وسترى عجباً عجاباً من الأحكام
والآداب والفوائد والدرر في أبسط شعائره، إنها كلمة مركبة من أحرف معدودة، اهتم
بها الإسلام أيما اهتمام، وما هذا إلا دليل صدق على ما تحظى به الشريعة الإسلامية
من الدقة والشمولية لعموم شؤون الحياة.
ولما كانت تحية الإسلام من الأهمية بمكان وقع
اختياري عليها؛ لتكون موضوع دراستي في هذه الرسالة البسيطة، والتي أسال الله عزوجل
أن ينفع بها كل مسلم، وأن يكتب فيها الأجر والثواب لي، ولوالدي، ولجميع المسلمين،
كما أسأله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد في القول والعمل، آمين، وقد وسمتها
بـ(أحكام تحية الإسلام وآدابها في الشريعة الإسلامية) ، والله ولي التوفيق.
أسباب اختيار الموضوع
:
أولاً : عموم هذه الشعيرة بين المسلمين ،
وتقديم الانشغال بالأمر العام أولى من تقديم الانشغال بالأمر الخاص؛ لتعلقه بكل
فرد من أفراد الأمة.
ثانياً: تحية الإسلام شرعت لأغراض نبيلة ومقاصد
عظيمة، منها تقوية الروابط الاجتماعية، وزرع المحبة في نفوس الناس، ونشر الأمان في
أوساط المجتمعات الإسلامية، وما كان كذلك فالاهتمام به من أهم المهمات وأوجب
الواجبات، لا لأنه جزئية من جزئيات الآداب العامة، وإنما لما تحققه من المقاصد
الشرعية الكبرى.
ثالثاً : لم أقف حسب علمي واطلاعي على بحث مستقل
يجمع شتات الموضوع على الوجه المطلوب ليستفيد منه عامة الناس، بل الذي وقفت عليه
بعد التتبع والاستقراء عبارة عن رسائل وأبحاث قاصرة على بعض جزئيات الموضوع، وغاية
ما فيها هو التعريف ببعض أحكام السلام، أو التعريف بالمشهور منه، ولا يعني هذا نبذ
ما بسطه السلف – عليهم رحمة الله تعالى – لمسائل السلام في كتبهم، بل لهم الفضل
الكبير بعد الله عزوجل في تقريب المعاني، وجمع بعض الشتات، في أبواب خاصة من كتبهم
الحديثية والفقهية.
رابعاً : الرغبة الذاتية في جمع المتفرق من
كلام أهل العلم وجزئيات الموضوع؛ ليكتمل العلم به على الوجه الصحيح لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي
السِّلْمِ كَافَّةً﴾[البقرة:208] ، أي اعملوا بكل شرائع
الإسلام، ويدخل في هذا المعنى دخولاً أولياً الإلمام بجميع نصوص الكتاب والسنة
والآثار .
خطة البحث:
الفصل الأول : تعريف تحية
الإسلام، وبيان معناها ، وحكم مشروعيتها ، وفيه خمسه مباحث :
المبحث الأول : تعريف السلام والتحية لغة وشرعاً ، وفيه ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : تعريف التحية لغةً .
المطلب الثاني : تعريف السلام لغةً .
المطلب الثالث : المعني الشرعي للسلام .
المبحث الثاني : صيغة السلام في القرآن الكريم ،
فيه ستة مطالب :
المطلب الأول : معني السلام الذي تسمى الله به
.
المطلب الثاني : صيغة سلام الله على عبادة
الصالحين في كتابة العزيز .
المطلب الثالث : إشكال وجوابه على سلام الله
على عباده الصالحين :
المطلب الرابع : سر التعريف التنكير في قصتي
يحيى والمسيح عليهما السلام، وتقييد السلام عليهم بالأوقات الثلاثة .
المطلب الخامس : السلام في الدار الآخرة .
المطلب السادس : معنى السلام الذي أضيفت إليه
الجنة .
المبحث الثالث : صيغة السلام في السنة والآثار،
وفيه ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : صيغة السلام المشتهرة عند
الفقهاء والمحدثين ،
المطلب الثاني : الزيادة على الصيغة المشهورة .
المطلب الثالث : ما يجوز وما لا يجوز في الصيغة
ابتداًء ورداً .
المبحث الرابع : المعنى الموضوعية له صيغة
السلام :
الفصل الثاني : أحكام
السلام باعتبار المسلم عليه، وآدابه ، وفيه أربعة مباحث :
المبحث الأول : السلام المتفق على مشروعيته
باعتبار المسلم عليه ، وفيه خمسه مطالب :
المطلب الأول : السلام على النبي صلى الله عليه
وسلم .
المطلب الثاني : السلام على أهل القبور .
المطلب الثالث : السلام على الغائب .
المطلب الرابع : السلام على الصبيان .
المطلب الخامس :سلام الداخل داراً ونحوه .
المبحث الثاني :السلام المختلف في مشروعية
باعتبار المسلم عليه ، وفيه خمسه مطالب :
المطلب الأول : سلام الرجال على النساء والعكس
.
المطلب الثاني : السلام على المصلي .
المطلب الثالث : السلام على سامع خطبة الجمعة
ابتداءً ورداً .
المطلب الرابع : السلام على قارئ القرآن ومن في
معناه .
المطلب الخامس : السلام على قاضي الحاجة ومن في
معناه .
المبحث الثالث : ترك السلام على أهل المعاصي
والبدع .
المبحث الرابع : السلام على الكفار .
المبحث الخامس : آداب السلام، وحكمه، وفوائده،
فيه مطلبان:
المطلب الأول : آداب السلام وحكمه.
المطلب الثاني : فوائد السلام .
الخاتمة :
وفي الختام هذت البحث فإني أحمد الله عز وجل ـ
وهو أهل الثناء والحمد ـ على ما أعان من إكمال هذا البحث ويسر، ثم أصلي وأسلم على
عبده ورسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي أدبه ربه بأحسن الآداب
وأكملها كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله
أدبني فأحسن تأديبي، ثم أمرني بمكارم الأخلاق )(1).
وبعد : فهذه رسالة تناولت فيها أحكام تحية
الإسلام وآدابها، ويطيب لي في آخرها أن أختمها بخلاصة تبين أهم ما توصلت إليه من
النتائج والتوصيات على النحو الآتي :
أولاً : أهم نتائج البحث :
1-
تحية الإسلام دقيقة جداً من جهة اللفظ،
ومن جهة المعنى، ومن جهة الأحكام والآداب، فأما من جهة اللفظ فهي سلسلة الأداء غير
معقدة، لأن مادتها بسيطة التركيب مع سلامة حروفها عن التكلف، فهي بطبيعة لفظها
يألفها السامع ويرغب في سماعها، وأما من جهة المعنى فهي ذات معان واسعة، لأنها
تتضمن الدعوة إلى الخير كله، فهي سلام، ودعوتها سلام، ومعناها سلام، فاتفقت لفظاً
ومعنى وتركيباً، وأما من جهة الأحكام والآداب فهي عامة للصغير والكبير مع دقة
مراعاة الأدب في كل بحسبه، ومما يدل على دقتها كثرة النصوص الردة فيها؛ لكثرة
متعلقاتها ابتداء ورداً، وهذا في حد ذاته دليل على أهميتها ومكانتها من بين
المسائل الشرعية الأخرى.
2-
توصلت إلى إدراك معنى سلام الله تعالى
على عباده الصالحين في الدنيا والآخرة، وأن السلام اسم من أسمائه الحسنى المتضمن
الدال على سلامته المطلقة التي لا تحد بزمان أو مكان؛ لأنها لا منتهى لها ، فهي
سلامة مطلقة لائقة به من كل وجه.
3-
حكم الابتداء بتحية الإسلام أفضل من
الوجوب، مع أن الابتداء سنة، والجواب واجب، وتبرير كون الابتداء أفضل لأنه سبب
لوجوب الرد، والسبب مقدم على مسببه مطلقاً؛ فهو كالوسيلة التي لا يمكن أن يتوصل
إلى الغاية إلا بها .
4-
جواز الزيادة على لفظ البركة في الرد
دون الابتداء؛ لصحة الأدلة. وعمل الصحابة على وفق ذلك، مع عدم حصة ما يقطع بالمنع
من الزيادة .
5-
السلام كالكلام في ترتيب الأحكام
المتعلقة في باب الأيمان والنذور ورفع الهجران ونحو ذلك، إذا كان قاصداً مخاطبته
بالسلام ، أو عالماً به ولم ينو إخراجه .
6-
أكثر أحكام مسائل تحية الإسلام
وتفريعاتها مختلف فيها، وسبب الخلاف يختلف من مسألة لأخرى، ومرجعه في الغالب إلى
أحد الأسباب الآتية :
أ ـ تعارض الأدلة،
الخاص والعام ، والمطلق والمقيد، ونحو ذلك .
ب ـ اختلافهم في فهم
النص ومفهومه .
ج ـ اختلافهم في ثبوت
الدليل وعدمه ، وما وصل لبعضهم من الأدلة لم يصل للبعض الآخر.
د ـ العمل بظاهر النص
دون النظر إلى المآل .
هـ- اختلافهم في العمل
بقاعدة سد الذرائع .
و ـ اختلافهم في علة
الحك ، وصحة القياس .
ومع ذلك فإن الحق فيها
ظاهر لمن وفقه الله تعالى فيها لمعرفة صحة الدليل من ضعفه، مع حسن النظر، ودقة
الاستنباط، وتحرير محل النزاع .
7-
ازددت يقيناً من خلال البحث بصلاحية الشريعة
الإسلامية، وكمال منهجها ، وأنها شريعة خالدة صالحة لكل زمان ومكان، فقد اتسمت
مادتها الفقهية بالثراء والوفاء بجميع متطلبات الحياة .
التوصيات:
أهم ما أوصي بما يتعلق بخدمة البحث ما يلي :
1-
ضرورة استيفاء ما يصاحب تحية الإسلام
كالمصافحة ، والمعانقة ، والتقبيل، والقيام، والانحناء، ونحو ذلك من المسائل التي
يمكن أن تصاحب السلام، فهي جديرة بأن يفرد لها رسالة مستقلة.
2-
وأوصي أيضاً بربط البحث بما يتعلق
بالهدنة أو بما يعرف اليوم بـ(السلام العالمي) لما له من تعلق قوي بالمعنى الشرعي
لتحية الإسلام ، ولولا خشية الإطالة لاستوفيت ما أوصيت به ، والله المستعان .
هذه أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال بحثي
فما كان صواباً فمن الله وله الحمد والمنة وحده لا شريك له ، وما كان خطأً فمني
ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان.
اللهم انفعني بهذا البحث في الدارين، واجعل عملي فيه خالصاً لوجهك الكريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
(1) - قال
أحمد بن على الكناني :العسكري في الأمثال في أول حديث وسنده غريب ،وقد سئل عنه بعض
الأئمة فأنكر وجوده .
انظر:
الإمتاع بالأربعين المتباينة 1/97، دار الكتب العلمية ـ بيروت، ط/الأولى، سنة
النشر:1997م،تحقيق أبي عبد الله محمد بن حسن الشافعي .وقال والزركشي :حديث أدبني
ربي فأحسن تأديتي معناه صحيح؛ لكنه لم يأت من طريق صحيح .أنظر فيض القدير الفتاوى
1/225 ،وقال ابن تيميه :معناه صحيح، ولكن لا يعرف له إسناد ثابث . وأيده والسخاوي
والسيوطي .أنظر في ذلك كشف الخفاء 1/72 وسلسة الأحاديث الضعيفة للألباني 1/برقم
72.