التحفة العراقية في الاعمال القلبية

الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبى بعده الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ونشهد ان محمدا عبده ورسوله   r اما بعد فهذه كلمات مختصرات فى اعمال القلوب التى قد تسمى المقامات والاحوال وهي من اصول الايمان وقواعد الدين مثل محبة الله ورسوله والتوكل على الله واخلاص الدين له والشكر له والصبر على حكمه والخوف منه والرجاء له وما يتبع ذلك اقتضى ذلك بعض من اوجب الله حقه من اهل الايمان واستكتبها وكل منا عجلان فأقول هذه الاعمال جميعها واجبة على جميع الخلق المأمورين فى الاصل باتفاق أئمة الدين والناس فيها على ثلاث درجات كما هم فى اعمال الابدان على ثلاث درجات ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات فالظالم لنفسه العاصي بترك مأمور او فعل محظور
والمقتصد المؤدي الواجبات والتارك المحرمات
والسابق بالخيرات المتقرب بما يقدر عليه من فعل واجب ومستحب والتارك للمحرم والمكروه وان كان كل من المقتصد والسابق قد يكون له ذنوب تمحى عنه اما بتوبة والله يحب التوابين ويحب المتطهرين واما بحسنات ماحية واما بمصائب مكفرة واما بغير ذلك وكل من الصنفين المقتصدين والسابقين من اولياء الله الذين ذكرهم فى كتابه بقوله الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون فحد اولياء الله هم المؤمنون المتقون ولكن ذلك ينقسم الى عام وهم المقتصدون و خاص وهم السابقون وان كان السابقون هم اعلى درجات كالانبياء والصديقين وقد ذكر النبى
r القسمين فى الحديث الذي رواه البخاري فى صحيحه عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبى r انه قال يقول الله من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب الي عبدي بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبي يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لاعيدنه وما ترددت عن شىء انا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولابد له منه
واما الظالم لنفسه من اهل الايمان فمعه من ولاية الله بقدر ايمانه وتقواه كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره اذ الشخص الواحد قد يجتمع فيه الحسنات المقتضية للثواب ,السيئات المقتضية للعقاب حتى يمكن ان يثاب و يعاقب وهذا قول جميع اصحاب رسول الله
r وأئمة الاسلام واهل السنة والجماعة الذين يقولون انه لا يخلد فى النار من فى قلبه مثقال ذرة من ايمان واما القائلون بالتخليد كالخوارج والمعتزلة القائلين انه لا يخرج من النار من دخلها من اهل القبلة وانه لا شفاعة للرسول ولا لغيره فى اهل الكبائر لا قبل دخول النار ولا بعده فعندهم لا يجتمع فى الشخص الواحد ثواب وعقاب وحسنات وسيئات بل من اثيب لا يعاقب ومن عوقب لم يثب ودلائل هذا الأصل من الكتاب و السنة و إجماع سلف الامة كثير ليس هذا موضعه وقد بسطناه فى مواضعه وينبنى على هذا امور كثيرة ولهذا من كان معه ايمان حقيقى فلابد ان يكون معه من هذه الاعمال بقدر ايمان هوان كان له ذنوب كما روى البخارى فى صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان رجلا كان يسمى حمارا وكان يضحك النبى r وكان يشرب الخمر ويجلده النبى r فأتى به مرة فقال رجل لعنة الله ما اكثر ما يؤتى به الى النبي r فقال له النبى r لا تلعنه فانه يحب الله ورسوله فهذا يبين ان المذنب بالشرب وغيره قد يكون محبا لله ورسوله وحب الله ورسوله اوثق عرى الايمان كما ان العابد الزاهد قد يكون لما فى قلبه من بدعة ونفاق مسخوطا عليه عند الله ورسوله من ذلك الوجه كما استفاض فى الصحاح وغيرها من حديث امير المؤمنين على ابن ابى طالب وابي سعيد الخدري وغيرهما عن النبى r انه ذكر الخوارج فقال يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية اينما لقيتموهم فاقتلوهم فان فى قتلهم اجرا عند اله لمن قتلهم يوم القيامة لئن ادركتهم لاقتلنهم قتل عاد وهؤلاء قاتلهم اصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم مع امير المؤمنين على ابن ابى طالب بأمر النبى r وقال النبي r فيهم فى الحديث الصحيح فرقة من المسلمين يقتلهم ادنى الطائفتين الى الحق  ولهذا قال ائمة الاسلام كسفيان الثوري وغيره ان البدعة احب الى ابليس من المعصية لان البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها ومعنى قولهم ان البدعة لا يتاب منها ان المبتدع الذي يتخذ دينا لم يشرعه الله ولا رسوله قدزين له سوء عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنا لان اول التوبة العلم بأن فعله سىء ليتوب منه او بأنه ترك حسنا مأمورا به امر ايجاب او استحباب ليتوب ويفعله فما دام يرى فعله حسنا وهو سيء فى نفس الامر فانه لا يتوب ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى سبحانه تعالى من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف من اهل  البدع والضلال وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه فمن عمل بما علم اورثه الله علم ما لم يعلم كما قال تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم وقال تعالى ولوانهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم واشد تثبيتا واذا لآتيناهم من لدنا اجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما وقال تعالى يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم وقال تعالى الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور وقال تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه ويهديهم الى صراط مستقيم وشواهد هذا كثيرة فى الكتاب والسنة  وكذلك من اعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه تبعا لهواه فان ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمى قلبه عن االحق الواضح كما قال تعالى فلما زاغوا ازاغ الله قلوبهم واالله لا يهدى القوم الفاسقين وقال تعالى فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال تعالى واقسموا بالله جهدا ايمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمن بها قل انما الآيات عند الله وما يشعركم انها اذا جاءت لا يؤمنون ونقلب افئدتهم وابصارهم كما لم يؤمنوا به اول مرة ونذرهم فى طغيانهم يعمهون وهذا استفهام نفى وانكار اي وما يدريكم انها اذا جاءت لا يؤمنون وانا نقلب افئدتهم وابصارهم كما لم يؤمنوا به اول مرة على قراءة من قرأ انها بالكسر تكون  جزما بأنها اذا جاءت لا يؤمنون ونقلب افئدتهم وابصارهم كما لم يؤمنوا به اول مرة ولهذا قال من قال من السلف كسعيد بن جبير ان من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وان من عقوبة السيئة السيئة بعدها وقد ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبى r انه قال عليكم بالصدق فان الصدق يهدى الى البر وان البر يهدى الى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا واياكم والكذب فان الكذب يهدى الى الفجور وان الفجور يهدى الى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا فأخبر النبى r ان الصدق اصل يستلزم البر وان الكذب يستلزم الفجور وقد قال تعالى ان الابرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم ولهذا كان بعض المشائخ اذا امر بعض متبعيه بالتوبة واحب ان لا ينفره ولا يشعب قلبه امره بالصدق ولهذا كان يكثر فى كلام مشائخ الدين وائمته ذكر الصدق والاخلاص حتى يقولون قل لمن لا يصدق لا يتبعني ويقولون الصدق سيف الله فى الارض وما وضع على شيء الا قطعه ويقول يوسف بن اسباط وغيره ما صدق الله عبد الا صنع له وأمثال هذا كثير والصدق والاخلاص هما فى الحقيقة تحقيق الايمان والاسلام فان المظهرين الاسلام ينقسمون الى مؤمن ومنافق والفارق بين المؤمن والمنافق هو الصدق فان اساس النفاق الذي يبنى عليه هو الكذب ولهذا اذا ذكر الله حقيقة الايمان نعتة بالصدق كما فى قوله تعالى قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا الى قوله انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وانفسهم فى سبيل الله اولئك هم الصادقون وقال تعالى للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم واموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله هم الصادقون فأخبر ان الصادقين فى دعوى الايمان هم المؤمنون الذين لم يتعقب ايمانهم ريبة وجاهدوا فى سبيله باموالهم وانفسهم وذلك ان هذا هو العهد المأخوذ على الأولين والآخرين كما قال تعالى واذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم اصري قالوا اقررنا قال فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين قال ابن عباس ما بعث الله نبيا الا اخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وامره ان يأخذ الميثاق على امته لئن بعث محمد وهم احياء ليؤمنن به ولينصرنه  وقال تعالى لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ان الله قوي عزيز فذكر تعالى انه انزل الكتاب والميزان وانه انزل الحديد لاجل القيام بالقسط وليعلم الله من ينصره ورسله ولهذا كان قوام الدين بكتاب يهدى وسيف ينصر وكفى بربك هاديا ونصيرا والكتاب والحديد وان اشتركا فى الانزال فلا يمنع ان يكون احدهما نزل من حيث لم ينزل الآخر حيث نزل الكتاب من الله كما قال تعالى تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم وقال تعالى الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير وقال تعالى وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم والحديد أنزل من الجبال التي خلق فيها وكذلك وصف الصادقين في دعوى البر الذي هو جماع الدين في قوله تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم اللآخر والملائكة والكتاب والنبيين الي قوله اولئك الذين صدقوا وأؤلئك هم المتقون وأما المنافقون فوصفهم سبحانه بالكذب في آيات متعددة كقوله تعالى في قولبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وقوله تعالى اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون وقوله تعالى فأعقبهم نفاقا في قولبهم الى يوم يلقونه يما اخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ونحو ذلك في القرآن كثير ومما ينبغي ان يعرف ان الصدق والتصديق يكون في الاقوال وفى الاعمال كقول النبى r وآله وسلم فى الحديث الصحيح كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر والاذنان تزنيان وزناهما السمع واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك او يكذبه ويقال حملوا على العدو حملة صادقة اذا كانت ارادتهم للقتال ثابتة جازمة ويقال فلان صادق الحب والمودة و نحو ذلك ولهذا يريدون بالصادق الصادق فى ارادته وقصده وطلبه وهو الصادق فى عمله ويريدون الصادق في خبره وكلامه والمنافق ضد المؤمن الصادق وهو الذي يكون كاذبا فى خبره او كاذبا فى عمله كالمرائي فى عمله قال الله تعالى ان المنافق يخادعون الله وهو خادعهم واذا قاموا الى الصلاة الى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس الايتين واما الاخلاص فهو حقيقة الاسلام اذ الاسلام هو الاستسلام لله لا لغيره كما قال تعالى ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان الآية فمن لم يستسلم لله فقد استكبر ومن استسلم لله ولغيره فقد اشرك وكل من الكبر والشرك ضد الاسلام والاسلام ضد الشرك والكبر ويستعمل لازما ومتعديا كما قال تعالى اذ قال له ربه اسلم قال اسلمت لرب العالمين وقال تعالى بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن فله اجره عند ربه ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون وامثال ذلك فى القرآن كثير ولهذا كان كان رأس الاسلام شهادة ان لا اله الا الله وهى متضمنة عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه وهو الاسلام العام الذي لا يقبل الله من الاولين والاخرين دينا سواه كما قال تعالى ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين وقال تعالى شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم ان الدين عند الله الاسلام وهذا الذي ذكرناه مما يبين ان اصل الدين فى الحقيقة هو الامور الباطنة من العلوم والاعمال وان الاعمال الظاهرة لا تنفع بدونها كما قال النبى r فى الحديث الذي رواه احمد فى مسنده الاسلام علانية والايمان فى القلب ولهذا قال النبى r فى الحديث المتفق عليه عن النعمان بن بشير عن النبى r الحلال بين والحرام بين وبين ذلك امور مشتبهات لا يعلمهن كثيرمن الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع فى الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك ان يقع فيه الاوان لكل ملك حمى الاوان حمى الله محارمه الاوان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح لها سائر الجسد واذا فسدت فسد لها سائر الجسد الا وهي القلب وعن ابى هريرة قال القلب ملك والاعضاء جنوده فاذا طاب الملك طابت جنوده واذا خبث الملك خبثت جنوده  فصل وهذه الاعمال الباطنة كمحبة الله والاخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ونحو ذلك كلها مأمور بها فى حق الخاصة والعامة لا يمكن تركها محمودا فى حال احد وان ارتقى مقامه  واما الحزن فلم يأمر الله به ولا رسوله بل قد نهى عنه في مواضع وان تعلق بامر الدين كقوله تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون ان كنتم مؤمنين وقوله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون وقوله اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا وقوله ولا يحزنك قولهم وقوله لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم وامثال ذلك كثير وذلك لانه لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة فلا فائدة فيه ومالا فائدة فيه لا يأمر الله به نعم لا يأثم صاحبه اذا لم يقترن بحزنه محرم كما يحزن على المصائب كما قال النبى r ان الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا على حزن القلب ولكن يؤاخذ على هذا او يرحم واشار بيده الى لسانه وقال r تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول الا ما يرضي الرب ومنه قوله تعالى وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم وقد تبين بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه فيكون محمودا من تلك الجهة لا من جهة الحزن كالحزين على مصيبة فى دينه وعلى مصائب المسلمين عموما فهذا يثاب على ما فى قلبه من حب الخير وبغض الشر وتوابع ذلك ولكن الحزن على ذلك اذا افضى الى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة نهى عنه والا كان حسب صاحبه رفع الاثم عنه من جهة الحزن واما ان افضى الى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما امر الله  ورسوله به كان مذموما عليه من تلك الجهة وان كان محمودا من جهة اخرى واما المحبة لله والتوكل عليه والاخلاص له ونحو ذلك فهذه كلها خير محض وهى حسنة محبوبة فى حق كل احد من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ومن قال ان هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد غلط فى ذلك ان اراد خروج الخاصة عنها فان هذه لا يخرج عنها مؤمن قط وانما يخرج عنها كافر او منافق وقد تكلم بعضهم فى ذلك بكلام بينا غلطه فيه وانه تقصير في تحقيق هذه المقامات بكلام مبسوط وليس هذا موضعه ولكن هذه المقامات ينقسم الناس فيها الى خصوص وعموم فللخاصة خاصها وللعامة عامها مثال ذلك ان هؤلاء قالوا ان التوكل مناضلة عن النفس فى طلب القوت والخاص لا يناضل عن نفسه وقالوا المتوكل يطلب بتوكله امرا من الامور والعارف يشهد الامور بفروعها منها فلا يطلب شيئا فيقال اما الاول فان التوكل اعم من التوكل في مصالح الدنيا فان المتوكل يتوكل على الله فى صلاح قلبه ودينه وحفظ لسانه وارادته وهذا اهم الامور اليه ولهذا يناجي ربه فى كل صلاة بقوله اياك نعبد واياك نستعين كما فى قوله تعالى فاعبده وتوكل عليه وقوله عليه توكلت واليه انيب وقوله قل هو ربي لا اله الا هو عليه توكلت واليه متاب  فهو قد جمع بين العبادة والتوكل فى عدة مواضع لان هذين يجمعان الدين كله ولهذا قال من قال من السلف ان الله جمع الكتب المنزلة فى القرآن وجمع علم القرآن فى المفصل وجمع علم المفصل فى فاتحة الكتاب وجمع علم فاتحة الكتاب فى قوله اياك نعبد واياك نستعين وهاتان الكلمتان هما الجامعتان اللتان للرب والعبد كما فى الحديث الذي في صحيح مسلم عن ابى هريرة عن النبى r انه قال يقول الله سبحانه قسمت الصلاة بيني وبين عبدى نصفين نصفها لي ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل قال رسول الله r يقول العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدنى عبدي يقول العبد الرحمن الرحيم يقول الله اثنى علي عبدي يقول العبد مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدى يقول العبد اياك نعبد واياك نستعين يقول الله فهذه الآية بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل يقول العبد اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين يقول الله فهؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل فالرب سبحانه له نصف الثناء والخير والعبد له نصف الدعاء والطلب وهاتان جامعتان ما للرب سبحانه وما للعبد فاياك نعبد واياك نستعين للعبد وفي الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه قال كنت رديفا للنبى r على حمار فقال يا معاذ اتدري ما حق الله على العباد قلت الله ورسوله ما حق العباد على الله اذا فعلوا ذلك قلت الله ورسوله اعلم قال حقهم عليه ان لا يعذبهم والعبادة هي الغاية التى خلق الله لها العباد من جهة امر الله ومحبته ورضاه كما قال تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وبها ارسل الرسل وانزل الكتب وهي اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته وكمال الذل لله ونهايته فالحب الخلي عن ذل والذل الخلي عن حب لا يكون عبادة وانما العبادة ما يجمع كمال الا مرين ولهذا كانت العبادة لا تصلح الا الله وهي وان كانت منفعتها للعبد والله غني عن العالمين فهي له من جهة محبته لها ورضاه بها ولهذا كان الله اشد فرحا بتوبة العبد من  الفاقد لراحلته عليها طعامه وشرابه فى ارض دوية مهلكة اذا نام آيسا منها ثم استيقظ فوجدها فالله أشر فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته وهذا يتعلق به امور جليلة قد بسطناها وشرحناها في غير هذا الموضع  والتوكل والاستعانة للعبد لانه هو الوسيلة والطريق الذي ينال به مقصوده ومطلوبه من العبادة فالاستعانة كالدعاء والمسئلة وقد روى الطبراني فى كتاب الدعاء عن النبى r قال يقول الله عز وجل يا ابن آدم إنما هي أربع واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين خلقى فاما التى لي فتعبدنى لا تشرك بي شيئا واما التى هي لك فعملك اجازيك به احوج ما تكون اليه واما التى بينى وبينك فمنك الدعاء وعلى الاجابة واما التى بينك وبين خلقى فأت للناس ما تحب ان يأتوا اليك وكون هذا لله وهذا للعبد هو باعتبار تعلق المحبة والرضا ابتداء فان العبد ابتداء يحب ويريد ما يراه ملائما له والله تعالى يحب ويرضى ما هو الغاية المقصودة فى رضاه ويحب الوسيلة تبعا لذلك والا فكل مأمور به فمنفعته عائدة على العبد وكل ذلك يحبه الله ويرضاه وعلى هذا فالذي ظن ان التوكل من المقامات العامة ظن ان التوكل لا يطلب به الا حظوظ الدنيا وهو غلط بل التوكل فى الامور الدينية اعظم وايضا التوكل من الامور الدينية التى لا تتم الواجبات والمستحبات الا بها والزاهد فيها زاهد فيما يحبه الله ويأمر به ويرضاه  و الزهد المشروع هو ترك الرغبة فيما لا ينفع فى الدار الآخرة وهو فضول المباح التى لا يستعان بها على طاعة الله كما ان الورع المشروع هو ترك ما قد يضر فى الدار الآخرة وهو ترك المحرمات والشبهات التى لا تستلزم تركها ترك ما فعله ارجح منها كالواجبات فاما ما ينفع في الدار الآخرة بنفسه او يعين على ما ينفع فى الدار الآخرة فالزهد فيه ليس من الدين بل صاحبه داخل فى قوله تعالى يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يجب المعتدين كما ان الاشتغال بفضول المباحات هو ضد الزهد المشروع فان اشتغل بها عن فعل واجب او فعل محرم كان عاصيا والا كان منقوصا عن درجة المقربين الى درجة المقتصدين  و ايضا فان التوكل هو محبوب لله مرضي له مأمور به دائما وما كان محبوبا لله مرضيا له مأمورا به دائما لا يكون من فعل المقتصدين دون المقربين فهذه ثلاثة اجوبة عن قولهم المتوكل يطلب حظوظه واما قولهم ان الامور قد فرغ منها فهذا نظير ما قاله بعضهم فى الدعاء انه لا حاجة اليه لان المطلوب ان كان مقدرا فلا حاجة اليه وان لم يكن مقدرا لم ينفع الدعاء وهذا القول من افسد الاقوال شرعا وعقلا وكذلك قول من قال التوكل والدعاء لا يجلب به منفعة ولا يدفع به مضرة وانما هو عبادة محضة وان حقيقة التوكل بمنزلة حقيقة التفويض المحض وهذا وان كان قاله طائفة من المشائخ فهو غلط ايضا وكذلك قول من قال ان الدعاء انما هو عبادة محضة فهذه الاقوال وما اشبهها يجمعها اصل واحد وهو ان هؤلاء ظنوا ان كون الامور مقدرة مقضية يمنع ان تتوقف على اسباب مقدرة ايضا تكون من العبد ولم يعلموا ان الله سبحانه يقدر الامور ويقضيها بالأسباب التى جعلها معلقة بها من افعال العباد وغير افعالهم ولهذا كان طرد قولهم يوجب تعطيل الاعمال بالكلية
وقد سئل النبى
r وآله وسلم عن هذا الاصل مرات فأجاب عنه كما اخرجا فى الصحيحين عن عمران بن حصين قال قيل لرسول الله r  يا رسول الله أعلم اهل الجنة من اهل النار قال نعم قالوا ففيم العمل قال كل ميسر لما خلق له وفى الصحيحين عن علي بن ابي طالب قال كنا في جنازة فيها رسول الله r فجلس ومعه مخصرة فجعل ينكت بالمخصرة فى الارض ثم رفع رأسه وقال ما من نفس منفوسة الا وقد كتب مكانها من النار او الجنة الا وقد كتبت شقية او سعيدة قال فقال رجل من القوم يا نبى الله افلا يمكث على كتابنا وندع العمل فمن كان من اهل السعادة ليكونن الى السعادة ومن كان من اهل الشقاوة ليكونن الى الشقاوة قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له اما اهل السعادة فييسرون للسعادة واما اهل الشقاوة فييسرون للشقاوة ثم قال نبى الله r فأما من اعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى واما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى اخرجه الجماعة في الصحاح والسنن والمسانيد وروى الترمذى ان النبى r سئل فقيل يا رسول الله ارأيت ادوية نتداوى بها ورقى نسترقة بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله وقد جاء هذا المعنى عن النبى r فى عدة احاديث فبين r ان تقدم العلم والكتاب بالسعيد والشقي لا ينافى ان تكون سعادة هذا بالاعمال الصالحة وشقاوة هذا بالاعمال السيئة فانه سبحانه يعلم الامور على ما هي عليه وكذلك يكتبها فهو يعلم ان السعيد يسعد بالاعمال الصالحة والشقي يشقى بالاعمال السيئة فمن كان سعيدا ييسر للاعمال الصالحة التى تقتضي السعادة ومن كان شقيا ييسر للاعمال السيئة التى تقضي الشقاوة وكلاهما ميسر لما خلق له وهو ما يصير اليه من مشيئة الله العامة الكونية التى ذكرها الله سبحانه فى كتابه فى قوله تعالى ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم واما ما خلقوا له من محبة الله ورضاه وهو إرادته الدينية التى امروا بموجبها فذلك مذكور فى قوله وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون والله سبحانه قد بين في كتابه فى كل واحدة من الكلمات و الامر و الارادة و الاذن و الكتاب و الحكم و القضاء و التحريم ونحو ذلك ما هو ديني موافق لمحبة الله ورضاه وامره الشرعى وما هو كوني موافق لمشيئته الكونية مثال ذلك انه قال فى الامر الدينى ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وقال تعالى ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها ونحو ذلك وقال فى الكونى انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون وكذلك قوله واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول على احدى الاقوال فى هذه الاية وقال فى الارادة الدينية يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وقال فى الارادة الكونية ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد وقال فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يردان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السماء وقال نوح عليه السلام ولا ينفعكم نصحي ان اردت ان انصح لكم ان كان الله يريد ان يغويكم وقال تعالى انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون وقال تعالى فى الاذن الديني ما قطعتم من لينة او تركتموها قائمة على أصولها فباذن الله وليخزى الفاسقين وقال تعالى في الكونى وما هم بضارين به من احد الا باذن الله وقال تعالى فى القضاء الدينى وقضي ربك الا تعبدوا الا اياه اي امر وقال تعالى فى الكونى فقضاهن سبع سموات في يومين وقال تعالى فى الحكم الدينى أحلت لكم بهيمة الانعام الا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وانتم حرم ان الله يحكم ما يريد وقال تعالى ذلكم حكم الله يحكم بينكم وقال تعالى في الكونى عن ابن يعقوب فلن ابرح الارض حتى يأذن لي ابى او يحكم الله لي وهو خير الحاكمين وقال تعالى قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون 
وقال تعالى فى التحريم الدينى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم الآية وقال تعالى فى التحريم الكونى فانها محرمة عليهم اربعين سنة يتهون فى الارض
وقال تعالى والذين فى اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم وقال تعالى في الكلمات الدينية واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن وقال تعالى فى الكونية وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى اسرائيل بما صبروا ومنه قوله
r المستفيض عنه من وجوه فى الصحاح والسنن والمسانيد انه كان يقول فى استعاذته اعوذ بكلمات الله التامات التى لايجاوزهن برولا فاجر ومن المعلوم ان هذا هو الكونى الذي لا يخرج منه شيء عن مشيئته وتكوينه واما الكلمات الدينية فقد خالفها الفجار بمعصيته والمقصود هنا انه r بين ان العواقب التى خلق لها الناس من سعادة وشقاوة ييسرون لها بالاعمال التى يصيرون بها الى ذلك كما ان سائر المخلوقات كذلك فهو سبحانه يخلق الولد وسائر الحيوان في الارحام بما يقدره من اجتماع الابوين على النكاح واجتماع المائين فى الرحم فلو قال الانسان انا اتوكل ولا أطأ زوجتى فان كان قد قضي لى بولد وجد والا لم يوجد ولا حاجة الى وطء كان احمق بخلاف ما اذا وطيء وعزل الماء فان عزل الماء لا يمنع انعقاد الولد اذا شاء الله اذ قد يسبق الماء بغير اختياره ومن هذا ما ثبت فى الصحيحين عن ابى سعيد الخدري قال خرجنا مع رسول الله rفى غزوة بنى المصطلق فاصبنا سبيا من العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة واحببنا العزل فسألنا عن ذلك رسول الله r فقال ما عليكم الا تفعلوا فان الله قد كتب ما هو خالق الى يوم القيامة وفى صحيح مسلم عن جابر ان رجلا أتى النبى صلى الله عليه سلم فقال ان لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل وانا اطوف عليها واكره ان تحمل فقال اعزل عنها ان شئت فانه سيأتيها ما قدر لها وهذا مع ان الله سبحانه قادر على ما قد فعله من خلق الانسان من غير ابوين كما خلق آدم ومن خلقه من اب فقط كما خلق حواء من ضلع آدم القصير ومن خلقه من ام فقط كما خلق المسيح بن مريم عليه السلام لكن خلق ذلك بأسباب اخرى غير معتادة وهذا الموضع وان كان انما يجحده الزنادقة المعطلون للشرائع فقد وقع فى كثير من دقه كثير من المشائخ المعظمين يسترسل احدهم مع القدر غير محقق لما امر به ونهى عنه ويجعل ذلك من باب التفويض والتوكل والجري مع الحقيقة القدرية ويحسب ان قول القائل ينغي للعبد ان يكون مع الله كالميت بين يدي الغاسل يتضمن ترك العمل بالامر والنهي حتى يترك ما امر به ويفعل ما نهى عنه وحتى يضعف عنده النور والفرقان الذى يفرق به بين ما امر الله به واحبه ورضيه وبين ما نهى عنه وابغضه وسخطه فيسوى بين ما فرق الله بينه كما قال تعالى ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان جعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون وقال تعالى افنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون وقال تعالى ام نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الارض ام نجعل المتقين كالفجار وقال تعالى قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون وقال تعالى وما يستوي الاعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوى الاحياء ولا الاموات ان الله يسمع من يشاء وما انت بمسمع من فى القبور وامثال ذلك  حتى يفضي الامر بغلاتهم الى عدم التمييز بين الامر بالمأمور النبوى الالهي الفرقاني الشرعى الذي دل عليه الكتاب والسنة وبين ما يكون فى الوجود من الاحوال التى تجري على ايدي الكفار والفجار فيشهدون وجه الجمع من جهة كون الجميع بقضاء الله وقدره وربوبيته وارادته العامة وأنه داخل فى ملكه ولا يشهدون وجه الفرق الذي فرق الله به بين اوليائه واعدائه والابرار والفجار والمؤمنين والكافرين واهل الطاعة الذين اطاعوا امره الدينى واهل المعصية الذين عصوا هذا الامر ويستشهدون في ذلك بكلمات نقلت عن بعض الاشياخ او ببعض غلطات بعضهم وهذا اصل عظيم من اعظم ما يجب الاعتناء به على اهل طريق الله السالكين سبيل الارادة ارادة الذين يريدون وجهه فانه قد دخل بسبب اهمال ذلك على طوائف منهم من الكفر والفسوق والعصيان مالا يعلمه الا الله حتى يصيروا معاونين على البغي والعدوان للمسلطين فى الارض من اهل الظلم والعلو كالذين يتوجهون بقلوبهم في معاونة من يهوونه من اهل العلو فى الارض والفساد ظانين انهم اذا كانت لهم احوال اثروابها فى ذلك كانوا بذلك من اولياء الله فان القلوب لها من التأثير اعظم مما للابدان لكن ان كانت صالحة كان تأثيرها صالحا وان كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا فالاحوال يكون تأثيرها محبوبا لله تارة ومكروها لله اخرى وقد تكلم الفقهاء على وجوب القود على من يقتل غيره فى الباطن حيث يجب القود فى ذلك ويستشهدون ببواطنهم وقلوبهم الامر الكوني ويعدون مجرد خرق العادة لاحدهم بكشف يكشف له او تأثير يوافق ارادته هو كرامة من الله له ولا يعلمون انه فى الحقيقة اهانة وان الكرامة لزوم الاستقامة وان الله لم يكرم عبده بكرامة اعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة اوليائه ومعاداة اعدائه وهؤلاء هم اولياء الله الذين قال الله فيهم الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فإن كانوا موافقين له فيما اوجبه عليهم فهم من المقتصدين وان كانوا موافقين فيما اوجبه واحبه فهم من المقربين مع ان كل واجب محبوب وليس كل محبوب واجبا واما ما يبتلي الله به عبده من السراء بخرق العادة او بغيرها او بالضراء فليس ذلك لاجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه بل قد يسعد بها قوم اذا اطاعوه فى ذلك وقد يشقى بها قوم اذا عصوه فى ذلك قال الله تعالى فاما الانسان اذا ما ابتلاه ربه فاكرهه ونعمه فيقول ربي اكرمن واما اذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى اهانن كلا ولهذا كان الناس فى هذه الامور على ثلاثة اقسام
قسم ترتفع درجاتهم بخرق العادة اذا استعملوها فى طاعة الله وقوم يتعرضون بها لعذاب الله اذا استعملوها فى معصية الله كبلعام وغيره وقوم تكون في حقهم بمنزلة المباحات
والقسم الاول هم المؤمنون حقا المتبعون لنبيهم سيد ولد آدم الذي انما كانت خوارقه لحجة يقيم بها دين الله او لحاجة يستعين بها على طاعة الله ولكثرة الغلط فى هذا الاصل نهى رسول الله
r عن الاسترسال مع القدر بدون الحرص على فعل المأمور الذي ينفع العبد فروى مسلم فى صحيحه عن ابى هريرة قال قال رسول الله r المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وان اصابك شيء فلا تقل لو انى فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فان لو تفتح عمل الشيطان وفي سنن ابى داود ان رجلين اختصما الى النبى r فقضي على احدهما فقال المقضى عليه حسبى الله ونعم الوكيل فقال رسول الله r ان الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فاذا غلبك امر فقل حسبى الله ونعم الوكيل فأمر النبى r لقوله تعالى اياك نعبد واياك نستعين وقوله تعالى فاعبده وتوكل عليه فان الحرص على ما ينفع العبد هو طاعة الله وعبادته اذ النافع له هو طاعة الله ولا شيء انفع له من ذلك وكل ما يستعان بع على الطاعة فهو طاعة وان كان من جنس المباح قال النبى rفى الحديث الصحيح لسعد انك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله الا ازددت بها درجة ورفعه حتى اللقمة تضعها فى في امرأتك فأخبر النبى r ان الله يلوم على العجز الذي هو ضد الكيس وهو التفريط فيما يؤمر بفعله فان ذلك ينافى القدرة المقارنة للفعل وان كان لا ينافى القدرة المتقدمة التى هى مناط الامر والنهي فإن الاستطاعة التى توجب الفعل تكون مقارنة له ولا تصلح الا لمقدورها كما ذكرها الله تعالى في قوله ما كانوا يستطيعون السمع وفى قوله وكانوا لا يستطيعون سمعا واما الاستطاعة التى يتعلق بها الامر والنهي فتلك قد يقترن بها الفعل وقد لا يقترن كما فى قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا وقول النبى r لعمران ابن حصين صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطيع فعلى جنب
فهذا الموضع قد انقسم الناس فيه الى اربعة اقسام
قوم ينظرون الى جانب الامر والنهي والعبادة والطاعة شاهدين لالهية الرب سبحانه الذي امروا ان يعبدوه ولا ينظرون إلى جانب القضاء والقدر والتوكل والاستعانة وهو حال كثير من المتفقهة والمتعبدة فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله ولشعائره يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان لان الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ اليه والدعاء له هي التى تقوى العبد وتيسر عليه الامور ولهذا قال بعض السلف من سره ان يكون اقوى الناس فليتوكل على الله وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ان رسول الله
r صفته في التوراة انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للاميين انت عبدى ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالاسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يجزى بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر ولن اقبضه حتى اقيم به الملة العوجاء فأفتح به اعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا بان يقولوا لا اله الا الله
ولهذا روى ان حملة العرش انما اطاقوا حمل العرش بقولهم لا حول ولا قوة الا بالله وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى
r انها كنز من كنوز الجنة قال تعالى ومن يتوكل عل الله فهو حسبه وقال تعالى الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل الى قوله فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين وفى صحيح البخارى عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل قالها ابراهيم الخليل حين القى فى النار وقالها محمد r حين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم و قسم ثان يشهدون ربوبية الحق وافتقارهم اليه ويستعينون به لكن على اهوائهم واذواقهم غير ناظرين الى حقيقة امره ونهيه ورضاه وغضبه ومحبته وهذا حال كثير من المتفقرة والمتصوفة ولهذا كثيرا ما يعملون على الاحوال التى يتصرفون بها فى الوجود ولا يقصدون ما يرضى الرب ويحبه وكثيرا ما يغلطون فيظنون ان معصيته هي مرضاته فيعودون الى تعطيل الامر والنهي ويسمون هذا حقيقة ويظنون ان هذه الحقيقة القدرية يجب الاسترسال معها دون مراعاة الحقيقة الأمرية الدينية التى هي تحوى مرضاة الرب ومحبته وامره ونهيه ظاهرا وباطنا وهؤلاء كثيرا ما يسلبون احوالهم وقد يعودون الى نوع من المعاصي والفسوق بل كثير منهم يرتد عن الاسلام لان العاقبة للتقوى ومن لم يقف عند امر الله ونهيه فليس من المتقين فهم يقعون فى بعض ما وقع المشركون فيه تارة بدعة يظنونها شرعة وتارة فى الاحتجاج بالقدر على الامر والله تعالى لما ذكر ما ذم به المشركين فى سورة الانعام والاعراف ذكر ما ابتدعوه من الدين وجعلوه شرعه كما قال تعالى واذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله امرنا بها قل ان الله لا يأمر بالفحشاء وقد ذمهم على ان حرموا مالم يحرمه الله وان شرعوا مالم يشرعه الله وذكر احتجاجهم بالقدر فى قوله تعالى وقال الذين اشركوا لو شاء الله ما اشركنا ولا اباؤنا ولا حرمنا من شيء ونظيرها فى النحل ويس والزخرف وهؤلاء يكون فيهم شبه من هذا وهذا
واما القسم الثالث وهو من اعرض عن عبادة الله واستعانته به فهؤلاء شر الاقسام
و القسم الرابع هو القسم المحمود وهو حال الذين حققوا اياك نعبد واياك نستعين وقوله فاعبده وتوكل عليه فاستعانوا به على طاعته وشهدوا انه الههم الذي لا يجوز ان يعبد الا اياه بطاعته وطاعة رسوله وانه ربهم الذي ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع وانه ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو وان يردك بخير فلا راد لفضله قل افرأيتم ما تدعون من دون الله ان ارادني الله بضر هل هن كاشفات ضره او ارادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ولهذا قال طائفة من العلماء الالتفات الى الاسباب شرك فى التوحيد ومحو الاسباب ان تكون اسبابا نقص فى العقل والاعراض عن الاسباب بالكلية قدح في الشرع وانما التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع فقد تبين ان من ظن التوكل من مقامات عامة اهل الطريق فقد غلط غلطا شديدا وان كان من اعيان المشائخ كصاحب علل المقامات وهو من اجل المشائخ واخذ ذلك عنه صاحب محاسن المجالس وظهر ضعف حجة من قال ذلك لظنه ان المطلوب به حظ العامة فقط وظنه انه لا فائدة له فى تحصيل المقصود وهذه حال من جعل الدعاء كذلك وذلك بمنزلة من جعل الاعمال المأمور بها كذلك كمن اشتغل بالتوكل عن ما يجب عليه من الاسباب التى هى عبادة وطاعة مأمور بها فان غلط هذا في ترك الاسباب المأمور بها التى هي داخلة فى قوله تعالى فاعبده وتوكل عليه كغلط الاول في ترك التوكل المأمور به الذي هو داخل فى قوله تعالى فاعبده وتوكل عيه لكن يقال من كان توكله على الله ودعاؤه له هو فى حصول مباحات فهو من العامة وان كان فى حصول مستحبات وواجبات فهو من الخاصة كما ان من دعاه وتوكل عليه فى حصول محرمات فهو ظالم لنفسه ومن اعرض عن التوكل فهو عاص لله ورسوله بل خارج عن حقيقة الايمان فكيف يكون هذا المقام للخاصة قال الله تعالى وقال موسى يا قوم ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين وقال تعالى ان ينصركم الله فلا غالب لكم وان يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وقال تعالى وعلى الله فليتوكل المؤمنون وقال تعالى قل افرأيتم ما تدعون من دون الله ان ارادني الله بضر هل هن كاشفات ضره الى قوله قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون وقد ذكر الله هذه الكلمة حسبى الله فى جلب المنفعة تارة وفى دفع المضرة اخرى فالأولى فى قوله تعالى ولو انهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله الآية و الثانية فى قوله الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وفى قوله تعالى وان يريدوا ان يخدعوك فان حسبك الله هو الذي ايدك بنصره وقوله ولو انهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله يتضمن الامر بالرضا والتوكل والرضا والتوكل يكتنفان المقدور فالتوكل قبل وقوعه والرضا بعد وقوعه ولهذا كان النبى
r يقول فى الصلاة اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق احيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفنى اذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم انى اسألك خشيتك في الغيب والشهادة واسألك كلمة الحق في الغضب والرضا واسألك القصد فى الفقر والغنى واسألك نعيما لا ينفد واسألك قرة عين لا تنقطع اللهم انى اسألك قرة عين لا تنقطع الللهم اني اسالك الرضا بعد القضاء واسألك برد العيش بعد الموت واسألك لذة النظر الى وجهك واسألك الشوق الى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين رواه احمد والنسائى من حيث عمار بن ياسر واما ما يكون قبل القضاء فهو عزم على الرضا لا حقيقة الرضا ولهذا كان طائفة من المشائخ يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء فاذا وقع انفسخت عزائمهم كما يقع نحو ذلك فى الصبر وغيره كما قال تعالى ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رايتموه وانتم تنظرون وقال تعالى يا ايها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا مالا تفعلون ان الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كانهم بنيان مرصوص نزلت هذه الآية لما قالوا لو علمنا أى الاعمال احب الى الله لعملناه فانزل الله سبحانه وتعالى آية الجهاد فكرهه من كرهه ولهذا كره للمرء ان يتعرض للبلاء بأن يوجب على نفسه مالا يوجبه الشارع عليه بالعهد والنذر ونحو ذلك او يطلب ولاية او يقدم على بلد فيه طاعون كما ثبت فى الصحيحين من غير وجه عن النبى r انه نهى عن النذر وقال انه لا ياتى بخير وانما يستخرج به من البخيل وثبت عن في الصحيحين انة قال لعبد الرحمن بن سمرة لاتسأل الامارة فانك ان اعطيتها عن مسألة وكلت اليها وان اعطيتها من غير مسألة اعنت عليها ةاذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك وثبت عنة فى الصحيحين انة قال فى الطاعون اذا سمعتم بة بأرض فلا تقدموا علية واذا وقع بأرض وانتم بها فلآ تخرجوا فرارا منة وثبت عنة فى الصحيحين انة قال لاتتمنوا لقاء العدو واسالوا اللة العافية ولكن اذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا ان الجنة تحت ظلآل السيوف وامثال ذلك مما يقتضى ان الإنسان لاينبغى ان يسعى فيما يوجب علية اشياء ويحرم علية اشياء فيبخل بالوفاء كما يفعل كثير ممن يعاهد اللة عهودا على امور وغالب هؤلآء يبتلون بنقض العهود ويقتضى ان الانسان إذا ابتلى فعلية ان يصبر ويثبت ولا ينكل حتى يكون من الرجال الموقنين القائمين بالواجبات ولا بد فى جميع ذلك من الصبر ولهذا كان الصبر واجبا باتفاق المسلمين على اداء الواجبات وترك المحظورات ويدخل فى ذلك الصبر على المصائب عن ان يجزع فيها والصبر عن اتباع اهواء النفوس فيما نهى اللة عنة وقد ذكر الله الصبر فى كتابه فى اكثر من تسعين موضعا وقرنه بالصلاة فى قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة الا على الخاشعين واستعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين وقوله واقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل الى قوله واصبر فان الله لا يضيع اجر المحسنين فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فاصبر ان وعد الله حق واستفغر لذنبك الآية وجعل الامامة فى الدين موروثة عن الصبر واليقين بقوله وجعلنا هم أئمة يهدون بأمر لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فان الدين كله علم بالحق وعمل به والعمل به لا بد فيه من الصبر بل وطلب علمه يحتاج الى الصبر كما قال معاذ بن جبل رضى الله عنه عليكم بالعلم فان طلبه لله عبادة ومعرفته خشية والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ومذاكرته تسبيح به يعرف الله ويعبد وبه يمجد الله ويوحد يرفع الله بالعلم اقواما يجعلهم للناس قادة وائمة يهتدون بهم وينتهون الى رأيهم فجعل البحث عن العلم من الجهاد ولا بد فى الجهاد من الصبر ولهذا قال تعالى والعصر إن الإنسان لفى خسر الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وقال تعالى واذكر عبادنا ابراهيم واسحاق ويعقوب اولى الايدى والأبصار فالعلم النافع هو اصل الهدى والعمل بالحق هوالرشاد وضد الاول الضلال وضد الثانى الغى فالضلال العمل بغير علم والغى اتباع الهوى قال تعالى والنجم إذا هى ماضل صاحبكم وما غوى فلا ينال الهدى إلا بالعلم ولا ينال الرشاد الا بالصبر ولهذا قال على ألا ان الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا انقطع الرأس بان الجسد ثم رفع صوته فقال ألا لا إيمان لمن لا صبر له وأما الرضا فقد تنازع العلماء والمشائخ من اصحاب الامام احمد وغيرهم فى الرضا بالقضاء هل هو واجب او مستحب على قولين فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين وعلى الثانى يكون من أعمال المقربين قال عمر بن عبد العزيز الرضا عزبز ولكن الصبر معول المؤمن وقد روى عن النبى r انه قال لابن عباس إن استطعت ان تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل فان لم تستطع فان فىالصبر على ما تكره خيرا كثيرا ولهذا لم يجئ فى القرآن الا مدح الراضين لا ايجاب ذلك وهذا فى الرضا بما يفعله الرب بعبده من المصائب كالمرض والفقر والزلزال كما قال تعالى والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس وقال تعالى ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأيكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا فالبأساء فى الأموال والضراء فى الأبدان والزلزال فى القلوب وأما الرضا بما امر الله به فأصله واجب وهو من الايمان كما قال النبى r فىالحديث الصحيح ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا وهو من توابع المحبة كما سنذكره ان شاء الله تعالى قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما وقال تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله قالوا حسبنا الله الآية وقال تعالى ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم وقال تعالى وما منعهم ان تقبل منهم نفقاتهم الا انهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة الا وهم كسالى ولا ينفقون الا وهم كارهون ومن النوع الأول ما رواه احمد والترمذى وغيرهما عن سعد عن النبى r أنه قال من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما قسم الله له ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله وسخطه بما يقسم الله له وأما الرضا بالمنهيات من الكفر والفسوق والعصيان فأكثر العلماء يقولون لا يشرع الرضا بها كما لا تشرع محبتها فان الله سبحانه لايرضاها ولا يحبها وان كان قدرها وقضاها كما قال سبحانه والله لا يجب الفساد وقال تعالى ولا يرضى لعباده الكفر وقال تعالى وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول بل يسخطها كما قال الله تعالى ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط اعمالهم وقالت طائفة ترضى من جهة كونها مضافة الى الله خلقا وتسخط من جهة كونها الى العبد فعلا وكسبا وهذا القول لا ينافىالذى قبله بل هما يعودان الى اصل واحد وهو سبحانه انما قدر الأشياء لحكمة فهى باعتبار تلك الحكمة محبوبة مرضية وقد تكون فى نفسها مكروهة ومسخوطة إذ الشئ الواحد يجتمع فيه وصفان يجب من احدهما ويكره من الآخر كما فى الحديث الصحيح ما ترددت عن شئ انا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه وأما من قال بالرضا بالقضاء الذى هو وصف الله وفعله لا بالمقتضى الذى هو مفعوله فهو خروج منه عن مقصود الكلام فان الكلام ليس فى الرضا فيما يقوم بذات الرب تعالى من صفاته وافعاله وانما الكلام فىالرضا بمفعولاته والكلام فيما يتعلق بهذا قد بيناه فى غير هذا الموضع والرضا وان كان من اعمال القلوب فكماله هو الحمد حتى ان بعضهم فسرالحمد بالرضا ولهذا جاء فى الكتاب والسنة حمد الله على كل حال وذلك يتضمن الرضا بقضائه وفى الحديث اول من يدعى الى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله فى السراء والضراء وروى عن النبى r انه كان إذا اتاه الأمر يسره قال الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات واذا اتاه الأمر الذى يسوءه قال الحمد لله على كل حال وفى مسند الامام احمد عن ابى موسى الأشعرى عن النبى rقال إذا قبض ولد العبد يقول الله لملائكته اقبضتم ولد عبدى فيقولون نعم فيقول اقبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول ماذا قال عبدى فيقولون حمدك واسترجع فيقول ابنوا لعبدى بيتا فى الجنة وسموه بيت الحمد ونبينا محمد صلىالله عليه وسلم هو صاحب لواء الحمد وامته هم الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء والحمد على الضراء يوجبه مشهدان احدهما علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك مستحق له لنفسه فانه احسن كل شئ خلقه واتقن كل شئ وهو العليم الحكيم الخبير الرحيم
و الثانى علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه كما روى مسلم فى صحيحه وغيره عن النبى
rقال والذى نفسى بيده لا يقتضى الله للمؤمن قضاء الا كان خيرا له وليس ذلك لأحد الا للمؤمن ان اصابته سراء شكر فكان خيرا له وان اصابته ضراء صبر فكان خيرا له فأخبر النبى r ان كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذى يصبر على البلاء ويشكر على السراء فهو خير له قال تعالى ان فى ذلك لايات لكل صبار شكور وذكرهما فى اربعة مواضع من كتابه
فأما من لايصبر على البلاء ولا يشكر على الرخاء فلا يلزم ان يكون القضاء خيرا له ولهذا اجيب من اورد هذا على ما يقضى على المؤمن من المعاصى بجوابين احدهما ان هذا انما يتناول ما اصاب العبد لا ما فعله العبد كما فى قوله تعالى ما اصابك من حسنة فمن الله اى من سراء وما اصابك من سيئة فمن نفسك اى من ضراء وكقوله تعالى وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون اى بالسراء والضراء كما قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة وقال تعالى ان تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها فالحسنات والسيئات يراد بها المسار والمضار ويراد بها الطاعات والمعاصى والجزاب الثانى ان هذا فى حق المؤمن الصبار الشكور والذنوب تنقض الايمان فاذا تاب العبد أحبه الله وقد ترتفع درجته بالتوبة قال بعض السلف كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة فمن قضى له بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير أن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار وان العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة وذلك انه يعمل الحسنة فتكون نصب عينه ويعجب بها ويعمل السيئة فتكون نصب عينه فيستفغر الله ويتوب اليه منها وقد ثبت فى الصحيح عن النبى
r انه قال الاعمال بالخواتيم والمؤمن اذا فعل سيئة فان عقوبتها تندفع عنه بعشرة أسباب
أن يتوب فيتوب الله عليه فان التائب من الذنب كمن لاذنب له او يستغفر فيغفرا له او يعمل حسنات تمحوها فان الحسنات يذهبن السيئات او يدعو له اخوانه المؤمنون ويستغفرون له حيا وميتا او يهدون له من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به او يشفع فيه نبيه محمد
r او يبتليه الله تعالى فى الدينا بمصائب تكفر عنه او يبتليه فى البرزخ بالصعقة فيكفر بها عنه او يبتليه فى عرصات القيامة من اهوالها بما يكفر عنه او يرحمه ارحم الراحمين فمن اخطأته هذه العشرة فلا يلومن الا نفسه كما قال تعالى فيما يروى عنه رسول الله r يا عبادى انما هى اعمالكم احصيها لكم ثم او فيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه فإذا كان المؤمن يعلم أن القضاء خير له اذا كان صبارا شكورا او كان قد استخار الله وعلم ان من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما قسم الله له كان قد رضى بما هو خير له وفى الحديث الصحيح عن على رضى الله عنه قال ان الله يقضى بالقضاء فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط ففى هذا الحديث الرضا والاستخارة فالرضا بعد القضاء والاستخارة قبل القضاء وهذا اكمل من الضراء والصبر فلهذا فى ذكر الرضا وفى هذا الصبر ثم اذا كان القضاء مع الصبر خيرا له فكيف مع الرضا ولهذا فى الحديث المصاب من حرم الثواب فى الاثر الذى رواه الشافعي فى مسنده أن النبى r لما مات سمعوا قائلا يقول يا آل بيت رسول الله r ان فى الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا واياه فارجوا فان المصاب من حرم الثواب ولهذا لم يؤمر بالحزن المنافى للرضا قط مع انه لافائدة فيه فقد يكون فيه مضرة لكنه عفى عنه اذا لم يقترن به ما يكرهه الله لكن البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب وذلك لاينافى الرضا بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه وبهذا يعرف معنى قول النبى r لما بكى على الميت وقال إن هذه رحمة جعلها الله فى قلوب عبادة وانما يرحم الله من عباده الرحماء فان هذا ليس كبكاء من يبكى لحظه لا لرحمة الميت فان الفضيل بن عياض لما مات ابنه على فضحك وقال رأيت ان الله قد قضى فأحببت ان ارضى بما قضى الله به حاله حال حسن بالنسبة الى اهل الجزع واما رحمة الميت مع الرضا بالقضاء وحمد الله تعالى كحال النبى r فهذا اكمل كما قال تعالى ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة فذكر سبحانه التواصى بالصبر والمرحمة والناس أربعةاقسام منهم من يكون فيه صبر بقسوة ومنهم من يكون فيه رحمة بجزع ومنهم من يكون فيه القسوة والجزع والمؤمن المحمود الذى يصبر على ما يصيبه ويرحم الناس وقد ظن طائفة من المصنفين فى هذا الباب ان الرضا عن الله من توابع المحبة له وهذا انما يتوجه على المأخذ الأول وهو الرضا عنه لاستحقاقه ذلك بنفسه مع قطع العبد النظر عن حظه بخلاف المأخذ الثانى وهو الرضا لعلمه بأن المقضى خير له ثم ان المحبة متعلقة به والرضا متعلق بقضائه لكن قد يقال فى تقرير ما قال هذا المصنف ونحوه إن المحبة لله نوعان محبة به نفسه ومحبة له لما فيه من الاحسان وكذلك الحمد له نوعان حمد له على ما يستحقه نفسه وحمد على احسانه الى عبده فالنوعان للرضا كالنوعين للمحبة واما الرضا به وبدينه وبرسوله فذلك من حظ المحبة ولهذا ذكر النبى r ذوق طعم الايمان كما ذكر فى المحبة وجود حلاوة الايمان وهذان الحدثيان الصحيحان هما اصل فيما يذكر من الوجد والذوق الايمانى الشرعى دون الضلالى البدعى ففى صحيح مسلم عن النبى r أنه قال ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا وفى الصحيحين عن النبى r انه قال ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما ومن كان يجب المرء لايحبه الا الله ومن كان يكره أن يرجع فى الكفر بعد اذ أنقذه الله منه كما يكره ان يلقى فى النار وهذا مما يبين من الكلام على المحبة فنقول فصل محبة الله بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الايمان وأكبر اصوله وأجل قواعده بل هى اصل كل عمل من اعمال الايمان والدين وكما ان التصديق به اصل كل قول من أقوال الايمان والدين فان كل حركة فى الوجود انما تصدر عن محبة إما عن محبة محمودة أو عن محبة مذمومة كما قد بسطنا ذلك فى قاعدة المحبة من القواعد الكبار فجميع الاعمال الايمانية الدينية لاتصدر الا عن المحبة المحمودة وأصل المحبة المحمودة هى محبة الله سبحانه وتعالىإذ العمل الصادر عن محبة مذمومة عند الله لايكون عملا صالحا بل جميع الاعمال الايمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله فإن الله تعالى لا يقبل من العمل ما اريد به وجهه كما ثبت فى الصحيح عن النبى r انه قال يقول الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا فأشرك فيه غيرى فانا منه برئ وهو كله للذى أشرك وثبت فى الصحيح فى حديث الثلاثة الذين هم اول من تسعر بهم النار القارئ المرائى والمجاهد المرائى والمتصدق المرائى بل اخلاص الدين لله هو الدين الذى لايقبل الله سواه وهو الذى بعث به الأولين والأخرين من الرسل وأنزل به جميع الكتب واتفق عليه أئمة اهل الايمان وهذا هو خلاصة الدعوةالنبوية وهو قطب القرآن الذى تدور عليه رحاه قال تعالى تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم انا انزلنا اليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين الا لله الدين الخالص والسورة كلها عامتها فى هذا المعنى كقوله قل انى امرت ان أعبد الله مخلصا له الدين وامرت لان اكون اول المسلمين الى قوله قل الله أعبد مخلصا له دينى الى قوله أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه الى قوله قل أفرأيتم ما تدعون من دون تالله ان ارادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره الآية الى قوله ام اتخذوا من دون الله شفعاء قل اولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والاض ثم اليه ترجعون واذ ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لايؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون الى قوله قل افغير الله تأمرونى اعبد ايها الجاهلون الى قوله بل الله فاعبد وكن من الشاكرين وقال تعالى فيما قصه من قصة آدم وابليس انه قال فبغزتك لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين وقال تعالى ان عبادى ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعلك من الغاوين وقال انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون انما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون فبين ان سلطان الشيطان واغواءه انما هو لغير المخلصين ولهذا قال فى قصة يوسف كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين واتباع الشيطان هم اصحاب النار كما قال تعالى لأملأن جهنم منك وممن تبعل منهم اجمعين وقد قال سبحانه وان الله لايغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وهذه الآية فى حق من لم يتب ولهذا خصص الشرك وقيد ما سواه بالمشيئة فأخبر انه لايغفر الشرك لمن لم يتب منه ومادونه يغفره لمن يشاء واما قوله قل ياعبادى الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا فتلك فى حق التائبين ولهذا عم واطلق وسياق الآية يبين ذلك مع سبب نزولها وقد اخبر سبحانه ان الآولين والآخرين انما امروا بذلك فى غير موضع كالسورة التى قرأها النبى r على ابى لما امره الله تعالى ان يقرأ عليه قراءة إبلاغ وإسماع بخصوصه فقال وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء الآية وهذا حقيقة قول لا اله إلاالله وبذلك بعث جميع الرسل قال الله تعالى وما ارسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى اليه انه لا إله إلا انا فاعبدون وقال واسأل من ارسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال تعالى ولقد بعثنا فى كل امة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاعوت وجميع الرسل افتتحوا دعوتهم بهذا الاصل كما قال نوح عليه السلام اعبدوا الله ما لكم من اله غيره وكذلك هود وصالح وشعيب عليهم السلام وغيرهم كل يقول اعبدوا الله مالكم من اله غيره لاسيما افضل الرسل الذين اتخذ الله كلاهما خليلا ابراهيم ومحمدا عليهما السلام فان هذا الاصل بينه الله بهما وأيدهما فيه ونشره بهما فابراهيم هوالامام الذى قال الله فيه انى جاعلك للناس اماما وفى ذريته جعل النبوة والكتاب والرسل فأهل هذه النبوة والرسالة هم من آله الذين بارك الله عليهم قال سبحانه واذ قال ابراهيم لأبيه وقومه اننى براء مما تعبدون الا الذى فطرفى فانه سيهدين وجعلها كلمة باقية فى عقبة لعلهم يرجعون فهذه الكلمة هى كلمة الاخلاص لله وهى البراءة من كل معبود الامن الخالق الذى فطرنا كما قال صاحب يس مالى لا اعبد الذى فطرنى واليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة ان يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون انى إذا لفى ضلال مبين وقال تعالى فى قصته بعد ان ذكر ما يبين ضلال من اتخذ بعض الكواكب ربا يعبده من دون الله قال فلما افلت قال ياقوم انى برئ مما تشركون انى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وما انا من المشركين الى قوله ولا تخافون انكم اشركتم بالله مالم ينزل به عليكم سلطانا وقال ابراهيم الخليل عليه السلام افرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فانهم عدولى الا رب العالمين الذى خلقنى فهو يهدين والذى هو يطمعنى ويسقين واذا مرضت فهو يشفين والذى يميتنى ثم يحيين وقال تعالى قد كانت لكم اسوة حسنة فى ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم انا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم الآية ونبيا r هو الذى اقام الله به الدين الخالص لله دين التوحيد وقمع به المشركين من كان مشركا فى الأصل ومن الذين كفروا من اهل الكتب وقال r فيما رواه الامام أحمد وغيره بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لاشريك له وجعل رزفى تحت ظل رمحى وجعل الذلة والصغار على من خالف امرى ومن تشبه بقوم منهم وقد تقدم بعض ما انزل الله عليه من الآيات المتضمنة للتوحيد وقال تعالى ايضا والصافات صفا الى قوله ان الهكم لواحد الى قوله انهم كانوا اذا قيل لهم لا اله الا الله يستكبرون ويقولون ائنا لتاركوا الهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين الى قوله اولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون الى ما ذكره من قصص الأنبياء فى التوحيد واخلاص الدين لله الى قوله سبحان الله عما يصفون الا عباد الله المخلصين وقال تعالى ان المنافقين فى الدرك الاسفل من النار ولن تجدلهم نصيرا الا الذين تابوا واصلحوا واعتصموا بالله واخلصوا دنيهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتى الله المؤمنين اجرا عظيما وفى الجملة فهذا الأصل فى سورة الأنعام والأعراف والنور وآل طسم وآل حم وآل المر وسور المفصل وغير ذلك من السور المكية ومواضع من السور المدنية كثير ظاهر فهو اصل الأصول وقاعدة الدين حتى فى سورتى الاخلاص قل يا ايها الكافرون وقل هوالله أحد وهاتان السورتان كان النبى r يقرأ بهما فى صلاة التطوع كركعتى الطواف وسنة الفجر وهما متضمنتان للتوحيد فاما قل يا ايها الكافرون فهىمتضمنة للتوحيد العملى الأرادى وهواخلاص الدين لله بالقصد والارادة وهو الذى يتكلم به مشائخ التصوف غالبا واما سورة قل هو الله احد فمتضمنة للتوحيد القولى العملى كما ثبت فى الصحيحين عن عائشة ان رجلا كان يقرأ قل هو الله احد فى صلاته فقال النبى r سلوه لم يفعل ذلك فقال لانها صفةالرحمن فانا احب ان اقرأ بها فقال اخبروه ان اله يحبه ولهذا تضمنت هذه السورة من وصف الله سبحانة وتعالى الذى ينفى قول اهل التعطيل وقول اهل التمثيل ما صارت به هى الأصل المعتمد فى سائل الذات كما قد بسطنا ذلك فى غير هذا الموضع وذكرنا اعتماد الأئمة عليها مع ما تضمنته من تفسير الأحد الصمد كما جاء تفسيره عن النبى r والصحابة والتابعين وما دل على ذلك من الدلائل
لكن المقصود هنا هو التوحيد العملى وهو اخلاص الدين لله وان كان احد النوعين مرتبطا بالأخر فلا يوجد أحد من اهل التعطيل الجهميةواهل التمثيل المشبهة الا وفيه نوع من الشرك العملى اذ اصل قولهم فيه شرك وتسوية بين الله وبين خلقه او بينه وبين المعدومات كما يسوى المعطلة بينه وبين المعدومات فى الصفات السلبية التى لا تستلزم مدحا ولا ثبوت كمال اويسوون بينه وبين الناقص من الموجودات فى صفات النقص وكما يسووى اذا اثبتوا هم ومن ضاها هم من الممثلة بينه وبين المخلوقات فى حقائقها حتى قد يعبدونها فيعدونها فيعدلون بربهم ويجعلون له اندادا ويسوون المخلوقات برب العالملين واليهود كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التى يجب تنزيهه عنها وهى من صفات خلقه والنصارى كثيرا ما يعدلون المخلوق بالخالق حتى يجعلوا فى المخلوقات من نعوت الربوبية وصفات الالهية ويجوزون له مالا يصلح الا للخالق سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا والله سبحانه وتعالى قد امرنا ان نسأله ان يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين انعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير المغضوب عليهم ولا الضالين وقد قال النبى
r اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون وفى هذه الأمة من فيه شبه من هؤلاء وهؤلاء كما قال النبى r لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن والحديث فى الصحيحين
فاذا كان اصل العمل الدينى هو اخلاص الدين لله وهو ارادة الله وحده فالشئ المراد لنفسه هو المحبوب لذاته وهذا كمال المحبة لكن اكثر ما جاء المطلوب مسمى باسم العبادة كقوله وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وقوله يا ايها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم وامثال هذا والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال الذل ونهايته فالمحبوب الذى لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا والمعظم الذى لا يحب لا يكون معبودا ولهذا قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله فبين سبحانه ان المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله اندادا وان كانوا يحبونهم كما يحبون الله فالذين آمنوا اشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم لأن المؤمنين اعلنم بالله والحب يتبع العلم وأن المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده اعلم بالله والحب يتبع العلم ولأن المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده واولئك جعلوا بعض حبهم لغيره واشركوا بينه وبين الأنداد في الحب ومعلوم أن ذلك اكمل قل تعالى ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشا كسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل اكثرهم لا يعلمون واسم المحبة فيه اصلاق وعموم فان المؤمن يحب الله ويجب رسله وانبياءه وعباده المؤمنين وان كان ذلك من محبة الله وان كانت المحبة التى لله لا يستحقها غيره ولهذا جاءت محبة اله سبحانه وتعالى مذكورة بما يختص به سبحانه من العبادة والانابة إليه والتبتل له ونحو ذلك فكل هذه الاسماء تتضمن محبة الله سبحانه وتعالى ثم انه كما بين ان محبته اصل الدين فقد بين ان كمال الدين بكمالها ونقصه بنقصها فان النبى
r قال رأس الأمر الاسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله فاخبر ان الجهاد ذروة سنام العمل وهو اعلاه واشرفه وقد قال تعالى اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله الآخر وجاهد فى سبيل الله لا يستوون عند الله الى قوله اجر عظيم والنصوص فى فضائل الجهاد واهله كثيره وقد ثبت انه افضل ما تطوع به العبد والجهاد دليل المحبة الكاملة قال تعالى قل ان كان آباؤكم وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشرتكم الآية وقال تعال فى صفة المحبين المحبوبين يا أيها الذين أمنوا من تريد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فوصف المحبوبين المحبين بأنهم اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين وانهم يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فإن المحبة مستلزمة للجهاد لأن المحب ما يحب محبوبه ويبغض ما يبغض محبوبه ويوالى من يواليه ويعادي من يعاديه ويرضى لرضاه ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر به وينى عنه فهو موافق له فى ذلك وهؤلاء هم الذين يرضى الرب لرضاهم ويغضب لغضبهم إذ هم انما يرضون لرضاه ويغضبون لما يغضب له كما قال النبى r لأبى بكر فى طائفة فيهم صهيب وبلال لعلك أغضبتهم لأن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك فقال لهم يا إخوتى هل أغضبتكم قالوا لا يغفر الله لك يا أبا بكر وكان قد مربهم ابو سفيان بن حرب فقالوا ما اخذت السيوف من عدو الله مأخذها فقال لهم أبو بكر اتقولون هذا لسيد قريش وذكر ابو بكر ذلك للنبى r فقال له ما تقدم لأن اولئك إنما قالوا ذلك غضبا لله لكمال ما عندهم من الموالاة لله ورسوله والمعاداة لأعداء الله ورسوله ولهذا قال النبى r فى الحديث الصحيح فيما يروى عن ربه لا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى احبه فإذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورحله التى يمشى بها في يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شئ انا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت وانا اكره مساءته ولا يد له منه فبين سبحانه انه يتردد لأن التردد تعارض إرادتين وهو سبحانه يحب ما يحب عبده ويكره ما يكرهه وهو يكره الموت فهو يكرهه كما قال وانا اكره مساءته وهو سبحانه قد قضى بالموت فهو يريد ان يموت فسمى ذلك ترددا ثم بين انه لابد من وقوع ذلك وهذا اتفاق واتحاد فى المحبوب المرضى المأمور به والمبغض المكروه المنهى عنه وقد يقال له اتحاد نوعى وصفى وليس ذلك اتحاد الذاتين فان ذلك محال ممتنع والقائل به كافر وهو قول النصارى والغالية من الرافضة والنساك كالحلاجية ونحوهم وهو الاتحاد المقيد فى شئ بعينه واما الاتحاد المطلق الذى هو قول اهل وحدة الوجود الذين الذين يزعمون ان وجود المخلوق هو عين وجود الخالق فهذا تعطيل للصانع وجحود له وهو جامع لكل شرك فكما ان الاتحاد نوعان فكذلك الحلول نوعان قوم يقولون بالحلول المقيد فى بعض الأشخاص وقوم يقولون بحلوله فى كل شئ وهم الجهمية الذين يقولون ان ذات الله فى كل مكان وقد يقع لبعض المصطلمين من اهل الفناء فى المحبة ان يغيب بمحبونه عن نفسه وحبه ويغيب بمدكوره عن ذكره وبعروفة عن معرفته وبموجوده عن وجوده حتى لا يشهد الا محبوبه فيظن فى زوال تمييزه ونقص عقله وسكره انه هو محبوبه كما قيل ان محبوبا وقع فى اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال انا وقعت فأنت ما الذى اوقعك فقال غبت بك عنى فظننت انك انى فلا ريب ان هذا خطأ وضلال لكن ان كان هذا لقوة المحبة والذكر من غير ان يحصل عن سبب محظور زال به عقله كان معذورا فى زوال عقله فلا يكون مؤاخذا بما يصدر منه من الكلام فى هذه الحال التى زال فيها عقله بغير سبب محظور كما قيل فى عقلاء المجانين إنهم قوم آتاهم الله عقولا واحوالا فسلب عقولهم وابقى احوالهم وأسقط ما فرض بما سلب واما اذا كان السبب الذى به زوال العقل مخطورا لم يكن السكران معذورا وان كان لا يكم بكفره فى اصح القولين كما لا يقع طلاقة فى اصح القولين وان كان النزاع فى الحكم مشهورا وقد بسطنا الكلام فى هذا وفيمن يسلم له حاله ومن لا يسلم فى قاعدة ذلك وبكل حال فالفناء الذى يفضى بصاحبه الى مثل هذا حال ناقص وإن كان صاحبه غير مكلف ولهذا لم يرد مثل هذا عن الصحابة الذين هم افضل هذه الأمة ولا عن نبينا محمد r وهو افضل الرسل وإن كان لهؤلاء فى صعق موسى نوع تعلق وإنما حدث زوال العقل عند الواردات الالهية على بعض التابعين ومن بعدهم وأن كانت المحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب فى محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته فمن المعلوم ان من احب الله المحبة الواجبة فلا بد ان يبغض اعداءه ولا بد ان يحب ما يحبه من جهادهم كما قال تعالى إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص والمحب التام لا يؤثر فيه لوم اللأئم وعذل العاذل بل ذلك يغريه بملازمة المحبة كما قد قال اكثر الشعراء فى ذلك وهؤلاء هم اهل الملام المحمود وهم الذين لا يخافون من يلومهم على ما يحب الله ويرضاه من جهاد اعدائه فان الملام على ذلك كثير واما الملام على فعل ما يكرهه الله او ترك ما احبه فهو لوم بحق وليس من المحمود الصبر على هذا الملام بل الرجوع الى الحق خير من التمادى فى الباطل وبهذا يحصل الفرق بي الملامية الذين يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم فى ذلك وبين الملامية الذين يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ويصبرون على الملام فى ذلك فصل وإذا كانت المحبة اصل كل عمل دينى فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع اليها فان الراجى الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه والخائف يفر من الخوف لينال المحبوب قال تعالى اولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ايهم اقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه الآية وقال إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله اولئك يرجون رحمة الله و رحمته اسم جامع لكل خير وعذابه اسم جامع لكل شر ودار الرحمة الخالصة هى الجنة ودار العذاب الخالص هى النار واما الدنيا فدار امتزاج فالرجاء وإن تعلق بدخول الجنة فالجنةاسم جامع لكل نعيم واعلاه النظر الى وجه الله كما فى صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن ابى ليلى عن صهيب عن النبى r قال اذا دخل اهل الجنة الجنة نادى مناد يا اهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد ان ينجزكموه فيقولون ما هو الم يبيض وجوهنا الم يثقل موازيننا ويدخلنا الجنة وينحينا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون اليه فما اعطاهم شيئا احب اليهم من النظر اليه وهو الزيادة ومن هنا يتبين زوال الاشتباه فى قول من قال ما عبدتك شوقا الى جنتك ولا خوفا من نارك وانما عبدتك شوقا الى رؤيتك فان هذا القائل ظن هو ومن تابعه ان الجنة لا يدخل فى مسماها الا الأكل والشرب واللباس والنكاح والسماح ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات كما يوافقه على ذلك من ينكر رؤية الله من الجهمية او من يقربها ويزعم انه لاتمتع بنفس رؤية الله كما يقوله طائفة من المتفقهة فهؤلاء متفقون على ان مسمى الجنة والآخرة لا يدخل فيه الا التمتع بالمخلوقات ولهذا قال بعض من غلط من المشائخ لما سمع قوله منكم من يريد الدينا ومنكم من يريد الآخرة قال فأين من يريد الله وقال آخر فى قوله تعالى ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بأن لهم الجنة قال اذا كانت النفوس والأموال بالجنة فأين النظر اليه وكل هذا لظنهم ان الجنة لا يدخل فيها النظر و التحقيق ان الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم واعلى ما فيها النظر الى وجه الله وهو من النعيم الذى ينالونه فى الجنة كما اخبرت به النصوص وكذلك اهل النار فانهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار مع ان قائل هذا القول اذا كان عارفا بما يقول فانما قصده انك لو لم تخلق نارا او لو لم تخلق جنة لكان يجب ان تعبد ويجب التقرب اليك والنظر اليك ومقصوده بالجنة هنا ما يتمتع فيه المخلوق واما عمل الحى بغيرحب ولا ارادة اصلا فهذا ممتنع وان تخيله بعض الغالطين من النساك وظن ان كمال العبد ان لاتبقى له ارادة اصلا فذاك لانه تكلم فى حال الفناء والفانى الذى يشتغل بمجبوبه له ارادة ومحبة ولكن لا يشعر بها فوجود المحبة شىء والارادة شئ والشعور بها شئ آخر فلما لم يشعروا بها ظنوا انتفاءها وهو غلط فالعبد لايتصور ان يتحرك قط الاعن حب وبغض وارادة ولهذا قال النبى صلىالله عليه وسلم اصدق الاسماء حارث وهمام فكل انسان له حرث وهو العمل وله هم وهو اصل الارادة ولكن تارة يقوم بالقلب من محبة الله ما يدعوه الى طاعته ومن اجلاله والحياء منه ماينهاه عن معصيته كما قال عمر رضى الله عنه نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه اى هو لم يعصه ولو لم يخفه فكيف اذا خافه فان اجلاله واكرامه لله يمنعه من معصيته فالراجى الخائف اذا تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب باحتجاب الرب عنه والتنعم بتجليه له فمعلوم ان هذا من توابع محبته له فالمحبة هى التى اوجبت محبة التجلى والخوف من الاحتجاب وان تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب بمخلوق والتنعم به فهذا انما يطلب ذلك بعبادة الله المستلزمة محبته ثم اذا وجد حلاوة محبة الله وجدها احلى من كل محبة ولهذا يكون اشتغال اهل الجنة بذلك اعظم من كل شئ كما فى الحديث إن اهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس وهو يبين غاية تنعمهم بذكر الله ومحبته فالخوف من التعذب بمخلوق والرجاء له يسوقه الى محبة الله التى هى الأصل وهذا كله ينبنى على اصل المحبة فيقال قد نطق الكتاب والسنة بذكر محبة العباد المؤمنين كما فى قوله والذين آمنوا اشد حبا له وقوله تعالى يحبهم ويحبونه وقوله تعالى احب اليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله وفى الصحيحين عن النبى r انه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان ان يكون الله ورسوله احب اليه مما سواهما وأن يجب المرء لا يحبه الا الله وان يكره أن يرجع فى الكفر بعد اذ انقذه الله منه كما يكره ان يلقى فى النار بل محبة رسوله الله r وجبت لمحبة الله كما فى قوله تعالى أحب اليكم من الله ورسوله وكما فى الصحيحين عن النبى r انه قال والذى نفسى بيده لا يؤمن احدكم حتى اكون احب اليه من ولده ووالده والناس اجمعين وفى صحيح البخارى عن عمر بن الخطاب انه قال والله يارسول الله لانت احب الى من كل شئ الا من نفسى فقال لا ياعمر حتى اكون احب اليك من نفسك فقال والله لانت احب الى من نفسى قال الآن ياعمر وكذلك محبة صحابته وقرابته كما فى الصحيح عن النبى r انه قال آية الايمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الانصار وقال لا يبغض الانصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر وقال على رضى الله عنه انه لعهد النبى الا مى انه لا يحبنى الا مؤمن ولا يبغضنى الا منافق وفى السنن انه قال للعباس والذى نفسى بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله ولقرابتى يعنى بنى هاشم وقد روى حديث عن ابن عباس مرفوعا انه قال احبوا الله لما يغذوكم به من نعمه واحبونى يحب الله واحبوا اهل بيتى لاجلى واما محبة الرب سبحانه لعبده فقال تعالى واتخذ الله ابراهيم خليلا وقال تعالى يحبهم ويحبونه وقال تعالى واحسنوا ان الله يحب المحسنين واقسطوا ان الله يحب المقسطين فاتموا اليهم عهدهم الى مدتهم ان الله يحب المتقين فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ان الله يحب المتقين إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص بلى من اوفى بعهده واتقى فان الله يحب المتقين واما الأعمال التى يحبها الله من الواجبات والمستحبات الظاهرة والباطنة فكثيرة معروفة وكذلك حبه لأهلهاوهم المؤمنون أولياء الله المتقون وهذه المحبة حق كما نطق بها الكتاب والسنة والذى عليه سلف الأمة وأئمتها واهل السنة والحديث وجميع مشائخ الدين المتبعون وائمة التصوف ان الله سبحانه محبوب اذاته محبة حقيقة بل هى اكمل محبة فانها كما قال تعالى والذين آمنوا أشد حبا لله وكذلك هو سبحانه يحب عباده المرمنين محبة حقيقة وانكرت الجهمية حقيقة المحبة من الطرفين زعما منهم ان المحبة لاتكون الا لمناسبة بين المحب والمحبوب وانه لامناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة وكان اول من ابتدع هذا فى الاسم هو الجعد بن درهم فى اوائل المائة الثانية فضحى به خالدين بن عبد الله القسرى امير العراق والمشرق بواسط خطب الناس يوم الأضخى فقال ايها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى مضح بالجعد بن ردهم انه زعم ان الله لم يتخذ ابراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه وكان قد اخذ هذا المذهب عنه الجهم بن صفوان فأطهره وناظر عليه واليه اضيف قول الجهمية فقتله سلم بن احوز امير خراسان بها ثم انتقل ذلك الى المعتزلة اتباع عمرو بن عبيد وظهر قولهم اثناء خلافة المأمون حتى امتحن ائمة الاسلام ودعوا الى الموافقة لهم على ذلك واصل قولهم هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة اهل الكتاب الذين يزعمون ان الرب ليس له صفة ثبوتية اصلا وهؤلاء هم اعداء ابراهيم الخليل عليه السلام وهم يعبدون الكواكب ويبنون الهياكل للعقول والنجوم وغيرها وهم ينكرون فى الحقيقة ان يكون ابراهيم خليلا وموسى كليما لأن الخلة هى المحبة المستغرقة للمحب كما قيل قد تخللت مسلك الروح منى * وبذا سمى الخليل خليلا ويشهد لهذا ما ثبت فى الصحيح عن ابى سعيد عن النبى r انه قال لوكنت متخذا من اهل الارض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله يعنى نفسه وفى رواية انى أبرأ الى كل خليل من خلته ولو كنت متخذا من اهل الارض خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا وفى رواية ان الله اتخذنى خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلا فبين r انه لايصلح له ان يتخذ من المخلوقين خليلا وانه لو امكن ذلك لكان احق الناس بها ابو بكر الصديق رضى الله عنه

مع انه r قد وصف نفسه بانه يحب اشخاصا كما قال لمعاذ والله انى لأحبك وكذلك قوله للانصار وكان زيد بن حارثة حب رسول الله عليه وسلم وكذلك ابنه اسامة حبه وامثال ذلك وقال له عمرو بن العاص أى الناس احب اليك قال عائشة قال فمن الرجال قال ابوها وقال لفاطمة ابنته رضى الله عنها ألا تحبين ما احب قالت بلى قال فأحبى عائشة وقال للحسن اللهم انى احبه فأحبه وأحب من يحبه وامثال هذا كثير
فوصف نفسه بمحبة اشخاص وقال انى ابرأ الى كل خليل من خلته ولو كنت متخذا من اهل الارض خليلا لاتخذت ابا بكر خليلا فعلم أن الخلة اخص من مطلق المحبة بحيث هى من كمالها وتخللها المحب حتى يكون المحبوب بها محبوبا لذاته لالشئ آخر إذ المحبوب لشئ غيره هو مؤخر فى الحب عن ذلك الغير ومن كمالها لاتقبل الشركة والمزاحمة لتخللها المحب ففيها كمال التوحيد وكمال الحب فالخلة تناقى المزاحمة وتقدم الغير بحيث يكون المحبوب محبوبا لذاته محبة لا يزاحمه فيها غيره وهذه محبه لاتصلح الا لله فلا يجوز ان يشركه غيره فيما يستحقه من المحبة وهو محبوب لذاته وكل ما يحب غيره إذا كان محبوبا بحق فانما يحب لاجله وكل ما احب لغيره فمحبته باطلة فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ما كان لله تعالى واذا كانت الخلة كذلك فمن المعلوم ان من انكر ان يكون الله محبوبا لذاته ينكر مخاللته وكذلك ايضا ان انكر محبته لاحد من عباده فهو ينكر ان يتخذه خليلا بحيث يحب الرب ويحبه العبد على اكمل ما يصلح للعباد
وكذلك تكليمه لموسى انكروه لانكارهم ان تقوم به صفة من الصفات او فعل من الافعال فكما ينكرون ان يتصف بحياة او قدرة او اعلم او ان يستوى اوان يجئ فكذلك ينكرون ان يتكلم او يكلم فهذا حقيقة قولهم كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم
لكن لما كان الاسلام ظاهرا والقرآن متلوا لا يمكن جحده لمن اظهر الاسلام اخذوا يلحدون فى اسماء الله ويحرفون الكلم عن مواضعه فتأولوا محبة العباد له بمجرد محبتهم لطاعته او التقرب اليه وهذا جهل عظيم فان محبة المتقرب الى المتقرب اليه تابع لمحبته وفرع عليه فمن لا يحب الشيء لا يحب التقرب إليه إذ التقرب وسيلة ومحبة الوسيلة تبع لمحبة المقصود فيمتنع ان تكون الوسيلة الى الشئ المحبوب دون الشئ المقصود بالوسيلة وكذلك العبادة والطاعة اذا قيل في المطاع المعبود ان هذا يجب طاعته وعبادته فان محبته ذلك تبع لمحبته والا فمن لا يجب لا يحب طاعته وعبادته ومن كان لايعمل لغيره الا لعوض يناله منه او لدفع عقوبة فانه يكون معاوضا له او مفتديا منه لا يكون محبا له ولا يقال ان هذا يحبه ويفسر ذلك بمحبة طاعته وعبادته فان محبة المقصود وان هذا يحبه ويفسر ذلك بمحبة طاعته وعبادته فان محبة المقصود وان استلزمت محبة الوسيلة او غير محبة الوسيلة فان ذلك يقتضى ان يعبر بلفظين محبة العوض والسلامة عن محبة العمل أما محبة الله فلا تعلق لها بمجرد محبة العوض الاترى ان من استأجر اجيرا بعوض لايقال ان الاجير يحبه بمجرد ذلك بل قد يستأجر الرجل من لايحبه بحال بل من يبغضه وكذلك من افتدى نفسه بعمل من عذاب معذب لا يقال انه يحبه بل يكون مبغضا له فعلم ان ما وصف الله به عباده المؤمنين من انهم يحبونه يمتنع ان لا يكون معناه الا مجرد محبة العمل الذى ينالون به بعض الفرائض المخلوقة من غير ان يكون ربهم محبوبا اصلا
وايضا فلفظ العبادة متضمن للمحبة مع الذل كما تقدم ولهذا كانت محبة القلب للبشر على طبقات احدها العلاقة وهو تعلق القلب بالمحبوب ثم الصبابة وهو انصباب القلب إليه ثم الغرام وهوو الحب اللازم ثم العشق وآخر المراتب هو التتيم وهو التعبد للمحبوب والمتيم المعبود وتيم الله عبد الله فان المحب يبقىذاكرا معبدا مذللا لمحبوبه و ايضا فاسم الانابة اليه يقتضى المحبة ايضا وما اشبه ذلك من الاسماء كما تقدم  و ايضا فلو كان هذا الذى قالوه حقا من كون ذلك مجازا لما فيه من الحذف والاضمار فالجاز لا يطلق إلا بقرينه تبين المراد ومعلوم ان ليس فى كتاب الله وسنة رسوله ما ينفى ان يكون الله محبوبا وان لايكون المحبوب إلا الاعمال لا فى الدلالة المتصلة ولا المنفصلة بل ولا فى العقل ايضا و ايضا فمن علامات المجاز صحةاطلاق نفيه فيجب ان يصح اطلاق القول بان الله لايحب ولا يحب كما اطلق امامهم الجعد بن ردهم ان الله لم يتخذ ابراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكلما ومعلوم ان هذا ممتنع باجماع المسلمين فعلم دلالة الاجماع على أن هذا ليس مجازا بل هى حقيقة  و ايضا فقد فر بين محبته ومحبة العمل له فى قوله تعالى احب اليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله كما فرق بين محبته ومحبة رسوله فى قوله تعالى احب اليكم من الله ورسوله فلو كان المراد بمحبته ليس الا محبة العمل لكان هذا تكريرا او من باب عطف الخاص على العام وكلاهما على خلاف ظاهر الكلام الذى لا يجوز المصير اليه الا بدلالة تبين المراد وكما ان محبته لايجوز ان تفسر بمجرد محبة رسوله فكذلك لا يجوز تفسيرها بمجرد محبة العمل له وان كانت محبته تستلزم محبة رسوله ومحبة العمل له  و ايضا فالتعبير بمحبة الشئ عن مجرد محبته طاعته لا عن محبة نفسه امر لا يعرف فى اللغة لا حقيقة ولا مجازا فحمل الكلام عليه تحريف محض ايضا وقد قررنا فى مواضع من القواعد الكبار انه لايجوز ان يكون غير الله محبوبا مرادا لذاته كما لا يجوز ان يكون غير الله موجودا بذاته بل لارب الا الله ولا اله الا هو المعبود الذى يستحق ان يحب لذاته وبعظم لذاته كمال المحبة والتعظيم  وكل مولود يولد على الفطرة فانه سبحانه فطر القلوب على انه ليس فى محبوباتها ومراداتها ما تطمئن اليه وتنتهى اليه الا الله وحده وان كل ما احبه المحبوب من مطعوم وملبوس ومنظور ومسموع وملموس يجد من نفسه ان قلبه يطلب شيئا سواه ويحب امرا غيره يتألهه ويصمد اليه ويطمئن إليه ويرى ما يشبهه من هذه الاجناس ولهذا قال الله تعالى فى كتابه الا بذكر الله تطمئن القلوب وفى الحديث الصحيح عن عياض بن حمار عن النبى r عن الله تعالى انه قال انى خلقت عبادى حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما احللت لهم وامرتهم ان يشركوا بى مالم انزل به سلطانا كما فى الصحيحين عن ابى هريرة عن النبى r انه قال كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتح البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول ابو هريرة اقرؤوا ان شئام فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم
و أيضا فكل ما فطرت القلوب على محبته من نعوت الكمال فالله هو المستحق له على الكمال وكل ما فى غيره من محبوب فهو منه سبحانه وتعالى فهوالمستحق لأن يحب على الحقيقة والكمال وانكار محبة العبد لربه هو فى الحقيقة انكار لكونه إلها معبودا كما ان انكار محبته لعبده يستلزم انكار مشيئته وهو يستلزم انكار كونه ربا خالقا فصار انكارها مستلزما لانكار كونه رب العالمين ولكونه إله العالمين وهذا هو قول اهل التعطيل والجحود
ولهذا اتفقت الأمتان قبلنا على ما عندهم من مأثور وحكم عن موسى وعييسى صلوات الله عليهما وسلامه ان أعظم الوصايا ان تحب الله بكل قلبك وعقلك وقصدك وهذا هو حقيقة الحنيفية ملة ابراهيم التى هى اصل شريعه التوراة والانجيل والقرآن وانكار ذلك هو مأحوذ عن المشركين والصابئين أعداء ابراهيم الخليل ومن وافقهم على ذلك من متفلسف ومتكلم ومتفقه ومبتدع أخذخ عن هؤلاء وظهر ذلك فى القرامطة الباطنية من الاسماعيلية ولهذا قال الخليل امام الحنفاء صلوات الله وسلامه عليه افرأيتم ماكنتم تعبدون انتم وآباؤكم القدمون فانهم عدو لى الارب العالمين وقال ايضا لااحب الآفلين وقال تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من اتى الله بقلب سليم وهو السليم من الشرك
وأما قولهم انه لامناسبة بين المحدث والقديم توجب محبته له وتمتعه بالنظر اليه فهذا الكلام مجمل فان أرادوا بالمناسبة انه ليس بينهما توالد فهذا حق وان ارادوا انه ليس بينهما من المناسبة ما بين الناكح والمنكوح والآكل والمأكول أو نحو ذلك فهذا ايضا حق وإن أرادوا أنه لا مناسبة بينهما توجب أن يكون احدهما محبا عابدا والآخر معبودا محبوبا فهذا هو رأس المسأله فالاحتجاج به مصادرة على المطلوب ويكفى فى ذلك المنع  ثم يقال بل لا مناسبة تقتضى المحبة الكاملة إلا المناسبة التى بين المخلوق والخالق الذى لا إله غيره الذى هو فى السماء وفى الآرض إله وله المثل الأعلى فى السموات والأرض وحقيقة قول هؤلاء جحد كون الله معبودا فى الحقيقة ولهذا وافق على هذه المسأله طوائف من الصوفيةالمتكلمين الذين ينكرون ان يكون الله محبا فى الحقيقة فأقروا بكونه محبوبا ومنعوا كونه محبا لأنهم تصوفوا مع ما كانوا عليه من قول اولئك المتكلمة فأخذوا عن الصوفية مذهبهم فى المحبة وإن كانوا قد يخلطون فيه واصل انكارها إنما هو قول المعتزلة ونحوهم من الجهمية فأما محبة الرب عبده فهم لها اشد انكارا ومنكروها قسمان قسم يتأولونها بنفس المفعولات التى يحميها العبد فيجعلون محبته نف خلقه  و قسم يجعلونها نفس إرادته لتلك المفعولات وقد بسطنا الكلام فى ذلك فى قواعد الصفات والقدر وليس هذا موضعها ومن المعلوم انه قد دل الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة على ان الله يحب ويرضى ما امر بفعله من اوجب ومستحب وإن لم يكن ذلك موجودا وعلى انه قد يريد امور يبغضها ويسخطها من الأعيان والأفعال كالفسق والكفر وقد قال الله تعالى والله لا يحب الفساد وقال تعالى ولا يرضى لعبادة الكفر  والمقصود هنا انما هو ذكر محبة العباد لالهتهم  وقد تبين ان ذلك هو اصل اعمال الايمان ولم يتبين بين احد من سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم باحسان نزاع فى ذلك وكانوا يحركون هذه المحبة بما شرع الله ان تحرك به من انواع العبادات الشرعية كالعرفان الايمان الايمانى والسماع الفرقانى قال تعالى وكذلك اوحينا إليك زوجا من امرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان إلىا آخر السورة ثم انه لما طال المد صار فى طوائف المتكلمة من المعتزلة وغيرهم من ينكر هذه المحبة  وصار فى بعض المتصوفة من يطلب تحريكها بأنواع من سماع الحديث كالتغيير وسماع المكاء والتصدية فيسمعون من الأقوال والأشعار ما فيه تحريك جنس الحب الذى يحرك من كل قلب ما فيه من الحب بحيث يصلح لمحب الأوثان والصلبان والاخوان والاوطان والمردان والنسوان كما يصلح لمحب الرحمن ولكن كان الذين يحضرونه من الشيوخ يشترطون له المكان والامكان والخلان وربما اشترطوا له الشيخ الذى يحرس من الشيطان ثم توسع فى ذلك غيرهم حتى خرجوا فيه الى أنوا من المعاصى بل إلى أنواع من الفسوق بل خرج فيه طوائف الى الكفر الصريح بحيث يتواجدون على أنواع من الأشعار التي فيها الكفر والالحاد مما هو من أعظم أنواع الفساد وتنتج ذلك لهم من الأحوال بحسبه كما تنتج لعباد المشركين واهل الكتاب عباداتهم بحسبها  والذى عليه محققوا المشائخ انه كما قال الجنيد رحمه الله من تكلف السماع فتن به ومن صادفه السماع استراح به ومعنى ذلك انه لا يشرع الاجتماع لهذا السماع المحدث ولا يؤمر به ولا يتخذ ذلك دينا وقربة فان القرب والعبادات انما تؤخذ عن الرسل صلات الله وسلامه عليهم فكما انه لا حرام الا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه الله قال الله تعالى ام لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله ولهذا قال تعالى قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم فجعل محبتهم لله موجبة لمتابعة رسوله وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الله لهم قال أبى ابن كعب رضى الله عنه عليكم بالسبيل والسنة فانه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله فاقشعر جلده من مخافة الله الا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات الورق اليابس عن الشجرة وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا ففاضت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار ابدا وان اقتصادا فى سبيل وسنة خير من اجتهاد فى خلاف سبيل وسنة فاحرصوا ان تكون اعمالكم اقتصادا واجتهادا على منهاج الأنبياء وسنتهم وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع  فلوكان هذا مما يؤمر به ويستحب وتصلح به القلوب للمعبود المحبوب لكان ذلك مما دلت الأدلة الشرعية عليه ومن المعلوم انه لم يكن فى القرون الثلاثة المفضلة التى قال فيها النبى r خير القرون قرنىالذى بعثت فيه ثم الذين بلونهم ثم الذين يلونهم لا فى الحجاز ولا فى الشام ولا فى اليمن ولا فى العراق ولا فى مصر ولا فى خراسان احد من اهل الخير والدين يجتمع على سماع المبتدع لصلاح القلوب ولهذا كرهه الأئمة كالامام احمد وغيره حتى عده الشافعى من احداث الزنادقة حين قال خلقت ببغداد شيئا أحدثه الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن  واما مالم يقصده الانسان من الاستماع فلا يترتب عليه لا نهى ولا ذم باتفاق الائمة ولهذا إنما يترتب الذم والمدح علىالاستماع لا على السماع فالمستمع للقرآن يثاب عليه والسامع له من غير قصد وإرادة لا يثاب على ذلك اذ الاعمال بالنيات وكذلك ما ينهى عن استماعه من الملاهى لو سمعه السامع بدون قصده لم يضره ذلك فلو سمع السامع بيتا يناسب بعض حاله فحرك ساكنه المحمود وازعج قاطنه المحبوب او تمثل بذلك ونحو ذلك لم يكن هذا مما ينهى عنه وكان المحمود الحسن حركة قلبه التى يحبها الله ورسوله الى محبته التى تتضمن فعل ما يحبه الله وترك ما يكرهه الله كالذى اجتاز بيتا فسمع قائلا يقول كل يوم تتلون * غير هذا بك اجمل فاخذ منه اشارة تناسب حاله فإن الاشارات من باب القياس والاعتبار وضرب الامثال ومسأله السماع كبيرة منتشرة قد تكلمنا عليها فى غير هذا الموضع والمقصود هنا ان القاصد المطلوبة للمريدين تحصل بالسماع الايمانى القرأنى النبوى الدينى الشرعى الذى هو سماع النبيين وسماع العالمين وسماع العارفين وسماع المؤمنين قال الله تعالى والئك الذين انعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم الى قوله اذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا وقال تعالى ان الذين أوتوا العلم من قبله اذا يتلى عليهم يخرون للاذقان سجدا الى قوله ويزيدهم خشوعا وقال تعالى واذا سمعوا ما انزل الى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق وقال تعالى إنما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون وقال تعالى الله انزل احسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم الآية  وكما مدح المقبلين على هذا السماع فقد ذم المعرضين عنه فى مثل قوله ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغيرعلم ويتخذها هزوا الى قوله واذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن فى اذنيه وقرا فبشره بعذاب اليم وقال تعالى والذين اذا ذكروا بأيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا وقال تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة
وقال تعالى ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لايعقلون ولو علم الله فيم خيرا لأسمعهم الاية وقال تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرأن والغوا فيه لعلكم تغلبون وقال تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفر فرت من قسورة ومثل هذا كثير فى القرآن
وهذا كان سماع سلف الامة واكابر مشائخها وائمتها كالصحابة والتابعين ومن بعدهم من المشائخ كابراهيم بن ادهم والفضيل بن عياض وابى سليمان الدارانى ومعروف الكرخى ويوسف بن اسباط وحذيفة المرعشى وامثال هؤلاء وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول لابى موسى الأشعرى يا ابا موسى ذكرنا ربنا فيقرأوهم يسمعون ويبكون وكان اصحاب محمد r اذا اجتمعوا امروا واحدا منهم ان يقرأ القرآن والباقى يستمعون وقد ثبت فىالصحيح ان النبى r مر بأبى موسى الاشعرى وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته وقال لقداوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود وقال مررت بك البارحة وانت تقرأ فجعلت استمع لقراءتك فقال لو علمت انك تسمع لحبرته لك تحبرا اى لحسنته لك تحسنيا وقال r زينوا القرآن من صاحب باصواتكم وقال الله اشد اذنا الى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينةالى قينته اذنا اى استماعا كقوله واذنت لربها وحقت اى استمعت وقال r ما اذن الله لشئ ما اذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به وقال ليس منا من لم يتغن بالقرآن ولهذا السماع من المواجيد العظيمة والأذواق الكريمة ومزيد المعارف والاحوال الجسيمة مالا يتسع له خطاب ولايحويه كتاب كما ان فى تدبر القرآن وتفهمه من مزيد العلم والايمان مالا يحيط به بيان
ومما ينبغى التفطن له ان الله سبحانه قال فى كتابه قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله قال طائفة من السلف ادعى قوم على عهد النبى r انهم يحبون الله فانزل الله هذه الآية قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله الآية فبين سبحابه ان محبته توجب اتباع الرسول وان اتباع الرسول يوجب محبة الله للعبد وهذه محبة امتحن الله بها اهل دعوى محبةالله فان هذا الباب تكثر فيه الدعاوى والاشتباه ولهذا يروى عن ذى النون المصرى انهم تكلموا فى مسألة المحبة عنده فقال اسكتوا عن هذه المسالة لئلا تسمعها النفوس فتدعيها وقال بعضهم من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حرورى ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد وذلك لأن الحب المجرد تنبسط النفوس فيه حتى تتوسع فىاهوائها اذا لم يزعها وازع الخسية لله حتى قالت اليهود والنصارى نحن ابناء الله واحباؤه ويوجد فى مدعى المحبة من مخالفة الشريعة مالا يوجد فى أهل الخشية ولهذا قرن الخشية بها فى قوله هذا ما توعدون لكل اواب حفيظ من خشى الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود وكان المشائخ المصنفون فى السنة يذكرون فى عقائدهم مجانبة من يكثر دعوى المحبة والخوض فيها من غير خشية لما فى ذلك من الفساد الذى وقع فيه طوائف من المتصوفة وما وقع فى هؤلاء من فساد الاعتقاد والاعمال أوجب انكار الطوائف لأصل طريقة المتصوفة بالكلية حتى صار المنحرفون صنفين
صنف يقر بحقها وباطها وصنف ينكر حقها وباطلها كما عليه طوائف من أهل الكلام والفقه والصواب إنما هو الاقرار بما فيها وفى غيرها من موافقة الكتاب والسنة والانكار لما فيها وفى غيرها من مخالفة الكتاب والسنة وقال تعالى قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم فاتباع سنة رسوله r وشريعته باطنا وظاهرا هى موجب محبة الله كما ان الجهاد فى سبيله وموالاة اوليائه ومعاداة اعدائه هو حقيقتها كما فى الحديث اوثق عرى الايمان الحب فى الله والبغض فىالله وفى الحدي من احب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان
وكثير يدعى المحبة هو أبعد من غيره عن اتباع السنة وعن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد فى سبيل الله ويدعى مع هذان ان ذلك اكمل لطريق المحبة من غيره لزعمه ان طريق المحبة لله ليس فيه غيره ولا غضب لله وهذا خلاف مادل عليه الكتاب والسنة ولهذا فى الحديث المأثور يقول الله تعالى يوم القيامة اين المتحابون بجلالى اليوم اظلهم فى ظلى يوم لا ظل إلا ظلى فقوله اين المتحابون بجلال الله تنبيه على مافى قلوبهم من اجلال الله وتعظيمه مع التحاب فيه وبذلك يكونون حافظين لحددوه دون الذين لا يحفظون حدوده لضعف الايمان فى قلوبهم وهؤلاء الذين جاء فيهم الحديث حقت محبتى للمتحابين فى وحقت محبتى للمتجالسين فى وحقت محبتى للمتزاورين فى وحققت محبتى للمتباذلين فى والاحاديث فى المتحابين فى الله كثيرة
وفى الصحيحين عن النبى r من حديث ابى هريرة رضى الله عنه سبعة يضلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمسجد اذا خرج منه حتى يرجع اليه ورجلان تحابا فى الله اجتمعا وتفرقا عليه ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لاتعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال انى اخاف الله رب العالمين
واصل المحبة هو معرفة الله سبحانه وتعالى ولها اصلان
احدهما وهو الذى يقال له محبة العامة لأجل احسانه الى عباده وهذه المحبة على هذا الاصل لاينكرها احد فان القلوب مجبولة على حب من احسن اليها وبغض من اسماء اليها والله سبحانه هو المنعم المحسن الى عبده بالحقيقة فانه المتفضل بجميع النعم وان جرت بواسطة إذ هو ميسر الوسائط ومسبب الاسباب ولكن هذه المحبة فى الحقيقة اذا لم تجذب القلب الى محبة الله نفسه فما أحب العبد فىالحقيقة الا نفسه وكذلك كل من احب شيئا لاجل احسانه اليه فما أحب فى الحقيقة الا نفسه وهذا ليس بمذموم بل محمود وهذه المحبة هي المشار اليها بقوله r احبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبونى لحب الله واحبوا اهلى بحبى والمقتصر على هذه المحبة هو لم يعرف من جهة الله ما يستوجب انه يحبه الا احسانه اليه وهذا كما قالوا ان الحمد لله على ونوعين
حمد هو شكر وذلك لا يكون إلا على نعمته و حمد هو مدح وثناء عليه ومحبة له وهو بما يستحقه لنفسه سبحانه فكذلك الحب فإن الأصل الثانى فيه هو محبته لما هو له اهل وهذا حب من عرف من الله ما يستحق ان يحب لاجله وما من وجه من الوجوه التى يعرف الله بها مما دلت عليه اسماؤه وصفاته الا وهو يستحق المحبة الكاملة من ذلك الوجه حتى جميع مفعولاته اذ كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل ولهذا استحق ان يكون محمودا على كل حال ويستحق ان يحمد على السراء والضراء وهذا اعلى وأكمل وهذا حب الخاصة
وهؤلاء هم الذين يطلبون لذة النظر الى وجهه الكريم ويتلذذون بذكره ومناجاته ويكون لهم أعظم من الماء للسمك حتى لو انقطعوا عن ذلك لوجدوا من الألم مالا يطيقون وهم السابقون كما فى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال مر النبى r بجبل يقال له جمدان فقال سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا يارسول الله من المفردون قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات وفى رواية اخرى قال المستهترون وبذكر الله يضع االذكر عنهم أثقالهم فيأتون الله يوم القيامة خفافا والمستهتر بذكر الله يتولع به ينعم به كلف لا يفتر منه
وفى حديث هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال موسى يارب اى عبادك أحب اليك قال الذى يذكرنى ولا ينسانى قال أى عبادك أعلم قال الذى يطلب علم الناس الى علمه ليجد كلمة تدله على هدى او ترده عن ردى قال أى عبادك احكم قال الذى يحكم على نفسه كما يحكم على غيره ويحكم لغيره كما يحكم لنفسه فذكر فى هذا الحديث الحب والعلم والعدل وذلك جماع الخير ومما ينبغى التفطن له أنه لايجوز ان يظن فى باب محبة الله تعالى ما يظن فى محبة غيره مما هو من جنس التجنى والهجر والقطيعة لغير سبب ونحو ذلك مما قد يغلط فيه طوائف من الناس حتى يتمثلون فى حبه بجنس ما يتمثلون به فى حب من يصد من يصد ويقطع بغير ذنب او يبعد من يتقرب اليه وان غلط فى ذلك من المصنفين فى رسائلهم حتى يكون مضمون كلامهم اقامة الحجة على الله بل لله الحجة البالغة  وقد ثبت فى الصحيحين عن أبى هريرةعن النبى r أنه قال يقول الله تعالى من ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى ومن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه ومن تقرب الى شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب الى ذراعا تقريب اليه باعا ومن أتانى يمشى أتيته هرولة وفى بعض الآثار يقول الله تعالى أهل ذكرى أهل مجالستى وأهل شكرى أهل زيارتى وأهل طاعتى أهل كرامتى وأهل معصيتى لا أؤيسهم من رحمتى وان تابوا فانا حبيبهم لأن الله يحب التوابين وان لم يتوبوا فانا طبيبهم ابتليهم بالمصائب حتى اطهرهم من المعائب وقد قال تعالى ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما قالوا الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره والهضم أن ينقض من حسنات نفسه وقال تعالى وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وفى الحديث الصحيح عن أبى ذر رضى الله عنه عن النبى r قال يقول الله تعالى ياعبادى انى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ياعبادى كلكم ضال الا من هديته فاستهدونى اهدكم عبادى كلكم جائع الى من اطعمته فاستطعمونى اطعمكم ياعبادى كلكم عار الا من كسوته فاستكسونى اكسكم ياعبادى انكم تذنبون بالليل والنهاروانا اغفر الذنوب ولا ابالى فاستغفرونى اغفر لكم ياعبادى لو ان اولكم وأخركم وانسكم وجنكم كانوا على اتقى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك فى ملكى شيئا ياعبادى لو ان اولكم وأخركم وانسكم وجنكم كانوا على افجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا ياعبادى لو ان اولكم وآخركم وانسكم وجنكم اجتمعوا فى وصعيد واحد فسألونى فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكى الا كما ينقص المخيط الا اذا غمس فى البحر يا عبادى انما هي اعمالكم احصيها لكم ثم اوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه

ومن ذلك رواه البخارى فى صحيحة عن شداد بن اوس قال قال رسول الله r سيد الاستغفار ان يقول العبد اللهم انت ربى لااله الا الله أنت خلقتنى وأنا عبدك وانا على عهدك ووعدك ما استطعت اعوذبك من شر ما ضعت ابوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى فانه لايغفر الذنوب الا انت من قالها اذا اصبح موقنا بها فمات فى يومه دخل الجنة ومن قالها اذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة  فالعبد دائما بين نعمة من الله يحتاج فيها الى شكر وذنب منه يحتاج فيه الى الاستغفار وكل من هذين من الأمور اللازمة للعبد دائما فانه لايزال يتقلب فى نعم الله وآلائه ولا يزال محتاجا الى التوبة والاستغفار  ولهذا كان سيد آدم وامام المتقين محمد r يستغفر فى جميع الاحوال وقال r فى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ايها الناس توبوا الى ربكم فانى لأستغفر الله واتوب اليه فى اليوم اكثر من سبعين مرة وفى صحيح مسلم انه قال انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله فى اليوم مائة مرة وقال عبد الله بن عمر كنا نعد لرسول الله r فىالمجلس الواحد يقول رب اغفر لى وتب على انك انت التواب الغفور مائة مرة ولهذا شرع الاستغفار فى خواتيم الأعمال قال تعالى والمستغفرين بالأسحار وقال بعضهم احيوا الليل بالصلاة فلما كان وقت السحر امروا بالاستغفار وفى الصحيح ان النبى r كان اذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم انت السلام ومنك السلام تباركت باذا الجلال والاكرام وقال تعالى فاذا افضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام الى قوله واستغفراوا الله إن الله غفور رحيم وقد امر الله نبيه بعد ان بلغ الرسالة وجاهد فى الله حق جهاده واتى بما امر الله به مما لم يصل اليه احد غيره فقال تعالى اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفاه انه كان توابا ولهذا كان قوام الدين بالتوحيد والاستغفار كما قال الله تعالى الر كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم حبير الا تعبدوا الا الله اننى لكم منه نذير وبشير وان استغفروا ربكم ثم توبوا اليه يمتعكم متاعا حسنا الآية وقال تعالى فاستقيموا اليه واستغفروه وقال تعالى فاعلم انه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين المؤمنات ولهذا جاء فى الحديث يقول الشيطان اهلكت الناس يالذنوب واهلكونى بلا إله إلا الله والاستغفار وقد قال يونس لا إله إلا أنت سبحانك
شيخ الاسلام بن تيمية