بحوث المشائخ وطلبة العلم
الثورات العربية والمبادئ الشرعية بين الراعي والرعية
د. رياض عيدروس عبد الله
الأحد 15 سبتمبر 2013
 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
لا عدْلَ ولا سلام إلا بخلافة الإسلام
الأربعاء 20 نوفمبر 2013

    الإسلام دين الله الذي ارتضاه للبشرية التي خلقها قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[المائدة: 3].قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[الروم: 30] ولا بدّ أن يتمّ نشْره في العالمين بالطريقة الكافية اللائقة به.

     وكما أن الأديان والمناهج الأخرى المنتشرة في الأرض تتبنّاها دولٌ كبرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فالإسلام لا بدّ له من دولة كبرى تحمِله، لاسيما وأن الله أراده رحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

     والإسلام تحْمِله من بدايته دولةٌ عالمية قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: 28].

     وقد اعترف بذلك هِرَقل في عصره فقال عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه (وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ) ..... قَالَ أبوسفيان: (فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ، فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ)([1]{C}{C}{C}) .

 

     وقد كان للإسلام دولة كبرى (نُبُوَّةٌ ثمّ خلافةٌ ثمّ مُلْك) على مدار التاريخ كما هو معلوم تحمي المسلمين وتنشُر الإسلام في الأرض، وتحمِي الأقليّات حتَّى من غير المسلمين، وتحفظ التوازُن في العالم والعدْل، ولذلك بقِيَ أهل الذمِّة إلى اليوم بسبب حماية الدولة الإسلامية لهم في العراق والشام ومصر وشمال أفريقيا وغيرها، في حين هاجر المسلمون واليهود من الأندلس حين سقطتْ دولة الإسلام هناك، واستأصلَهم النصارى من الأندلس.

      وحين ضعُفَتْ وزالت دولة الإسلام العالمية خلال القرْن الماضي اختلَّ التوازُن الدّولي لصالح الشرّ، وخسِر العالم كثيرًا بانحطاط المسلمين وانتشر الظلم والبلْطَجة في الأرض، وتضرّر المسلمون وغيرهم كثيرًا، فانتهاك حقوق الإنسان صار على أشدّه كما في الحربين العالميتين إذ قُتل فيهما ستون مليونًا، واستُعمل السلاح النووي في اليابان، ووقعت على البشرية مآسٍ لم تعهدْها، وحصلت المَحْرقة التي يتكلّم عليها اليهود وحلفاؤهم حتى صارت المَحْرقة من هولِها كما يقولون عقيدةً عندهم يُعاقَب من ينكرُها.

     وأما المسلمون فقد ذاقُوا الويلات من المستعمرين في كل مكان وقامت لليهود دولة في ديار المسلمين المقدّسة ونُهِبت ثرواتهم حتى صاروا قصْعةً يتداعَى عليها الأَكَلَة، وقامت عليهم حروب إبادة في فلسطين وشبه القارة الهندية والقرن الأفريقي وآسيا الوسطى وتركستان وأفغانستان والبلقان والعراق، واليوم في سورية وفي بورمة.

     ونشأتْ معتقلات يندَى لها جبين البشرية في ديار المسلمين، وكذلك في الدول التي تزعم احترام حقوق الإنسان، ومنها معتَقَل غوانتانامو، وتتابعت الإساءات إلى القرآن والإسلام ونبيّ الإسلام وسائر الأنبياء.

     لذلك صارت عودة دولة الإسلام العالمية أو الخلافة ضرورة لكي تملأ الأرض عدْلًا كما مُلِئَت جورًا كما في الحديث، وسوف تأتي الخلافة إن شاء الله على منهاج النبوّة، والواقع اليوم يتهيّأُ لذلك والأحاديث المتواترة تدُلُّ عليها، وسوف ينزل عيسى بالمعجزات ليجعل الأرض كلها تدِين بالإسلام الذي ارتضاه الله للبشرية قال تعالى: (وَإِنَّهُ "أيْ عيسى" ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: 61].

     وسيدخل الإسلام في آخر الزمان كل بيت وبَرٍ ومَدَر كما في الحديث الصحيح({C}{C}{C}[2]{C}{C}{C})وقد أورَد ابن كثير هذا الحديث عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33].

      وسوف يعمُّ السلام الأرض أيام عيسى عليه السلام، وتعود للأرض برَكتها ويُهلِك الله المِلَل كلها ماعدا الإسلام كما في الأحاديث الصحـيحة عند أحمد ومسلم وغيرهما، وترتفع عـداوات السباع والحيّات كما في الأحاديث الصحيحة عند أحمد والحاكم وعبد الرزاق. وبالله التوفيق.

لفضيلة الشيخ القاضي/ محمد الصادق مغلس المراني



({C}{C}{C}1{C}{C}{C})  صحيح البخاري- طوق النجاة - (6 / 35).

({C}{C}{C}2{C}{C}{C}) مسند أحمد - الرسالة - (28 / 155)، برقم: 16957، وهو عند الحاكم وغيره.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
من علامات النصر ومؤشراته
د. حيدر بن أحمد الصافح
الأربعاء 11 ديسمبر 2013

إن مما ينبغي أن يعيه المؤمنون في صراعهم مع الباطل ومدافعتهم له ومقارعتهم للطاغوت بـ: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾[النساء:76]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾[الأنفال:18].

وإذا ما نظرنا في صراعنا الاستراتيجي مع أعدائنا اليوم سنجد أن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ومن يعاونهم ويقف في صفهم هؤلاء الأعداء الذين يوقدون الحروب والفتن، ألم يقل الله فيهم: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾[آل عمران:112].

أليسوا الذين قال فيهم ربنا: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾[الحشر:14].

أليسوا الذين قال عنهم ربنا: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾[البقرة:96].

هؤلاء هم اليهود وأذنابهم!! ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة:13-15].

إن كان اليهود أو كانت الأرض جميعاً معهم.. أتخشون كثرتهم وأحزابهم وتجمعهم؟ ألم يخاطبهم الله وأمثالهم بقوله: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الأنفال:19].

أتخشون عدتهم وعتادهم؟ ألم يقل ربنا فيهم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.

أتخشون من كثرة أموالهم وثرواتهم؟ ألم يقل ربنا فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ
يُحْشَرُونَ﴾
[الأنفال:36]، وقد رأينا فعل ربنا تعالى فيهم .

أتخشون عقولهم وجوارحهم وأجسامهم؟ ألم يصفهم ربنا بقوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ
الْغَافِلُونَ﴾
[الأعراف:179].

هل تظنون أيها المسلمون أن حياة هؤلاء نصر بلا هزيمة، وعز بلا ذل؟ كلا.. لقد شاهدنا أمريكا المتكبرة تخرج مهرولة ومولولة من فيتنام التي لا ترى على الخريطة بستة وخمسين ألف قتيل.. وشاهدناها ثانية وثالثة ورابعة وهي تخرج بنفس الهرولة والولولة من الصومال ولبنان والعراق وأفغانستان، وإن كانت العراق وأفغانستان هي المستنقع الذي لن يخرج منه الأمريكان وحلفاءهم إلا حصيداً خامدين.

شاهدنا مفاعل –تشرنو- الروسي المحكم يتفجر ويلوث مساحات واسعة من الأرض حتى وصل إلى أوروبا..

شاهدنا صاروخ –تشالنجر- أو المتحدي الذي قالوا عنه: إنهم بلغوا فيه حد الكمال... لقد انفجر الصاروخ بعد ثوان معدودات من إطلاقه، وأمام أعينهم ليزيد من حسرتهم!!

ألم تشاهدوا قدرة الله وفعله فيهم، وهم يقفون كالجرذان مكتوفي الأيدي مسلوبي القدرة تماماً.

شاهدنا فيضانات تغرق مدناً في لحظات وكأنها مشهد مصغر لقوله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾[القمر:11-12].

شاهدنا عواصف ثلجية تدفن السيارات وتغلق الشوارع وتوقف الحياة لأيام في مدن عصرية حديثة مزدهرة.

شاهدنا إعصاراً يحمل سيارات النقل الضخمة ويقذف بها فوق المنازل كأنها هشيم ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾[الكهف:45].

شاهدنا ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر، تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر، تقتلع الشجر في الغابات وتمحو الحياة في لحظات.

شاهدنا حرائق الغابات والنار المشتعلة التي تستمر وتنتشر في عدة أيام.

شاهدنا مظاهر الجفاف تضرب الولايات المتخصصة في إنتاج المزروعات.

شاهدنا الانهيارات المالية وتبخرات الأرقام الفلكية، وتساقط البنوك والشركات الربوية بشكل لم يكن يتوقعه الكثيرون ممن رضوا بالحياة الدنيا واطمئنوا بها.

شاهدنا ذلك وغيره، ولكن يا حسرة على العباد؛ لم نشاهد في القوم من يتعظ أو يتذكر، بل هم في غيهم سائرون، وفي ضلالهم يعمهون.

أما إذا نظرنا إلى المجتمع الأمريكي والأوروبي من داخله، فإننا سنجد مجتمعاً مهلهلاً مفككاً منحطاً، يعيش على الرذيلة ولا يهتم بالفضيحة.. أهواءه تسيره ورغباته تحركه وشهواته تسيطر عليه وتدمره.

انظروا إلى هذه الأرقام التي تصنف حال المراهقين من الأمريكان الذين لم يبلغوا بعد سن الثامنة عشرة من العمر، والذين سيحكمون بلدهم بعد عشر سنوات، تقول الإحصائيات: إن (55%) من هؤلاء الشباب قد ارتكبوا جريمة الزنا، وترتفع النسبة إلى أن تصل إلى (80%) في المدن الكبرى، وتنخفض إلى (33%) في المناطق الريفية، أي أن أشرف مناطق أمريكا يرتكب فيها الزنا بنسبة (33%) هذا تحت سن الثامنة عشرة، فإذا صعدنا فوق ذلك، فإن النسبة تقترب من (90%).

مئات الألوف من الفتيات يحملن كل عام فيما دون الثامنة عشرة عن طريق السفاح، ثلاثمائة وخمسون ألف حالة إجهاض فيهن، وهذا عدد أقل بكثير من الحقيقة.

(24%) من العائلات الأمريكية ليس فيها أب، إما لأن الأم لا تعرف الأب؛ لأنها ارتكبت الزنا مع أكثر من شخص، وإما بسبب الطلاق والتفكك الأسري.

(40%) من الشباب المراهق يتناولون المخدرات، أما الخمور فحدث ولا حرج.

الجرائم تزداد بشكل مطرد، ففي مدينة دالاس الأمريكية وصلت نسبة الجريمة إلى (70%) في عام واحد.

السبب الثالث للوفاة بين المراهقين هو الانتحار، أي أن الانتحار هو السبب الثالث في المراهقين الذين يفترض فيهم أن يحكموا أمريكا بعد ذلك، (32000) ألف حالة انتحار كل عام في أمريكا، والعدد يزداد عاماً بعد عام.

عدد المرضى بالقمار الإجباري واحد من كل سبعة.

هذه بعض مشاهد أمريكا من داخلها، وهذا هو المجتمع المفكك والمتهالك الذي يخشاه كثير من الناس.

وبعد كل هذا أتشك أيها المسلم في نصر على قوم كهؤلاء؟ أتشك في نصر على جيش غالبيته من الزناة والشواذ؟ أتشك في نصر على جيش أُشرب في قلبه حب الخمور والمخدرات والمنكرات؟

أيها المسلم أيها المؤمن ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾[آل عمران:196-197]، ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾[الأنفال:59].

ولن يسلط هؤلاء الكفرة الفجرة على قوم إلا بسبب ذنوبهم، وفي الآثار القديمة جاء فيها: (إن الله يقول: من عصاني وهو يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني).

فاللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

من الحقائق التي لابد من فهمها واستيعابها أن النصر لا يأتي إلا بعد أشد لحظات المجاهدة، فيا من تظن أن النصر قد تأخر، ألم تسمع لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾[يوسف:110].

في هذه اللحظة الحرجة التي ظن فيها الجميع الرسول وقومه أن الأمر قد وصل إلى نهايته في التكذيب والظلم والإعراض والشك والاستكبار، في هذه اللحظة التي وصل فيها الأذى للدعاة إلى الله والآمرين بالقسط من الناس إلى مداه، وقد ثبت الدعاة على مبادئهم.. هنا في هذه اللحظة فقط يأتي الفرج ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾.

يا من يرى أن النصر قد تأخر استمع إلى قول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾[البقرة:214].

في هذه اللحظة التي جاوز الظالمون فيها المدى، وبلغ السيل الزبا، ووصل الصبر إلى نهايته، في هذه اللحظة المجيدة يقول سبحانه: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ .

ألم تلاحظوا أيها المؤمنون في السيرة النبوية أن أشد لحظات الابتلاء للمؤمنين كانت في غزوة الأحزاب، حيث وصفها ربنا في كتابه فقال: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾[الاحزاب:10-11].

ألم تلاحظوا أنه بعد غزوة الأحزاب صار المسلمون من فتح يتلوه فتح.. بعد أشد لحظات المجاهدة والصبر جاءت الحديبية، ثم خيبر، ثم مكة، ثم الطائف، ثم جزيرة العرب بكاملها...

أمجاد تعقبها أمجاد، وانتصارات تتوالى، وفرح، ونصر، وتمكين.

ومن الحقائق التي يجب على المسلمين أن يدركوها ويعوها هو أن الله تعالى لا يعجل بعجلة عباده، فعلى الخلق أن يتأدبوا مع الله، ولا يستعجلوا الشيء قبل أوانه، فإن حكمة الله تعالى اقتضت أن يختبر أحبابه وأصفياءه، وأن النصر يأتي في وقت يعلم الله فيه أن خير المؤمنين أصبح في النصر، وليس في انتظار النصر.

روى البخاري عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ t قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: "قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ؛ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ"({C}{C}1{C}{C}).

سبحان الله؛ مع كل ما كان يحصل للضعفاء في مكة من التعذيب والأذى والفتنة، يقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ".

نعم.. مازال هناك أشياء أخرى..

مازال هناك ترك للمال، وترك للأهل، وترك للديار.

مازال هناك صراع ونزال..

مازالت الأرض التي اختارها الله مهجراً لنبيه لم تتهيأ بعد، مازال هناك جهاد وهجرة وشهادة..

ثم يأتي النصر في الميعاد الذي حدد وقته الخالق جل جلاله.. لا في الميعاد الذي حدده المخلوقين.

ثم إن الأجر لا يرتبط بالنصر، ولكن بالعمل كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[النحل:97].

وعلى المؤمن أن يوقن بأنه كلما حسن عمله كلما عظم أجره ومثوبته، وكلما زاد جهده زادت حسناته.

واعلم أيها المسلم أن الأجر يضيع إذا فقدت اليقين في النصر؛ لأن النصر لا يأتي إلا بيقين راسخ لا يساوره شك، ولا تخالطه ريبة، ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾[الحج:15].

هل رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كانوا في الأحزاب؟ لا يأمنون على شيء! كيف كانوا محاصرين ومهددين، ثم هم يستمعون إلى بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمور تفوق الخيال، فإذا هم مصدقون، وبالبشرى موقنون، إنهم وهم في الحصار يستمعون من رسول الله r إلى فتح الشام، وفارس، واليمن، فيصدقون بيقين وكأنهم يرونه رأي العين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا جاءهم نصر الله، وجاء الفتح، وصدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.

وكما نصر الله المؤمنين السابقين، فإنه سينصرهم في كل وقت وحين، ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾[الروم:47].

إعداد الدكتور حيدر الصافح نائب رئيس جامعة الإيمان

تخريج وتنسيق محمد نعمان البعداني



{C}{C}(1{C}{C})- أخرجه البخاري 3/1322 برقم: 3416.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: