"جين" الفقراء.. سر بقاء الجياع على قيد الحياة

 

محيط -محمد السيد

 تلعب الجينات الوراثية دورا رياديا في تحديد ملامح الشخصية مثل لون البشرة والعين وطول القامة أوقصرها، وبإمكانها أيضا أن تحدد مدى إصابة الشخص بمرض معين تفشى في تاريخ العائلة المرضى قبل أن يولد.

 وعكف الباحثون منذ فترة على دراسة الجينات لاكتشاف أمراض

كثيرة تصيب الإنسان كالسمنة والقلب والشيخوخة وغيرها، لكن الجديد في هذا الشأن أن ترتبط الجينات الوراثية بمسألة بعيدة تماما عن أذهاننا، وهي قضية تحمل بعض الأشخاص لويلات الجوع والفقر، ورغم ذلك يعيشون على قيد الحياة كغيرهم من البشر.

 فقد توصل علماء أمريكيون إلى سر الجين الذي يساعد الإنسان علي البقاء حياً، حتى وإن عاني من الجوع لفترة طويلة، حيث أجري العلماء اختباراتهم هذه علي حيوانات المختبرات، وربطوا بين حاجة هذه الحيوانات إلى هذا الجين، وحاجة البشر أيضا، وفسروا الجوع الذي يتعرض له ملايين الناس في إفريقيا وأماكن أخري من العالم في ضوء اكتشافهم هذا، حيث يبقي الكثير من الناس الذين يعانون الجوع الدائم علي قيد الحياة بفضل الجين الجديد المكتشف.

 وأطلق هؤلاء العلماء في جامعة كاليفورنيا على الجين الجديد اسم "4 Pha" وهو المسئول عن إطالة حياة الجائعين، لذلك أطلق عليه مجازا "جين الفقراء".

 وأثبتت الاختبارات المعملية أن انخفاض السعرات الحرارية الغذائية بحوالي 40 في المائة اقل من الطبيعي قد أدي الي عيش الحيوانات المختبرة بنحو ثلث الفترة العمرية زيادة، ومعني ذلك أن الجين المكتشف يؤدي دورا مهما في إطالة الحياة مع انخفاض كميات السعرات الحرارية الغذائية.

 لكن هذه الحيوانات أثناء مرورها بمرحلة الجوع الطويلة، فقدت قدرتها علي الإنجاب، حيث انعدم عندها عنصر الإخصاب الذي يعتمد علي المغذيات المختلفة، ويبقي الطعام في كل الأحوال أكثر أهمية لحصول الجسم علي المزيد من السعرات الحرارية التي تنعش حيويته وأداءه وترفع قدرته علي الإخصاب أيضا.

 وأشار البحث إلى أن الإنسان يملك في جسمه ثلاثة جينات متشابهه للجين "4 pha"، ولكن العلماء لا يعرفون حتى الآن وظيفتها الدقيقة، لذلك فإنهم سيواصلون بحوثهم للوصول الي تأثيراتها المقارنة بالجين 4 Ph،  وإذا تم ذلك فإن معرفة عمل الجينات المسئولة عن إطالة الحياة ستساعد في إنتاجها صناعيا لمكافحة الكثير من مظاهر الجوع في العالم.

 

خريطة ترسم ملامح البشر

 وفي سياق الحديث عن الدور الملفت للجينات وتأثيراتها على حياة البشر، اكتشف علماء الوراثة جيناً جديداً يؤثر بشكل مباشر علي الطريقة التي نسير بها وتجعلنا إما نمشي منتصبي القامة أو علي أيدينا وأرجلنا، وذلك في دراسة أثارت الكثير من الجدل في الأوساط العلمية.

 ويعتقد باحثون في جامعة بيلكنت بأنقرة، أن اثنين من أربع عائلات تركية تضم أعضاء يمشون علي أيديهم وأرجلهم و يتشاركون جيناً واحداً.

 وأشار الباحثون إلى أن هذا الاكتشاف قد يوفر معلومات عن التطور البشري لاسيما وأن عدداً من أفراد هذه العائلات أمضي العمر كله وهو يمشي علي أرجله وأيديه، وقد يعاني هؤلاء الأشخاص من مشاكل النطق والتخلف العقلي وأطلق عليهم مصطلح متلازمة "أونر تان" وهو اسم العالم الذي كتب عن هذه الحالة.

 ومن جانبه، أوضح البروفسور تايفون أوزيك من جامعة بيلكنت، أن الأطفال الصغار يمرون بمرحلة المشي علي قدمين واليدين خلال فترة قصيرة نسبية فإن هؤلاء الأشخاص يستمرون في المشي علي راحات أيديهم وأقدامهم ولم يمشوا منتصـبي القامة، مؤكداً أن الفحوصات التي أجريت علي أفراد هذه العائلة، أوضحت أنه قد تكون هناك عيوب جينية مسئولة عن هذه العوارض، لكنه أضاف لا أعتقد للحظة أن لدينا جين يجعلنا نمشي علي أربع قوائم.

 وتابع أن أشخاصاً آخرين لديهم هذا الجين في أمريكا جري تعليمهم كيف يمشون منتصبي القامة، مشيراً إلي أن العائلات التركية كانت متسامحة حيال تعليم هؤلاء كيفية المشي علي قدمين.

 اكتشف فريق من الباحثين خللا جينيا يعتقد انه المسئول عن القصر القزمي الذي يؤدي إلى عدم بلوغ طول المصابين أكثر من متر.

 وأوضحت البروفيسورة انيتا راوخ الباحثة في جامعة ايرلانجن في ألمانيا والتي أشرفت على فريق البحث الدولي أن المصابين بهذا الجين النادر أكثر عرضة للإصابة بالسكر والسكتة الدماغية.

 وتوقعت راوخ أن يوضح اكتشاف هذا الخلل الجيني العثور على ما اعتقد العلماء انه نوع جديد من البشر في اندونيسيا الذي يطلق عليه تجاوزا "إنسان الهوبيت" ويعتقد العلماء انه كان يعيش قبل 18 ألف سنة في جزيرة فلوريس في اندونيسيا ويسمى أيضا باسم هذه الجزيرة، غير أن العلماء ما زالوا مختلفين بشأن اعتبار هذا الإنسان المفترض جنسا مختلفا من البشر.

 وقالت راوخ، أن هناك دلائل على إصابة "إنسان الهوبيت" بهذا الخلل الجيني، خصوصا انه قد عثر على تشوهات في عظام رفات هذا الجنس البشري المفترض.

 

وأضافت أن من ضمن الصفات المميزة لهذا الجنس الإنساني المفترض أن متوسط حجم مخ الطبيعيين منهم لا يتعدى حجم مخ رضيع في الشهر الثالث من عمره.

 وحسب البروفيسورة راوخ فإن هذه المعلومات الجديدة ستسمح مستقبلا بتحليل الصفات الوراثية لدى الآباء لمعرفة مدى خطر إصابة أولادهم مستقبلا بهذا المرض النادر.

 وهناك دور آخر للجينات، فقد اكتشف باحثون اسكتلنديون واستراليون أن الوراثة تتحكم بمزاج المرء فتجعله إما سعيداً أو بائساً، لأن الشخصية والسعادة في نظرهم أمران متصلان يبعضهما بفعل الوراثة.

 وأوضح الباحثون في جامعة أدنبره باسكتلندا ومعهد الأبحاث الطبي في استراليا أن السعادة لها علاقة بالجينات الوراثية، وأن هذا العامل يلعب دوراً هاماً في تكوين شخصياتهم، مشيرين إلي أن هؤلاء لايميلون بطبعهم إلي الكآبة بل الانفتاح علي الآخرين والاختلاط بهم.

 وبحسب الدراسة -التي نشرت في مجلتي "العلوم النفسية"، و"جمعية علم التحليل النفسي"- جمع العلماء معلومات عن أكثر من 900 توأم تتعلق بأمزجتهم وركزوا علي الميزات الشخصية التي تجعلهم سعداء أكثر من غيرهم.

 وأشار الدكتور الكسندر ويس من جامعة أدنبره إلى أن نتائج الدراسة أظهرت أن الاختلافات بين الناس تصل إلي 50% عندما يتعلق الأمر بالسعادة أو الشقاء، وأنه يجب عدم الاستهانة بأمور أخري قد تؤثر علي أمزجة البعض مثل العلاقات الاجتماعية وأمور الصحة والعمل.

 ولا يتوقف دور الجينات عند هذا الحد، بل اكتشف علماء ألمان أن هناك جين مسئول عن صعوبات القراءة والكتابة لدى الأطفال، والتي تعتبر أحد الاضطرابات التي تصيب شريحة كبيرة من الأطفال، ويكثر انتشارها بين الأقارب من الدرجة الأولى وهي أكثر انتشاراً بين الذكور مقارنة مع الإناث.

 ومن أهم أعراض عسر القراءة أن الطفل يزيد أو ينقص حرفاً في الكلمة أو ينطقها بطريقة خاطئة، وكذلك القراءة ببطء والفهم الضعيف وطريقة الربط بين الحروف في حين تتمثل صعوبات الكتابة في نقل الكلمات بصورة خاطئة من السبورة وعكس الأرقام والحروف عند الكتابة وصعوبة التعبير اللغوي.

 وأوضح الخبراء المتخصصون أن هذا الاكتشاف يعد إنجازاً علمياً يأملون في أن يساهم في تطوير وسائل العلاج المناسبة لهذه الحالة.