|
الأربعون العلمية عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله rعام غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة، فصلى الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، حتى إذا كان يوماً أخر الصلاة ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم أدخل ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعاً ثم قال: "إنكم ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي" فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء ، قال: فسألهما رسول الله r: هل مسستما من مائها شيئاً؟ قالا: نعم، فسبهما النبي rوقال لهما ما شاء الله أن يقول. قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء، قال: وغسل رسول الله rفيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء غزير منهمر، أو قال غزير، حتى استقى الناس، ثم قال: "يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا قد ملئ جناناً". صحيح مسلم في كتاب الفضائل2282 وقد أثبت الواقع الحديث للنهضة الزراعية الحديثة لمدينة تبوك وما حولها صدق ما أخبر عنه النبي r، فقد ملئت جناناً وبساتين وكأنها بكثافة أشجارها وشدة خضرتها تشبه بساتين بلاد الشام ومزارعها، وقد انتشر إنتاجها من الفاكهة والخضروات في أسواق المملكة العربية السعودية وفي خارجها. الحديث الثالث عن المقدام بن معدِ يكرب قال: سمعت رسول الله rيقول: "ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه، بحسبِ ابن آدمَ لقيمات يقمن صُلبه، فإن كان لا محالة فاعلاً، فثلثٌ لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه". أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وتضمن الحديث الشريف عدداً من الحقائق العلمية: منها بيان الأضرار المترتبة عن الإفراط في تناول الطعام.ومنها بيان تأثير امتلاء المعدة بالطعام على عملية التنفس، فقد يصاب الإنسان بعسر في النفس إذا ملأ معدته بالطعام. ومنها فائدة شرب الماء مع الطعام، ففي كتاب (السنة المطهرة والتحديات) ذكر مؤلفه أن زميلاً له من كبار أساتذة كلية الطب في جامعة دمشق قال له: كيف نقبل كلام هؤلاء الأجانب ولا نقبل كلام النبي r؟! ثم ذكر له قصة من واقع حياته العلمية فيها عبرة لمن عقل وتدبر فقال: قد كنت أول ما عينت مدرساً في كلية الطب أقرر فائدة شرب الماء مع الطعام أخذاً بالحديث الصحيح "فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" وقد لاحظت فائدة ذلك على نفسي وعلى مرضاي الذين أصبح عددهم يزيد الآن على نصف مليون. وكان الطلبة آن ذاك يعارضونني لأنهم يجدون في الكتب التي بين أيديهم والمأخوذة عن الأجانب ضد ذلك، وكنت أصر على رأيي وأخالف تلك الكتب.وأخيراً منذ سنين جاء علم الطب نفسه يقرر ما ذكره الحديث الشريف، ويوصي بشرب الماء مع الطعام، لأنه تبين للأطباء أن شرب الماء مع الطعام يفيد في زيادة إفراز العصارات كلها في المعدة والكبد والأمعاء، ويساعد مهمة جهاز الهضم بتليين الطعام وصياغته كعجينة تنفذ فيها العصارات الهاضمة، ويمنع القبض، وكنت أوصي المصابين بالقبض (الإمساك الزمن) بكثرة شرب الماء مع الطعام .والرسول العظيم حين يخصص الثلث الآخر للنفس لم يشأ أن يتعرض لحقائق علمية لم تعرف إلا في القرن العشرين حين درس بافلوف العصارة المعدية عند الكلب حين فتح معدته وتابع كيف يهضم الطعام وتفرز العصارات، ولم يصرح الرسول الكريم عما يجري في المعدة إلا أنه اكتفى بذكر الثلث الثالث للنفس، حيث أن الطعام بحاجة إلى هضم، والهضم لا يتم بدون مفرزات المعدة، فإذا امتلأت المعدة بالطعام فأين تجد العصارات الهاضمة مكاناً لها؟وهناك سر آخر في هذا الحديث، فقد ابتكر العلماء في الولايات المتحدة طريقة جديدة لإنقاص الوزن وذلك بإدخال بالون إلى المعدة وينفخ بشكل يملأ ثلث المعدة ويبقى ثلثا المعدة الآخران فارغان للطعام، وقد وجد الباحثون أنها طريقة فعالة في إنقاص الوزن. أليس هذا ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام . الحديث الرابع عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن ناساً من عُرينة قدموا على رسول الله rالمدينة، فاجتووها، فقال لهم رسول الله r:"إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا فصحوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام وساقوا ذود رسول الله r، فبلغ ذلك النبي rفبعث في إثرهم فأتى بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا". رواه البخاري ومسلم واللفظ له شرح ألفاظ الحديث: اجتووها: أي كرهوا المقام فيها لمرض أصابهم، مشتق من الجوى وهو داء في الجوف. وفي رواية: فعظمت بطونهم، أي انتفخت، واصفرت ألوانهم. ذود رسول الله r: أي إبله. سَمَلَ أعينهم: أي فقأها.وعن أنس قال:إنما سمل النبي rأعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة.كما في رواية لمسلم. الحرة: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة.واحتج بهذا الحديث من قال بطهارة أبوال الإبل وهو قول مالك وأحمد وطائفة من السلف، ويبدو أن النبي rأذن لهم بذلك لأنهم كانوا قد ألفوه في حياتهم واعتادت عليه أجسامهم، فحالهم في هذا كحال المدمن على تناول المخدرات يعالج بإعطائه منها جرعات تُقَلل بالتدريج حتى يشفى منها، فالحديث محمول على حال الضرورة كالميتة للمضطر.وقد وفق الله تعالى بعض أساتذة جامعة دمشق وأفاد من هذا الطب النبوي في علاج طفل له صغير أصيب باستسقاء في رأسه، وتضخم رأس الطفل جداً وأعيا الأطباء علاجه، فتذكر الوالد العالم المؤمن قصة العرنيين، فصار يذهب إلى مناطق نائية يأتي منها بلبن النوق، وكانت النتيجة جيدة بل مدهشة منذ أول قطرة رضعها الطفل.. علماً بأن تعليل نفع لبن الناقة وبولها للاستسقاء واضح وميسر علمياً، لأن لبن الناقة يحتوي على كمية كبيرة من الكالسيوم مركزة كما ذكر الدكتور محمود الجزيري، يضاف لذلك ما ذكره الأنطاكي في "تذكرته" وهي مرجع هام في الطب العربي فقد ذكر أن الإبل ترعى النباتات الصحراوية كالشيح والقيصوم وفيها مواد نافعة لفتح السدد، وهذا التوسيع أو الفتح للأوعية يساعد على تصريف السوائل المتجمعة في حالة الإستسقاء . الحديث الخامس عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: "لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غازٍ في سبيل الله، فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً". أخرجه أبو داود في سننه وضعف بعضهم إسناده، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أُحِل لكم صيد البحر وطعامُه متاعاً لكم وللسيارة وحُرم عليكم صيدُ البرِ ما دمتم حُرُماً واتقوا الله الذي إليه تحشرون﴾ [المائدة:96].وهو مع ضعفه صحيح في معناه، فقد أثبت العلم الحديث صحة ما أخبر عنه النبي r، فقد أثبتت أجهزة التصوير العلمية لأعماق البحار أن تحت قيعان البحر العميق ناراً ملتهبة، فقد نشرت مجلة أخبار العالم الإسلامي في عددها 1064 الصادر في 19رجب1408هـ مقولة للدكتور علي محمد نصر ذكر فيها أن تحت قيعان البحر العميق ناراً ملتهبة.وما أثبته التصوير العلمي لأعماق البحار عرض في برنامج العلم والإيمان في التلفاز السعودي. الحديث السادس عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع النبي rولا نرى إلا الحج، حتى إذا كنا بسرف أو قريباً منها حُضتُ، فدخل علي النبي rوأنا أبكي، فقال: أنفست؟ يعني الحيضة، قلت: نعم، قال: "إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فاقضِ ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي" قالت: وضحى رسول الله عن نسائه بالبقر. صحيح مسلم في الحج رقم1211 وقوله r"إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم" قول معجز لأنه قرر حقيقة تخالف ما كان شائعاً في بني إسرائيل أنه أول ما أرسل عليهم، قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث: قوله rفي الحيض "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم"هذا تسلية لها وتخفيف لهمها،ومعناه أنك لست مختصة به بل كل بنات آدم يكون منهن هذا، كما يكون منهن ومن الرجال البول والغائط وغيرهما،واستدل البخاري في صحيحه في كتاب الحيض بعموم هذا الحديث على أن الحيض في جميع بنات آدم،وأنكر به على من قال:إن الحيض أول ما أرسل ووقع في بني إسرائيل ومن الثابت أن للحيض صلة عضوية بجهاز الحمل في جسم المرأة، وأن الله جلت حكمته جعله من أسباب الحمل ووصول الغذاء إلى الجنين مدة الحمل، فالأطباء المختصون يقولون: الدورة الشهرية التي تعتري المرأة من البلوغ حتى اليأس ما هي إلا استعداد متكرر للحمل، فالرحم يحضر نفسه كل شهر مرة لاستقبال الحمل، فإن لم يحصل الحمل تخلص من آثار استعداداته تلك وحاض وبدأت الدورة التالية، واليوم الأول من الحيض هو اليوم الأول من الدورة الطمثية، ولكن اليوم الأخير من الحيض هو اليوم الذي تنتهي فيه تماماً آثار الدورة الطمثية السابقة. فالحيض في الواقع مرحلة تراكب بين الدورتين المتتابعتين.. فلو أن النطفة المؤنثة التي انطلقت من المبيض قبل عدة أيام وجدت نطفاً مذكرة في انتظارها في البوق فالتحمت بإحداها وشكلت النطفة الأمشاج، فإن هذه ما تلبث أن تسير عبر البوق إلى الرحم فتجد كمية كبيرة من الغذاء في المخاط المذكور، وتجد غشاء باطن الرحم سميكاً غنياً بالتغذية، فتحفر لنفسها نفقاً فيه تسكنه ويغلق عليها، وهي تنعم بكل ما تحتاجه من غذاء وأكسجين، فتنمو وتتطور.أما إذا لم يحصل الإلقاح فإن النطفة المؤنثة لا تلبث أن تموت بعد 8-12 ساعة بعد انقذافها، وبعد ذلك ينعدم الأمل بحصول الحمل في هذه الدورة فيبدأ الرحم بالتخلص من بطانته التي حضرها لذلك، فيخف احتقانها وتنكمش وتخف سماكتها، مما يؤدي إلى انغلاق شرايينها الحلزونية الشكل التي تأتيها بالدم عبر شرايين الرحم، فإذا انغلقت هذه الشرايين ماتت بطانة الرحم لانقطاع الدم عنها، وتنحرت ثم انطرحت عبر عنق الرحم، وهذا هو الحيض .فالحيض إذن جزء من بنية المرأة العضوية كما قرر النبي rبقوله في حديثه المعجز" إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم". الحديث السابع عن عائشه رضي الله عنها قالت:جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي rفقالت:يا رسول الله إني امرأة أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟فقال رسول الله r:"لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض،فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة،وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي"،وزاد في رواية:ثم توضئي لكل صلاةحتى يجيء ذلك الوقت". صحيح البخاري في الوضوء ودل الحديث الشريف أن دم الحيض لا يأتي مباشرة من العروق الدموية، بل هو كما يقول الأطباء المختصون: نسيج محتقن منتخر كما مر معنا في الحديث السابق، فحين تنمو بطانة الرحم تنمو معها شرايين وتتحلزن، ولا أحد يعرف كيف يحصل هذا التحلزن العجيب، فإذا انكمشت بطانة الرحم في آخر الدورة لانحسار الهرمونات فإن سماكتها تقل فتضغط على شرايينها الحلزونية، وهذا يؤدي إلى انضغاط التحلزنات على بعضها البعض وانقطاع الدم، ويؤدي بدوره إلى تنحر البطانة وانطراحها على شكل دم الحيض، بخلاف دم الاستحاضة الذي هو نزف غير طبيعي يأتي مباشرة من العروق .ولا شك أن كل دم يخرج من عرق، ولم يبين الحديث الشريف مكان هذا العرق، هل هو في داخل الرحم أم في خارج الرحم؟ والفقهاء يقولون: إن مصدر دم الاستحاضة ليس من الرحم بل من عرق خارج الرحم يسمى العازل. لكن الطب الحديث يقول: إن دم الإستحاضة مصدره الرحم أيضاً كالحيض والنفاس، فهو بهذا يخالف الفقهاء، فقد ترك الحديث ذلك للعلم، والمصير إلى الحقيقة العلمية هو الأولى ما دام الحديث الشريف لم يصرح بذلك . الحديث الثامن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي rسئل عن العزل فقال: "ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء". صحيح مسلم في النكاح 1438 وهذا الحديث –كما يقول المختصون من الأطباء- إعجاز كامل، فلم يكن أحد يعي أن جزءاً يسيراً من المني هو الذي يخلق منه الولد، فلم يكن أحد يتصور أن في القذفة الواحدة من المني ما بين مائة إلى ثمانمائة مليون حيوان منوي، وأن حيواناً منوياً واحداً فقط هو الذي يقوم بتلقيح البويضة. فالحديث صريح بأنه ليس من كل الماء يكون الولد، وإنما من جزء يسير منه، وأنى لمن عاش قبل أربعة عشر قرناً أن يعلم هذه الحقيقة التي لم تعرف إلا في القرن العشرين إذا لم يكن علمه قد جاء من لدن العليم الخبير .وقوله rفي الحديث :"وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء" إعجاز كامل أيضاً لا يتصوره إلا من درس وسائل منع الحمل ونسبة النجاح فيها، فرغم هذه الموانع الكثيرة يحصل الحمل أحياناً إذا قدر الله ذلك.يقول أحد المختصين في أمراض النساء: جاءتني إحدى المريضات وأخبرتني أنها أجرت عملية تعقيم بقطع قناتي الرحم وربطهما في لندن، ثم لم تلبث بعد بضعة أشهر إلا وهي حامل، وذلك مقرر في الكتب والمجلات الطبية،فإن نسبة فشل هذه العملية 55% إذا كانت عن طريق المهبل، ولكنها تهبط إلى 1% فقط إذا أجريت العملية عن طريق فتح البطن وبواسطة جراح ماهر، وسجل كثير من الباحثين نسبة فشل تصل 37% مع جراحين مهرة، بل لقد سجلت حوادث حمل بعد عملية استئصال للرحم. وعليه فإن الحديث النبوي الشريف إعجاز كامل في تقرير هذه الحقيقة العلمية . الحديث التاسع عن عبدالله قال حدثنا رسول الله rوهو الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل المَلك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها".رواه الشيخان البخاري ومسلم واللفظ له في كتاب القدر 2643 فقوله: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه"، يدل على أن هناك عملية جمع للخلق، والخلق نصفان: نصف تحمله النطفة المؤنثة، ونصف تحمله النطفة المذكرة على صبغياتهما (كروموسوماتهما) ، وتبدأ عملية الجمع حين تبدأ النطفتان التحرك باتجاه بعضهما البعض، وما يجري في خصية الرجل خارج عن نص الحديث، أما ما يجري في بطن المرأة فداخل في الحساب، إذ نبدأ حساب الأربعينيات اعتباراً من أول الدورة الشهرية، أي من أول يوم من آخر طمث –حيض- رأته المرأة، لأنه اليوم الذي يبدأ فيه تشكل الجريب حول البييضة، أو بكلمة أخرى: هو اليوم الذي يبدأ فيه التطور الذي سيؤدي إلى الإلقاح، وهو ما ينطبق عليه نص الحديث حرفياً: بدء عملية جمع الخلق في بطن الأم، وهو الحساب المعتمد في علم التوليد في كل كتب التوليد على الإطلاق، وهو منتشر في كل بطاقات الحوامل وفي كل المستشفيات في مختلف أرجاء العالم، فاليوم الأول من آخر طمث هو الموعد الحقيقي لبدء حوادث الحمل، وهو اليوم الوحيد الذي تذكره المرأة ويمكن سؤالها عنه، أما الجماع الملقح فهو واحد من عدد لا تعلم المرأة أيها تختار، ومن أين لها أن تعلم في أي مرة حصل الإلقاح، حتى لو حصل الحمل نتيجة جماع واحد، فقد يلتبس أمر حصول الإلقاح بعده لعدة أيام.إن حديث الأربعينات يقدم التقسيم العلمي والعملي الوحيد الواقعي المبسط لعلم الجنين، وذلك دون إهمال أي حقيقة من حقائق هذا العالم، فهو من جوامع الكلم الشاهدة إلى قيام الساعة على نبوة الصادق الأمين r، وأعترف أني فهمت علم الجنين لأول مرة في حياتي حين فهمت حديث الأربعينات: فالمرحلة الأولى للتخطيط واتخاذ الاستعدادات اللازمة ومدتها أربعون يوماً من أول يوم من آخر طمث. والمرحلة الثانية: هي للتنفيذ والأعمال الإنشائية السريعة، واسم هذه المرحلة: العلقة، لأن محصول الحمل يكون فيها معلقاً بجدار الرحم تخلق فيه كل الأعضاء، وحين تنتهي يكون الجنين خلقاً سوياً، وتستمر هذه المرحلة أربعين يوماً أيضاً. والمرحلة الثالثة: هي المضغة، سميت بذلك لأن محصول الحمل أصبح كقطعة اللحم، وهي مؤلفة من قطعتين إحداهما توصف بالمخلقة وهي الجنين، والثانية غير المخلقة وهي المشيمة، وتستمر أربعين يوماً أخرى، ولا ندري بالضبط ما يجري فيها إلا ما يتعلق بالعظام التي تأخذ بالتعظم، والعضلات التي تأخذ بالتخطط (التعضل) . وقوله: "ذراع" المراد منه ما يقول النووي في شرح صحيح مسلم: التمثيل للقرب من موته ودخوله عقبه الجنة أو النار، وأن تلك الدار ما بقي بينه وبين أن يصلها إلا كمن بقي بينه وبين موضع من الأرض ذراع، والمراد بهذا الحديث أن هذا قد يقع في نادر من الناس لا أنه غالب فيهم، ثم إنه من لطف الله تعالى وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى الخير في كثرة، وأما انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة. الحديث العاشر عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله rيقول: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكرٌ أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجَله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك. ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص". صحيح مسلم في القدر 2645 وصف النبي rفي هذا الحديث الشريف مرحلة بدء تخليق الأعضاء في الجنين، وهو يتفق تماماً مع ما يقرره العلماء المختصون، فهم يقولون: في نهاية الأسبوع السادس ? يوماً تكون النطفة قد بلغت أوج نشاطها في تكوين الأعضاء، وهي قمة المرحلة الحرجة الممتدة من الأسبوع الرابع حتى الثامن، فيكون دخول الملك في هذه الفترة تنويهاً بأهميتها، وإلا فللملك ملازمة ومراعاة بالنطفة الإنسانية في كافة مراحلها: نطفة وعلقة ومضغة، ودخوله هنا لتقسيمها وتصويرها وشق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها… ثم بعد ذلك يحدد جنس الجنين ذكر أم أنثى حسب ما يؤمر به، فيحول الغدة إلى خصية أو مبيض، والدليل على ذلك ما يشاهد في السقط الذي تطرحه المرأة قبل الولادة حيث لا يمكن تمييز الغدة التناسلية قبل انتهاء الأسبوع السابع وبداية الثامن .والجدير بالذكر أن الفقيه الحنفي ابن عابدين رجح بهذا الحديث رأي صاحب الحبر من فقهاء المذهب الحنفي الذي خالف القائلين بأن ظهور الخلق لا يكون إلا بعد أربعة أشهر، فقد قال رحمه الله: (لكن يشكل على ذلك قول البحر: إن المشاهد ظهور خلقه فقبل هذه المدة –أربعة أشهر- وهو موافق لما في بعض روايات الصحيح: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها"، وأيضاً هو موافق لما ذكره الأطباء، فقد ذكر الشيخ داود في تذكرته أنه يتحول عظاماً مخططة في اثنين وثلاثين يوماً إلى خمسين، ثم يجتذب الغذاء ويكتسي اللحم إلى خمس وسبعين، ثم تظهر فيه الغاذية والنامية ويكون كالنبات إلى نحو المائة، ثم يكون كالحيوان إلى عشرين بعدها فتنفخ فيه الروح الحقيقية الإنسانية.نعم نقل بعضهم أنه اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر، أي عقباه، كما صرح به جماعة، وعن ابن عباس أنه بعد أربعة أشهر وعشرة أيام وبه أخذ أحمد، ولا ينافي ذلك ظهور الخلق قبل ذلك لأن نفخ الروح إنما يكون بعد الخلق) .هذا ما قرره الفقيه الحنفي ابن عابدين.وقد سألت طبيباً عن رأي الطب في هذا الموضوع فأجابني –بعد أن استمهلني عدة أيام- بقوله: إن التخلق يبدأ بعد انتهاء الأسبوع الرابع من ابتداء الحمل، وإن السمع والبصر يكتمل تخلقهما بعد ثمان وثلاثين يوماً تقريباً من ابتداء الحمل، والأحاديث الشريفة الصحيحة تؤكد هذه الحقائق تأكيداً كاملاً، ولما قلت له: إن هناك فرقاً بين ما ذكره الحديث الشريف وبين ما يقرره الطب الحديث أن التخلق يبدأ بعد اثنتين وأربعين ليلة من بداية الحمل في الحديث بينما هو بعد ثمان وثلاثين يوماً تقريباً، قال: هذا الإشكال يرتفع إذا علمنا أن المدة الزمنية التي يحددها الطب الحديث تقريبية ولا يمكن تحديدها بدقة، فإن الوقت الذي يتم فيه التلقيح في داخل بطن المرأة لا يمكن تحديده بدقة كما سبق معنا في التعليق على الحديث الشريف قبله . الحديث الحادي عشر عن أم سلمة أم المؤمنين أنها قالت: جاءت أم سُليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله rفقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غُسل إذا هي احتلمت؟فقال رسول الله r :"نعم إذا رأت الماء". صحيح البخاري في الغسل 282 المراد بالماء في هذا الحديث الشريف ما يكون نتيجة التهيج الجنسي –كالذي يحصل في الاحتلام- يؤدي إلى إفراز مفرط من غدتين جنسيتين نسميهما بغدتي بارتولان، نسبة إلى العالم الذي وصفهما، وتقع كل منهما في أحد الشفرين الأيمن والأيسر على جانبي الفرج، وتفرزان سائلاً مخاطياً حال التهيج الجنسي يندلق في فوهة المهبل للتزليق، وهذا هو الماء الذي تراه المرأة في الإحتلام، وربما رفدته إفرازات أخرى من عنق الرحم أو المهبل ، ولكنها كلها لا تحمل عناصر الإخصاب، وهي سوائل جنسية تناسلية على أي حال .ولهذا ذكر الإمام مسلم في روايته أن أم سلمة قالت لها: يا أم سليم فضحت النساء!.. لأن كتمان مثل ذلك من عادتهن، لأنه يدل على شدة شهوتهن للرجال . الحديث الثاني عشر عن ثوبان مولى رسول الله rقال: كنت قائماً عند رسول الله rفجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله؟! فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله r: "إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي" فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال له رسول الله r: أينفعك شيء إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني. فنكت رسول الله rبعود معه فقال: سل. فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله r: هم في الظلمة دون الجسر. قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: فقراء المهاجرين. قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد النون. قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلا. قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: ينفعك إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، قال: جئت أسألك عن الولد؟ قال: ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فَعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله. قال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي. ثم انصرف فذهب، فقال رسول الله r: لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله به. صحيح مسلم في كتاب الحيض315 شرح الكلمات: الحبر:العالم.الجسر: المراد به الصراط.الإجازة:العبور والمرور.تحفتهم:ما يهدى لهم. النون: الحوت وهذا الحديث الشريف إعجاز كامل أيضاً، فالبشرية لم تعلم بواسطة علومها التجريبية أن الجنين الإنساني يتكون من نطفة الرجل ونطفة المرأة إلا في القرن التاسع عشر الميلادي، وتأكد ذلك لديها بما لا يدع مجالاً للشك في أوائل القرن العشرين.وتضمن الحديث أيضاً وصفاً لماء الرجل وماء المرأة، فإن ماء المهبل يميل إلى الصفرة وكذلك الماء في حويصلة جراف، وعند خروج البويضة من هذه الحويصلة تدعى حينئذ الجسم الأصفر، وهذا أيضاً من الإعجاز لأنه لم يكن معلوماً آنذاك.وأشار الحديث أيضاً إلى أن إفرازات المهبل لها تأثير في الذكورة والأنوثة، فالعلماء يقررون أن إفرازات المبيض حمضية وقاتلة للحيوانات المنوية، وأن إفرازات عنق الرحم قلوية ولكنها لزجة في غير الوقت الذي تفرز فيه البويضة، وترق وتخف لزوجتها عند خروج البويضة، ولا بد لهذه الإفرازات من تأثير على نشاط الحيوانات المنوية المذكرة أو المؤنثة، والعلماء المختصون لم يتأكدوا من هذا بعد، ولكن الحديث الشريف يشير إلى إمكانية حدوث هذا الأمر، والله تبارك وتعالى أعلم . الحديث الثالث عشر عن أنس رضي الله عنه أن عبدالله بن سلام بلغه مقدم النبي rالمدينة، فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني به جبريل آنفاً، قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة. قال r: أما أول أشراط الساعة فنارٌ تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بُهت فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فجاءت اليهود، فقال النبي r: أي رجل عبدالله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا وأفضلنا وابن أفضلنا، فقال النبي r: أرأيتم إن أسلم عبدالله بن سلام؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك، فخرج إليهم عبدالله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قالوا: شرنا، وابن شرنا وتنقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله. صحيح البخاري في المناقب 3938 وفي الحديث تقرير بكون صفات الكائن تتعلق بعوامل محمولة في ماء الأب وماء الأم، وهذا بحد ذاته إعجاز وإنجاز خارق، فنحن نعلم أن العلماء لم يتأكدوا من حقيقة الحيوان المنوي والبويضة واشتراكهما في الخلق الجديد إلا حديثاً بعد اكتشاف المجهر وبعد اكتشاف وزرع الصبغيات (الكروموسومات) . ومن غير الممكن أن يكون معنى ذلك سبق الرعشة الجنسية، فقد تتفق في الزوجين في وقت واحد ولا تسبق إحداهما الأخرى، ولعل المعنى يكون أن الماءين بما يحملانه من الصفات يتسابقان في تقرير مواصفات الكائن الجديد، فالمواصفات التي استطاعت مورثات المرأة تقريرها استلمتها ونفذتها، ووقفت المورثات المشابهة من الرجل دون عمل لأنها قد سبقت إلى ذلك، أما المواصفات التي تستطيع مورثات الرجل تقريرها فإنها تستلمها وتنفذها وتبقى المورثات المشابهة من المرأة دون عمل لأنها قد سبقت إلى ذلك . الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي rفقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال النبي r: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقاً، قال: فأني أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق؟ قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق. رواه الشيخان واللفظ لمسلم من كتاب اللعان 1500 الأورق: الذي فيه سواد ليس بصاف.نزعه: اجتذبه وأظهر لونه عليه. أشار النبي rفي هذا الحديث إلى قوانين الوراثة التي اكتشفت حديثاً والتي اكتشف كثيراً منها (مندل) ، ففي هذا الحديث كما يقول أحد الأطباء المختصين- شرح للصفات الكامنة المحمولة على المورثات التي لم توضع موضع التنفيذ لكونها قد سبقت أو غلبت بمورثات أخرى، فقد يرث الإنسان صفة من جد أو جدة بينه وبين أحدهما مئات السنين، بل وألوف السنين، وهذه الظاهرة معروفة ومشار إليها في علم الوراثة، والرسول الكريم rأشار إليها في هذا الحديث وشرح قوانينها بالصفات السابقة والمسبوقة،وبحضور الأنساب حتى آدم عليه السلام،فهل أضاف(مندل) وعلماء الوراثة المعاصرون شيئاً على ذلك؟ لا والله إنهم ما زادوا عن أن عبروا عنها بأسلوب مختلف الحديث الخامس عشر عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة قالت لرسول الله r: هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء؟ فقال: نعم. فقالت لها عائشة: تربت يداك وألت، فقال رسول الله r: دعيها وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه. صحيح مسلم في الحيض 313 وهذا الحديث يؤكد أيضاً ما سبق في الحديث السابق، ففي كل من ماء الرجل وماء المرأة صبغيات (كروموسومات) تحتوي مورثات (جينات) تختلف من إنسان إلى آخر، وهذه المورثات إذا غلبت تظهر خصائصها وآثارها في المولود، ولهذا يقرر أحد المختصين فيقول: إن الإنسان قبل أن يكون مجسماً بأعضائه وصفاته كان صيغة صبغية (كروموسومية) ومورثية معينة، فهو ست وأربعون صبغياً (كروموسوماً) تحتوي عدداً كبيراً من المورثات ﴿الجينات﴾ تتوزع عليها بصيغة تختلف من إنسان إلى آخر، وهذه الصبغيات (الكروموسومات) والمورثات (الجينات) وجدت كلها في آدم عليه السلام، ثم أخذت تتوزع في ذريته، والمسألة سهلة وتصورها بسيط: إن قرص التلفون الذي أمامنا يحتوي عشرة أرقام فقط، نستطيع بإدارتها بترتيب مختلف أن نكلم من نشاء في أرجاء المعمورة، فأرقام هواتف العالم كلها موجودة في هذا القرص .ويؤكد هذا المعنى قوله تبارك وتعالى: ﴿وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون﴾ [الأنعام:98]، فكل إنسان يحمل في خلاياه الجنسية مورثات كل من يتفرع عنه من ذريته، والله سبحانه بكامل علمه ومشيئته وقدرته قد أحاط بها وهي تنتقل من مستقرها في الأصلاب إلى مستودعها في الأرحام، إنها رحلة طويلة وطويلة جداً، ولكنها مقدرة ومعلومة في كل مراحلها وأطوارها وحركاتها، إنها رحلة مبرمجة بدقة من قبل الله العليم الحكيم .وهذا يقرب لنا معنى الآية القرآنية الكريمة: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين* أو تقولوا إنما أشرك ءابآؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ [الأعراف: 172-173].وفي الحديث الشريف عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: عن النبي rقال: "يقول الله تبارك وتعالى لأهون أهل النار عذاباً: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتدياً بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم، أن لا تشرك ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك"، وفي رواية ثانية بلفظ: "قد سئلت ما هو أيسر من ذلك" .ومن المعلوم أن الخلايا الجنسية الابتدائية تشتق من جدار الحويصل المحي ثم تهاجر وتدخل إلى الغدد الجنسية الآخذة بالتكون في ظهر المخلوق الجديد، ثم تتكاثر فيها. وجاء أيضاً في الحديث الشريف عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي r: إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان –موضع قرب عرفات- يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلاً قال: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ] . الحديث السادس عشر عن جابر رضي الله عنه عن رسول الله rأنه قال:"لكل داء دواء، فإذا أصاب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل". صحيح مسلم في السلام 2204 دل الحديث على مشروعية التداوي واستحبابه، وأن الله جعل لكل داء دواء، وفي هذا تشجيع للبحث والتفتيش عن الأدوية المناسبة لمعالجة الأمراض، كما بين النبي rفي هذا الحديث القواعد الأساسية في علاج الأمراض وهي تشخيص الداء أولاً ومعرفة حقيقته بواسطة الطبيب المختص، ثم وصف الدواء المناسب لهذا الداء.قال ابن حجر رحمه الله: فيه الإشارة إلى أن الشفاء متوقف على الإصابة بإذن الله، وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجع، بل ربما أحدث داء آخر إذا قدر الله ذلك، وإليه الإشارة بقوله: "بإذن الله" فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته. والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش للأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بطلب العافية ودفع المضار وغير ذلك . الحديث السابع عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي rقال: "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء". صحيح البخاري في الطب5678 جعل الإمام البخاري في صحيحه هذا الحديث عنوان باب من أبواب كتاب الطب في صحيحه، قال ابن حجر رحمه الله في شرحه للحديث:قوله: "إلا أنزل له شفاء" في رواية طلحة بن عمرو من الزيادة في أول الحديث: "يا أيها الناس تداووا"، ووقع في رواية طارق بن شهاب عن ابن مسعود رفعه: "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا".وفي حديث أسامة بن شريك: "تداووا يا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داءً واحداً الهرم".أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي ووقع في رواية أبي عبدالرحمن السلمي عن ابن مسعود نحو حديث الباب وزاد في آخره "علمه من علمه وجهله من جهله". أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم ولأبي داود من حديث أبي الدرداء رفعه: "إن الله جعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام".وفي مجموع هذه الألفاظ ما يعرف منه المراد بالإنزال في حديث الباب وهو إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبي rمثلاً، أو عبر بالإنزال عن التقدير، وفيها التقييد بالحلال، فلا يجوز التداوي بالحرام . الحديث الثامن عشر عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل الحضرمي، أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي rعن الخمر؟ فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال r: "إنه ليس بدواء ولكنه داء". صحيح مسلم في الأشربة 2984 وفي صحيح البخاري في كتاب الأشربة: وقال ابن مسعود في السكر: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم.قال ابن حجر: ويؤيده ما أخرجه الطبراني من طريق قتادة قال: "السكر خمور الأعاجم" وعلى هذا ينطبق قول ابن مسعود: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". وأحسبه هذا أراد، لأنني أظن أن عند بعض المفسرين: سئل ابن مسعود عن التداوي بشيء من المحرمات فأجاب بذلك.وعن سفيان بن عيينة عن منصور عن أبي وائل قال: اشتكى رجل منا يقال له خثيم ابن العداء داء ببطنه، فنعت له السكر، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله فذكره. وروينا في نسخة داود بن نصير الطائي بسنده عن مسروق قال: قال عبدالله بن مسعود: لا تسقوا أولادكم الخمر فإنهم ولدوا على الفطرة، وإن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليك. ولجواب ابن مسعود شاهد أخرجه أبو يعلي وصححه ابن حبان من حديث أم سلمة قالت: اشتكت بنت لي فنبذت لها في كوز، فدخل النبي rوهو يغلي –من التخمر- فقال: ما هذا؟ فأخبرته، فقال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" .نشرت مجلة اللانست البريطانية –وهي من أشهر المجلات الطبية في العالم- مقالاً عام 1987 بعنوان (الشوق إلى شرب الخمر) استهل المؤلف مقاله بالقول: إذا كنت مشتاقاً إلى الكحول فإنك حقاً تموت بسببه. وذكر المؤلف أن 200 ألف شخص يموتون سنوياً في إنجلترا بسبب الكحول. وقد نشرت الكليات الملكية للأطباء الداخليين والنفسيين والأطباء الممارسين تقارير أجمعت كلها على خطر الكحول (الغول) ، وأن الكحول لا يترك عضواً من أعضاء الجسم إلا أصابه، وجاء في كتاب Alcoholism ذكر الأمراض الناجمة عن شرب الخمر فذكر منها أمراض الفم والبلعوم والمريء والمعدة والأمعاء ومرض الكبد الكحولي وتشمعه وأمراض المعثكلة (البنكرياس) . ثم قال: وتظهر تأثيرات الكحول فورياً على الدماغ، وبعض هذه التأثيرات عابر والآخر غير قابل للتراجع، فإن تناول كأس واحدة أو اثنتين من أي نوع من أنواع الخمر قد يسبب تموتاً في بعض خلايا الدماغ، وإذا ما استمر شارب الخمر في تناول المسكرات فقد يحدث له ما يسمى بتناذر (فيرينكه) وتناذر (كورساكوف) ويظهر المصاب بالتناذر خائفاً هاذياً وتظهر في عينيه حركات متواترة، وقد يحدث شلل في عضلات العين ويفقد المريض توازنه. ويصاب المريض بتناذر (كورساكوف) بفقد الذاكرة وعدم القدرة على خزن المعلومات، ومتى أصيب شارب الخمر بهذه الحالة فإن احتمال الشفاء أمر نادر، كما يؤثر الكحول على عضلة القلب ويؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم ومرض الشرايين الإكليلية. ومن الثابت علمياً أن للكحول علاقة بسرطان الفم والمريء والبلعوم والكبد، فقد أظهرت الدراسات العلمية أن الكحول مادة مسرطنة، كما أن له فعلاً مشوهاً للأجنة من أمهات يشربن الخمر .وكل ذلك يؤكد الإعجاز في قول النبي rفي الخمر "إنه ليس بدواء ولكنه داء". الحديث التاسع عشر عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام ، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يُدمنها، لم يتب، لم يشربها في الآخرة".صحيح مسلم في الأشربة2003هذا الذي أخبر عنه النبي rفي الحديث الشريف قرره العلماء المتخصصون في أنواع الخمور فقالوا: توجد مادة الغول (الكحول الإيتيلي، أو الإيتانول) في كثير من المشروبات الغولية التي تستخلص بتخمير النشاء أو السكر أو غيرها من النشويات، وهي وإن اختلفت في أسمائها كالبيرة والويسكي والشمبانيا والشيري وغيرها، فإنها كلما ذات أصل واحد.وتختلف تأثيرات الغول (لكحول الإيتيلي) السمية باختلاف مستوى الغول في الدم، فكلما أكثر شارب الخمر من تناوله للمسكر ارتفع مستواه في الدم، وحين يبلغ مستوى الغول في الدم -99 ميلي غرام فإنه يسبب تغيرات في المزاج والشعور وعدم توازن في العضلات واضطراب في حس اللمس وتغيرات في الشخصية والسلوك. وإذا بلغ مستوى الغول -199 ميلي غرام حدث اضطراب شديد في القوة العقلية وعدم انسجام في الحركات وفقد شارب الخمر توازنه في الوقوف والمشي، ومتى بلغ مستوى الغول ? -299 ميلي غرام ظهر الغثيان والإعياء وازدواج النظر واضطراب التوازن الشديد .وصدق رسول الله rفي قوله: "كل مسكر خمر"، وفي قوله أيضاً: "كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" ، والفرق: مكيال كبير. الحديث العشرون عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي rفقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال r: اسقه عسلاً. ثم أتاه الثانية فقال: اسقه عسلاً. ثم أتاه الثالثة فقال: اسقه عسلاً. ثم أتاه فقال: فعلت، فقال r: "صدق الله وكذبت بطن أخيك". فسقاه فبرأ.أخرجه الشيخان البخاري ومسلم واللفظ للبخاري في الطب 5684 وقع في رواية ثانية: هذا ابن أخي يشتكي بطنه، ولمسلم في صحيحه: "قد عرب بطنه" بالعين المهملة والراء المكسورة، أي فسد هضمه لاعتلال المعدة، ووقع في رواية مسلم: فسقاه ثم جاء، فقال: إني سقيته فلم يزدد إلا استطلاقاً. وقد ثبت علمياً أن العسل يبيد الجراثيم ويقضي عليها، وقد أجرى الطبيب الجراثيمي (ساكيت) اختباراً علمياً عن أثر العسل في الجراثيم، فقام بزرع جراثيم مختلف الأمراض في مزارع العسل الصافي، ولبث ينتظر، فأذهلته النتيجة المدهشة، فقد ماتت جميع الجراثيم وقضي عليها، فقد ماتت جراثيم الحمى النمشية (التيفوس) بعد 48 ساعة، وجراثيم الحمى التيفية بعد 24 ساعة، وجراثيم الزحار العصري قضي عليها تماماً بعد عشر ساعات…، وهذا ما جعل الطبيب ظافر العطار والأستاذ سعيد القربي يذهبان في مقالة بعنوان: (العسل ينقذ الإنسان من جراثيمه الممرضة) في مجلة طبيبك عدد تشرين 1970 إلى القول:(إن قول (ساكيت) : إن جراثيم الزحار قد قضي عليها بعد عشر ساعات فقط، قد يعطينا فهماً جديداً للحديث النبوي –الذي سبق ذكره- فاستطلاق البطن (الإسهال) يمكن أن يكون بسبب الزحار، وتجربة (ساكيت) أثبتت أن العسل يقضي على جراثيمه) . وبهذا ظهر علم جديد من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام، ووجه جديد من إعجاز سنته، فهذه الحقائق العلمية ما عرفها العلماء إلا في العصر الحاضر.أجمعوا على أن العسل يصلح لعلاج كثير من الأمراض، فقد اعتمد عليه كمادة مضادة للعفونة ومبيدة للجراثيم في أحدث مجالات الطب الحديث لحفظ الأنسجة والعظام والقرنية أشهراً عددية، واستعمالها حين الحاجة إليها في جراحة التطعيم والترميم. كما أظهرت الدراسات الحديثة الفرق الشاسع بين السكر العادي والعسل في مجال التغذية وخصوصاً للأطفال، فالسكاكر المصنعة من العسل لا تحدث نخراً ولا تسبب نمو الجراثيم . الحديث الحادي والعشرون عن خالد بن سعيد قال: خرجنا ومعنا غالب بن أبجر، فمرض في الطريق، فقدمنا المدينة وهو مريض، فعاده ابن أبي عتيق فقال لنا: عليكم بهذه الحبيبة السوداء فخذوا منها خمساً أو سبعاً فاستحقوها ثم اقطروا في أنفه بقطرات زيت في هذا الجانب وفي هذا الجانب، فإن عائشة رضي الله عنها حدثتني أنها سمعت النبي rيقول: "إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا من السام. قلت: وما السام؟ قال: الموت".أخرجه البخاري في صحيحه في الطب 5687 قال ابن حجر رحمه الله: ويؤخذ من ذلك أن معنى كون الحبة السوداء شفاء من كل داء أنها لا تستعمل في كل داء صرفاً بل ربما استعملت مفردة، وربما استعملت مركبة، وربما استعملت مسحوقة وغير مسحوقة، وربما استعملت أكلاً وشرباً وسعوطاً وضماداً وغير ذلك. وقيل إن قوله: "كل داء" تقديره يقبل العلاج بها… وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: تكلم الناس في هذا الحديث وخصوا عمومه وردوه إلى قول أهل الطب والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل ذلك لأنا إذا صدقنا أهل الطب، ومدار علمهم غالباً إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب، فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم .هذه بعض أقوال العلماء القدماء في الحبة السوداء فماذا يقول العلماء المحدثون فيها؟نشر الدكتور أحمد القاضي والدكتور أسامة قنديل اللذان يعملان في أكبر معهد للطب الإسلامي للتعليم والأبحاث في بنما ستي –فلوريدا، الولايات المتحدة الأمريكية- مقالاً عنوانه: الحبة السوداء (نيجللا ساتيفا) المقوي الطبيعي للمناعة، تحدثا فيه عن التجارب التي أجرياها على الحبة السوداء، وجاء في آخر المقالة تحت عنوان الاستنتاج: ثبت أن تناول حبوب النيجللا ساتيفا (الحبة السوداء) بالفم بجرعة جرام واحد مرتين يومياً له أثر مقوي على وظائف المناعة، ويتضح ذلك في تحسن نسبة المساعد إلى المعوق في خلايا (ت) ، وفي تحسن النشاط الوظيفي لخلايا القاتل الطبيعي. وقد تكون لهذه النتائج فائدة عملية عظمى، إذ من الممكن أن يلعب مقو طبيعي للمناعة مثل الحبة السوداء دوراً هاماً في علاج السرطان والإيدز وبعض الظروف المرضية الأخرى التي ترتبط بحالات نقص المناعة… وهكذا يجلي العلم اليوم هذه الحقيقة، وما كان لأحد من البشر أن يتكلم بهذا منذ أربعة عشر قرناً إلا بوحي من الله . الحديث الثاني والعشرون عن ابن عباس رضي الله عنه قال: أُتي رسول الله rبلبن فشرب فقال: "إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه، وإذا سُقي لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن".رواه أحمد في مسند وابن ماجة والترمذي وحسنه وأبو داود والإعجاز في الحديث الشريف في قوله عليه الصلاة والسلام: "فإنه ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن "، وقد ثبت أن اللبن أكمل الأغذية من الناحية البيولوجية، رغم أنه ينقصه قليل من العناصر الغذائية، ولكن رغم ذلك يعد أفضل من أي غذاء منفرد وحيد، ولا توجد مادة غذائية أخرى يمكن أن تقارن مع اللبن من حيث قيمته الغذائية المرتفعة، وذلك لاحتوائه على المواد الغذائية الأساسية الضرورية التي لا يستغنى عنها جسم الإنسان في جميع مراحل نموه وتطوره كالبروتينات والكربوهيدرات والسكريات والدهون والمعادن والفيتامينات، واللبن يمد جسم الإنسان بمجموعة كبيرة جداً من هذه العناصر والمركبات الغذائية الحيوية الهامة . وجاء في كتاب الأطعمة والتغذية طبعة1989:يعتبر الحليب أكثر غذاء متكامل وجد على سطح الأرض حيث أنه قد صمم ليكون غذاء لكل مولود للحيوانات اللبونة (كالبقر والمعز والغنم) والإنسان، وبذلك فإنه يؤمن كميات كافية من الغذاء، ومع ذلك فإن الحليب فقير بالفيتامين (سي) والحديد، إلا أن الأطفال يولدون وفي أجسامهم كمية من الحديد والفيتامين (سي)تكفيهم لعدة أسابيع. وما يثير العجب أن عناصر الحليب الغذائية تكون بحالة جاهزة للهضم ولا يضيع منها أثناء الإمتصاص في الأمعاء إلا النزر القليل. والحليب ليس غذاءً مفيداً للأطفال فحسب بل هو غذاء عظيم لكل جيل .والجدير بالذكر كما في الصحيحين أن رسول الله rأُتي ليلة الإسراء بقدح من خمر وقدح من لبن، فنظر إليهما ثم أخذ اللبن، فقال جبريل عليه السلام: الحمد لله الذي هداك إلى الفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك. الحديث الثالث والعشرون عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله rيقول: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر. وفر من المجذوم كما تفر من الأسد".صحيح البخاري في الطب5707 وزاد مسلم: "ولا نوء" ولمسلم أيضاً من حديث جابر رضي الله عنه: "لا عدوى ولا صفر ولا غول" ، فالحاصل من ذلك ستة أشياء: العدوى، والطيرة، والهامة، والصفر، والغول، والنوء.وينفي النبي rفي هذه الأحاديث العقائد الباطلة والخرافات التي كانت سائدة بين العرب في الجاهلية، فقد كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول لهم تغولاً –أي تتلون تلوناً- فتضلهم عن الطريق فتهلكهم. وقد كثر في كلامهم: غالته الغول، أي أهلكته أو أضلته.. فأبطل rذلك.أما النوء، فقد كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا، فأبطل rذلك وبين بأن المطر إنما يقع بإذن الله لا بفعل الكواكب، وإن كانت العادة جرت بوقوع المطر في ذلك الوقت لكن بإرادة الله تعالى وتقديره، لا صنع للكواكب.وأما قوله "لا عدوى" فالمراد منه أن شيئاً لا يعدي، بطبعه نفياً لما كانت الجاهلية تعتقده أن الأمراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله، فأبطل النبي r اعتقادهم ذلك وبين لهم أن الله هو الذي يمرض ويشفي. وأما قوله "لا هامة" قيل هي بتشديد الميم، والأكثرون على تخفيفها، ومن شدد ذهب إلى واحدة الهوام وهي ذوات السموم، وقيل هي دواب الأرض التي تهم بأذى الناس، وهذا لا يصح نفيه إلا إن أريد أنها لا تضر لذواتها وإنما تضر إذا أراد الله إيقاع الضرر بمن أصابته. وقد ذكر الزبير بن بكار في (الموفقيات)أن العرب كانت في الجاهلية تقول: إذا قتل الرجل ولم يؤخذ بثأره خرجت من رأسه هامة –وهي دودة- فتدور حول قبره فتقول : اسقوني اسقوني، فإن أدرك بثأره ذهبت، وإلا بقيت، وفي ذلك يقول شاعرهم: فيا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي أضربك حتى تقول الهامة اسقوني قال: وكانت اليهود تزعم أنها تدور حول قبره سبعة أيام ثم تذهب. وذكر ابن فارس وغيره من اللغويين نحو الأول، إلا أنهم لم يعينوا كونها دودة، بل قال القزاز: الهامة طائر من طير الليل كأنه يعني البومة. وقال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها، إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نعت إلي نفسي أو أحداً من أهل داري. وقال أبو عبيد: كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير هامة فتطير، ويسمون ذلك الطائر: الصدا . وأما الطيرة: فهي مصدر تطير، وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك .وأما قوله "لا صفر" بفتحتين، فقد نقل أبو عبيدة معمر بن المثنى في (غريب الحديث) عن رؤبة بن العجاج قال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب، فعلى هذا: المراد بنفي الصفر ما كانوا يعتقدون فيه من العدوى، ورجح البخاري هذا القول لكونه قرن الحديث بالعدوى، وقيل: المراد بالصفر الحية، لكن المراد بالنفي نفي ما كانوا يعتقدون أن من أصابه قتله، فرد ذلك الشارع بأن الموت لا يكون إلا إذا فرغ الأجل. وقيل: المراد به شهر صفر، وذلك أن العرب كانت تحرم صفر وتستحل المحرم، فجاء الإسلام برد ما كانوا يفعلونه من ذلك .وأما قوله بعد ذلك: "وفر من المجذوم فرارك من الأسد" فقد ذكر العلماء في الجمع بينه وبين قوله: "لا عدوى" أقوالاً كثيرة، فرأى بعضهم أن الأمر بالمجانبة محمول على حسم المادة وسد الذريعة لئلا يحدث للمخالط شيء من ذلك، فيظن أن سببه المخالطة فيثبت العدوى التي نفاها الشارع، ويؤيد هذا ما أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله عنه أن النبي rأخذ بيد مجذوم فوضعها في القصعة وقال: كل ثقة بالله وتوكلاً عليه. فأكله rمع المجذوم ليبين لهم أن الله هو الذي يمرض ويشفي، ونهاهم عن الدنو منه ليبين لهم أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها، ويحتمل أن يكون أكله rمع المجذوم أنه كان به أمر يسير لا يعدي مثله في العادة، إذ ليس الجذمى كلهم سواء ولا تحصل العدوى من جميعهم.وقد ثبت علمياً أن نسبة الإصابة بهذا المرض قليلة جداً، إذ أن أكثر من 90% من الناس لديهم مناعة طبيعية ضد هذا المرض، وهو مرض يصيب الإنسان ويشمل الجلد والأعصاب والعين والخصى والعظام والجهاز التنفسي العلوي وأعضاء أخرى، ويسبب هذا المرض جرثومة عصوية تنتقل من المريض إلى السليم بواسطة استنشاق الهواء أو بواسطة التماس الجلدي أو لدغ بعض الحشرات، و10% من الناس الذين ليس لديهم مناعة طبيعية ضد هذا المرض ينقسمون إلى قسمين: أ- الذين مناعتهم ضعيفة وفي هذا النوع تظهر الإصابة. ب- الذين مناعتهم شبه معدومة. فقلة نسبة الإصابة تبين لنا سبب أكله rمع المجذوم . الحديث الرابع والعشرون عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ –مكان قرب تبوك على طريق الشام- لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا فقال بعضهم: قد خرجنا لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله rولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح –أي الذين أسلموا بعد فتح مكة- فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت وادياً له عدوتان: إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبدالرحمن بن عوف، وكان متغيباً في بعض حاجته، فقال: إن عندي في هذا علماً سمعت رسول الله rيقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه" قال: فحمد الله عمر ثم انصرف.وعن أسامة بن زيد عن النبي rقال: "إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها". صحيح البخاري في الطب 5729-5728 الطاعون مرض إنتاني وبائي، عامله جرثومة بشكل العصية اكتشفها العالم (يير سين) سنة 1849م فسميت باسمه: (عصية يير سين)، وكان يأتي بشكل جائحات تجتاح البلاد والعباد وتحصد في طريقها الألوف من الناس، وهو يصيب الفئران عادة ثم تنتقل جراثيمه منها إلى الإنسان بواسطة البراغيث، فتصيب العقد البلغمية في الآباط والمغابن والمراق، فتتورم ثم تتقرح فتصبح كالدمامل، وقد يصيب الرئتين مع العقد البلغمية أو بدونها فيصبح خطراً جداً.وقع وباء منه في بلاد الشام سنة 18هـ سمي طاعون عمواس نسبة إلى بلدة صغيرة يقال لها عمواس بين القدس والرملة أول ما نجم الداء بها ثم انتشر في بلاد الشام منها فنسب إليها.قال الواقدي: توفي في طاعون عمواس من المسلمين في الشام خمسة وعشرون ألفاً، وقال غيره: ثلاثون ألفاً، كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية.وهذا الحديث الشريف هو أساس الحجر الصحي الذي لم يعرف إلا في القرن العشرين، فإذا وقع وباء معد في بلد ما يضرب عليه حجر صحي، فلا يدخل إليه أحد خوفاً من أن يرمي بنفسه إلى التهلكة فيصاب بالوباء، ولا يسمح لأحد من داخله بالخروج خوفاً من أن يكون مصاباً بالمرض ولا يزال في دور الحضانة، أي في دور كمون الداء قبل صولته واستفحاله، فينقل الوباء إلى خارج البلد ويعم انتشاره في الأرض، لذلك لا يسمح بخروج أي شخص إلا بعد أن يلقح ضد جراثيم هذا الوباء، وأن يوضع في مكان منعزل (الكرنتينا) ليمضي فيها مدة حضانة هذا الوباء، ولكل وباء مدة حضانة خاصة به تختلف عن غيره، فإذا لم يظهر الداء على الشخص فهو سليم ويسمح له عند ذلك بالخروج إلى بلد آخر .وقد ورد في عدد من الأحاديث أنه rوصف الطاعون، منها:حديث أبي موسى رفعه "فناء أمتي بالطعن والطاعون، قيل: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: وخز أعدائكم من الجن، وفي كل شهادة" أخرجه أحمد من رواية زياد بن علاقة عن رجل عن أبي موسى، وفي رواية له عن زياد… وأخرجه البزار والطبراني من وجهين آخرين فسميا المبهم يزيد بن الحارث، ورجاله رجال الصحيحين إلا المبهم… فالحديث صحيح بهذا الاعتبار وقد صححه ابن خزيمة والحاكم وأخرجاه، وأحمد والطبراني من وجه آخر عن أبي بكر ابن أبي موسى الأشعري قال: سألت عنه رسول الله rفقال: "هو وخز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة" ورجاله رجال الصحيح إلا واحداً وثقه أبو نعيم والنسائي وجماعة، وضعفه جماعة بسبب التشيع… وللحديث طريق ثالثة أخرجها الطبراني عن كريب بن الحارث ابن أبي موسى عن أبيه عن جده ورجاله رجال الصحيح إلا كريباً…قال ابن حجر رحمه الله بعد أن ذكر هذه الأحاديث: والعمدة في هذا الباب على حديث أبي موسى فإنه يحكم له بالصحة لتعدد طرقه إليه .والعجيب أن أحد الكتاب المعاصرين أخطأ فهم الحديث النبوي الشريف "هو وخز أعدائكم من الجن" فزعم أن الجراثيم يمكن أن تكون نوعاً من أنواع الجن فقال:(لم تكن الجراثيم )قد عرفت بعد في زمن النبي rفهل قصد عليه الصلاة والسلام "هو وخز أعدائكم من الجن" المعنى الشرعي لكلمة الجن، أي المخلوقات التي خلقها الله تعالى من النار وترى الإنس ولا يرونهم، أم قصد المعنى اللغوي بمعنى: أي كل ما استتر وخفي؟ الله تعالى أعلم. ولكن لو كان يريد المعنى الأول أما كان الأولى أن يقول: هو وخز الشياطين، فيكتفي بكلمة واحدة بدلاً من ثلاث كلمات: "أعدائكم من الجن" لأن الشياطين كلهم أعداء للإنس. وأما كان الأولى بسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يدخل على الطاعون في بلاد الشام لكي تهرب الشياطين منه وينقذ المسلمين من ذلك الوباء اللعين، بدلاً من أن يعود إلى المدينة المنورة وهو الذي قال عنه النبي r: "ما سلك عمر بن الخطاب فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً غيره" .وهو كلام خطير يؤدي إلى تأييد رأي المستغربين الماديين الذين أنكروا المغيبات التي أخبر الله تبارك وتعالى عنها كالملائكة والجن، والذي اتهم المسلمين بأن فكرهم ليس فكرأً علمياً بل هو فكر غيبي يؤمن بالأساطير والخرافات.فالفكر الإسلامي فكر علمي يقوم على النظر والتفكير والإيمان بالغيب أساسه الخبر الصادق في كتاب الله وسنة رسول الله r، والحقيقة لا تعرف كلها بالإنسان نظراً لمحدوديته، ثمة مصدر آخر للحقيقة وهو الله سبحانه وتعالى القائل: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك:14] والذي وسع كل شيء علماً.والقول بأن الجراثيم نوع من الجن ترده النصوص القطعية الكثيرة في الكتاب والسنة، فالجن الذين كانوا يسترقون أخبار السماء والذين رموا بالشهب والذين سمعوا القرآن من النبي rوانطلقوا إلى قومهم منذرين: لا يصح أبداً ولا يعقل أن تكون الجراثيم نوعاً منهم. قال تعالى في سورة الجن: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءاناً عجباً* يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً﴾ [الجن:1-2 وما بعدها]، وتأمل كلمة رجال في قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وأنه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً﴾ ، وقال أيضاً: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرءان فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين* قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم﴾ [الأحقاف: 29-30].كيف تجرأ هذا الكاتب على مثل هذا القول والله تعالى قال في الجن الذين سخرهم لنبيه سليمان: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا ءال داود شكراً وقليل من عبادي الشكور* فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دآبة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين﴾ .الجن عالم مغيب عنا ومسؤول ومكلف يوم القيامة يحشرهم الله سبحانه وتعالى ويسألهم، فقد أخبر عن ذلك بقوله: ﴿يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ [الرحمن:33]، فكيف يصح أن تكون الجراثيم نوعاً منهم؟!.وقوله: (لو كان يريد المعنى الأول أما كان الأولى أن يقول: هو وخز الشياطين) . وغفل الكاتب في هذا عن حقيقة معنى الشيطان، فهي كلمة تطلق على كل عات متمرد من الجن والإنس، قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون﴾ [الأنعام:112].وقوله بعد ذلك بلهجة التهكم: (أما كان الأولى بسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يدخل على الطاعون في بلاد الشام لكي تهرب الشياطين منه وينقذ المسلمين من ذلك الوباء اللعين بدلاً من أن يعود إلى المدينة المنورة) .وغفل الكاتب عن أن عمر رضي الله عنه عاد تطبيقاً لقول النبي rفي الحديث الشريف "وإذا كنتم خارجها فلا تقدموا عليه" وعمر رضي الله عنه لم يرجع لتسلم له نفسه إنما كان معه وجوه الأمة الذين لا بقاء للأمة بهلاكهم كما جاء في مناسبة الحديث، وإذا كان الشيطان يهرب من عمر فهل يهرب من بقية الناس، وهل يكلف عمر رضي الله عنه ليحمي الأمة من كيد الشياطين أن يتجول مع كل فرد من أفرادها ويوجد بجانب كل واحد منهم؟! إني لأعجب كيف انحدر الكاتب إلى مثل هذا المستوى من التفكير الساذج وكيف غفل الكاتب إلى مثل هذا المستوى من التفكير الساذج وكيف غفل الكاتب عن الحديث النبوي الشريف. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله قال: "إن عفريتاً من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان: ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب﴾ فرده الله خاسئاً" .وغفل عن الحديث الشريف الذي يرويه ابن عباس رضي الله عنه قال: انطلق رسول الله rفي طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث؟ فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله rبنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، وهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً. وأنزل الله عز وجل على نبيه r﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن﴾ وإنما أوحي إليه قول الجن .فالنصوص القطعية صريحة في بيان خطأ من يقول إن الجراثيم نوع من أنواع الجن وهو رد على قائله كائناً من كان. الحديث الخامس والعشرون عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله rيقول: "لا يوردن ممرض على مصح".صحيح البخاري في الطب 5771 قال ابن حجر رحمه الله وهو خبر بمعنى النهي، والممرض –بضم أوله وسكون ثانيه وكسر الراء- : وهو الذي له إبل مرضى، والمصح –بضم الميم وكسر الصاد- : من له إبل صحاح، نهى صاحب الإبل المريضة أن يوردها على الإبل الصحيحة.وهو يتفق مع الحديث السابق، فالعدوى بتقدير الله تعالى يمكن أن تحدث للحيوانات أيضاً كما تحدث في الإنسان.والجدير بالذكر أن هذا لا يتعارض كما سبق معنا في قول النبي r: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة" فقال أعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله r: فمن أعدى الأول؟ وهو جواب من النبي عليه الصلاة والسلام في غاية البلاغة والرشاقة، وحاصله: من أين جاء الجرب للذي أعدى الأول بزعمهم؟ فإن أجيب: من بعير آخر، لزم التسلسل، أو سبب آخر فليفصح به، فإن أجيب بأن الذي فعله في الأول هو الذي فعله في الثاني ثبت المدعى، وهو أن الذي فعل في الجميع ذلك هو الخالق القادر على كل شيء وهو الله سبحانه وتعالى .ذكرت الأحاديث النبوية الشريفة التي مرت معنا أنه "لا عدوى"، وفي نفس الوقت قال r: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"، وقال كما في الحديث هنا: "لا يوردن ممرض على مصح" وهذه الأحاديث الشريفة ترد الناس إلى كمال التوحيد، وتردهم إلى بارئهم الذي خلق الأسباب والمسببات.قال أحد الأطباء المختصين: ومما سبق أن شرحناه في موضوع الأمراض المعدية يتبين لنا إعجاز أحاديث المصطفى r، فالأحاديث النبوية الشريفة توضح بجلاء أن دخول الميكروب بذاته إلى جسم الإنسان ليس كافياً لحدوث المرض، وأن هناك عوامل أخرى غير ظاهرة لنا هي المسؤولة في النهاية عن حدوث المرض….ومنذ أن عرف الأتراك تلقيح الأبقار بالجدري، ثم تلقيح الأطفال، وتبعهم (جينير) الطبيب الإنجليزي، ظهرت فائدة التلقيح والتطعيم ضد مختلف الميكروبات، وفكرة التطعيم والتلقيح تتلخص في أن يدخل الإنسان الميكروب ميتاً أو مضعفاً إلى الجسم السليم، فتتعرف عليه أجهزة المناعة وتصنع المضادات ضده، حتى إذا دخل الميكروب الحقيقي وجد أجهزة الدفاع على أتم استعداد لمقاومته…وهكذا تتضح الرؤية ويعلم أن الميكروب وحده ليس سبباً للمرض، وبذلك لا عدوى بذاتها وإنما العدوى ناتجة بقدر الله تعالى، ومع هذا فنحن لا ننفي الأسباب بل نأخذ بالأسباب في عالم الأسباب مع الاعتقاد التام بأنها لا تضر ولا تنفع بذاتها وإنما الأمر كله بيد خالق الأسباب.وبهذا يتبين أن أحاديث المصطفى rتحمل في طياتها إعجازاً علمياً لم يكشف اللثام عنه إلا في القرن العشرين بعد أن تطورت علوم البشر عن أسباب المرض وجهاز المناعة . الحديث السادس والعشرون عن المغيرة بن شعبة قال: كُسفت الشمس على عهد رسول الله rيوم مات إبراهيم فقال الناس كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله r: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله".وفي رواية عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي r: "إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا".صحيح البخاري في الكسوف 1042-1043 قوله:(لموت أحد) في رواية:سبب هذا القول ولفظه،وذلك ان ابناً للنبي rيقال له إبراهيم مات فقال الناس في ذلك. ولأحمد والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله rفخرج فزعاً يجر ثوبه حتى أتى المسجد، فلم يزل يصلي حتى انجلت، فلما انجلت قال: "إن الناس يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء وليس كذلك".وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدون من تأثير الكواكب في الأرض، قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي rأنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما . الحديث السابع والعشرون عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي rمن الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله rرُمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله r: "ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟" قالوا: الله ورسوله أعلم ، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله r:"فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا، تبارك وتعالى اسمه، إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال. قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضاً، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم. ويرمون به. فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون".صحيح مسلم في السلام2229 قوله: يقرفون أي يخلطون فيه الكذب.هكذا كان النبي r يبين بطلان أقوال الناس في الجاهلية، ويفسر لأصحابه الأحداث التفسير العلمي الواقعي. الحديث الثامن والعشرون عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: "ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة".وفي رواية عن ابن أسيد رضي الله عنه قال: قال النبي r: "كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة". أخرجه ابن ماجه في الأطعمة ورجاله ثقات، وعبدالرزاق في المصنف وصححه الحاكم أظهرت الأبحاث الحديثة أن زيت الزيتون له فوائد عديدة في الوقاية من المرض القاتل مرض شرايين القلب، فإن رسول الإنسانية عليه الصلاة والسلام قد أمر بأكله منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام.وقد أظهرت العديد من الدراسات العلمية أن زيت الزيتون يحتوي على مواد كيميائية تمنع تخثر الدم وترفع مستوى الكولسترول عالي الكثافة HDL وهو النوع المرغوب فيه، وتقي الشرايين من ترسب الكولسترول فيها.ويعطي الأطباء في جامعة ميلانو في إيطاليا مرضى القلب الذين أجريت لهم عمليات شرايين القلب بشكل روتيني أربع إلى خمس ملاعق من زيت الزيتون يومياً وذلك كجزء من العلاج الذي يتلقونه.وقد أظهر الدكتور جراندي من جامعة تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية في دراسة نشرتها المجلة الطبية الأمريكية الشهيرة عام 1986 أن زيت الزيتون يخفض معدل كولسترول الدم13% ويخفض معدل الدسم البروتينية المنخفضة بالكثافة بما يعادل21% ونصح الدكتور جراندي الأمريكيين بتناول زيت الزيتون بدلاً من الزيوت والدهون الأخرى للوقاية من أمراض شرايين القلب . الحديث التاسع والعشرون عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي rقال: "عليكم بألبان البقر فإنها ترم من كل الشجر وهو شفاء من كل داء".أخرجه الحاكم في المستدرك وهو في صحيح الجامع الصغير وأخرج ابن عساكر نحوه من حديث طارق بن شهاب بلفظ "عليكم بألبان الإبل والبقر فإنها ترم من الشجر كله، وهو شفاء من كل داء". نشرت مجلة اللانست الطبية المشهورة عام 1985م دراسة قام بها الدكتور غارلاند من جامعة كالفورنيا في الولايات المتحدة حيث درس الغذاء الذي يتناوله ألفا رجل على مدى عشرين عاماً، فوجد أن أولئك الذين كانوا يشربون كأسين ونصف من الحليب يومياً أقل عرضة بكثير لسرطان القولون من أولئك الذين لا يتناولون الحليب، ولهذا كانت نصيحة الدكتور غارلاند أن يشرب الناس ما بين كوبين إلى ثلاثة أكواب من الحليب القليل الدسم للوقاية من سرطان القولون… وهناك دراسة أخرى من اليابان تشير إلى أن تناول الحليب يقلل من الإصابة بسرطان المعدة… ومن المعروف لدى عامة الناس أن تناول الحليب عند المصابين بقرحة المعدة يخفف ألم القرحة، وقد اكتشف العلماء في جامعة نيويورك في الولايات المتحدة أن الحليب يحتوي على مادة تسمى البروستاغلاندين وهي التي تقي من القرحة… ومن الملاحظ كثرة التهاب المعدة والأمعاء عند الأطفال إلا أن هذا المرض يمكن الوقاية منه إذا ما أعطينا أطفالنا حليباً كامل الدسم . الحديث الثلاثون عن عائشة رضي الله عنها أن النبي rقال: "نعم الأدم –أو الإدام- الخل".صحيح مسلم في الأشربة 1051 الإدام: ما يؤتدم به، يقال: أدم الخبز بالخل، أي غمس الخبز في الخل وأكله، وجمع الإدام: أدم، ككتاب وكتب. يحتوي الخل على كمية قليلة من البروتين والنشويات، كما يحتوي على الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والمغنزيوم والفوسفور والحديد والزنك والكلور.ويقول الدكتور سيريل سكوت وموريس هانسن في كتابهما عن فوائد خل التفاح أنه: أولاً: يمنع الإسهال لاحتوائه على مادة قابضة. ثانياً: ينشط عملية الهضم والاستقلاب في الجسم. ثالثاً: يمنع تنخر الأسنان. رابعاً: يقتل الطفيليات في الأمعاء. خامساً: يمكن استعماله لتحسين الهضم عند أولئك الذين لديهم نقص في حمض المعدة.كما يقوم الخل بفعل مطهر للأمعاء، وبعض الناس ينصح باستعماله لغرغرة الفم والحلق، فيطهر جوف الفم من الجراثيم . الحديث الحادي والثلاثون عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: "الفطرة خمس –أو خمس من الفطرة- : الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب".صحيح البخاري في اللباس 5889 أصل الفطرة: الخلقة المبتدأة، والمراد بها في الحديث: أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها وحثهم عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها. وقد ورد في بعض روايات الحديث: "خمس من السنة" بدل الفطرة. والختان: مصدر ختن أي قطع، والمراد قطع الجلدة التي تغطي حشفة الذكر، وأما الاستحداد فالمراد به استعمال الموسى –أو أي آلة حادة- لإزالة العانة، وهي الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه، وكذا الشعر الذي حوالي فرج المرأة. وقد نشرت المجلة الطبية البريطانية BMG – وهي من أشهر المجلات الطبية- مقالاً عن سرطان القضيب ومسبباته، عام 1987، جاء في هذا المقال: إن سرطان القضيب نادر جداً عند اليهود وفي البلدان الإسلامية، حيث يجري الختان أثناء فترة الطفولة، وأثبتت الإحصائيات الطبية أن سرطان القضيب عند اليهود لم يشاهد إلا في تسعة مرضى فقط في العالم كله.ومن العوامل المهيئة لحدوث سرطان القضيب: التهاب الحشفة، ولما كان الختان يزيل هذه القلفة من أساسها فإن المختونين لا يحدث لديهم تضيق في القلفة من أساسها فإن المختونين لا يحدث لديهم تضيق في القلفة، كما أنه يندر جداً أن يحدث التهاب الحشفة عندهم، ويبدو أن تضيق القلفة ينجم عن احتباس اللخن، وهي مفرزات تتجمع بين حشفة القضيب والقلفة عند غير المختونين، وقد ثبت أن لهذه المواد فعلاً مسرطناً.ونشرت مجلة المعهد الوطني للسرطان دراسة أكدت فيها أن سرطان القضيب ينتقل عبر الإتصال الجنسي، وأشارت إلى أن الإتصال الجنسي المتعدد بالبغايا يؤدي إلى حدوث هذا السرطان.كما ورد في تقرير نشرته الأكاديمية لأمراض الأطفال جاء فيه: إن الختان هو الوسيلة الفعالة للوقاية من سرطان القضيب. وأكدت المجلة الأمريكية لأمراض الأطفال أن العوامل الدينية عند المسلمين واليهود، التي تقرر اتباع الختان: تلعب عاملاً أساسياً في حث هؤلاء على الأخذ بهذه الفطرة .وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً أن إبراهيم عليه السلام اختتن بالقدوم وهو ابن ثمانين. الحديث الثاني والثلاثون عن عائشة رضي الله عنها كانت تأمر بالتلبينة للمريض وللمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول الله rيقول: "إن التلبينة تجم فؤاد المريض، وتذهب ببعض الحزن".صحيح البخاري في الطب 5689 التلبينة: هي حساء يعمل من دقيق الشعير أو نخالته ويجعل فيه عسل أو لبن، سميت تلبينة تشبيها لها باللبن في بياضها ورقتها.قوله "تجم فؤاد المريض" : أي تريح فؤاده وتزيل عنه الهم وتنشطه.وأخرجه النسائي من وجه آخر عن عائشة، وزاد: والذي نفس محمد بيده إنها لتغسل بطن أحدكم كما يغسل أحدكم الوسخ عن وجهه بالماء.وعند أحمد والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله rإذا أخذ أهله الوعك أمر بالحساء فصنع، ثم أمرهم فحسوا منه – أي شربوا منه- ثم قال: إنه يرتو فؤاد الحزين، ويسرو عن فؤاد السقيم كما تسرو إحداكن الوسخ عن وجهها بالماء. ومعنى يرتو: يقوي. ومعنى يسرو: يكشف.قال الموفق البغدادي: إذا شئت معرفة منافع التلبينة فاعرف منافع ماء الشعير ولا سيما إذا كان نخالة. قال: ولا شيء أنفع من الحساء لمن يغلب عليه في غذائه الشعير، وأما من يغلب على غذائه الحنطة فالأولى به في مرضه حساء الشعير.وقال صاحب الهدي: وإنما اختار الأطباء النضيج لأنه أرق وألطف فلا يثقل على طبيعة المريض، وينبغي أن يختلف الانتفاع بذلك بحسب عادة الإختلاف في البلاد . وقال الكمال بن طرخان: إذا شئت أن تحصي فوائد التلبينة –وهي حساء(شوربة) مصنوعة من الشعير- فأحص منافع ماء الشعير. ويوصف في الطب الحديث حساء الشعير في الحميات كما يعطى للمرضى كغذاء لطيف سهل الهضم.وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الشعير يخفض كولسترول الدم حيث يدخل في صناعة الكبد للكولسترول.ونشرت مجلة ليبيدز عام 1985 مقالاً حول فوائد الشعير وغيره من النباتات في معالجة ارتفاع كولسترول الدم جاء فيه: لقد قام خبراء من قسم الزراعة في أمريكا في إجراء بحوث على الشعير فتبين أنه يحتوي على ثلاثة عناصر كلها تقوم بحفض كولسترول الدم.وقامت شركات كثيرة في الغرب في صناعة زجاجات ماء الشعير Barley Water، وقامت شركات الأدوية بتصنيع كبسولات تحتوي على زيت الشعير . وهذا يظهر الإعجاز في قول النبي r: "التلبينة مجمة لفؤاد المريض" أي مريحة لقلب المريض.والجدير بالذكر أن الشعير غني بالألياف، ولهذا فقد أجريت تجارب على المرضى المصابين بالإمساك المزمن، فأعطي فيها هؤلاء البسكويت المصنوع من الشعير فتبين أن 80% من هؤلاء الذين تناولوا ثلاثة أقراص من بسكويت الشعير يومياً قد شفوا تماماً من الإمساك وأقلعوا عن استعمال المسهلات.وقام فريق من الأطباء في جامعة وسكونسين في الولايات المتحدة بإجراء التجارب على الشعير فوجدوا أنه لا يخفض الكولسترول فحسب، بل إن فيه مواد كيميائية تثبط فعل المواد المسرطنة في الأمعاء.وقد يتبادر إلى ذهن بعض الناس سؤال: ما الفرق بين البيرة المصنوعة من الشعير، وماء الشعير؟إن ماء الشعير مادة غير مسكرة لأنه لم تحدث لها عملية تخمر، أما البيرة فهي مادة مسكرة لأنها ناتجة عن عملية تخمر، وفي الحديث الشريف الذي يرويه أحمد كما في صحيح الجامع الصغير أن رسول الله rقال: "من الحنطة خمر، ومن التمر خمر، ومن الشعير خمر، ومن الزبيب خمر، ومن العسل خمر" الحديث الثالث والثلاثون عن أم المنذر بنت قيس الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله rومعه علي رضي الله عنه، وعلي ناقه، ولنا دوال معلقة، قالت: فقام رسول الله rيأكل، وقام علي رضي الله عنه أيضاً يأكل، فقال رسول الله r: "مهلاً يا علي إنك ناقه"، فجلس علي وأكل منها رسول الله r، ثم جعلت لهم سلقاً وشعيراً، فقال النبي rلعلي: "من هذا فأصب فإنه أوفق لك" . الناقِه: المريض المتماثل للشفاء.هكذا أرشد رسول الله rعلياً رضي الله عنه إلى وجوب اتباع الحمية والتدرج في الطعام عند المريض الذي يتماثل للشفاء، فاختار له الحساء المناسب للحالة التي هو فيها، فسن rوجوب اتباع الحمية ومراعاة الحالة التي يكون فيها الإنسان في الطعام الذي يتناوله، وهو مبدأ من المبادئ المجمع عليها عند الأطباء، فالمعدة بيت الداء والحمية أصل كل دواء. الحديث الرابع والثلاثون عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله rقال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في إحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء" وفي رواية بلفظ: "شراب أحدكم". ووقع في حديث أبي سعيد عند النسائي وابن ماجه وابن حبان وصححه "إذا وقع في الطعام" والتعبير بالإناء أشمل. قوله (فليغمسه كله) أمر إرشاد لمقابلة الداء بالدواء.قوله (ثم ليطرحه)أي ثم ليرميه.فقد أخرج البزار بسند رجاله ثقات أن أنس بن مالك رضي الله عنه وقع ذباب في إنائه، فقال بإصبعه فغمسه في ذلك الإناء ثم قال: باسم الله، وقال: إن رسول الله rأمرهم أن يفعلوا ذلك.ورد النص في الذباب فلا يقاس عليه غيره من الحشرات، وخاصة فقد بين سبب ذلك بأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وهذا المعنى لا يوجد في غيره.قال الخطابي: تكلم في هذا الحديث من لا خلاق له فقال: كيف يجتمع الشفاء والداء في جناحي الذباب؟.وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، فإن كثيراً من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة، وقد ألف الله بينها وقهرها على الاجتماع، وإن الذي ألهم النحلة اتخاذ البيت العجيب الصنعة للتعسيل فيه، وألهم النملة أن تدخر قوتها إلى أوان حاجتها، وأن تكسر الحبة نصفين لئلا تستنبت، لقادر على إلهام الذبابة أن تقدم جناحاً وتؤخر أخرى…قال ابن الجوزي: ما نقل عن هذا القائل ليس بعجيب، فإن النحلة تعسل من أعلاها وتلقي السم من أسفلها، والحية القاتل سمها تدخل لحومها في الترياق الذي يعالج به السم، والذبابة تسحق مع الإثمد لجلاء البصر. وذكر بعض حذاق الأطباء أن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عن لسعه وهي بمنزلة السلاح له، فإذا سقط الذباب في ما يؤذيه تلقاه بسلاحه، فأمر الشارع أن يقابل تلك السمية ما أودعه الله تعالى في الجناح الآخر من الشفاء، فتتقابل المادتان فيزول الضرر بإذن الله تعالى .وقد لاحظ الأقدمون بالتجربة أن دلك موضع لدغ الزنبور أو العقرب بالذباب ينفع منه نفعاً بيناً.ولوحظ على جرحى الحرب العالمية من الجنود أن جراحهم أسرع شفاء والتئاماً من الضباط الذين يعنى بهم مزيد عناية في المستشفيات، لأن الجنود يتداوون في الميدان فيتعرضون لوقوع الذباب على جراحاتهم…ومنذ سنة 1922 نشر الدكتور بيريل بعد دراسة مسهبة لأسباب جائحات الهيضة (كوليرا) في الهند وجود كائنات دقيقة تغزو الجراثيم وتلتهمها، وتدعى: ملتهمات الجراثيم –بكتريوفاج- وأثبت بيريل أن البكترويوفاج هو العامل الأساسي في إطفاء جوائح الهيضة، وأنه يوجد في براز الناقهين من المرض المذكور، وأن الذباب ينقله من البراز إلى آبار ماء الشرب فيشربه الأهلون، وتبدأ جذوة جائحة الهيضة بالإنطفاء. - كما تأكد عام 1928 حين أطعم الأستاذ بيريل ذباب البيوت فروع جراثيم ممرضة فاختفى أثرها بعد حين، وماتت كلها من جراء وجود ملتهم الجراثيم، شأن الذباب الكبير في مكافحة الأمراض الجرثومية التي قد ينقلها هو بنفسه، وعرف أنه إذا هيئ خلاصة من الذباب في مصل فزيولوجي، فإن هذه الخلاصة تحتوي على ملتهمات أربعة أنواع على الأقل من الجراثيم الممرضة . والجدير بالذكر أن الأستاذ الألماني بريفلد من جامعة هال وجد أن الذبابة المنزلية مصابة بطفيلي من جنس الفطريات سماه أمبوزاموسكي، وهذا الطفيلي يقضي حياته في الطبقة الدهنية الموجودة داخل بطن الذبابة… وقد أيد العلماء المحدثون ما اكتشفه بريفلد وبينوا خصائص هذا الفطر الذي يعيش على بطن الذبابة. - ففي سنة 1945 أعلن أستاذ الفطريات لانجيرون أن الخلايا التي يعيش فيها هذا الفطر فيها خميرة قوية تذيب أجزاء الحشرة الحاملة للمرض. - وفي سنة 1947 عزل موفيتش مضادات حيوية من مزرعة للفطريات تعيش على جسم الذبابة، ووجدها ذات مفعول قوي على جراثيم غرام سلبي كجراثيم الزحار والتفوئيد. - وفي نفس السنة تمكن العالمان الإنجليزيان آرنشتين وكوك والعالم السويسري روليوس من عزل مادة سموها جافاسين من الفطور التي تعيش على الذباب، وتبين لهم أن هذه المادة مضادة حيوية تقتل جراثيم مختلفة من غرام سلبي وغرام إيجابي. - وفي سنة 1948 تمكن بريان وكورتيس وهيمنغ وجيفيرس من بريطانيا من عزل مضادة حيوية أخرى سموها كلوتيزين من الفطريات نفسها التي تعيش في الذباب، وهي تؤثر في جراثيم غرام سلبي كالتفوئيد والزحار. - وفي سنة 1949تمكن العالمان الإنكليزيان كومسي وفارمر والسويسريون جرمان وروث وإثلنجر وبلانتز من عزل صادة (مضادة حيوية) أخرى من فطر ينتمي إلى فصيلة الفطور التي تعيش في الذباب، سموها أنياتين، ولها أثر شديد في جراثيم غرام سلبي وغرام إيجابي كالتفوئيد والكوليرا والزحار وغيرها . الحديث الخامس والثلاثون عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب".وعن ابن المغفل قال: أمر رسول الله rبقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالهم وبال الكلاب"، ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم وقال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب".صحيح مسلم في الطهارة 279-280 ولغ الكلب في الإناء: إذا شرب منه بطرف لسانه. عفروه: أي أدلكوه.ثبت علمياً أن الكلب ناقل لبعض الأمراض الخطرة، إذا تعيش في أمعائه دودة تدعى المكورة المقنفذة تخرج بيوضها مع برازه، وعندما يلحس دبره بلسانه تنتقل هذه البيوض إليه، ثم تنتقل منه إلى الأواني والصحون وأيدي أصحابه، ومنها تدخل إلى معدتهم فأمعائهم، فتنحل قشرة البيوض وتخرج منها الأجنة التي تسرب إلى الدم والبلغم، وتنتقل بهما إلى جميع أنحاء الجسم، وبخاصة إلى الكبد لأنه المصفاة الرئيسية في الجسم…. ثم تنمو في العضو الذي تدخل إليه وتشكل كيساً مملوءاً بالأجنة الأبناء وبسائل صاف كماء الينبوع.وقد يكبر الكيس حتى يصبح بحجم رأس الجنين، ويسمى المرض: داء الكيسة المائية، وتكون أعراضه على حسب العضو الذي تتبعض فيه، وأخطرها ما كان في الدماغ أو في عضلة القلب، ولم يكن له علاج سوى العملية الجراحية…وثمة داء آخر خطر ينقله الكلب وهو داء الكلب الذي تسببه حمة راشحة يصاب بها الكلب أولاً، ثم تنتقل منه إلى الإنسان عن طريق لعاب الكلب بالعض أو بلحسه جرحاً في جسم الإنسان..إذن فمنافع الكلب تخص بعض البشر، أما ضرره فيعم الجميع، لذلك أمر النبي rبقتل الكلاب، ثم رخص في كلب الصيد والحرث والماشية نظراً للحاجة إليها. وفي زمن النبي rلم يكن داء الكيسة المائية معروفاً بالطبع، ولم يعرف أن مصدره الكلاب، أما داء الكلب فكانوا يسمون الكلب المصاب به: الكلب العقور.وقام العلماء في العصر الحديث بتحليل تراب المقابر ليعرفوا ما فيه من الجراثيم، وكانوا يتوقعون أن يجدوا فيه كثيراً من الجراثيم الضارة، وذلك لأن كثيراً من البشر يموتون بالأمراض الإنتانية الجرثومية، ولكنهم لم يجدوا في التراب أثراً لتلك الجراثيم الضارة المؤذية… فاستنتجوا من ذلك أن للتراب خاصية قتل الجراثيم الضارة، ولولا ذلك لانتشر خطرها واستفحل أمرها، وقد سبقهم النبي rإلى تقرير هذه الحقيقة بهذه الأحاديث النبوية الشريفة . الحديث السادس والثلاثون عن ثمامة بن عبدالله قال: كان أنس بن مالك رضي الله عنه يتنفس في الإناء مرتين أو ثلاثة، وزعم أن النبي rكان يتنفس ثلاثاً. صحيح البخاري في الأشربة 5631 وعن ابن أبي قتادة عن أبيه قال: قال رسول الله r: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا بال أحدكم فلا يمسح ذكره بيمينه، وإذا تمسح أحدكم فلا يتمسح بيمينه".صحيح البخاري في الأشربة5630 وأخرج مسلم وأصحاب السنن من طريق أبي عاصم عن أنس أن النبي rكان يتنفس في الإناء ثلاثاً ويقول: "هو أروى وأمرأ وأبرأ".أي أكثر رياً، وأكثر إبراء من الأذى والعطش، والمراد أنه يصير هنيئاً مريئاً برياً سالماً من مرض أو عطش أو أذى. قال بعض العلماء: النهي عن التنفس في الشراب كالنهي عن النفخ في الطعام والشراب، من أجل أنه قد يقع فيه شيء من الريق فيعافه الشارب ويتقذره، ومحل هذا إذا أكل وشرب مع غيره، وأما لو أكل وحده أو مع أهله أو من يعلم أنه لا يتقذر شيئاً مما يتناوله فلا بأس.قلت: والأولى تعميم المنع لأنه لا يؤمن مع ذلك أن تفضل فضلة أو يحصل التقذر من الإناء أ, نحو ذلك… وقال القرطبي: معنى النهي عن التنفس في الإناء لئلا يتقذر به من بزاق أو رائحة كريهة تتعلق بالماء .هكذا فهم المتقدمون من العلماء الحديث الشريف، وزاد فيه المعاصرون معنى آخر، قال أحدهم: وهذا هدي آخر يشرفنا به سيدنا محمد rفيه أدب رفيع وتوجيه سليم، وقد بعث rليتمم مكارم الأخلاق، والنفخ في الطعام والشراب خروج عن الآداب العامة، ومجلبة للاحتقار والازدراء، والنبي rسيد المؤدبين وإمام المربين.والتنفس شهيق وزفير، الشهيق يدخل الهواء الصافي المفعم بالأكسجين إلى الرئتين ليمد الجسم بما يحتاجه من الطاقة، والزفير يخرج من الرئتين الهواء المفعم بغاز الفحم مع قليل من الأكسجين، وبعض فضلات الجسم الطيارة التي تخرج عن طريق الرئتين بشكل غازي، هذه الغازات تكثر نسبتها في هواء الزفير في بعض الأمراض كما في التسمم البولي… فهواء الزفير هو حامل لفضلات الجسم الغازية مع قليل من الأكسجين، لذلك نهى النبي rعن النفخ في الطعام والشراب.وأرشد rأيضاً إلى مبدأ صحي هام في أمره بالتنفس عند الشرب، فمن المعلوم أن شارب الماء دفعة واحدة يضطر إلى كتم نفه حتى ينتهي من شرابه، وذلك لأن طريق الماء والطعام وطريق الهواء يتقاطعان عند البلعوم فلا يستطيعان أن يمرا معً، ولا بد من وقوف أحدهما حتى يمر الآخر. وعندما يكتم المرء نفسه مدة طويلة ينحبس الهواء في الرئتين فيأخذ بالضغط على جدران الأسناخ الرئوية فتتوسع وتفقد مرونتها بالتدريج، ولا يظهر ضرر ذلك في مدة قصيرة، ولكن إذا اتخذ المرء ذلك عادة له وصار يعب الماء عباً كالبعير تظهر عليه أعراض انتفاخ الرئة.. فيضيق نفسه عند أقل جهد، وتزرق شفتاه وأظافره، ثم تضغط الرئتان على القلب فيصاب بالقصور، وينعكس ذلك على الكبد فيتضخم، ثم يحدث الاستسقاء والوذمات في جميع أنحاء الجسم، وهكذا فإن انتفاخ الرئتين مرض خطير حتى أن الأطباء يعدونه أخطر من سرطان الرئة، والنبي rلا يريد لأفراد أمه كل هذا العناء والعذاب، لذلك نصحهم أن يمصوا الماء مصاً، وأن يشربوه على ثلاث دفعات فهو أروى وأمرأ وأبرأ . الحديث السابع والثلاثون عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن خياطاً دعا رسول الله rلطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله rفرأيته يتتبع الدباء من حوالي القصعة، قال: فلم أزل أحب الدُبَّاء من يومئذ.وفي رواية ثانية: فقرب إلى رسول الله rخبزاً ومرقاً فيه دُبَّاء وقديد.صحيح البخاري في الأطعمة 5379 الدبا: بضم الدال المشددة هو القرع، وقيل: خاص بالمستدير منه، وفي شرح المهذب للنووي أنه القرع اليابس، وهو اليقطين أيضاً .ودل الحديث الشريف على أن رسول الله صلى الله ليه وآله وسلم كان يحب اليقطين، وما أحب عليه الصلاة والسلام شيئاً إلا وجدت في ذلك سراً عظيماً –كما يقول أحد المختصين- فماذا في اليقطين؟!جاء في كتاب (تركيب الأطعمة) الشهير: تبلغ نسبة الماء في اليقطين ?.7% ويحتوي على كمية قليلة من السكر والألياف، وتعطي المائة غرام منه 65 حريرة فقط، فهو غذاء جيد لمن أراد إنقاص وزنه، وهو فقير جداً بالصوديوم، فهو يناسب المرضى المصابين بارتفاع ضغط الدم، وغني بالبوتاسيوم الذي يلزم عند الذين يتناولون الحبوب التي تدر البول، كما أنه يحتوي على البوتاسيوم والكالسيوم والمغنيزيوم والفوسفور والحديد والكبريت والكلور. وهو غني بالفيتامينات وفي طليعتها فيتامين أ.وجاء في كتاب الطب النبوي لابن قيم الجوزية: اليقطين يعد غذاء رطباً بل غنياً، ينفع المحمومين ماؤه، يقطع العطش، ويذهب الصداع إذا شرب أو غسل به الوجه، وهو ملين للبطن كيفما استعمل، فهو من ألطف الأغذية وأسرعها انفعالاً.وهناك أدلة حديثة تشير إلى أن اليقطين يفيد في الوقاية من السرطان، وقد نشرت مجلة الأبحاث البيوكيميائية عام 1985 دراسة أجريت في المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة، أشارب هذه الدراسة أن لليقطين فعلاً واقياً من سرطان الرئة عند سكان نيوجرسي في الولايات المتحدة . الحديث الثامن والثلاثون عن نبيه بن وهب قال: خرجنا مع أبان بن عثمان، حتى إذا كنا بملل –موضع بين مكة والمدينة- اشتكى عمر بن عبيدالله عينيه، فلا كنا بالروحاء –موضع قرب المدينة- اشتد وجعه، فأرسل إلى أبان بن عثمان يسأله، فأرسل إليه أن اضمدهما بالصبر، فإن عثمان رضي الله عنه حدث عن رسول الله rفي الرجل إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضمدهما بالصبر.صحيح مسلم في الحج 1204 وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت علي صبراً، فقال: ماذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب. قال: "إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل".أخرجه أبو داود والنسائي قوله: (يشب الوجه) أي يلونه ويحسنه. نشر حديثاً في عام 1986 أستاذ في جامعة نيويورك مقالة طبية رئيسية في مجلة أمراض الجلد الأمريكية عن مادة الصبر فقال: هي مشتقة من الأصل العربي لها ، وهي الألوة ، وهي تعني: المادة المرة واللامعة، وقد استخدم الصبر على مر السنين في معالجة الحروق ولدغات الحشرات، ومعالجة حب الشباب، وحروق الأشعة، وفي التهاب المفاصل، وكذلك استعمل كمادة مسهلة.وتبين من خلال الدراسات السريرية أن للصبر دوراً في معالجة الالتهابات الجلدية الشعاعية، وفي تقرحات القرنية، وفي قروح الرجلين. وذكرت هذه المقالة أن الصبر يحتوي على أربع مواد كيميائية فعالة وهي: برادي كينيناز: وهي مادة لها فعل مقبض للشرايين، وحين تتقبض الشرايين فإن هذا يخفف من الإنتفاخ والاحمرار الحاصل في مكان الإلتهاب، وهذا يفسر سبب إدخال مادة الصبر في تركيب بعض المواد المستعملة في معالجة حروق الشمس.لاكتات المغنزيوم: وهي مادة تمنع تشكل الهستامين الذي يعتبر واحداً من أهم أسباب الحكة في الجلد، وبذلك فإن الصبر يخفف الحكة والالتهاب، وهذا يفسر فعاليته في معالجة لدغات الحشرات. مضاد البروستاغلاندين: وهذه المادة تخفف الألم والالتهاب، وخير مثال عليها هي حبوب الأسبرين. وهكذا وبعد أكثر من ألف وأربعمائة عام تأتي الأبحاث العلمية الحديثة لتؤكد للعالم أن ما داوى به رسول الله rأصحابه كان هو الدواء السليم، فهذا الرجل الذي يشتكي من الرمد في عينيه وهو محرم يشكو من الألم ومن الاحتقان ولا أسبرين في ذلك الوقت، وليس هناك المسكنات التي نعرفها اليوم، فهدى الله رسوله rلعلاجه بوضع الصبر كضمادة على العين الملتهبة ليخفف أوجاعها ويزيل مصابها، وثمة لفتة أخرى هنا على عمل الصبر الفعال في الوقاية من حرق الشمس، فهذا الحاج المحرم من قيظ الحر قد أصيب في عينية، فإن حرق الشمس يزيد من الألم ومن احتقان الجلد، وهنا يأتي الصبر برداً وسلاماً على العين الملتهبة وعلى الجلد المحتقن فيزول الألم وتسكن الأوجاع بإذن بارئها.مادة الأنثراكينولون: وهذه المادة لها تأثير مخرش موضعي للجهاز الهضمي، مما يفسر خاصية الصبر كمادة مسهلة، وهذه المادة هي أيضاً العنصر الفعال الموجود في مركب الأنثرالين المستخدمة في معالجة داء الصدف.وقد أثبتت الدراسات ايضاً أن للصبر تأثيراً مرطباً للجلد حيث يلطفه وينعمه، إذ أنه يحبس الماء في ذلك المكان فيرطبه وينعمه، وقد صدق رسول الله rحين قال لأم سلمة: إنه يشب الوجه فيلمعه ويحسنه ويلونه. ونحن نجد الآن في الأسواق التجارية من كريمات ومساحيق وأنواع الصابون ومستحضرات تجميلية أخرى، وكلها قد دخل في تركيبها مادة الصبر.والتهاب المفاصل نظير الرئوي مرض مؤلم جداً قد يؤدي إلى تشوه في المفاصل مع حصول إعاقة شديدة في حركتها، وقد نشرت مجلة النقابة الطبية الأمريكية لأمراض الأقدام بحثاً في عام 1985 استخدم فيه الصبر موضعياً على مفاصل ملتهبة محدثة عند الفئران.. وقد أظهرت الدراسة أن تلك المعالجة استطاعت تخفيف الالتهاب في 88% من الحالات . الحديث التاسع والثلاثون عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي rقال: "ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي r: أوصني، قال: لا تغضب. فردد مراراً، قال : لا تغضب.صحيح البخاري في الأدب 6114-6116 قوله (ليس الشديد بالصُّرَعة) بضم الصاد وفتح الراء: الذي يصرع الناس كثيراً بقوته، والهاء للمبالغة بالصفة. قوله (فردد مراراً) أي ررد السؤال يلتمس أنفع من ذلك.او أبلغ أو أعم، فلم يزده على ذلك وزاد أحمد وابن حبان في رواية عن رجل لم يسم قال: تفكرت فيما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله.قال الخطابي: معنى قوله (لا تغضب) اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه.وقال ابن بطال في الحديث الأول أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو، لأنه rجعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة، ولعل السائل كان غضوباً، وكان النبي rيأمر كل أحد بما هو أولى به، فلهذا اقتصر في وصيته له على ترك الغضب، فللغضب مفاسد كبيرة، ومن عرف هذه المفاسد عرف مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة من قوله r(لا تغضب) من الحكمة واستجلاب المصلحة في درء المفاسد .وكما وصف النبي rالداء وصف أيضاً الدواء، ففي حديث رواه أحمد وأبو داود وابن حبان أنه عليه الصلاة والسلام قال :"إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع".فما هي تأثيرات الغضب على جسم الإنسان؟ ولماذا وصف لنا النبي عليه السلام هذا العلاج؟ وكيف يؤثر الوقوف والاضطجاع على الغضب؟هذه ثلاثة أسئلة، للإجابة عليها لا بد أن نتوقف عند الغدة الكظرية التي تقع فوق الكليتين، ومن وظائف هذه الغدة إفراز هرمون الأدرينالين والمودرينالين.فإن كان لديك اضطراب في نظم القلب فلا تغضب، فهرمون الأدرينالين يمارس تأثيره على القلب فيسرع القلب في دقاته، وقد يضطرب نظم القلب ويحيد عن طريقه السوي، ولهذا فإن الانفعال والغضب يسببان اضطراباً في ضربات القلب، وكثيراً ما نشاهد من يشكو من الخفقات في القلب حينما يغضب أو ينفعل.وإن كنت تشكو من ارتفاع في ضغط الدم فلا تغضب: فإن الغضب يرفع مستوى هذين الهرمونين في الدم، مما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، والرسول rيكررها ثلاثاً: (لا تغضب) ، والأطباء ينصحون المرضى المصابين بارتفاع ضغط الدم أن يتجنبوا الانفعالات والغضب.وإن كنت مصاباً بمرض في شرايين القلب فلا تغضب: لأنه يزيد من تقلص القلب حركته، وقد يهيء ذلك لحدوث أزمة في القلب. وإن كنت مصاباً بالسكري فلا تغضب: فإن الأدرينالين يزيد من سكر الدم.وقد ثبت علمياً أن هذه الهرمونات تنخفض بالاستلقاء كما قال r: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" . الحديث الأربعون عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي rقال: "إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فليرده ما استطاع، فإذا قال: ها، ضحك منه الشيطان".صحيح البخاري في الأدب 6223 قال ابن حجر رحمه الله: قال الخطابي: معنى المحبة والكراهة فيهما منصرف إلى سببهما، وذلك أن العطاس يكون من خفة البدن وانفتاح المسام وعدم الغاية في الشبع، وهو بخلاف التثاؤب فإنه يكون من علة امتلاء البدن وثقله من ما يكون ناشئاً عن كثرة الأكل والتخليط فيه، والأول يستدعي النشاط للعبادة والثاني على عكسه .وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف يشمت العاطس في الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي rقال: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم". صحيح البخاري في الأدب 6224 والأطباء في العصر الحاضر يقولون: التثاؤب دليل على حاجة الدماغ والجسم إلى الأكسجين والغذاء، وعلى تقصير جهاز التنفس في تقديم ما يحتاجه الدماغ والجسم من الأكسجين، وهذا ما يحدث عند النعاس والإغماء وقبيل الوفاة. والتثاؤب: هو شهيق عميق يجري عن طريق الفم، وليس الفم بالطريق الطبيعي للشهيق لأنه ليس مجهزاً بجهاز لتصفية الهواء كما هو في الأنف، فإذا بقي الفم مفتوحاً أثناء التثاؤب تسرب مع هواء الشهيق إلى داخل الجسم مختلف أنواع الجراثيم والغبار والهباء والهوام، لذلك جاء الهدي النبوي الكريم برد التثاؤب على قدر الاستطاعة، أو سد الفم براحة اليد اليمنى أو بظهر اليد اليسرى. والعطاس هو عكس التثاؤب، فهو قوي ومفاجئ يخرج معه الهواء بقوة من الرئتين عن طريقي الأنف والفم، فيجرف معه ما في طريقه من الغبار والهباء والهوام والجراثيم التي تسربت إلى جهاز التنفس، لذلك كان من الطبيعي أن يكون العطاس من الرحمن، لأن فيه فائدة للجسم، وأن يكون التثاؤب من الشيطان لأن فيه ضرراً للجسم، وحق على المرء أن يحمد الله سبحانه وتعالى على العطاس، وأن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في حالة التثاؤب . الحديث الحادي والأربعون عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قدم النبي rالمدينة وهم يأبرون النخل (يلقحونه) ، فقال: "ما تصنعون؟" قالوا : كنا نصنعه، قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً".فتركوه، فنفضت أو فنقصت، قال فذكروا ذلك له، فقال: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي.. فإنما أنا بشر". صحيح مسلم في الفضائل رقم 2362 وقوله r: "وإذا أمرتكم بشيء من رأي" يدل على أن قوله هذا كان رأياً ولم يكن خبراً، فإن أخباره rلا تتخلف عن الحقيقة، لأنه عليه الصلاة والسلام كما وصفه الله تعالى : ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: 3-4].وأخباره عليه الصلاة والسلام حق وصدق على الإطلاق سواءً كانت في أمر الدين أو الدنيا، والقول بأن أخباره في أمور الدنيا قد تخالف الحقيقة كما ورد في بعض روايات الحديث "أنتم أعلم بأمر دنياكم" هذا القول غير صحيح، فما صدر عنه rفي موضوع تأبير النخل مجرد رأي لا على سبيل الإخبار. المراجع العلمية الحقائق الطبية في الإسلام: للدكتور عبدالرزاق كيلاني. قبسات من الطب النبوي والأدلة العلمية الحديثة: للدكتور حسان شمسي باشا. القرار المكين: للدكتور مأمون شقفة. خلق الإنسان بين الطب والقرآن: للدكتور محمد علي البار. هل هناك طب نبوي: للدكتور محمد علي البار. أوجه الإعجاز العلمي في عالم النحل واللبن والحبة السوداء: إصدار هيئة الإعجاز العلمي في رابطة العالم الإسلامي. إنه الحق: إصدار هيئة الإعجاز العلمي في رابطة العالم الإسلامي. الجذام: إصدار مستشفى ابن سيناء بحداء. السنة المطهرة التحديات: للدكتور نور الدين عتر. |