بسم الله الرحمن الرحيم

فوائد الصوم

أولا: الصبر:

إن الإنسان يتربى على مائدة الصيام بحيث يقدر على مجالدة النفس، وعلى ما يلقاه من عنت الجوع والعطش، وإذا كان الصبر ثلاثة أنواع:

-       صبر على الطاعة.

-       وصبر على المصيبة.

-       وصبر على المعصية.

فإن في الصوم تربية على هذه الأمور الثلاثة ومن الآيات التي جاءت في فضل الصبر وثوابه، قول الله تعالى:  ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة:153-155]، وحصر الله عز وجل البر في آية واحدة وجعل منها الصبر عند القتال، وعند المصيبة، فقال عز وجل: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177]، وقال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف:35]، وقال تعالى: ﴿  مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل:96]، وقال تعالى: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:24]، وقال تعالى: ﴿ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف:90]، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة:24].

ثانيا: القدرة على أداء الأمانة:

فها هو الصائم كلف القيام بهذه العبادة العظيمة فقام بها، والأمانة تدخل في كل التكاليف الشرعية، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال:27].

ثالثا: الإخلاص:

والصيام من العبادات التي لا يطلع عليها إلا الله تبارك وتعالى،  فإن العبد يستطيع مخادعة الناس بدعوى الصوم، وهو في الوقت مفطرا، فهو عندما يكون صادقا مع ربه سبحانه لا يمكنه أن يصوم إلا ابتغاء وجه الله عز وجل وهذا من أعظم العوامل على تربيته الإخلاص في نفس الإنسان، والابتعاد عن مظان الرياء ولهذا جاء في الحديث القدسي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله عز وجل: إلا الصوم؛ فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"(1).

رابعا: الجهاد:

إن الإنسان الذي يقدر على مغالبة الشهوة والانتصار على النفس الأمارة بالسوء لا شك أنه يتربى على القدرة على مغالبة العدو، ومجالدته، فإن الانتصار على النفس البشرية ضرب من التربية على قدرة الإنسان على الانتصار على العدو والإنسان الذي يعجز عن مجاهدة عدوه، ولذلك نجد أكثر الناس فرارا من الجهاد هم أهل الشهوات والمتعلقون بمتاع الدنيا والمشدودون إليها.

خامسا: الرحمة والعطف على المساكين

إن المؤمن الذي يشعر بآلام الجوع والحرمان، يتذكر حالة الفقير والمسكين البائس المحروم طوال العام، وهنا يرق قلبه، ويشعر  بالعطف والرحمة والشفقة نحو هؤلاء الذين يلازمهم الجوع والحاجة ويفقدون أصحاب الرحمة في المجتمع، عن عبد الله بن عمرو: يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم -" الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء"(2).

سادسا: التوبة

فكم من إنسان تجده غارقا في المعاصي والملذات وشهوات النفس، معرضا عن ذكر الله سبحانه، غافلا عن عبادته، مقبلا على المعاصي حتى إذا جاء شهر رمضان أقبل على عبادة ربه سبحانه، وأكثر من الطاعات، فتجده يتلوا آيات الله، ويحافظ على الصلوات في المسجد، ويمسك عن اللهو واللعب، ويعرض عن المعاصي، وهذا كله بلا شك يربي في نفس المسلم حب الرجوع إلى الله والإقلاع عن المعاصي، ويربي في نفسه كذلك حب الطاعة ولذة المناجاة للمولى سبحانه، ومن كان الصيام سببا في توبته ورجوعه إلى ربه فهو الفائز بآثار الصيام ونتائجه في تربيته، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  [البقرة:183].

سابعا: تربية الجوارح على الاستقامة  

كم يجد الإنسان جوارحه تنطلق في كثير من المعاصي، فلسانه يتناول أعراض النفس بالغيبة، ويد يبطش في أخذ أموال الناس بالباطل، وسمعه وبصره لا يتورعان عن محارم الله سبحانه، ولكنه في حالة الصوم، يتذكر أنه في عبادة دائمة، وإن إقدامه على أي معصية يتنافى مع عبادة الصوم، وهنا يمسك الجوارح عن مثل هذه المعاصي والرسول -صلى الله عليه وآله وسلم - يربي الصائم بهذا السلوك القويم وهو كف الجوارح عما حرم الله سبحانه، ففي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"(3).وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم - مرتين - والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثاله"(4).

وإذا كان الصيام يربي الإنسان المؤمن على الاستعلاء على الشهوات، والانتصار على النفس البشرية وعلى الشيطان.

فإن من أعظم الثمرات التي يكسبها الإنسان في الانتصار على كل من يريد إذلاله واستعباده أو امتهانه والشعور بالعزة والقوة وعدم الخضوع لأي ظلم يناله.

وعلى الإنسان أن يسعى إلى إحياء دين الله عز وجل في نفسه وأهله وأمته.

ومن أعظم صور إحياء دين الله سبحانه، العمل على تحكيم شرع الله سبحانه، ومحاربة مظاهر الفساد والجريمة بكل صورها وألوانها.

 

تأليف فضيلة الشيخ: عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي


(1) - صحيح البخاري 6/2723، برقم: 7054.

(2) - سنن أبي داود  2/703، برقم: 4941، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/584، برقم: 5835.

(3) - صحيح البخاري 2/673، برقم: 1804.

(4) - صحيح البخاري 2/670، برقم: 1151.