|
تطهير الاعتقاد من
أدران الإلحاد الحمد لله الذي لا
يقبل توحيدَ ربوبيته من العباد حتى يفردوه بتوحيد العبادة
كل الإفراد من اتخاذ الأنداد فلا يتخذون له نداً ، ولا يدعون معه أحداً ، ولا يتكلون إلا عليه ولا يفزعون في كل حال إلا
إليه ، ولا يدعونه بغير أسمائه الحسنى ، ولا يتوصلون
إليه بالشُّفعاء ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا
بإذنه﴾ . وأشهد أن لا إله إلا
الله رباً ومعبوداً ، وأن محمداً عبده ورسوله، الذي أمره
أن يقول ﴿قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً
إلا ما شاء الله﴾، وكفى بالله شهيداً ، صلى
الله عليه وعلى آله والتابعين له في السلامة من العيوب وتطهير القلوب من اعتقاد كل شيء يشوب . وبعد : فهذا (تطهير
الاعتقاد من أدران الإلحاد) وجب عليّ تأليفه ، وتعيَّن علي
ترصيفه ؛ لما رأيته وعلمته من اتخاذ العباد الأندادَ في الأمصار والقرى وجميع البلاد من اليمن والشام ومصر ونجد وتهامة
وجميع ديار الإسلام، وهو الاعتقاد في القبور وفي الأحياء
ممن يدعي العلم بالمغيبات وهو من أهل الفجور، لا يحضر للمسلمين مسجداً ، ولا يرى
لله راكعاً أو ساجداً ، ولا يعرف السنة ولا الكتاب ولا يهاب البعث ولا الحساب . فوجب عليّ أن أنكر ما
أوجب الله إنكاره ، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب
الله إظهاره. فاعلم أن ههنا أصولاً هي قواعد للدين ، ومن أهم ما تجب معرفته على الموحدين: الأصل الأول : أنه قد علم من ضرورة
الدين أن كل ما في القرآن فهو حق لا باطل وصدق لا
كذب وهدى لا ضلالة ، وعلم لا جهالة ويقين لا شك فيه . فهذا الأصل أصل لا يتم
إسلام أحد ولا إيمانه إلا بالإقرار به. وهذا مجمع
عليه لا خلاف فيه. الأصل الثاني : أن رسل الله وأنبياءه
ـ من أولهم إلى آخرهم ـ بعثوا لدعاء العباد إلى
توحيد الله بتوحيد العبادة. وكل رسول أول ما يقرع به أسماع قومه قوله ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره﴾
﴿أن لا تعبدوا إلا الله﴾ ، ﴿ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون
﴾ وهذه الذي تضمنه قول
"لا إله إلا الله". فإنما دعت الرسل أممها إلى قول هذه الكلمة واعتقاد معناها، لا مجرد قولها
باللسان. ومعناها: هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، والنفي لما يعبد من
دونه والبراءة منه. وهذا الأصل لا مرية فيما تضمنه،
ولا شك فيه وفي أنه لا يتم إيمان أحدٍ حتى يعلمه ويحققه. الأصل الثالث : أن التوحيد قسمان: القسم
الأول: توحيد الربوبية
والخالقية والرازقية ونحوها، ومعناه: أن الله وحده هو الخالق للعالم وهو الرب لهم
والرازق لهم . وهذا لا ينكره المشركون ولا
يجعلون لله فيه شريكاً ، بل هم مقرون به، كما سيأتي في الأصل الرابع . القسم
الثاني: توحيد العبادة ومعناه
: إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات الآتي
بيانها . فهذا هو الذي جعلوا لله فيه شركاء . ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى . فالرسل عليهم السلام
بعثوا لتقرير الأول ودعاء المشركين إلى الثاني، مثل
قولهم في خطاب المشركين: ﴿أفي الله شك فاطر
السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم﴾14:10 ﴿هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله
إلا هو﴾35:3 ،ونهيهم
عن شرك العبادة، ولذا قال الله تعالى: ﴿ولقد
بعثنا في كل أمةٍ رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾
16:36 أي قائلين لأممهم أن اعبدوا الله . فأفاد بقوله: ﴿في كل أمة﴾ أن جميع الأمم لم ترسل
إليهم الرسل إلى لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف بأن الله
هو الخالق للعالم وأنه رب السماوات والأرض، فإنهم مقرون بهذا. ولهذا لم ترد
الآيات فيه ـ في الغالب ـ إلا بصيغة استفهام التقرير، نحو: ﴿هل من خالقٍ غير الله ﴾35:3 ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ 16:17 ﴿أفي الله شك فاطر السموات والأرض﴾
6:14 ﴿أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات
والأرض﴾ 6:14 ﴿هذا خلق الله فأروني ماذا خلق
الذين من دونه﴾ 31:11 ﴿أروني
ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شركٌ في السموات﴾ 46:4 استفهام
تقرير لهم لأنهم به مقرون . وبهذا تعرف أن
المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان ولم يعبدوها ولم يتخذوا
المسيح وأمه ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى لأنهم أشركوهم في خلق السموات والأرض، بل اتخذوهم لأنهم يقربونهم
إلى الله زلفى، كما قالوه . فهم مقرون بالله
في نفس كلمات كفرهم وأنهم شفعاء عند الله. قال الله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون
هؤلاء شفعاؤنا عند الله. قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض
سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ 10:18 فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء شركاً ، ونزه نفسه عنه ؛
لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء
لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة ولا هم أهل لها ولا يغنون عنهم من الله شيئا؟ الأصل الرابع أن المشركين الذين
بعث الله الرسل إليهم مقرون أن الله خالقهم ﴿ولئن سألتهم: من
خلقهم ليقولن الله﴾ 43:87، ﴿ولئن سالتهم: من خلق السموات
والأرض؟ ليقولن:
خلقهن العزيز العليم﴾ 43:9 وأنه الرازق الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت
من الحي ، وأنه الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة، ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع
والأبصار والأفئدة ومن يخرج
الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر؟فسيقولون: الله فقل أفلا
تتقون﴾ ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله. قل
أفلا تذكرون؟ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم؟ سيقولون لله، قل أفلا
تتقون؟ قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون؟ سيقولون
لله، قل فأنى تسحرون﴾ 23:84-98 وهذا فرعون مع غلوه في كفره ، ودعواه أقبح دعوى ونطقه بالكلمة
الشنعاء ، يقول الله في حقه حاكياً عن موسى عليه السلام: ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا ربُّ السموات والأرض
بصائر﴾ 17:102 وقال إبليس: ﴿إني
أخاف الله رب العالمين﴾ 59:16 وقال: ﴿رب بما أغويتني﴾ 17:39 وقال: ﴿رب فأنظرني﴾ 15:36 وكل مشرك مقر
بأن الله خالقه وخالق السموات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم ، ولهذا احتج
عليهم الرسل بقولهم :﴿أفمن يخلق كمن لا
يخلق﴾ 16:17 وبقولهم ﴿ إن
الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له﴾22:73
والمشركون مقرون بذلك لا ينكرونه . الأصل الخامس : أن العبادة أقصى باب
الخضوع والتذلل ، ولم تستعمل إلا في الخضوع لله ، لأنه مولى أعظم النعم. وكان
لذلك حقيقاً بأقصى غاية الخضوع، كما في(الكشاف) . ثم إن رأس العبادة
وأساسها التوحيد لله التوحيد الذي تفيده كلمته التي
إليها دعت جميع الرسل، وهي قول (لا إله إلا الله) والمراد اعتقاد معناها والعمل بمقتضاها لا مجرد قولها باللسان. ومعناها: إفراد الله
بالعبادة والإلهية والنفي والبراءة من كل معبود دونه.
وقد علم الكفار هذا المعنى لأنهم أهل اللسان العربي، فقالوا: ﴿أجعل الآلهة إله واحداً إن هذا لشيء عجاب﴾
38:5. فصل إذا عرفت هذه الأصول فاعلم أن الله تعالى جعل العبادة له أنواعاً : اعتقادية : وهي أساسها، وذلك أن يعتقد أنه الرب الواحد الأحد
الذي له الخلق والأمر وبيده النفع والضر وأنه الذي
لا شريك له ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأنه لا معبود بحق غيره، وغير ذلك من
لوازم الألوهية . ومنها اللفظية: وهي النطق بكلمة
التوحيد، فمن اعتقد ما ذكر ولم ينطق بها لم يحقن دمه ولا
ماله، وكان كإبليس، فإنه يعتقد التوحيد بل ويقر به كما أسلفنا عنه، إلا أنه لم يمتثل أمر الله فكفر. ومن
نطق ولم يعتقد حقن ماله ودمه وحسابه على الله،
وحكمه حكم المنافقين . وبدنية : كالقيام والركوع والسجود في الصلاة. ومنها الصوم وأفعال الحج والطواف. ومالية : كإخراج جزء من المال امتثالاً لما أمر الله تعالى به. وأنواع الواجبات
والمندوبات في الأموال والأبدان والأفعال والأقوال كثيرة، لكن هذه أمهاتها. وإذا تقررت هذه الأمور، فاعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لا إلى
إثبات أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرون بذلك، كما قررناه وكررناه ، ولذا قالوا: ﴿أجئتنا لنعبد الله وحده ﴾ 7:69 أي
لنفرده بالعبادة ونخصه بها من دون آلهتنا، فلم ينكروا
إلا طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله. فلم ينكروا الله تعالى ولا قالوا إنه لا
يعبد ، بل أقروا بأنه يعبد وأنكروا كونه يفرد بالعبادة، فعبدوا مع الله غيره وأشركوا معه سواه واتخذوا له أنداداً ، كما
قال تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم
تعلمون﴾ 2:22 أي وأنتم تعلمون أنه لا ند له. وكانوا يقولون في
تلبيتهم للحج: " لبيك لا شريك لك إلا
شريكاً هو لك تملكه وما ملك". وكان يسمعهم النبي صلى الله عليه وسلم عند قولهم "لا شريك لك" ويقول: قد
أفردوه جل جلاله لو تركوا قولهم "إلا شريكاً هو لك".
فنفس شركهم بالله تعالى إقرار به. قال تعالى ﴿أين
شركاؤكم الذين كنتم تزعمون﴾6:22﴿وقيل
ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم﴾ 28:4 ﴿قل ادعوا شركاؤكم ثم كيدون فلا تُنظرون﴾ 7:194 فنفس اتخاذ
الأنداد إقرار بالله تعالى، ولم يعبدوا الأنداد بالخضوع
لهم والتقرب بالنذور والنحر لهم إلا لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله زلفى وتشفع
لهم لديه. فأرسل الله الرسل تأمر بترك عبادة كل ما سواه وتبين أن هذا الاعتقاد الذي
يعتقدونه في الأنداد باطل وأن التقرب إليهم باطل، وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده. وهذا هو توحيد العبادة. وقد كانوا
مقرين ـ كما عرفت في الأصل الرابع ـ بتوحيد الربوبية،
وهو أن الله هو الخالق وحده والرازق وحده. ومن هذا تعرف أن
التوحيد الذي دعتهم إليه الرسل من أولهم وهو نوح عليه
السلام إلى آخرهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم هو توحيد العبادة، ولذا تقول لهم الرسل : ﴿ألاّ
تعبدوا إلا الله﴾ ﴿اعبدوا الله مالكم من إله غيره﴾. وقد كان المشركون
منهم من يعبد الملائكة ويناديهم عند الشدائد ومنهم من
يعبد أحجاراً ويهتف بها عند الشدائد، فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم
يدعوهم إلى عبادة الله وحده وبأن يفردوه بالعبادة
كما أفردوه بالربوبية، أي بربوبيته للسموات والأرض ، وأن
يفردوه بمعنى ومؤدى كلمة " لا إله إلا الله" معتقدين لمعناها عاملين بمقتضاها وأن لا يدعوا مع الله أحداً
. وقال تعالى ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا
يستجيبون لهم بشيء﴾ 13:14 وقال تعالى﴿ وعلى الله فتوكلوا
إن كنتم مؤمنين﴾ 5:22، أي من شرط الصدق في الإيمان بالله أن
لا يتوكلوا إلا عليه وأن يفردوه بالتوكل كما يجب أن
يفردوه بالدعاء والاستغفار. وأمر الله عباده أن يقولوا (إياك نعبد) ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد
العبادة لله تعالى، وإلا كان كاذباً منهياً عن أن
يقول هذه الكلمة، إذا معناها: نخصك بالعبادة ونفردك بها دون كل أحد، وهو معنى قوله ﴿فإياي
فاعبدون﴾ 29:56 ﴿ وإياي
فاتقون ﴾ 2:41 كما عرف من علم البيان أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي لا تعبدوا إلا
الله ولا تعبدوا غيره ولا تتقوا غيره كما في
(الكشاف). فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون
إلا لله وحده، والاستعانة بالله وحده واللجوء إلى الله
والنذر والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذللاً لله تعالى والركوع والسجود والطواف
والتجرد عن الثياب والحلق والتقصير كله لا يكون
إلا لله عز وجل. ومن فعل شيئاً من ذلك لمخلوقٍ حيٍ أو ميتٍ أو جمادٍ أو غير ذلك
فقد أشرك في العبادة. وصار من تفعل له هذه الأمور إله لعابديه، سواء كان ملكاً
أو نبياً أو ولياً أو شجراً أو قبراً أو جنياً أو
حياً أو ميتاً . وصار العابد بهذه العبادة أو بأي نوع
منها عابدا لذلك المخلوق مشركاً بالله، وإن أقر بالله وعبده، فإن إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك وعن
وجوب سفك دمائهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم غنيمة. قال
الله تعالى [في الحديث القدسي] (أنا أغنى الشركاء
عن الشرك) لا يقبل الله عملاً شورك
فيه غيره، ولا يؤمن به من عبد معه غيره. فصل إذا تقرر عندك أن
المشركين لم ينفعهم الإقرار بالله مع إشراكهم الأنداد
من المخلوقين معه في العبادة ولا أغنى عنهم من الله شيئاً ، وأن عبادتهم هي اعتقادهم فيهم أنهم يضرون وينفعون وأنهم
يقربونهم إلى الله زلفى وأنهم يشفعون لهم عند
الله تعالى، فنحروا لهم النحائر وطافوا بهم ونذروا النذور عليهم، وقاموا متذللين متواضعين في خدمتهم وسجدوا لهم، ومع
هذا كله فهم مقرون لله بالربوبية وأنه الخالق
ولكنهم أشركوا في عبادته، جعلهم مشركين ولم يعتد بإقرارهم هذا، لأنه نافاه فعلهم ، فلم ينفعهم الإقرار بتوحيد
الربوبية. فمن شأن من أقر لله تعالى بتوحيد الربوبية
أن يفرده بتوحيد العبادة. فإن لم يفعل ذلك فالإقرار الأول باطل. وقد عرفوا ذلك وهم في طبقات النار فقالوا ﴿ تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب
العالمين﴾ 26:97-98 مع أنهم لم يسووهم به من كل وجهٍ ولا
جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنهم علموا وهم في
قعر جهنم أن خلطهم الإقرار بذرة من ذرات الإشراك في توحيد العبادة
صيرهم كمن سوى بين الأصنام وبين رب الأنام. قال الله تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ 12:106
أي ما يقر أكثرهم في إقراره بالله وبأنه خلقه وخلق
السموات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الأوثان. بل سمى الله الرياء
في الطاعات شركاً . مع أن فاعل الطاعة ما قصد بها إلا
الله تعالى، وإنما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس . فالمرائي عبد الله لا غيره لكنه خلط عمله بطلب المنزلة في قلوب
الناس، فلم يقبل له عبادة وسماها شركاً، كما
أخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (يقول
الله تعالى: أنا أعنى الشركاء
عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) بل سمى الله التسمية بعبد الحارث شركاً ، كما قال تعالى: ﴿فلما آتاهما صالحاً جعلى له شركاء فيما
آتاهما﴾ 7:159 فإنه
أخرج الإمام أحمد والترمذي
من حديث سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"لما حملت حواء ـ وكان لا يعيش لها ولد ـ طاف بها
إبليس، وقال: لا يعيش لك ولد حتى تسميه عبد الحرث. فسمته فعاش. وكان ذلك من وحي
الشيطان وأمره. فأنزل الله الآيات وسمى هذه التسمية شركاً، وكان إبليس تسمى بالحرث". والقصة في الدر
المنثور وغيره. فصل وقد عرفت من هذا كله
أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر
أو أنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج
الدنيا، بمجرد التشفع به والتوسل إلى الرب تعالى، إلا ما ورد في حديث فيه مقال، في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
أو نحو ذلك، فإنه قد أشرك مع الله غيره. واعتقد ما لا يحل اعتقاده، كما اعتقد المشركون في الأوثان، فضلا
عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي أو يطلب من ذلك الميت ما لا يطلب إلا من الله
تعالى من الحاجات،من عافية مريضه أو قدوم غائبه أو نيله لأي مطلب من المطالب،
فإن هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه
عباد الأصنام. والنذر بالمال على
الميت ونحوه والنحر على القبر والتوسل به وطلب الحاجات
منه هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية . وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثناً وصنماً ، وفعله القبوريون لما يسمونه
ولياً وقبراً ومشهداً . والأسماء لا أثر لها ولا
تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية. فإن من شرب الخمر وسماها ماء ،
ما شرب إلا خمراً وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعله
يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية. وقد ثبت في الأحاديث
أنه يأتي قوم يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها، وصدق
صلى الله عليه وسلم فإنه قد أتى طوائف من الفسقة يشربون الخمر ويسمونها نبيذاً. وأول من سمى ما فيه غضب
الله وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين إبليس لعنه الله، فإنه قال لأبي
البشر ﴿يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك
لا يبلى﴾ 20:120فسمى الشجرة التي نهى الله آدم عن قربانها
شجرة الخلد، جذباً لطبعه إليها وهزاً لنشاطه لقربانها
وتدليساً عليه بالاسم الذي اخترعه. كما يسمي إخوانه المقلدون له الحشيشة بلقمة الراحة. وكما يسمي الظلمة ما
يقبضونه من أموال عباد الله ظلماً وعدواناً أدباً ،
فيقولون أدب القتل وأدب السرقة وأدب التهمة، بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب.
كما يحرفونه في بعض المقبوضات إلى اسم "النفاعة" وفي بعضها إلى اسم "السياقة" وفي بعضها أدب المكاييل والموازين . وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان، كما يعرفه من شم رائحة الكتاب والسنة.
وكل ذلك مأخوذ عن إبليس حيث سمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد . وكذلك تسمية القبر
مشهداً ومن يعتقدون فيه ولياً لا تخرجه عن اسم الصنم
والوثن، إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام ويطوفون بها طواف الحجاج ببيت الله الحرام ويستلمونها استلامهم
لأركان البيت ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية،
من قولهم: على الله وعليك، ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد ونحوها. وكل قوم لهم رجل
ينادونه. فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر الجيلاني.
وأهل التهائم لهم في كل بلد ميت يهتفون باسمه، يقولون: "يا زيلعي، يا ابن العجيل". وأهل مكة وأهل الطائف:
"يا ابن العباس". وأهل مصر: "يا رفاعي، يا بدوي، والسادة البكرية". وأهل الجبال:
"يا أبا طير". وأهل اليمن: "يا ابن علوان". وفي كل قرية أموات يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير و دفع الضر. وهذه هو بعينه فعل المشركين في
الأصنام، كما قلنا في الأبيات النجدية: أعادوا بها معنى
سواعا ومثله يغوث وود، بئس ذلك من ود وقد هتفوا عند
الشدائد باسمها كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم نحروا من سوحها من نحيرة أهلت لغير الله جهراً على عمد وكم طائف حول القبور
مقبلًا ويستلم الأركان منهن باليد فإن قال: إنما نحرت لله وذكرت اسم الله عليه. فقل له: إن كان النحر لله
فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه ؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟ إن قال: نعم! فقل له: هذه النحر لغير الله
بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لم ترد تعظيمه، فهل أردت توسيخ باب المشهد
وتنجيس الداخلين إليه؟ أنت تعلم يقيناً أنك ما أردت
ذلك أصلًا، ولا أردت إلا الأول، ولا خرجت من بيتك إلا قصداً له. ثم كذلك دعاؤهم له. فهذا الذي عليه هؤلاء
شرك بلا ريب . وقد يعتقدون في بعض
فسقة الأحياء ، وينادونه في الشدة والرخاء، وهو عاكف على القبائح والفضائح، ولا
يحضر حيث أمر الله عباده المؤمنين بالحضور هناك، ولا
يحضر جمعة ولا جماعة ولا يعود مريضاً ولا يشيع جنازة ، ولا يكتسب حلالاً ، ويضم
إلى ذلك دعوى التوكل وعلم الغيب، ويجلب إليه
إبليس جماعة قد عشش في قلوبهم وباض فيها وفرخ،
يصدقون بهتانه ويعظمون شأنه ويجعلون هذا نداً لرب العالمين ومثلا . فيا للعقول أين ذهبت؟ ويا للشرائع كيف جهلت؟ ﴿إن
الذين تدعون من دون الله عباد
أمثالكم﴾ [7:154] فإن قلتَ: أيصير
هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء
مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟ قلت نعم، وقد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك، بل زادوا في الاعتقاد
والانقياد والاستعباد فلا فرق بينهم. فإن قلت هؤلاء
القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له
نداً والالتجاء إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس شركاً ! قلتُ: نعم ﴿يقولون بأفواههم ما ليس في
قلوبهم﴾ لكن هذا جهل منهم بمعنى
الشرك، فإن تعظيمهم الأولياء ونحرهم النحائر لهم شرك والله تعالى يقول: ﴿فصل لربك وانحر﴾أي: لا لغيره، كما
يفيده تقديم الظرف. ويقول الله تعالى: ﴿ان
المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ [72:18] وقد عرفت بما
قدمناه قريباً أنه صلى الله عليه وسلم قد سمى الرياء
شركاً، فكيف بما ذكرناه؟! فهذه الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعله المشركون وصاروا به مشركين، ولا ينفعهم قولهم: نحن لا نشرك
بالله شيئا، لأن فعلهم أكذبَ قولهم. فإن قلتَ: هم جاهلون
أنهم مشركون بما يفعلونه. قلتُ: قد صرح الفقهاء في
كتب الفقه في باب الردَّة أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد معناها ، وهذا دال على أنهم
لم يعرفوا حقيقة الإسلام ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفارا كفرا أصليا. فالله
تعالى فرض على عباده إفراده بالعبادة ﴿أن لا
تعبدوا إلا الله﴾ وإخلاصها له ﴿وما
أمروا إلا لعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [98:5] ومن نادى الله
ليلاً ونهارًا وسراً وجهاراً وخوفاً
وطمعاً ثم نادى معه غيره فقد أشرك في العبادة. فإن الدعاء من العبادة، وقد سماه الله تعالى عبادة في قوله
تعالى: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون
جهنم داخرين﴾[40:60] بعد قوله: ﴿ادعوني أستجب
لكم﴾ . فإن قلت: فإذا كانوا
مشركين وجب جهادهم والسلوك فيهم ما سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في
المشركين. قلتُ: إلى هذا ذهب طائفة من أهل العلم، فقالوا:
يجب أولاً دعاؤهم إلى التوحيد وإبانة أن ما يعتقدونه ينفع ويضر، لا يغني عنهم من الله شيئا وأمهم أمثالهم وأن هذه
الاعتقاد منهم فيه شرك لا يتم الإيمان بما جاءت
به الرسل إلا بتركه والتوبة منه. وإفراد التوحيد اعتقاداً وعملاً لله وحده.وهذا
واجب على العلماء ، أي بيان أن ذلك الاعتقاد الذي تفرعت عنه النذور والنحائر والطواف بالقبور شرك محرم، عين ما كان يفعله
المشركون لأصنامهم. فإذا أبان العلماء ذلك
للأئمة والملوك وجب على الأئمة والملوك بعث دعاة إلى الناس يدعونهم إلى إخلاص التوحيد لله، فمن رجع وأقر حقن عليه دمه
وماله وذراريه، ومن أصر فقد أباح الله منه ما
أباح لرسوله صلى الله عليه وسلم من المشركين. فإن قلتَ: الاستغاثة
قد ثبتت في الأحاديث، فإنه قد صح أن العباد أن العباد
يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى
وينتهون إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد اعتذار كل واحد من الأنبياء، فهذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر.
قلتُ: هذا تلبيس، فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء
فيما يقدرون عليه لا ينكره أحد، وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾
[28:15] وإنما الكلام في استغاثة
القبوريين وغيرهم بأوليائهم وطلبهم منهم أموراً لا يقدر عليها إلا الله تعالى من
عافية المرض وغيرها، بل أعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم من الأحياء من أتباع من يعتقدون فيه قد يجعلون له حصة
من الولد إن عاش ويشتروا منه الحمل في بطن أمه ليعيش ويأتون بمنكرات ما بلغ
إليها المشركون الأولون . ولقد أخبرني بعض من يتولى
قبض ما ينذر القبوريون لبعض أهل القبور أنه جاء إنسان بدراهم وحلية نسائية وقال هذه لسيده فلان ـ يريد صاحب القبر ـ
نصف مهر ابنتي، لأني زوجتها وكنت ملكت نصفها
فلاناً ـ يريد صاحب القبر. وهذه النذور بالأموال
وجعل قسط للقبر كما يجعلون شيئاً من الزرع يسمونه (تلما) في بعض الجهات اليمنية.
وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام، وهو داخل تحت قول الله تعالى ﴿ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم﴾
[16:56] بلا شك ولا ريب. ثم استغاثة العباد
يوم القيامة وطلبهم من الأنبياء إنما يدعون الله تعالى
ليفصل بين العباد بالحساب حتى يريحهم من هول الموقف، وهذا لا شك في جوازه، أعني طلب دعاء الله تعالى من بعض عباده
لبعض، بل قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله
عنه لما خرج معتمراً : "لا تنسنا يا أخي من
دعائك". وأمرنا سبحانه أن ندعو للمؤمنين
وأن نستغفر لهم في قوله تعالى: ﴿ربنا اغفر
لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [59:10] وقد قالت أم
سليم رضي الله عنها: يا رسول الله، خادمك أنس أدع الله
له. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون الدعاء منه صلى الله عليه وسلم وهو حي. وهذا أمر متفق على جوازه. والكلام في
طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء الذين
لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً أن يشفوا
مرضاهم ويردوا غائبهم وينفسوا عن حبلاهم وأن يسقوا زرعهم ويدروا ضروع مواشيهم
ويحفظوها من العين ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر
عليها أحد إلا الله. هؤلاء هم الذين قال الله
تعالى فيهم﴿والذين تدعون من دونه لا يستطيعون
نصركم ولا أنفسهم ينصرون﴾7:197﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ [7:194]
فكيف يطلب الإنسان من الجماد أو من حي ـ
الجماد خير منه ـ لأنه لا تكليف عليه، وهذا يبين ما فعله المشركون
الذين حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وجعلوا
لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا
لشركائنا..﴾ الآية [6:136] وقال ﴿ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما
رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون﴾ [16:56] فهؤلاء القبوريون والمعتقدون في جهال الأحياء وضلالهم سلكوا مسالك المشركين حذو القذة بالقذة، فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقد إلا في الله، وجعلوا لهم جزء من المال وقصدوا قبورهم من ديارهم البعيدة للزيارة، وطافوا حول قبورهم وقاموا خاضعين عند قبورهم وهتفوا بهم عند الشدائد، ونحروا تقربا إليهم . وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك ولا أدري هل فيهم من يسجد لهم؟ لا أستبعد أن فيهم من يفعل ذلك. بل أخبرني من أثق به أنه رأى من يسجد على عتبة باب مشهد الولي الذي يقصده تعظيما له وعبادة، ويقسمون بأسمائهم. بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالىلم يقبلوا منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه. وهكذا كان عباد الأصنام﴿إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [39:45] وفي الحديث الصحيح: "من كان حالفاً فليحلف بالله أو لصمت" وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يحلف باللات فأمره أن يقول: "لا إله إلا الله" وهذا يدل على أنه ارتد بالحلف بالصنم، فأمره أن يجدد إسلامهن فإنه قد كفر بذلك، كما قررناه في سبل السلام شرح بلوغ المرام وفي منحة الغفار. فإن قلت: لا سواء ، لأن هؤلاء قد قالوا "لا غله إلا الله" وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ‘لا بحقها." وقال لأسامة بن زيد:"لم قتلته بعدما قال لا إله إلا الله ؟" وهؤلاء يصلون ويصومون ويزكون ويحجون بخلاف المشركين. قلتُ: قال صلى الله عليه وسلم " إلا بحقها" وحقها إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى. والقبوريون لم يفردوا الإلهية والعبادة، فلم تنفعهم كلمة الشهادة، فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها، |