مركز البحوث
   
أبحاث الإعجاز
   
الإعجاز التشريعي
   
الإعجاز التشريعي في منع الاختلاط
الإعجاز التشريعي في منع الاختلاط
قسطاس إبراهيم النعيمي
الأحد 27 يناير 2013

الإعجاز التشريعي في منع الاختلاط

خلق الله تعالى المرأة وجعلها مكملة للرجل من جوانب عديدة ومنها جانب الميل الجنسي كل منهما للآخر، فلا غنى لأحدهما عن الآخر مهما كابر المنسلخون عن الفطرة الربانية، ومهما عاند أعداء الدين، ومها حاول المنحرفون استبدالها بشيء آخر خلاف الفطرة وما جبل عليه الجنس البشري، وجاء في شرعنا ما ينص على أنها شقيقة له، نعم فكل شي بحاجة إلى ما يكمله فهو ناقص لا شك، ومن معنى المناصفة جاء لفظ الشقيق والشقيقة، فالشق والشطر يعني في لغة العرب النصف، جاء في الحديث: «الطهور شطر الإيمان»(1).

وفي مختار الصحاح: الشق نصف الشيء(2)، ومن هنا نجد أن الرجل لا يستغني عن نصفه أبداً وإذا كابر وعاند فطرته التي فطر الله الناس عليها كانت عاقبة ذلك وخيمة عليه وعلى المجتمع لما يسببه ذلك من خلل واضح على سلوكه ودينه، قال ابن الجوزي: من قال إني لا أميل إلى النساء فهو أحد اثنين إما مريض أو كذاب، بل إن العاقل يرى ما جعل الله بين هذين الجنسين من ميل لبعضهما البعض حتى كأني أشبه الحال بخاصية التجاذب الموجودة بين معدن الحديد الممغنط.

بل إن مثل الذين يتهاونون في الخلوة والاختلاط الآثم مثل قوم وضعوا كمية من البارود بجانب نار متوقدة ثم ادَّعوا أن الانفجار لن يحصل لأن على البارود تحذيرا من الاشتعال والاحتراق إن هذا خيال بعيد عن الواقع ومغالطة للنفس وطبيعة الحياة وأحداثها.

إن رسولنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم لم يمنعه الحياء عن الصدع بالحق، ولم تأخذه العزة بالإثم ليمتنع عما خالجه من تلك المشاعر الصادقة التي كانت تجول في نفسه فعبر عنها بكل صراحة ليبن لنا أهمية ذلك المخلوق العجيب والنصف المكمل الذي لا بد لنا نحن معاشر الرجال منه فقال: «إنما حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة»(3)، والشاهد كما ترى حبه للنساء، وكان يعجبه حسنهن، قال الله تعالى له: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً﴾ [الأحزاب: 52].

فإذا كانت الفطرة التي فطر الله الناس عليها مغروسة في كل البشر حتى الأنبياء فهل يأتي بعد ذلك من يبيح الاختلاط بحجة أنه قد ترفع عن هذا المستوى أو أنه صار بحكم موقعه الاجتماعي أو خبرته في الحياة غير آبه لما يعتري غيره؟ لكن يا ترى هل ترك الخالق سبحانه عنان الفطرة مفلوتاً وترك الحبل على الغارب؟ أم أنه سبحانه ضبط تلك الفطرة بضوابط الشرع الحكيم وأحكم انفلاتها؟

لعلنا نتطرق في هذا البحث بشيء من الاختصار إلى بعض الضوابط والتشريعات التي بمجموعها تنص على أن منع الاختلاط بين الرجل والمرأة أو قل إن شئت بين الذكر والأنثى هو أساس المنهج الرباني كحل أمثل ووسيلة ناجعة لكبح جماح النفس التي لا تتوقف عند حد.

وسنستعرض في هذا البحث ما جنت أيدي من أعرض عن منهج الله لنستخلص بعد ذلك وجه الإعجاز الذي أثمرته حصيلة تجربتين واقعيتين الأولى ربانية والأخرى وضعية، فالحجاب وغض البصر، والنصوص التي جاء فيها التحذير من فتنة النساء ومنع الخلوة بهن، ومنع الاختلاط في مواطن العبادة المقدسة لدى المسلمين، وفي الطرقات، وفي أوقات العلم والتعلم، كلها ذات صلة وثيقة بمنع الاختلاط.

وفيما يلي بيان تفصيل ذلك.

أولا: منع الاختلاط في القرآن الكريم:

مر معنا في المقدمة أن الاختلاط محرم في الإسلام لما يلحق من جرائه من ويلات على الفرد والمجتمع من تفسخ وانحلال وذهاب لقيم المروءة والغيرة والعفة، ناهيك عن النتائج المترتبة عن الاختلاط من ضياع للأعراض وانتهاك للحرمات ونشوء جيل من اللقطاء الذين لا يعرفون آباءهم، فضلا عما ينتج بعد ذلك من مجتمع بعيد كل البعد عن قيم الأخلاق والمبادئ والدين، وأناس لا يعرفون من الحياة سوى إشباع شهواتهم وحياة كحياة البهائم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: 12].

ولعل من المناسب أن أسوق بعض النصوص الواردة في القرآن الكريم، والتي تنص على حرمة الاختلاط، فهذا يوسف عليه السلام وهو نبي معصوم وقع في حبائل النساء بسبب الخلوة والاختلاط، ولولا حفظ الله له لكان من الخاسرين، إلا أن الله سبحانه تداركه فلم يقع في الفاحشة، فلقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، وبصرف النظر عن البرهان الذي رآه في تلك الحال إلا أن الخلوة حصلت فآتت أكلها وأثمرت، وهذا هو القول الراجح من أقوال العلماء في تلك القصة التي ذكرها الله تعالى في القرآن لتكون لنا عبرة وآية، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: 23].

إن وجه الدلالة من الآية أنه لما حصل اختلاط بين امرأة عزيز مصر وبين يوسف عليه السلام ظهر منها ما كان كامناً فطلبت منه أن يوافقها، ولكن أدركه الله برحمته فعصمه منها، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: 34]، كما يفيد قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: 24] أن يوسف لم يهم بها فإن (لولا) حرف امتناع لوجود، أي هم بها لولا أن رأى برهان ربه، وهو كما تقول: ضربته لولا حيائي من أبيه، أي لم أضربه، والشاهد فإنه إذا حصل اختلاط بالنساء اختار كل من النوعين من يهواه من النوع الآخر، فيحصل ما لا يحمد عقباه وما لم يحله الله الخالق من هذا الوجه.

النص الآخر الذي فيه دلالة على حرمة الاختلاط هو أمر الله تعالى الرجال بغض البصر، وأمر النساء بذلك فقال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 30، 31] وجه الدلالة من الآيتين: أن الله تعالى أمر المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وأمره يقتضي الوجوب، ثم بين تعالى أن هذا أزكى وأطهر، ولم يعف الشارع إلا عن نظر الفجأة، فعن ابن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة»(4).

وما أمر الله بغض البصر إلا لأن النظر إلى من يحرم النظر إليهن زنا، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لكل بنى آدم حظ من الزنا فالعينان تزنيان وزناهما النظر واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان يزنيان وزناهما المشي والفم يزني وزناه القبل والقلب يهوي ويتمنى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه»(5) وإنما كان زناً لأنه تمتع بالنظر إلى محاسن المرأة ومؤد إلى دخولها في قلب ناظرها، فتعلق في قلبه، فيسعى إلى إيقاع الفاحشة بها، فإذا نهى الشارع عن النظر إليهن لما يؤدي إليه من المفسدة وهو حاصل في الاختلاط، فالاختلاط من باب أولى أن ينهى عنه لأنه وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه من التمتع بالنظر والسعي إلى ما هو أسوأ منه.

بل إن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ولذلك قال: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. فلعلمه السابق بحقيقة ما خلق حرّم أن تضرب المرأة برجلها الأرض وهي تلبس حليها لئلا يصدر الصوت الذي يتخذه الشيطان وسيلة لتنفيذ مآربه، ووجه الدلالة من الآية أنه تعالى منع النساء من الضرب بالأرجل وإن كان جائزاً في نفسه لئلا يكون سبباً إلى سماع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة عند الرجال، فالاختلاط أحرى أن يجتنب درأً للفتنة المتوقعة من كل ما يثير الرجل أو المرأة على حد سواء.

ولعل الحجاب الوسيلة الأولى من وسائل منع الاختلاط، وهي وسيلة أمرنا بها ديننا الإسلامي، فالحجاب بمعناه اللغوي هو الحاجز الذي يمنع وصول شيء لشيء أو وصول النظر لما تحت الحجاب، وفي مختار الصحاح: الحِجَابُ الستر وحَجَبَهُ منعه من الدخول، ومنه الحَجْبُ في الميراث والمحْجُوبُ الضرير(6).

فالحجاب هو الحاجز، الذي يفصل بين الشيئين، وحجاب المرأة هو ما يحجزها عن نظر الرجل إلى بدنها، والغرض معلوم: هو صون المرأة، وتزكية الرجل، وحفظ المجتمع من انتشار الرذيلة، ذلك أن انجذاب الرجل إلى المرأة، وكما ألمحنا إلى ذلك في المقدمة، من القوة بحيث إذا لم يوضع هذا الحاجز، خيف عليهما من الوقوع في المحرّم، فالحجاب إذن مقصوده ستر محاسن المرأة عن الرجل، فلا يقع نظره على ما يفتنه منها، قال تعالى: ﴿إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الأحزاب: 59].

وقال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31] وغيرها من النصوص التي تأمر المسلمة مباشرة أو المسلم بأن يأمر من هي في ولايته أن تلبس هذا اللباس الجميل الذي يزيدها حياءا إلى حياءها، وهل جمال المرأة إلا في حياءها، فالحياء خير كله، وبه يستقيم الناس ذكورا وإناثا على حد سواء وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستحي فاصنع ما شئت»(7) فالحجاب يحجبها عن نصفها الآخر درءاً للفتنة، وجلبا للمصلحة وهي حجب مفاتن هذه الأنثى الضعيفة التي لا تملك لنفسها حولا ولا قوة في حال تهجّم عليها من غلبت في داخله الشهوة العارمة واستفحلت في نفسه الشراسة البهيمية الحيوانية.

وأما قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19] فقد فسرها ابن عباس وغيره: هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم وفيهم المرأة الحسناء أو تمر به وبهم المرأة الحسناء فإذا غفلوا لحظ إليها فإذا فطنوا غض بصره عنها فإذا غفلوا لحظ فإذا فطنوا غض وقد اطلع الله تعالى من قلبه أنه ود أن لو اطلع على فرجها(8)، وجه الدلالة أن الله تعالى وصف العين التي تسارق النظر إلى مالا يحل النظر إليه من النساء بأنها خائنة، فكيف بالاختلاط، الذي لا يبقى معه لا خائنة أعين ولا خفي في الصدور بل إن الشيطان يستريح من عناء الإغواء في حال الاختلاط وتقر عينه لأنه يرى أن جنوده وأعوانه وأتباعه صاروا في غنى عن مساعيه ووسائله ومكائده بل صاروا هم الشياطين أنفسهم ولما كان الاختلاط وما يجره من مفاسد لا يقف عند حد! ولما كان من أسباب الاختلاط هو النصف الآخر أو عنصر النساء فقد أمر الله سبحانه وتعالى بأن تمتنع المرأة من الخروج من بيتها وهو ما يناسب فطرتها وخلقتها إلا لضرورة وضمن ضوابط الشرع، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: 33] وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى أمر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاهرات المطهرات الطيبات بلزوم بيوتهن، وهذا الخطاب عام لغيرهن من نساء المسلمين، كما تقرر في علم الأصول أن خطاب المواجهة يعم إلا ما دل الدليل على تخصيصه، وليس هناك دليل يدل على الخصوص، فإذا كن مأمورات بلزوم البيوت إلا إذا اقتضت الضرورة خروجهن، فكيف بالاختلاط؟(9).

ثانياً: منع الاختلاط من السنة النبوية المطهرة:

المرأة عورة من حيث الحكم الشرعي في ديننا الإسلامي الحنيف، وهذا الأمر لا يختلف فيه اثنان، ففي الحديث عن عبد الله: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان»(10).

والعَوْرَةُ سوءة الإنسان وكل ما يستحيا منه(11) إذا ظهر، فجعلها نفسها عورة إذا ظهرت يستحى منها كما يستحى من العورة إذا ظهرت، فإذا كانت المرأة عورة ومدعاة للريبة والشهوة كلما خرجت أو استشرفت كان حري بها أن تمتنع عن مواطن الاختلاط حفاظا على نفسها ودينها وعلى غيرها من أن يفتتن بها لا سيما وهن حبائل الشيطان وجندي من جنوده إن هي عصت ربها، أما إذا كشفت شيء من زينتها ولم تستح فليس ذلك قدح في الحديث حاشا، وإنما القدح فيها هي لأنها لم تستح، وقد تقدم في الحديث أن من لم يستح يصنع ما يشاء، ويجب عليها التستر في جميع بدنها، لأن كشف ذلك أو شيء منه يؤدي إلى النظر إليها، والنظر إليها يؤدي إلى تعلق القلب بها، ثم تبذل الأسباب للحصول عليها، وذلك الاختلاط.

روى الإمام أحمد عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي رضي الله عنهما أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله: إني أحب الصلاة معك، قال: «قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي»(12)، قالت: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه، فكانت والله تصلي فيه حتى ماتت، فضربت بفعلها مثالا للعفيفات الطاهرات وصارت مثالا يحتذى به، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إن أحب صلاة تصليها المرأة إلى الله أن تصلي في أشد مكان من بيتها ظلمة»(13).

يدل هذان الحديثان على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وجه الدلالة: أنه إذا شرع في حقها أن تصلي في بيتها وأنه أفضل حتى من الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه، فإن منع الاختلاط من باب أولى، فلا يقول عاقل أن الصلاة ومواضع العبادة لا يصح فيها الاختلاط ويصح في مكان آخر!

بل إن الشرع قد منع الاختلاط وإن كان في حال التلبس بالعبادة التي هي أحب شيء إلى الله تعالى ولم يجز الاختلاط في حال الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه، ومعلوم أن الصلاة عبادة تشتمل على شعائر وحركات لا يمكن معها للمسلم وهو متلبس بها أن يحدث غيرها من الحركات وإلا فإنها تبطل، وليس كما هي حال الصلاة عند أصحاب الأديان الأخرى التي لا تكاد تفرق فيها بين من يصلي أو هو قائم يبول أو يتحدث مع صاحبه، ومع ذلك جاءت النصوص الكثيرة التي تمنع من اختلاط الرجل بالمرأة، ومنها: ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها»(14) وجه الدلالة: المسجد فإنهن ينفصلن عن الجماعة على حدة، ثم وصف أول صفوفهن بالشر والمؤخر منهن بالخير، وما ذلك إلا لبعد المتأخرات عن الرجال عن مخالطتهم ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم، وذم أول صفوفهن لحصول عكس ذلك، ووصف آخر صفوف الرجال بالشر إذا كان معهم نساء في المسجد لفوات التقدم والقرب من الإمام وقربه من النساء اللاتي يشغلن البال وربما أفسدت به العبادة وشوشن النية والخشوع، فإذا كان الشارع توقع حصول ذلك في مواطن العبادة مع أنه لم يحصل اختلاط، فحصول ذلك إذا وقع اختلاط من باب أولى، فيمنع الاختلاط من باب أولى.

ولعل أفضل ما يستدل به على منع الاختلاط هو وصف المرأة بالفتنة فقد روى أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»(15).

وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء»(16) وجه الدلالة: أنه وصفهن بأنهن فتنة، وأمر باتقائهن وهو أمر يقتضي الوجوب، فإنه يستحيل أن يحصل الامتثال مع الاختلاط؟ ولا يصح الجمع بين الفاتن والمفتون في مكان واحد؟ وهو ما يسمى بالاختلاط؟

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو خارج من المسجد حين اختلط الرجال مع النساء في الطريق: «استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق»فكانت المرأت تلصق بالجدار حتى أن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها(17).

وجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا منعهن من الاختلاط في الطريق لأنه يؤدي إلى الافتنان، فكيف يقال بجواز الاختلاط في غير ذلك؟ روى البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه ويمكث هو في مقامه يسيراً قبل أن يقوم. قال نرى -والله أعلم- أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال(18).

وفي رواية عن الزهري قال: «حدثتني هند بنت الحارث أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرتها أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سلَّمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال»(19).

وجه الدلالة: أن رسول الله علّم أصحابه وأدبهم بأدب الإسلام ومن هذه الآداب منع اختلاطهم بالنساء في المسجد وهو مكان الصلاة والعبادة، ففي غيره أولى وآكد أن يكون منع الاختلاط شعارا لكل مسلم متأدب بأدب الإسلام ومتخلق بأخلاق سيد المرسلين.

نتائج الاختلاط في الواقع:

فيما تقدم من النصوص والأدلة ما يكفي لمعرفة حكم الاختلاط في دين الإسلام، حيث لم يبق أدنى شك في أن الاختلاط وكما مر معنا سلوك ينافي الشرع والفطرة، والمعاند في ذلك أحد اثنين:

1. ممسوخ الفطرة ولا أقول جاهل لأن الجهل وحده لا يعارض الفطرة التي فطر الله الناس عليها، أرأيت الطفل الصغير وهو يرى شابا يقبّل فتاتاً كيف يحني رأسه حياءا، ويحمر وجهه؟ إن لم تر ذلك فانظر لأختك الصغيرة أو أخيك الصغير كيف يفعل ذلك حين يرى أباه يقبل أمه لأول مرة أو بعدها بمرات ولكنه حين يألف المشهد يصير عنده الأمر غير ذي أهيمة تذكر، وهكذا في كل ما يخالف الفطرة ويضادها وقس على ذلك، إنها الفطرة والفطرة وحدها هي التي حركت فيه ذلك السلوك الطاهر الذي ظهر على شكل حركة استحياء وخجل، ولم يكن جهله بالحكم الشرعي عائقا دون ذلك.

2. والآخر من المعاندين هو مكابر أو قل إن شئت هو مستكبر لا يريد أن يجانب الحق ولا أن يعترف لأهله بالغلبة، إنه من صنف المستكبرين الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»(20).

ولنعد الآن إلى موضوعنا ولنحاول أن نسرد شيء من واقع أولئك الذين حاربوا الفطرة، وكابروا الحق، وتنكروا لدينهم إن كانوا مسلمين أو عارضوه بالكلية إن كانوا كافرين، لنر ماذا صنع بهم الاختلاط وماذا جنى مناصريه من ويلات، وماذا أثمرت تجاربهم عن نتائج بهذا الخصوص.

إن المؤسسات التعليمية، لا يمكن أن تحقق أهدافها ومقاصدها التربوية والاجتماعية والحضارية، إلا في ظل شروط معينة ومواصفات محددة تجعل منها فضاءًا خلاقاً للأخذ والعطاء، تتفتق فيه المواهب وتجد فسحتها ومجالها الرحب، ولا ريب أن على رأس تلك الشروط، جعل المحيط المدرسي محيطا يتسم بالنقاء والبعد عن المثيرات والمشوشات التي تطمس الفكر وتعوق عملية الإبداع عن أن تسير في مجالها الصحيح.

نتائج دراسة غربية نشرت في 8 يوليو 2002م قامت بها هيئة حكومية بريطانية تدعى المؤسسة الوطنية للبحث التعليمي والتي أجريت على 2954 مدرسة ثانوية في انجلترا، وأوضحت هذه الدراسة نتائج مهمة أبرزها أن أداء الطلبة الذكور والإناث كان أفضل دراسيا في المدارس غير المختلطة، الفتيات كن أكثر استفادة من الفصل بين الجنسين في تنمية أدائهن.

كذلك وجد من تحليل نتائج الامتحانات البريطانية العامة أن المدارس غير المختلطة تحقق أفضل النتائج وأعلاها بشكل روتيني، ففي سنة 2001م كان العشرون الأوائل في امتحانات المدارس البريطانية من طلاب المدارس غير المختلطة، وأغلب الخمسين الأوائل من الدارسين في تلك المدارس.

يضاف إلى ذلك تجارب علمية تم القيام بها في بعض المدارس أكدت أن التعليم غير المختلط أفضل بكثير من التعليم المختلط. فقد تم تحويل مدارس مختلطة إلى مدارس غير مختلطة يفصل فيها بين الجنسين، لكن مع بقاء نفس الطلاب ونفس المدرسين ونفس المنهج ونفس الإمكانيات(21).

ونتيجة للاختلاط الكائن بين الطلاب والطالبات في المدارس والجامعات ذكرت جريدة لبنانية: أن الطالبة في المدرسة والجامعة لا تفكر إلا بعواطفها والوسائل التي تتجاوب مع هذه العاطفة، وأن أكثر من ستين في المائة من الطالبات سقطن في الامتحانات، وتعود أسباب الفشل إلى أنهن يفكرن في الجنس أكثر من دروسهن وحتى مستقبلهن، وهذا مصداق لما يذهب إليه الدكتور ألكس كارليل إذ يقول: عندما تتحرك الغريزة الجنسية لدى الإنسان تفرز نوعاً من المادة التي تتسرب في الدم إلى دماغه وتخدره فلا يعود قادراً على التفكير الصافي(22).

إن الأمم الغربية بدأت تعمل على الفصل بين الجنسين في كليات كثيرة بلغت المائة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبلغت أعدادا كثيرة في أوربا، عدا المدارس العامة، وذلك الفصل جاء بعد وقوف كامل على المشاكل التي جنيت من وراء الاختلاط، من زنا وشذوذ جنسي، لواط وسحاق، وأمراض، وانتهاك لمكانة المرأة، من قبل من لا ينظر إليها إلا نظر شهوة.

لقد أثبتت التجارب والمشاهدات الواقعية، أن اختلاط الرجال بالنساء يثير في النفس الغريزة الجنسية بصورة تهدد كيان المجتمع، كما ذكر أحد العلماء الأمريكيين جورج بالوشي في كتاب الثورة الجنسية وقال بأن الرئيس الأمريكي الراحل كنيدي قد صرح عام 1962 بأن مستقبل أمريكا في خطر لأن شبابها مائع منحل غارق في الشهوات لا يقدّر المسئولية الملقاة على عاتقه وأن من بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين لأن الشهوات التي أغرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبية والنفسية.

ويؤكد الباحث بيتر بونس بعد أبحاث عديدة له أن الطالبات يتفوقن على الطلاب في مرحلة الدراسة الابتدائية (غير المختلطة) في كثير من فروع العلوم والمعرفة، فهن: (أكثر قدرة على الكتابة بشكل جيد، ويحصلن على علامات نهائية أفضل(23)، في حين أن التفوق في هذه القدرة ينحدر في الفصول المختلطة، حيث تنهمك الفتاة في إثبات نضوجها المبكر وتحقيق أنوثتها أمام الجنس الآخر، ويؤكد ميشل فيز الباحث في المركز (الوطني) للأبحاث العلمية والمستشار السابق لوزير الشباب والرياضة في فرنسا أن المراهقين في الفصول المختلطة يقرؤون النصوص بصعوبة، وذلك من خلال تحقيقٍ أجرته منظمة التجارة والتنمية الاقتصادية سنة 2000م، ويقول مرغباً في التعليم المنفصل: (إن الفصل بين الذكور والإناث في التعليم يسمح بفرص أكبر للطلبة للتعبير عن إمكانياتهم الذاتية، ولهذا نطالب بتطبيق النظام غير المختلط من أجل الحصول على نتائج دراسية أفضل.

وذكرت الباحثة كارلوس شوستر خبيرة التربية الألمانية أن توحُّد نوع الجنس في المدارس البنين في مدارس البنين، والبنات في مدارس البنات يؤدي إلى استعلاء روح المنافسة بين التلاميذ، أما الاختلاط فيلغي هذا الدافع(24).

كما أظهرت دراسة أجرتها الوكالة التربوية الأمريكية أن الفتيات الأمريكيات في الفصول المختلطة أكثر عرضة للإصابة بالقلق والاكتئاب والتفكير في الانتحار! بل الإقدام عليه؛ ففي المدارس الحكومية المختلطة تصاب واحدة من بين كل ثلاث فتيات في سنِّ الثانية عشرة بالقلق، وتصاب الثانية بالاكتئاب وتصبح فريسة لأعراضه السوداء(25).

ومن أجل البحث عن حلول لمثل هذه الأمـراض النـفسية تلاحقت الأبحاث والدراسات؛ فقام كلٌّ من بريك و ولي بإجراء دراسة على 2500 طالبة تمَّ اختبارهن بشكل عشوائي؛ لتدريسهن في فصول مماثلة ومعزولة عن الطلبة، وأثبتت نتائج الدراسة أن الطالبات يحصلن على نتائج أفضل في الجو المنفصل عن الذكور، وأنهن داومْنَ على التحصيل العلمي المتميز حتى في المرحلة الجامعية، وكنَّ أكثر نضجاً وأقدر على التعامل مع الجو الأكاديمي (المختلط) في السنوات الجامعية، دون أي مشكلات نفسية أو عصبية، كما استطعْنَ بسهولة الحصول على وظائف أفضل ودَخْل أعلى بعد إنهاء الدراسة الجامعية(26).

وقامت مدرسة (شنفيلد) الثانوية في مقاطعة (إيسكس) البريطانية بتنظيم فصول تضم طلاباً من جنس واحد منذ عام 1994م، وكانت النتيجة حدوث تحسُّن متواصل في نتائج الاختبارات لدى الجنسين؛ ففي اللغة الإنجليزية ارتفع عدد الطلاب الحاصلين على تقديرات ممتاز وجيد جداً في اختبارات الثانوية العامة بنسبة (26%)، بينما ارتفع عدد الحاصلات على هذه التقديرات بنسبة (22%).

وبسبب مثل هذه النتائج أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي بوش الابن تشجيعها لمشروع الفصل بين الجنسين في المدارس العامة، وصدر إعلان عن هذا المشروع في 8 مايو 2003م في السجل الفيدرالي (الصحيفة الرسمية الأمريكية)(27).

وجاء في الصحيفة الرسمية أيضاً أن وزير التربية ينوي اقتراح تعديلات لـ (التنظيمات المطبقة) تهدف إلى توفير هامش مبادرة أوسع للمربين من أجل إقامة صفوف ومدارس غير مختلطة، وتابعت الصحيفة: إن الهدف من هذا الإجراء هو توفير وسائل جديدة فُضْلى لمساعدة التلاميذ على الانكباب على الدراسة وتحقيق نتائج أفضل، وأوضح مسؤول كبير في البيت الأبيض أن المدارس الابتدائية والثانوية التي تودُّ الفصل بين الجنسين ستُمنَح تمويلاً يفوق المدارس التي ستختار الإبقاء على النظام المختلط.

وقد أصدر وزير التربية في الولايات المتحدة الأمريكية بياناً صحفياً بتاريخ 8/ 5/ 2002م، أعرب فيه عن نية وزارته إبداء مرونة أكبر في مسألة السماح بافتتاح مدارس الجنس الواحد، وقد طلب من أولياء أمور الطلاب والطالبات تزويد الوزارة بآرائهم فيما يخص هذا الموضوع.

وقد نشرت صحيفة واشنطن بوست مقالاً مطولاً تناول هذا الموضوع بتاريخ 14/ 5/ 2002م، وأوردت فيه الصحيفة تعليقاً لافتاً لمدير إحدى المدارس يقول فيه بعد أن ضاق ذرعاً بمشكلات الطلاب في مدرسته: على الأولاد أن يتعلموا كيف يكونون أولاداً، وعلى البنات أن يتعلمن كيف يكنَّ بناتٍ، ولن يستطيعوا أن يفعلوا ذلك في الغرفة نفسها، وهذا يوافق الحقيقة العلمية التي أعلنها الدكتور (ألكسس كاريل) بقوله: (عندما تتحرك الغريزة الجنسية لدى الإنسان، تفرز نوعاً من المادة تتسرب في الدم إلى الدماغ وتخدره فلا يعود قادراً على التفكير الصافي)(28).

وجه الإعجاز:

لقد كانت مجتمعاتنا الإسلامية في منأى عن كثير من الفواجع والويلات لو أنها اتبعت كتاب ربها سبحانه وتعالى وسنة نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام ولكنها أبت إلا أن تعرض عن هدي ربها، وأن تنغمس بوعي أو بغير وعي في تجارب من نسج البشر، وأنظمة ومناهج شاردة، فكان ما كان، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 122].

إن دعاة الاختلاط لا تسوقهم عقولهم، وإنما تسوقهم شهواتهم، وهم يبتعدون عن الاعتبار بما وصلت إليه الشعوب التي تبيح الاختلاط والتحرر في العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة، من ذلك ما أورده تقرير لجنة الكونجرس الأمريكية عن تحقيق جرائم الأحداث، من أن أهم أسبابها الاختلاط بين الشباب من الجنسين بصورة كبيرة، وغير ذلك من شواهد يومية، مما يعد إطارا منهجيا في تحديد مجالات العلاقات الاجتماعية بوجه عام، وبين الرجل والمرأة بوجه خاص، ثم إن الاختلاط من أعظم آثاره تلاشي الحياء الذي يعتبر سياجا لصيانة وعصمة المرأة بوجه خاص، ويؤدى إلى انحرافات سلوكية تبيح تقليد الغير تحت شعار التحرر والحرية، ولقد ثبت من خلال فحص كثير من الجرائم الخلقية أن الاختلاط المباح هو المسئول الأول عنها(29).

وإذا وقفت على جريمة فيها نهش العرض وذبح فيها العفاف وأهدر فيها الشرف؛ ثم فتشت عن الخيوط الأولى التي نسجت هذه الجريمة فإنك حتما ستجد أن هناك ثغرة حصلت في السد المنيع الذي وضعه العليم الخبير بما أنزله من تشريع محكم بصدد طبيعة العلاقة بين الرجال والنساء، ومن خلال هذه الثغرة دخل الشيطان(30).

إن الإحصائيات الواقعية في كل البلاد التي شاع فيها الاختلاط ناطقة بخطر الاختلاط على الدنيا والدين، لخصها العلامة أحمد وفيق باشا العثماني الذي كان سريع الخاطر، حاضر الجواب، عندما سأله أحدهم وهو من رجال السياسة في أوروبا في مجلس بإحدى تلك العواصم قائلا: "لماذا تبقى نساء الشرق محتجبات في بيوتهن مدى حياتهن من غير أن يخالطن الرجال ويغشين مجامعهن؟" فأجابه في الحال قائلاً: "لأنهن لا يرغبن أن يلدن من غير أزواجهن" فسكت على مضض كأنه ألقم الحجر فتبا لهؤلاء المستغربين وسحقا لعبيد المدنية الزائفة الذين أطلقوا لبناتهم ونسائهم العنان مدعين أن الظروف قد تغيرت وأن ما اكتسبته المرأة من التعليم وما أخذته من الحرية؛ يجعلها موضع ثقة أبيها وزوجها؛ فما هذا إلا فكر خبيث وفد إلينا ليفسد حياتنا، وما هي إلا حجج واهية ينطق بها الشيطان على ألسنة هؤلاء الذين انعدمت عندهم غيرة الرجولة والشهامة فضلا عن كرامة المسلم ونخوته ومروءته، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].

وحسبنا مما تقدم إعجازا علميا على صدق الوحي وتيه الأفكار الوضعية العقيمة التي لم تحصد سوى الحيرة والضلال والشقاء وصدق الله القائل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].

إعداد: قسطاس إبراهيم النعيمي.

مراجعة: علي عمر بلعجم.

6/ 12/ 2007م.

_____________________

(1) أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 203، برقم: 223.

(2) مختار الصحاح 1/ 354.

(3) أخرجه البيهقي في سننه 7/ 78، برقم: 13232، قال الشيخ الألباني: صحيح، 1/ 544، برقم: 5435.

(4) أخرجه أبو داود في سننه 1/ 652، برقم: 2149، وقال الألباني: حسن لغيره، ينظر: صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 189، برقم: 1902.

(5) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2/ 343، برقم: 8507، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

(6) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 295، برقم: 828.

(7) أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 1284، برقم: 3296.

(8) تفسير ابن كثير 4/ 96.

(9) رسالة في الاختلاط لسماحة الشيخ/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ أخذاً من:

http://www.saaid.net/female/0129.htm

(10) أخرجه الترمذي في صحيحه 3/ 476، برقم: 1173، وقال الألباني: صحيح، ينظر الجامع الصغير وزيادته، برقم: 11636.

(11) مختار الصحاح 1/ 467.

(12) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 3/ 95، برقم: 1689 وقال الألباني: حسن، ينظر: صحيح الترغيب والترهيب، 1/ 82، برقم: 340.

(13) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 3/ 96، برقم: 1692 وقال الألباني في تخريجه لأحاديثه: حسن.

(14) أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 326، برقم: 440.

(15) أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 1959، برقم: 4808.

(16) أخرجه مسلم في صحيحه 4/ 2098، برقم: 2742.

(17) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 19/ 261، برقم: 580، وقال الألباني: حسن، ينظر: السلسلة الصحيحة 2/ 511، برقم: 856.

(18) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 296، برقم: 832.

(19) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 296، برقم: 832.

(20) أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 93، برقم: 91.

(21) آفة الاختلاط في المجتمع المسلم، الشبكة الإسلامية عبد المجيد بن مسعود

http://www.islamweb.net

(22) الاختلاط أخذا من موقع: http://www.geocities.com/rr_eem/Z20.htm

(23) مراهقة بلا أزمة: أكرم رضا 2/ 214.

(24) الغرب يتراجع عن الاختلاط: بفرلي شو:، ترجمة: وجيه عبد الرحمن، ص 26.

(25) مراهقة بلا أزمة: أكرم رضا 2/ 214 ـ 215.

(26) المصدر السابق.

(27) صحيفة الوطن، مايو 2004، www.alwatan.com.sa

(28) الفصل بين الجنسين في التعليم بين الشريعة الإسلامية والدراسات الإنسانية محمد مسعد ياقوت، أخذا من: http://www.55a.net

(29) المرجع السابق.

(30) الدكتور محمد إسماعيل المقدم http://www.saaid.net/female/0129.htm

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: