بسم الله
الرحمن الرحيم
ولاية
المرأة
قال الحافظ ابن حجر(1)،
عند شرحه لحديث أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي -صلى
الله عليه وسلم - أن فارسا ملكوا ابنة كسرى قال: "لن
يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"(2).
قال الخطابي في الحديث أن المرأة لا تلي
الإمارة ولا القضاء وفيه أنها لا تزوج نفسها، ولا تلي العقد على غيرها، كذا قال.
وهو
متعقب، والمنع من أن تلي الإمارة والقضاء، قول الجمهور وأجازه الطبري، وهي رواية
عن مالك، وعن أبي حنيفة: يلي الحكم فيما تجوز فيه من شهادة النساء" انتهى.
وقال في الفتح "قال ابن التيهي: احتج
تحديث أبي بكرة من قال: لا يجوز أن تولي المرأة القضاء، وهو قول الجمهور، وخالف
ابن جرير الطبري، فقال: يجوز أن تقضي فيما تقبل شهادتها وأطلق بعض المالكية
الجواز"(3).
أود قبل الدخول في الإجابة على السؤال أن أنبه
إلى أن الواجب على كل مسلم أن يشعر بكمال عبوديته لله سبحانه، وأنه مطالب
بالاحتكام إلى شرع الله عز وجل، وأنه لا خيار للإنسان في قبول أو رفض ما جاء عن
الله سبحانه وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالله تعالى يقول: ﴿
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً
أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ﴾ [الأحزاب:36], ويقول
عز وجل: ﴿ إِنَّمَا
كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ
بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
﴾ [النور:51].
هذا أمر، وأمر آخر هو أن الله جلت قدرته قد
أبدع خلق كل شيء، وأعطى كل شي خلقه، واقتضت حكمته أن يجعل في مخلوقاته من التفاوت
والاختلاف مالا بد منه لعمران هذه الحياة، وتكامل بناء الكون الفسيح، ومن ذلك
الاختلاف بين الذكر والأنثى، فقد جعل الله سبحانه لكل منها من الخصائص الخلقية
والمواهب والقدرات، والسجايا ما يتناسب مع الوظيفة التي أسندت إليه، والمهمة التي
وكلت به، لتستقيم بذلك الحياة، ولا ضير في ذلك على أحد الجنسين في خصائصه، ولا في
وظيفته فكل منهما متم للآخر بل عامل أساسي في بناء الحياة، وعندما يدرك كل منهما
موقعه في هذه الحياة وأهمية ما وكل إليه من وظائف يدرك أن القضية لا تعدو أن تكون
أمانة موزعة بين كل من الذكر والأنثى يحسن من يؤديها ويخون من يتخلف عن الوفاء
بها.
ومن هذا المنطلق فإن أيا من الجنسين إذا أراد
أن يتنكر لفطرته وخصائصه، ومهمته فإنما يكلف نفسه شططاً، ويترك في مكانة فراغاً لا
يسده غيره، ويعطل أموراً ما كان أجدره أن يقوم بها ويتفق أدائها، فهذه الخصائص
المودعة في كل من الجنسين كالخصائص المودعة في كل مخلوقات الله عز وجل التي جعل
الله عز وجل منها تؤدي وظيفة خاصة لا يقوم بها سواها بل إن استخدم شيء منها مكان شيء
قد يؤدي إلى الفساد في الكون كله: فمن ذا الذي يقول بأن الزيوت تغني عن الماء في
وظائفها والعكس، ومن ذا الذي يقول إن الكهرباء تغني عن الشمس مع كونها لم تصرر
رجعية بمرور الزمن عليها وقدمها في عطائها.
ومن هنا، وبنظرة منصفة فاحصة بعيدة عن الهوى،
سليمة من التأثر، بدعاوى الباطل، يستطيع المرء ودون عنت ولا مشقة ولا عناء أن يدرك
أن الحياة لا تستقيم إلا إذا التزم كل من الرجل والمرأة بأداء الواجبات التي
تتناسب مع تكوينه وطباعه وفطرته وسجاياه، وهذه الفوارق قد جاءت واضحة في خلقة كل منهما
أولا، ثم في الواجبات التي أنيطت بكل منهما إلا من في قلبه مرض، أما المؤمن فإنه
يقول (سمعنا وأطعنا) وذلك لوضوح النصوص الواردة في شأنها.
تأليف
فضيلة الشيخ: عبد الوهاب بن لطف الديلمي
تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي
(1)
- فتح الباري 8/128 في كتاب المغازي باب82.
(2)
- صحيح البخاري 6/2600، برقم: 6686.
(3)
- الفتح أيضا ج13/56، في كتاب الفتن باب 18.