الجمهورية اليمنية
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جامعة الإيمان
بحث تكميلي
مقدم لنيل درجة الماجستير
المقدمة
:
الحمد لله
رب العالمين نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من
يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله غلا الله وحده لا له،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات
إلى النور، فأحيا الله به
قلوباً غلفاً، وآذاناً صماً، وأعيناً عمياً، فتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا
يزيغ عنها إلا هالك، صلى لاله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً كثيراً .
أما بعد :
فإن الله
جل وعلا خلق الإنسان واستعمره في الأرض وأنزله إليه الهدى فمن عمل به أفلح ونجا ومن أعرض عنه خاب وهوى .
قال الله جل وعلا : ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا
جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ
رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ
آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾
[طه123-126]. وهذا الهدى الرباني الذي أنزله الله تعالى هو المنهج الإسلامي الذي
ارتضاه الله للبشرية جمعاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ
الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾[آل
عمران:19] . وأقره سبحانه وتعالى للعالمين جميعاً لما فيه صلاح دينهم ودنياهم، قال
تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك:14]. وتوعد المخالفين له
والمعرضين عنه بعدم القبول، والخسران يوم الدين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ
دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[آل
عمران:85] .
والفقه
الإسلام باب واسع من هذا المنهج العظيم، كيف لا؟ وهو فقه يستوعب الحياة الإنسانية
كلها، فهو يشمل علاقة الإنسان بربه سبحانه وتعالى في عقيدته وعبادته، وعلاقة
الإنسان بمجتمعه في معاملته وأخلاقه، ثم علاقة الإنسان المسلم مع غيره من
المجتمعات والطوائف والملل والأديان، وفي الفقه الإسلامي باب واسع يعنى بهذا
الجانب ونظام عظيم يرتب أولياته، ذلك هو النظام السياسي في الإسلام.
وهذا
النظام هو الذي يعنى بهذا الأمر، وينظم علاقة المسلم بغيره، وعلاقة المجتمع بغيره
من المجتمعات، بما تمثله هذه العلاقة من: محاورة، أو دعوة، أو جدال، أو قتال ، أو
سلم ، أو هدنة، كل ذلك يخضع لمصلحة معينة للإسلام والمسلمين، وللحكم الشرعي المناسب
لتلك المرحلة، وموضوع (الهدنة) هو موضوع هذا البحث لما له من أهمية بالغة في الفقه
الإسلامي، وفي هذا الجزء منه (النظام السياسي) فنسأل الله تعالى التوفيق والسداد .
سبب اختيار
الموضوع :
1-
ما أفرزه الواقع المعاصر من جدل واسع
حول مشروعية هذا الموضوع من عدمها .
2-
قلة طرح الموضوع أو طرقه بهذه الصورة
المستقلة.
3-
الأهمية البالغة
التي يكتسبها الموضوع في زمن أحاط أعداء الإسلام بالمسلمين على قوة منهم وضعف من
المسلمين، فغزوا أراضيهم واستباحوا دماءهم ونهبوا ثرواتهم، في زمن أخذ أعداؤنا
بأسباب العلم فسادوا، وتخلف المسلمون فهانوا.
في مثل هذه
الظروف يبرز سؤال مهم حول المهادنة مع الأعداء وحكمها وضوابطها، وهل التطبيع –
مثلاً – مع اليهود هدنة؟ أو لا، وهل هو مشروع أم لا؟
وبعد
مطالعات حثيثة وجدت أن هذا الموضوع قلما بحث أو تم التطرق إليه، وإن كان ذلك فمن
زوايا بعيدة اختلفت فيها الآراء، وتعددت فيها وجهات النظر، وفي ضوء ما تيسر لي من
مطالعات وبحث لم أجد موضوع الهدنة بحث بهذه الصورة المستقلة، إلا أن يكون مندرجاً
تحت مبحث أو فصل، لا سيما في كتب الفقه عند الأقدمين،
فإنه مندرج تحت كتاب الجهاد والسير، وأما الأبحاث المعاصرة فيأتي ذكره كمرحلة من
مراحل وقف القتال . انظر مثلا : الجهاد والقتال في السياسة الشرعية : د. محمد خير
هيكل ، ومعاهدات السلام : د. محسن علي جاد ، وقانون
النزاعات الدولية : د . حازم علتم . ولذلك اردت ان ادلو
بدلوي في هذا الباب مستعينا بالله تعالى سائلا منه التوفيق والسداد .
منهجي في
البحث :
اعتمدت في
الطريق بحثي على ما يلي :
1. تتبع
أقوال أهل العلم في الموضوع .
2. تحرير
أدلتها وذكر مصادرها .
3. طرق
الموضوع في الواقع المعاصر ،مع ضرب أمثلة لذلك قدر
المستطاع .
1.
محاولة إحاطة الموضوع من كافة جوانبه .
2.
عزو الآيات إلى مصادرها .
3.
تخريج
الأحاديث ،وبيان أقوال المحققين من أهل العلم فيها .
4.
الترجمة
للأعلام ما أمكن .
5.
سائلاً
الله تعالي أن تكون ذلك إسهاماً في تبيين الحق وتوضيح المراد الله المستعان .
بعض ما
واجهني أثناء البحث :
-
قلة المراجع في ذلك .
-
كون الموضوع نوعاً من القضايا المعاصرة
التي تعددت فيها وجهات النظر فكان من الصعوبة بمكان حصر هذه الوجهات
.
-
قلة المراجع القانونية المعاصرة وصعوبة
الحصول عليها .
-
كون البحث يعتبر بداية عمل لي في هذا
المجال .
-
البعد المكاني عن المشرف على البحث .
خطة البحث :
هذا وسأقسم
الموضوع أن شاء الله تعالى إلى خمسة فصول :
الفصل الأول :حكم الهدنة ،وفيه أربعة مباحث :
المبحث الأول :في تعريفه الهدنة.
المبحث الثاني :في حكم الهدنة .
المبحث الثالث :أقوال العلماء في مشروعيتها .
المبحث الرابع :اختلاف حكم الهدنة باختلاف حال المسلمين ومصلحة
الإسلام.
الفصل الثاني :عقد الهدنة ،وفيه أربعه مباحث
المبحث الأول :من يحق له عقد الهدنة.
المبحث الثاني :شروط عقد الهدنة.
المبحث الرابع :عقد الهدنة على بدل.
الفصل الثالث :وجوب الوفاء بالعهود وحالات جواز النقض ،وفيه أربعة
مباحث :
المبحث الأول :وجوب الوفاء بالعهود .
المبحث
الثاني :متى يحق للأمام نقض الهدنة ؟
المبحث الثالث :فيما ينتقض به العهد ؟
المبحث الرابع :حكم من جاء مسلماً من المهادنين .
الفصل الرابع :آثار الهدنة ،وفيه ثلاثة مباحث :
المبحث الأول :الكف عن المهادنين .
المبحث الثاني :توفير الأمان لهم .
المبحث الثالث :إعداد العدة للوصول للاستعلاء .
الفصل الخامس :الهدنة في القوانين الوضعية ،وفيه أربعة مباحث :
المبحث الأول :تعريف الهدنة في القانون الدولي .
المبحث الثاني :أنواع الهدنة في القانون الدولي .
المبحث الثالث :هل التطبيع هدنة ؟
المبحث الرابع :هل المسلمون الآن في حاجه إلى هدنة مع أعدائهم ؟
الخاتمة
:
بعد هذا
الاستعراض لموضوع الهدنة ،وبيان أحكامها ،وحكم إبرامها
،وبيان أقوال أهل العلم في مشروعيتها
،وحكم نقضها ،والآثار المترتبة على ذلك ،وما إلى ذلك أوجز النتائج التي
انتهي إليها البحث فيما يلي :
1)
سعة
استيعاب الفقه الإسلامي لمختلف قضايا الناس ،وبيان كيفيه
التعامل معها .
2)
مرونة
الفقه الإسلامي في كثير من الإحكام التي تتمشى مع ما يطرأ على المكلفين من أحوال .
3)
جواز
عقد الهدنة مع الأعداء لمصلحة راجحة يراها ولي الأمر .
4)
ولي
أمر المسلمين هو المخول بإبرام هذه العقود مع الأعداء لاتساع رقعة الضرر الناتج عنها ،ويكون ذلك بالتشاور وتقليب وجهات النظر والمصالح
والمفاسد مع المؤسسات التشريعية كالبرلمانات وغيرها للخروج بأفضل النتائج
5)
يجب ألا يشمل عقد الهدنة على شرط فاسد ،وإلا كان باطلاً.
6)
يجوز
عقد الهدنة مع الأعداء إلى أي مدة يراها الإمام ،وهذه
المدة تابعة للمصلحة أو الضرورة فتقدر بقدرها .
7)
يجوز عند الضرورة عقد الهدنة على بدل يدفعه
المسلمون إلى عدوهم ،ويجوز ذلك على غير بدل .
8)
يجب
على المسلمين الوفاء بعهودهم ومواثيقهم ، ولو كانت مبرمة
مع الكفار .
9)
لا
يجوز للمسلمين نقض العهد مع عدوهم إلا بعد إعلامهم بذلك .
10)
يجب على ولي أمر المسلمين حماية المهادنين ،ومنع النيل منهم لكل من كان في سلطته .
11)
هناك فرق بين الهدنة مع العدو ، وهي كونها مؤقتة ، ولا تعتبر تنازلاً ، بين التطبيع
الذي هو تنازل عن الأصول ،ولا يجوز بأي حال من الأحوال .
12)
يجوز للأمة في مثل هذا الوقت الراهن
مهادنة أعداءها لعدم قدرتها على المواجهة ،لكن يجب عليها
الأعداد والاستعداد للعودة للصدارة ،والرجوع إلى الريادة
،وألا تذوب في تلك الهدنة ،وتركن إلى الدعة والاستقرار في ظل علو الكفر والكفار .
وبعد : فإنني إذا أقدم هذا البحث ، ارجوا من الله تعالي أن يخطي عنده بالقبول ، وأن ينفع به ، وحسبي أني قد اجتهدت ما استطعت ، والله من وراء القصد ،،، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .