|
معالم المدينة المنورة 1- الحرم: جاء في صحيح مسلم: (المدينة حرم) وفي رواية (إنها حرم آمن). 1- انعقد الإجماع على تفضيل ما ضم أعضاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الشريفة على جميع بلاد الله حتى الكعبة الشريفة وكذلك انعقد الإجماع أيضاً على أن مكة والمدينة أفضل من سائر البلاد على الإطلاق، وإنما وقع الخلاف في أيهما أفضل من الأخرى مكة أم المدينة؟. فذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما والإمام مالك رحمه الله إلى تفضيل المدينة المنورة على مكة المكرمة، وذهب الجمهور إلى تفضيل مكة على المدينة ماعدا ما ضم الأعضاء الشريفة ولكل دليله وتأويله. 2-ورد في الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا إلى النبي r: "... ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماءِ ". وإذا كان هذا الوعيد الشديد لمن أرادها بسوء فما بالك بمن فعل بها سوءاً فالوعيد أشد، وهذا الوعيد يشمل الدنيا والآخرة معاً. 3- روى الترمذي وابن حبان في صحيحه وابن ماجه في سننه والبيهقي مرفوعاً إلى النبي r " من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت فيها ". 4- ورد في الصحيحين أنه من دعائه صلى الله تعالى عليه وسلم :" اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد" 5- وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدران المدينة أسرع براحلته حباً في المدينة وقد دعا لها بالبركة كما ورد في الصحيحين قال: " اللهم اجعل بالمدينة ضعفيّ ما جعلت بمكة من بركة ". 6- قال رسول الله r (ما بين لابتيها حرام) (واللابتان الحرّتان الشرقية والغربية). ومن انتهك حرمة شيء من ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلا أنه ليس عليه قصاص مثل الذي قتل وهذا يدل على عظم ذنبه لأن الذنب إذا وجدت له كفارة في الدنيا كان أمره أهون. 7- خلاصة القول: إنّ المدينة من أحبِّ البقاع إلى الله، وإنها دار الإيمان وإليها يأرِز (أي يجتمع و ينضم) الإيمان في آخر الزمان وعلى مداخلها حراس من الملائكة لا يدخلها الدّجال ولا الطاعون. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: " على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال ". ولم يدخل الطاعون حتى الآن المدينة. وهي آخر مدن الدنيا خراباً وهي مضجع أفضل خلق الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومهبط الوحي فلا يكاد يوجد فيها مكان إلا ونزلت فيه آية أو آيات قرآنية أو ورد فيه حديث نبوي وهي حرم الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد أخبر الوحي بالوعد لمن صبر على بلوائها ومن صلى في مسجدها ومن أكل من ثمرها وشرب من مائها وجعل تربتها شفاء فطوبى لمن زارها.
1- إن موضع المسجد النبوي الشريف كان محل تجفيف تمر ليتيمين من بني النجار في حجر أسعد بن زرارة. بأي شيء بنى النبي r مسجده: ثبت في الصحيح أن النبي r كان يمر عليه الشهر والشهران لم يوقد في بيت من بيوته نار للطبخ وإنما الطعام التمر والماء فقط، كما كان فراشه من أدم حشوها ليف وربما نام على الحصير فيؤثر في جنبه الشريف، وكان يخرج في غزواته على قل من الزاد ونقص في الراحلة إلى حد أن يتعاقب ثلاث من أصحابه على راحلة واحدة كما وقع في غزوة بدر، وربما جاءه الضيف فيمر على بيوته فلا يجد له طعاماً فيقول: منْ لهذا الضيف؟ فيبادر أحد أصحابه إلى أخذ الضيف إلى منزله فيقدم له القرى الكافي مؤثراً إياه على حاجته وحاجة أولاده للطعام، وكان يأتيه بعض أصحابه الراغبين في الخروج معه للجهاد في سبيل الله فيقول لهم:
فهل معنى هذا أنه r كان فقيراً عاجزاً حتى عن الحصول على ضروريات العيش ومتطلبات الجهاد؟ والجواب بالطبع لا بل هو اختيار من النبي r وإيثار للآخرة على الأولى ، ولهذا قال النبي r لعمر رضي الله عنه لما بكى حين رأى الحصير أثر في جنبه الشريف وقال: يا رسول الله ألا نصنع لك فراشاً وذكر له ما عند كسرى وقيصر من الأسرة والأرائك. قال النبي r وهو كالمغضب:
(يا عمر أولئك عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا) وهذه يعني أن النبي r ترفع عن زخرف الحياة الدنيا ومتاعبها القليل والزائل رغبة فيما عند الله من النعيم المقيم، وظهر هذا الترف السامي في تواضع عيشه وبيوته ومسجده، وحين خُيِّرَ بين البقاء في الدنيا إلى نهايتها وبين لقاء ربه اختار لقاء ربه. قِبلته إلى الشام: من خلال ما ذكرنا من وضع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لقبلة مسجده الشريف وهو ينظر إلى الكعبة، قد أحسَّ بأن قبلته كانت إلى الكعبة الشريفة عند قدومه المدينة وأنها حوّلت إلى بيت المقدس وعندئذ صار النبي r يدعو ربه ويقلب وجهه في السماء ليجعل قبلته إلى بيت الله الحرام وقال اليهود بعد تحويلها: ]مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا..[ [البقرة: 142].ولقد مكث النبي r يستقبل بيت المقدس في الصلاة نحو ستة عشر شهراً بعد قدومه المدينة وكان محرابه إلى البيت المقدس في نهاية المسجد آنذاك من الشمال مقابل باب جبريل اليوم عند الاسطوانة الخامسة شمالي أسطوانة عائشة رضي الله عنها بحيث تجعلها خلف ظهرك وتسير إلى الشمال وتعد خمس أسطوانات غربي دكة الاغواث (خدام الحرم). منبرُ النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: كان النبي الصلاة والسلام يخطب يوم الجمعة إلى جزع نخلة في المسجد وكان الجزع بين مكان المنبر والمحراب أقرب إلى الأسطوانة المخلقة ولما شق على النبي r القيام اتخذ منبراً يجلس عليه ويخطب. وفي الصحيح أنه r أرسل إلى امرأة من الأنصار كان لها غلام نجار يقول لها:
" انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها " فعمل هذه الدرجات الثلاث ثم أمر بها فوضعت في هذا المكان فأصبحت منبره الشريف في مكانه الدائم. محرابه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: عرفنا فيما سبق أن النبي r صلى إلى قبلة بيت المقدس ستة عشر شهراً وأن مكان صلاته كان عند العمود الخامس شمالي أسطوانة عائشة وغربي ما يسمى اليوم (دكة الأغواث) وبعد تحويل القبلة إلى بيت الله الحرام حوله النبي r من شمالي المسجد إلى جنوبية وصلى عند أسطوانة عائشة مدة شهرين أو أربعة شهور ، ثم تقدم إلى الاسطوانة المخلقة وصلى عندها أياماً وكان ذلك موقفه في الصلاة وفيه بني محرابه الشريف. وفي زيادة عمر رضي الله عنه قدم محراب الإمام إلى نهاية زيادته جنوباً، وفي زيادة عثمان رضي الله عنه وقف في محرابه العثماني الذي يقف فيه الإمام حتى الآن. أساطين المسجد النبوي الشريف: كانت أعمدة المسجد النبوي الشريف من الخشب في عهد النبي r وورد أن أبا بكر الصديق رأى بعضها أكلته الأرضة فأبدله بأعمدة أخرى من الخشب، ولكن عمر رضي الله عنه غير أعمدة المسجد النبوي وبناها باللبن لأول مرة ولم يغير مكانها، وكذلك الخلفاء الذين جددوا ووسعوا المسجد النبوي الشريف بعده فلم يغيروا مكان أعمدته على مر الزمان مما ترك للمسلمين فرصة التعرف على مكان هذه الأعمدة وتوخي ما ورد في أمكنتها من فضل وبركة. 1-أسطوانة عائشة رضي الله عنها: وهي التي تلي أسطوانة التوبة من جهة الغرب وتقع هذه الاسطوانة في وسط الروضة الشريفة وقد اتخذ النبي r مكانها مصلى بعد تحويل القبلة مدة شهرين أو ثلاثة ثم تحول إلى مكان مصلاه في نهاية جدار المسجد القبلي حيث هو الآن عند الأسطوانة المخلقة (أي المطيبة) فأصبحت هذه الأسطوانة خلفه، وكان عمر والصديق وأفاضل الصحابة رضي الله عنهم يفضلون الصلاة عندها وكان أفاضل أبناء المهاجرين من التابعين يعتادون الجلوس عندها ، حتى قيل لمجلسهم: مجلس القلادة. وسبب تسميتها بأسطوانة عائشة رضي الله عنها أن بعضاً من الصحابة رضي الله عنهم كانوا جلوساً عند عائشة رضي الله عنها ومعهم ابن أختها التابعي الفقيه (عروة بن الزبير) فقالت عائشة رضي الله عنها: إن في المسجد أسطوانة لو عرفها الناس لاستهموا على الصلاة عندها بالأسهم.
3- اسطوانة التوبة: وهي الأسطوانة التي ربط فيها الصحابي الجليل (أبو لبابة) الأنصاري رضي الله عنه نفسه وظل فيها أسيراً وقال: والله لا أفك هذا الأسر عن نفسي حتى يتوب الله عليَّ ويحلني رسول الله r بيده . وقصة أبي لبابة هذه سببها أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عندما حاصر اليهود بني قريظة بعد غدرهم بعهده وانضمامهم إلى معسكر الأحزاب وطال عليهم الحصار وامتلأت قلوبهم من الرعب وضاقت الأرض بهم وجهلوا النكاية التي سوف تحل بهم طلبوا من النبي r أن يبعث إليهم أبا لبابة رضي الله عنه لأنه كان حليفاً لهم قبل الإسلام لكي يتفاوض معهم فلما جاء إليهم أرسلوا الصبيان في وجهه يجأرون وصاحت نساؤهم مستعطفة لرحمته ثم حاولوا استغلال عاطفته فقالوا له: ماذا ترى؟ أننزل حكم محمد؟ فقال لهم: إن نزلتم على حكم محمد (وأشار بيده إلى حلقه) يعني سوف يذبحكم. فقال أبو لبابة فوالله ما تحركت قدماي حتى علمت أني خُنْت ورسوله فلم يعد إلي الرسول r بل ذهب مسرعاً إلى المسجد النبوي وربط نفسه في هذه الأسطوانة. 4- الأسطوانة المخلقة: (أي المطيبة بطيب الخلوق): وهي الأسطوانة الملاصقة لمصلى النبي r من جهة القبلة ، وكان النبي r يصلي إليها بعد تحوله عن أسطوانة عائشة رضي الله عنها ولكن هذه الأسطوانة اليوم متقدمة عن محلها الأصلي إذ محلها الأصلي عن اليمين الإمام إذا وقف في المصلى الشريف. 5-أسطوانة السرير: وهي الأسطوانة التي تقع في مكان اعتكاف النبي r وكان يوضع له عندها سرير وكان هذا السرير من جريد النخل وفيه السعف ولا تظن أنه أريكة وثيرة فإن ذلك من نعيم الدنيا الزائل الذي ترفع عنه النبي r وفضل عليه نعيم الآخرة.
6- أسطوانة المحرس، أو الحرس: وكانت تسمى أيضاً أسطوانة علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأنه كان يجلس عندها حارساً للنبي r قبل أن يترك الحراس فلما نزل عليه قوله تعالى:
]وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[ [المائدة: 67] ترك الحراس حينئذ. باب عثمان رضي الله عنه: وهو الذي كان يدخل منه النبي r وكان يعرف قبل هذه التسمية بباب النبي r وأصبح يعرف بباب جبريل.
وأبيض يستسقى الغمام بوجهــه ثمال اليتامى عصمـه للأرامـل يلوذ به الهلاك من أل هــاشـمٍ فهم عنده في نعمة وفــواضل ثم قال صلى الله عليه: " اللهم حوالينا ولا علينا " فيقول راوي الحديث إن السحاب كان ينقشع ويميل مع يده r حيثما أشار حتى أصبحت السماء صحواً. توسعة النبي r لمسجده: وكان لا بد أن تعترض دور لتوسعة النبي r مسجده ولا بد من انتزاع ملكيتها ويكون فيما اتخذه الرسول r في انتزاع الملكية تشريعاً لأمته من بعده ومن ذلك أنه اعترضته دار لرجل من الأنصار قيل إنه (منافق ) قال له النبي r: " تتصدقُ بها على المسجد ولك بيت في الجنة " فأبى الرجل فجاءه عثمان بن عفان رضي الله عنه وجعل يساومه في داره حتى اشتراها بعشرة ألاف درهم ثم جاء عثمان إلى النبي r وقال يا رسول الله اشتر مني البقعة فإني اشتريتها من الأنصاري بمثل ما كنت تريد شراءها به منه فاشتراها منه النبي r ببيت في الجنة وهكذا تعودنا أن نقرأ عن عثمان رضي الله عنه الإنفاق في سبيل الله إلى حد اكتسب الجنة كما في هذه القصة وكما في تمويله لجيش غزوة العسرة (تبوك) وكما فعل في عيرة التجارة عام الرمادة وكما فعل في شراء بئر رومة وتصدق بها على المسلمين وجعل دلوه فيها كدلو أحد المسلمين. فيا أثرياءنا وأغنياءنا لكم في أصحاب رسول الله صلى تعالى الله عليه وسلم أسوة حسنة "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ". وهكذا نرى الصديق رضي الله عنه دفع ثمن مكان المسجد الأول وعثمان رضي الله عنه دفع ثمن الزيادة في مسجد الرسول r فرضي الله عنهما وعن عامة أصحاب المصطفى r. وكان النبي r أول من وضع لبنة في بناء مسجده الشريف ثم دعا أبا بكر فوضع لبنة ثم دعا عمر فوضع لبنة ثم جاء عثمان فوضع لبنة ثم قال للناس ضعوا فوضعوا. كيف وضع عمر القبلة في توسعته: لقد كان الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم من السلف يحترمون قبلة المسجد النبوي ويرون أنها وضعت بالوحي فهي مسامتة للبيت الحرام ولهذا لم يقدم أحد من الخلفاء والسلاطين على زيادة المسجد من جهة القبلة بعد عمر وعثمان رضي الله عنهما. ولما أراد عمر رضي الله عنه أن يضع مكان القبلة ويؤخرها إلى مكان جدار زيادته نادى الصحابة رضي الله عنهم ليشهدوا وضع قبلتهم فقال رجل من الصحابة - ولعله مسلم بن حباب - إنه سمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يوماً وهو جالس في مصلاه يقول " لو زدنا في مسجدنا " وأشار بيده نحو القبلة فاخذ عمر رضي الله عنه رجلاً وأجلسه في المصلى ثم رفع يده باتجاه القبلة وجعل الصحابة رضي الله عنهم يخفضون يد هذا الرجل ويرفعونها حتى تيقنوا أنها استقامت على نحو ما أشار إليه رسول الله r ثم مدوا حبلاً فوضعوا طرفه في يد الرجل ثم مدوه فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى رأوا أنه صار نحو إشارة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهكذا وضع عمر رضي الله عنه قبلة المسجد بهذا التحري الدقيق والحرص الشديد الذي لا يمكن حصوله بعد موت الصحابة رضي الله عنهم الذين حضروا وضع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لقبلة مسجده وشاهدوا إشارته بيده إلى جهة القبلة في الزيادة المؤملة. 1- كانت حجرات الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم محيطة بالمسجد من الركن الجنوبي الشرقي. حيث كانت حجرة حفصة في مكان الشباكالنبي الذي عند المواجهة الشريفة الذي يقف عنده الزائرون الآن وإلى شماله خوخة (أي زقاق أو كوريدور) تفصل بين حجرتها وحجرة عائشة ولكل واحدة منهما عاليها كوّة صغيرة تتبادلان منهما الحديث والأسرار وعبر هاتين الكوتين أخبرت حفصةُ عائشة بما أسَّر لها رسول الله r من تحريم العسل على نفسه وأظهره الله على ما أفشت حفصة من سره قال تعالى:
]وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ[ [التحريم: 3].
الحجرة الشريفة: إن حجرة عائشة رضي الله عنها هي أول ما بنى النبي r من بيوته الشريفة بعد
بناء مسجده ثم بنى بعدها حجرة سودة رضي الله عنها وتقع هذه الحجرة شرقي المسجد النبوي ويفتح بابها على الروضة الشريفة لأن النبي r كان يعطي رأسه لعائشة رضي الله عنها تسرحه وترجله وهو معتكف في المسجد، ولما رفع النبي r إلى الرفيق الأعلى كان في حجرة عائشة لأنه استأذن من أمهات المؤمنين أن يُمرّضَ في حجرة عائشة رضي الله عنها، وتقول عائشة إنه r قبض ورأسه في حجرها، ولما توفي النبي r دهش أصحابه لوفاته إلى حد أن عمر رضي الله عنه استل سيفه ووقف عند باب هذه الحجرة وقال: لا يقول أحد أن رسول الله r تُوفي إلا ضربته بهذا السيف حتى جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه ودخل على رسول الله وهو مسجى في ثيابه فكشف عن وجهه الشريف وقبَّل بين عينيه وقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله إنها لموتة كتبها الله عليك . ثم خرج الصديق رضي الله عنه ووقف عند الباب إلى جانب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: (من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ دائم لا يموت) ثم تلا قوله تعالى:
]وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ[ [آل عمران: 144] فارْتختْ يد عمر بالسيف واغمده وقال: واللَّه لكأني ما سمعت هذه الآية من قبل ولإني لمن أول من حفظها بعد نزولها. وبعد ذلك تبادل الصحابة الرأي في المكان الذي يدفن فيه رسول الله r فقال الصديق رضي الله عنه إنه سمع حديثاً من رسول الله r أن كل نبي يُدفن حيث قُبض فعند ذلك جيء بحافرين للقبور أحدهما يحفر الشق والآخر يلحد اللحد فألحد قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واللحد هو حفرة في جانب القبر من جهة القبلة يوضع فيها الميت ثم يهال التراب في القبر. ثم فرشت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم قطيفة حمراء في قبره وبعد أن وُضع فيه أطبقت عليه تسعُ لَبنات ثم سُوِّي التراب فوق ذلك بارتفاع يسير عن سطح الأرض.
جاء في الصحيحين " ما بين بيتي ـ وفي رواية قبرى ـ ومنبري روضة من رياض الجنة " المكان الذي ضم أعضاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل بقاع الأرض على الإطلاق وكذلك ما جاوره: فالروضة هي روضة من رياض الجنة ومعنى ذلك: · أنها تقطع من الأرض يوم القيامة وتوضع في الجنة؟. 1- مشروعية زيارة القبور عموماً، بدليل فعله r.
لقد جعل الله تعالى الدوم إلى حبيبه باباً من أوسع أبواب المغفرة وسبباً لاستحقاق الرحمة. آداب الزيارة: *يستحب للزائر أن ينوي التقرب إلى الله بالصلاة في مسجد النبي r لفضل ثواب الصلاة في مسجده r. وكانت الصفة مأموي الغرباء من المهاجرين الذين لا مأوى لهم في المدينة فيقل عددهم حيناً، ويكثر أحياناً حتى يبلغ ستمائة صحابي وكان النبي r يجالسهم ويأنس بهم ويناديهم إلى طعامه ويشركهم في شرابه فكانوا معدودين في عياله.
فقال: الحق. فتبعه ودخل معه في بيته فوجد النبي r في بيته لبناً في قدح فقال من أين هذا اللبن؟ فقالوا أهداه لك فلان فقال رسول الله r يا أبا هريرة فقال لبيك يا رسول الله فقال اذهب فادع أهل الصفة فقال أبو هريرة في نفسه وما يغني هذا اللبن عن أهل الصفة وضعف أمله في إصابة ما يتقوى به من ذلك اللبن. فلما دعاهم أمره النبي r أن يباشر سقيهم فضعف أمله أكثر لأن ساقي القوم آخرهم شرباً فسقى الجميع وكان النبي r يعزم على كل واحد شرب بأن يزيد حتى يشبع فيقول أبو هريرة في نفسه ليته لم يعزم حتى يصل إلي ولو الشيء اليسير حتى شبع أهل الصفة جميعاً وكان عددهم في هذه الحادثة يبلغ ثلاثمائة رجل حتى وصل اللبن إلى أبي هريرة رضي الله عنه ولم ينقص شيئاً فتبسم النبي r يا أبا هريرة بقيت أنا وأنت فاقعد واشرب فقعد أبو هريرة وشرب حتى روى فما زال النبي r يعزم عليه بأن يشرب حتى قال أبو هريرة والذي بعثك بالحق ما أجد مسلكاً للبن في بطني ثم أخذ النبي r وسمى الله وشرب الفضلة. إن هذا التكثير للطعام لرسول الله r والذي تكرر معجزة له مرات ومرات في غزوة الخندق وغزوة تبوك وغزوة الحديبية وفي السمن الذي أهدته له أم سليم وفي قربة الماء التي زود بها نفراً من أصحابه في سرية فكانوا إذا جاعوا صبوا من القربة فوجدوا اللبن والزبد وإذا عطشوا صبوا منها فوجدوا الماء العزب فإذا ترى فيما عليه النبي r وأصحابه من تواضع في العيش؟ إنه اختيار للآخرة على الأولى. ويقول أبو هريرة رضي الله عنه: لقد رأيت معي في الصفة ما يزيد على ثلاثمائة ثم رأيت بعد ذلك كل واحد منهم والياً أو أميراً، وأن النبي r قال لهم ذلك حين مر بهم يوماً ورأى ما هم عليه. إن منطقة قباء هي أول منطقة سكن فيها المهاجرون بعد قدومهم من مكة المكرمة وذلك بعد انتشار الإسلام في المدينة بعد بيعتي العقبة ودعوة الأنصار للنبي r للهجرة إليهم وتعهدهم بحمايته بما يحمون به نساءهم وأبناءهم، فعند ذلك بدأ أصحاب رسول اللَّه r يهاجرون إلى المدينة وكان من أولهم خروجاً إليها عبد الله بن أم مكتوم رضي اللَّه وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي رضي الله عنه وقيل إنه أول من يأخذ كتابه بيمينه وبالعكس أخوه الأسود بن عبد الأسد فإنه قيل إنه أول من يأخذ كتابه بشماله. أفلح من يعــالج المساجـــدا يقرأ فيها قائمـــاً وقـاعــدا ولا يبيت الليـل عنه راقـــدا وكلما قال المساجدا - قاعدا - راقدا قال صلى الله تعالى عليه وسلم معه المساجدا - قاعدا راقدا، ويوجد محراب صغير في صحن مسجد قباء يعتقد أنه في محل مبرك ناقته صلى الله تعالى عليه وسلم حين قدم قباء. فضل الصلاة في مسجد قباء: روى الطبراني بسنده إلى سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: " من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له أجر عمرة "، وورد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يزور قباء يوم السبت ويركب له، وصارت تلك عادة أهل المدينة حيث يذهبون إلى مسجد قباء يوم السبت للصلاة فيه، حتى يومنا هذا .وقد أثنى الله تعالى على أهل قباء بقوله: ]لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ[ [التوبة: 108].فقال لهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: " ما الذي أحدثتم فيه فقد أحسن اللَّه عليكم الثناء؟" فقالوا: إنا نجمع بين الحجارة والماء في الطهارة.بعض ما ورد في فضل كل من أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم واقتداء الصحابة الكامل بأقوال وأفعال النبي r: وعن علي بن ربيعة قال: رأيت أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه أُتي بدابة ، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم اللَّه، فلما استوى عليها قال الحمد اللَّه ]سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ[ [الزخرف: 13-14]، ثم حمد اللَّه تعالى ثلاثاً، وكبر ثلاثاً، ثم قال: سبحانك لا إلـه إلا أنت، قد ظلمت نفسي فاغفر لي - ثم ضحك. فقلت له: مم ضحكت يا أمير المؤمنين ؟!! فقال رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فعل مثل ما فعلت ثم ضحك ، فقلت له: مم ضحكت يا رسول الله؟. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " يعجب الرب تبارك وتعالى من عبده إذا قال: رب اغفر لي ، ويقول سبحانه: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري. رواه أصحاب السنن والإمام أحمد واللفظ له. فانظروا إلى كيفية اقتداء الصحابة رضي الله عنهم بالنبي r حتى في الضحك عندما ركب الدابة !!. ومن ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنّه توضأ في بيته ثم خرج وقال لألزمنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولأكونن معه يومي هذا، قال فجئت المسجد، فسـأل عن النبي r فقالوا: خرج، وَوَجَّه ههنا، فخرجت على إثره أسأل -حتى دخل بئر أريس- أي: البستان الذي فيه بئر أريس - فجلست عند الباب - وبابها من جريد - فتوضأ رسول الله r فقمت إليه فإذا هو جالس على بئر أريس، وتوسط قُفّها - يعني حافتها -وكشف r عن ساقيه- أي: تحت الركبة - ودلاّهما في البئر فسلمت عليه ثم انصرفت، فجلست عند الباب ، وقلت لأكوننّ بواب رسول الله صلى اله عليه وسلم اليوم. فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك ، ثم ذهبت فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن. فقال r: " ائذن له وبشره بالجنة " فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله r يبشرك بالجنة .. فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله r معه في القُفّ، ودَلّى رجليه في البئر، كما صنع رسول الله r ، وكشف عن ساقيه. قال أبو موسى: ثم رجعت فجلست عند الباب ، وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً - يريد أخاه - يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت رسول الله r فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن فقال r: "ائذن له وبشره بالجنة". فجئت فقلت له: أدخل وبشرك رسول الله r بالجنة ، فدخل فجلس مع النبي r في القُفّ عن يساره ودَلّى رجليه في البئر وكشف عن ساقه. ثم رجعت فجلست عند الباب، فقلت: إن يرد الله بفلان - أي: بأخيه - خيراً يأت به فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟، فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت رسول الله r فأخبرته. فقال: "ائذن له ويشره بالجنة على بلوى تصيبه ". فقلت له: أدخل وبشرك رسول الله r بالجنة على بلوى تصيبك ، فدخل فوجد القُفَّ - أي، جانب البئر الذي فيه رسول الله r قد ملىء، فجلس وجاهه - أي: أمام رسول الله r من الشق الآخر- أي الجانب الآخر. قال سعيد بن المسيب: فأوّلتها قبورهم. اهـ يعني سعيد وغيره- كما في رواية: كنا نتأولها قبورهم. ففهموا من ذلك ترتيب وفياتهم، وترتيب قبورهم، وأن عثمان رضي الله عنه في الشق المواجه وهو البقيع. ومن المعلوم أن عثمان رضي الله تعالى عنه اشترى قبره في البقيع وهو حي. فلنتأمل في اقتداء الصحابة برسول الله r، وتسليمهم له، فلم يقل أحد منهم: يا رسول الله لِمَ جلست ههنا بل اجلس ثَمّة تحت الشجر وظلاله أو نحو ذلك، بل فعلوا مثل ما فعل، لأنهم موقنون أنه رسول الله، ما يفعل ذلك عبثاً ولا عن غفلة، بل عن حكمة، ولحكمة تتجلى فيها أسرار نبوية دالة على أمور غيبية. فهذه هي المدينة المنورة التي ما ركب فيها الإمام مالك رحمه الله تعالى دابة قط وقد عاش في المدينة المنورة عمره كله وكان يقول كيف أطأ بحافر دابةٍ أرضاً وطأها النبي r بقدميه الشريفتين، فلله درّك يا إمام، ولله درّ القائل: رعى الله أياماً تقضّت بطيبه وحيا ليالٍ ما عرفت لها قدرا ليالي وصالٍ لو تباع شريتها بروحي ولكنها لا تباع ولا تُشــرى سألت إلهي قبل موتي زيارة وليقرأ هذه الأبيات كل واحد عاد من المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم يدرك حقيقة شعور قائل هذه الأبيات:
|