عمليات الظهر الجراحية .. هل هي ضرورية؟

العلاجات الطبيعية مفيدة جدا والاستثناءات تتطلب تدخلا سريعا

 

هل يزعجك ظهرك حاليا؟ وهل لك تاريخ في آلام الظهر؟ إذا كان الجواب على أحد هذين السؤالين، أو كليهما بنعم، فان لك العديد من الرفاق في هذا الأمر. وآلام الظهر السفلية هي حالة شائعة جدا بحيث أن نسبة 80 في المائة من الأميركيين يختبرونها مرة واحدة على الأقل في حياتهم، لكن الراحة، وأدوية تخفيف الألم، وربما شيء من الرياضة، ربما قد تساعد في التخلص منها. ولكن بالنسبة إلى الملايين يظل الألم وهو يحوم حولهم وقد يصبح شديدا وموهنا للجسم معتمدا على السبب الكامن فيه، وقد تكون الجراحة احد الخيارات.

وتقرير إجراء الجراحة ليس أمرا بسيطا، بل أمر صعب بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالظهر.

والدراسات المتعلقة بجراحة الظهر هي دراسات صغيرة. وقد جرى التساؤل عن الإجراءات الشائعة في هذا الشأن، كما أجريت دراسات جديدة قبل أن ندرك تماما كيف تؤدي مفعولها على المدى الطويل. وقد تسبب التغيرات الطبيعية على العمود الفقري آلاما مبرحة لدى شخص، ولا تسبب مثلها لشخص آخر. لذلك من الصعب الاستدلال بالعوامل الطبيعية. وهناك اختلافات كبيرة أيضا في أنماط العلاج والجراحة حيث يجري في بعض أجزاء البلاد ممارسة أنواع معينة من العمليات في حين تمارس في أجزاء غيرها بنسبة اقل.

وقد وجد الباحثون اختلافات في نسبة العمليات وصلت إلى 15 ضعفا، فهل هذا يعني أن الأطباء في المناطق التي تمارس فيها العمليات بكثرة سريعو الاستجابة لها متأثرين بالتقاليد مثلا أو التسهيلات أو الدوافع المالية؟ أم أن الجراحين في المناطق التي لا تجري فيها الجراحات بكثرة هم متخلفون عن الركب؟ يبدو انه من الصعب على الأطباء معرفة ماذا يفعلون إزاء العمليات الجراحية للتخلص من آلام الظهر. أما المرضى والمصابون بالألم فهم غالبا أكثر ارتباكا إزاء ماذا يتوجب عليهم أن يفعلوا.

حقائق أساسية وبالرغم من أننا نتحدث أحيانا عن الأشخاص الذين يملكون ظهورا قوية، إلا أن العمود الفقري هو مجموعة مستفة مرنة مقوسة من 24 فقرة (33 إذا حسبنا الفقرات المندمجة مع بعضها البعض التي تؤلف العجز والعصعص). وهي متماسكة مع بعضها البعض برباط متين اصفر اللون، حيث الحبل الشوكي يمر في وسطها من الأعلى إلى الأسفل. وتعتبر الفقرات الخمس القطنية (في أسفل الظهر) هي الأكبر، وهي أمر ينبغي أن يكون كذلك لكونها تدعم معظم وزن الجسم عندما يكون قائما. وأغلبية مشاكل الظهر وآلامه تأتي من هذا الجزء السفلي الحامل للوزن. من هنا أتت كلمة «لومباغو» lumbago التي شاع استخدامها في السابق، للدلالة على آلام أسفل الظهر.


وتقع بين الفقرات الغضاريف التي اشتهرت بانزلاقها، وهي مصنوعة من الخارج من مادة ليفية قاسية (
annulus fibrosus) التي تحتوي في داخلها مادة مسحوقة مهروسة (nucleus pulposus). وهذه الغضاريف التي تقع بين الفقرات، واسمها الطبيIntervertebral disks، هي أشبه بالأسّرة المائية الصغيرة التي توسد الفقرات بحيث تحول دون قيام العظام بالاحتكاك الواحد بالآخر. لكن مع التقدم بالعمر، لسوء الحظ، فان هذه الغضاريف تجف تدريجيا بحيث عند بلوغ المرء سن الخمسين، ويندمج الخارج الصلب مع الداخل الطري. كذلك فهي تترقق أيضا مما يضفي ضغطا إضافيا على الفقرات ويجعل الظهر اقل مرونة.

* الفئات الثلاث ويمكن تصنيف آلام الظهر في ثلاث فئات رئيسية:

* التوتر (الجهد) والالتواء: وهذان من الأسباب الشائعة جدا المسببة لآلام الظهر. وهما نتيجة تلف في الأربطة أو العضلات، أي الأنسجة الطرية التي تقوم بدعم العمود الفقري. والالتواءات هي إصابة الأربطة بالجروح، في حين أن التوتر هو التعبير العام الذي يستخدم عادة كمرجع خاص بالعضلات. وإذا كانت هذه الإصابات غير جدية فإنها غالبا ما تزول خلال أيام أو أسابيع طالما يتوفر لها شيء من الراحة، ربما مع تناول بعض مسكنات الألم، وبعض العلاج الطبيعي كالتدليك في بعض الحالات الشديدة. لكن الانتكاس وعودة الآلام أمر شائع. ومن دون مزاولة برنامج للتمارين المنتظمة التي تمدد وتعزز عضلات الظهر فان 40 في المائة من المرضى ستعاودهم الحالة خلال سنة.

* الأعصاب المقروصة والمضغوطة: وتشمل هذه الفئة الحالات التي تكون فيها جذور الأعصاب مقروصة ومضغوطة عندما تتفرع ثنائيا من الحبل الشوكي تماما مثل المطبات التي تتفرع من الطرق الرئيسية. ورغم الإشارة إليها كأعصاب مقروصة أو مضغوطة، إلا أن الحالات التي تتعلق بالحبل الشوكي تضغط على جذور الأعصاب. وهذه تتحول بعد ذلك إلى أعصاب بطول بوصة واحدة (2.5 سم تقريبا) تقريبا خارج هذا الحبل. والغضاريف المصابة بالفتق (أو الغضاريف المنزلقة أو الممزقة) هي السبب الرئيسي لجذور الأعصاب المضغوطة، وذلك عندما يضعف الغلاف الخارجي للقرص ويتداعى بحيث تقوم «nucleus pulposu» المادة الجيلاتينية في الداخل بالاندفاع إلى الخارج مسببة انتفاخا أو نتوءا، فإذا برزت أكثر من اللزوم، أو انكسر جزء من الغضروف تقوم عندئذ بتهييج جذر العصب.

 وأحيانا يضغط الغضروف على جذر العصب الوركي الكبير الذي يمتد إلى الجهة الخلفية من الساق، وتكون النتيجة المعاناة من ألم «عرق النسا» ومن الخدر الذي ينتشر متوجها إلى أسفل الردف والفخذ، وفي بعض الأحيان وصولا إلى أصابع القدمين. و«ألم النسا» قد يكون محيرا لكونه يقفز، أو يتجاوز الردفين أحيانا، ليبقى الألم محصورا في الركبة فقط. وتضيق الحبل الشوكي هو المتلازمة الأخرى الرئيسية لإنقاص العصب، والمشكلة الشائعة لدى كبار السن. إذ يقوم الحبل الشوكي وجذور الأعصاب بالمرور عبر الفتحات الصغيرة الضيقة للفقرات مع ترك فسحة قليلة تحسبا لتضيقها عندما يتكاثف العظم وتقوم الأنسجة الأخرى بتضييق هذه الفتحات بحيث تصبح الأنسجة العصبية محصورة وملتهبة. وتشمل العوارض ألما في الساق وتشنجا وضعفا، التي تسوء وتتفاقم لدى الوقوف أو المشي. ولا تبدو مشاكل الساق هذه مثلها مثل حالة ألم عرق النسا، وكأن مصدرها الظهر.

الأمراض التنكسية: مع العمر تصبح الفقرات هشة وقابلة للانكسار حتى من دون التعرض إلى حادث أو سقوط. إضافة إلى ذلك فان الوصلات السطحية للعمود الفقري، حيث الفقرات ترتبط الواحدة مع الأخرى تصاب بالتهاب المفاصل كلما تقدم العمر.
* قرارات الجراحة وينبغي ألا تعرض نفسك إلى عملية جراحية في حال الإصابة بتوتر أو التواء، فالراحة هنا ضرورية، لكن لا يتوجب أن تتعدى الراحة على السرير اليومين، لأنها تصبح عندها مضرة لكون ظهرك هنا يصبح خارج بيئته الطبيعية وتصبح العودة إلى الحياة والنشاطات العادية في أسرع وقت ممكن، أفضل علاج لمثل هذه الحالات.

وتستخدم الجراحة لمعالجة الأعصاب المنقرصة أو المضغوطة، وإذا كنت تعاني من غضاريف متفتقة فان الجزء الذي يضغط على العصب يمكن إزالته. وتدعى مثل هذه العمليات «إزالة الغضاريف القطنية» Lumbar diskectomies إذا كانت تنطوي على غضاريف في المنطقة القطنية، وهي من أكثر العمليات شيوعا بالنسبة إلى مشاكل الظهر والساقين في الولايات المتحدة. ورغم أن معدل التعقيدات فيها منخفض للغاية، إلا أنها موضع بحث ونقاش نظرا لكون المرضى يصبحون أفضل من دون الحاجة إلى إجراء عمليات.

وحركت التجارب السريرية التي أجريت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2006، والتي نشرت نتائجها في مجلة «أميركان ميديكال أسوسيشن»، مسألة النقاش أكثر، بعد دراسة على 500 مريض يعانون من غضاريف مفتقة وآلام في الساقين. وقد جرى تقسيمهم عشوائيا إلى علاج جراحي وغير جراحي، وجرت متابعتهم لمدة سنتين. وترك أمر الذين عولجوا من دون جراحة إلى الأطباء والمرضى ذاتهم بحيث تلقوا سلسلة من العلاجات ابتداء من مسكنات الألم إلى العلاج الطبيعي إلى الإبر الصينية إلى حقن الاسترويد.

وجاءت النتائج غير واضحة لكون العديد من المرضى تخطوا العلاج المخصص لهم عندما قام نحو نصف المرضى الذين عينوا عشوائيا للعلاج غير الجراحي، باختيار العلاج الجراحي، والعكس بالعكس.

وذكر الباحثون أن عملية التخطي هذه مع العوامل الأخرى ربما تعني أن تأثيرات الجراحة لم تقدر التقدير الكافي. ولكن بعض المقاييس الأخرى تبين أن المرضى الذين خضعوا للعمليات الجراحية كانوا أفضل قليلا من الآخرين، كذلك أشارت إلى ذلك دراسات أخرى التي لم تعتمد العامل العشوائي. ومع ذلك فان النتائج الإجمالية من الدراسة العشوائية الأساسية لم تبين فرقا على الصعيد الإحصائي الدقيق بين الجراحة وغير الجراحة، مما فسر أن عمليات إزالة الغضاريف القطنية لا يمكن ضمانها، لكون الذين لم يجروا العمليات الجراحية تحسنوا بالدرجة ذاتها بعد عامين من العلاج. وأظهرت مقالة صاحبت نتائج الدراسة هذه أن أمر الجراحة بات يعود إلى المريض ذاته لا غير.

ويمكن علاج تضيق القناة النخاعية الشوكية جراحيا عن طريق إزالة الأجزاء الناتئة من العظام التي تضغط على الأعصاب. وأظهرت الدراسات نتائج جيدة بحيث يمكن السيطرة على أي ألم متبق عن طريق الأدوية. أما الأمراض التنكسية فيمكن علاجها بواسطة لحم فقرتين متجاورتين سوية لخلق مزيد من الاستقرار والثبات، إلا أن الأطباء شرعوا يتساءلون عن مدى فعالية ذلك. وفي حالات الطوارئ فانه من الأفضل تأجيل العملية الجراحية لمدة ستة أسابيع على الأقل بعد ظهور الأعراض. وفي الكثير من الحالات فان الانتظار يتيح تحسين الحالة من تلقاء ذاتها.

* حالات طارئة وعلاج سريع ينبغي عليك طلب المساعدة العاجلة فورا إذا ما شعرت بضعف ووهن في قدميك واضطراب في وظيفة المثانة والأمعاء، أو خدر حول المنطقة الشرجية والتناسلية التي تعرف بـ«الخدر السرجي». وتشير هذه الأعراض إلى احتمال انضغاط «ذنب الفرس» وهي حزمة من الأعصاب التي تبرز من الحبل الشوكي في أسفله التي تشبه ذيل الفرس كما يدل اسمها. وأي اشتباه بانضغاط «ذنب الفرس» يتطلب فحصا طبيا ودراسة الحالة بسرعة، وربما عملية مستعجلة طارئة لتفادي أي تلف دائم للأعصاب.

كذلك فان ألم الظهر الذي يأتي فجأة بحاجة إلى عناية فورية، فقد يشير إلى بوادر الإصابة بنوع من أنواع السرطان. ثم إذا كنت تتناول عقار «وارفارين» (كومادين) فان الآم الظهر المفاجئة قد يكون إشارة إلى نزيف داخلي قرب العمود الفقري. كذلك فان ارتفاع درجة حرارة الجسم، مع ارتعاشات بردية، هو علامة حمراء (خطرة) أخرى قد تشير إلى إصابة بالعدوى البكترية قرب العمود الفقري.

http://www.ahad-ahad.com