مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
ندوة الإيمان
   
ندوة الإيمان الأولى (1425هـ)
أهم أهداف المنهج القرآني لبناء وتقوية وزيادة الإيمان
السبت 26 يناير 2013

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أهم أهداف المنهج القرآني لبناء وتقوية وزيادة الإيمان  (1)

الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني

 

مقدمة :

الحمد لله رب العالمين ، وأصلى وأسلم على من أرسله الله منادياً للإيمان وجعله رحمة للعالمين وبعد..

فإن الإيمان هو أفضل الأعمال عند الله ، وهو سبب الفلاح في الدنيا والآخرة ، وهو المحور الذي يدور حوله الابتلاء من الله للعباد كما قال سبحانه : ﴿ الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) ﴾ (سورة العنكبوت) .

ولما كان الإيمان بهذه المنزلة ، فإن القرآن والسنة هما المنهج النظري والعملي للإيمان والمشتمل على قواعده وتفصيلاته ، والرسول - صلى الله عليه وسلم – هو منادي الإيمان الذي أخرج الله على يديه خير أمة أخرجت للناس ؛ لذلك من الصعب الإحاطة بهذا الموضوع الكبير في صفحات محدودة. لكني بإذن الله سأستعرض بعض أهداف المنهج القرآني الإيماني ، وموضوعاته ، ووسائله ، وأساليبه وكياناته ، وسأحاول – بإذن الله – تقديم بعض المشاريع والمقترحات العلمية والعملية المحققة لبناء الإيمان وتقويته وزيادته .

أهداف المنهج الإيمان في القرآن :

1-    إيقاظ الإنسان من غفلته ، وحثه على استعمال سمعه وبصره وفؤاده ؛ ليتفكر في حقائق وجوده الكبرى من أين جاء إلى الدنيا ؟

من خلقه ؟

لماذا خلقه ؟

لماذا يموت ؟

ما الذي ينتظره بعد الموت ؟

ما الذي جاء به الرسل ؟

ما الدليل على صدقهم ؟

ما هو الحق المشروع له أن يعمله ، ويرضي به الخالق المالك له ولكل ما في الوجود ؟

ما الباطل المحرم عليه الذي يغضب ما لكه ، ومالك كل شيء ؟

ما الطريق إلى الفوز برضا الله والجنة ، والنجاة من غضب الله والنار ؟

وطلب القرآن من الإنسان أن يستفيد من أدوات العلم التي خلقها الله للإنسان ؛ ليعلم بهذه الحقائق كي لا يكون من أهل النار ، قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (179) ﴾ [سورة الأعراف] .

2- حث الإنسان على العلم بالرسول الذي أرسله الله لهدايته والعلم بأدلة صدقه وبينات رسالته كما قال تعالى : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) ﴾  [سورة الحديد] ، وأنكر القرآن على من لا علم له بأدلة صدق الرسول – صلى الله عليه وسلم - التي تبين للناس أن كل ما جاء من عند الله إلى رسوله حق لا مرية فيه ، فقال تعالى : ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾ [سورة الرعد] .

3- العلم بالله وآياته التي بثها في الكون لتعرف الناس بآثار صفات ربهم ، كما قال سبحانه: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) ﴾ [سورة محمد] ، أي : أنه الإله الواحد الذي لا يستحق أحدً العبادة غيره ، وكما قال سبحانه : ﴿ فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) ﴾ [سورة الروم] ، فالرحمة : صفة لله ولها آثار أِمْرنا أن ننظر إليها ، وكذلك الصفات الإلهية المتعلقة بأفعاله سبحانه لها أثار مشاهدة أمرنا الله أن ننظر إليها فتدلنا على صفات ربنا وأسمائه .

فإذا رأينا آثار الحكمة ظاهرة في المخلوقات دلتنا على أنها من صنع حكيم ، وإذا رأينا آثار العلم مشاهدة في الأرض والسماوات دلتنا على أنها من صنع عليم ، وهكذا سائر صفات ربنا الخالق ، المصور ، البديع، الهادي ، الرزاق ، القوي ، القادر ، السميع ، البصير ، الواحد الأحد ، الذي امتلأت صفحات الكون بآثار صفاته ، وآيات وجوده ، وجلاله سبحانه، القائل : ﴿ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) ﴾  [سورة الجاثية] .

والقائل : ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ (75) ﴾  [سورة الأنعام] ، والقائل: ﴿ أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) ﴾ [سورة الأعراف] .

4- العلم بوعد الله ووعيده الذي أرسل الله به الرسل مبشرين ومنذرين ليندفع الناس رغبة ورهبة للعمل بما جاء به الرسل قال تعالى:﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)﴾ [سورة النساء].

5- العلم بما جاء به الرسل من صور العبادة لله واجتناب الشرك به سبحانه بكل صوره وأشكاله كما قال تعالى : ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) ﴾ [سورة البينة] .

 

الطرق العلمية والعملية لتحقيق الأهداف الإيمانية

1- الهدف الأول : الخروج من الغفلة :

أولاً : الطرق العلمية لتحقيق الهدف الأول :

1- جمع الكتب والرسائل التي تعنى بإيقاظ الإنسان من غفلته ، والعمل على نشرها ، وبثها في المجتمع بشتى الوسائل المتاحة .

2-    إعداد الكتب والرسائل التي تخاطب المستويات الثلاثة :

-         العلماء والمفكرين والمثقفين .

-         طلاب العلم ، والجامعات والمدارس .

-         عامة الناس .

3-    الاستفادة من وسائل الإيضاح والأفلام المبينة للفكرة .

4-    تدبر آيات القرآن والأحاديث النبوية في هذا الباب .

  ثانياً : الوسائل العملية لتحقيق الهدف الأول :

1.    إدخال المادة العلمية في مناهج التعليم والتذكير بها في الأنشطة المدرسية والجامعية المصاحبة .

2.    تقديم هذه الحقائق ضمن خطب الجمعة وترتيب إيصالها إلى الخطباء .

3.    إعداد برامج لإيقاظ الغافلين ، وتذكير الناسين في التلفزيون والإذاعة والصحافة كل بما يناسبها من الخطاب والإخراج .

4.    الحث على حضور الجنائز وزيارة المقابر على الطريقة الشرعية المذكرة بالآخرة ، وإعداد المواعظ المذكرة للناس بذلك .

5.    الحث على زيارة المرضى ؛ فإنها تذكر بنعمة الصحة ، وتذكر بقرب الأجل ، وتقمع الغرور .

6.    إعداد القصائد والأناشيد وتلحينها وبثها .

7.    اختيار أنفع الرسائل ، والمحاضرات ، والأشرطة الداعية إلى اليقظة والخروج من الغفلة .

8.    صحبة أهل الإيمان ، واليقظة والذكر والتذكير .

9.    الخروج في سبيل الله للدعوة والوعظ ، والاتعاظ والتفكر في آيات الله .

10.    إقامة حلقات قرآنية مع تفسير الآيات بما يناسب السامعين .

11.    المواعظ القصيرة عقب الصلوات ، وفي المقايل وسائر المجالس .

 

2- الهدف الثاني : الإيمان بصدق الرسول – صلى الله عليه وسلم- .

  أولاً : الطرق العلمية لتحقيق الهدف الثاني :

1. جمع معجزات الرسول - صلى الله عليه وسلم – وبينات رسالته ، وإعدادها في رسائل وكتب ، لتناسب المستويات الفكرية الثلاثة :  العلماء والمفكرين والمثقفين – طلاب العلم والجامعات والمدارس – عامة الناس .

2. جمع أقوى أبحاث الإعجاز العلمي الموثقة بالصور والمرجع ، وكتابتها على المستويات الثلاثة ، ونشرها بين الناس .

3. الاستفادة من وسائل الايضاح المتاحة ، والأفلام التي تصور المعجزة ، وإقامة المعارض المتنقلة المبينة لتلك المعجزات .

4. إقامة حلقات نقاش علمية حول هذه المعجزات لتطوير عرضها .

5. الرد على الشبهات الشائعة حول الرسول – صلى الله عليه وسلم – أو رسالته .

  ثانياً : الطرق العملية لتحقيق الهدف الثاني :

1. دراسة المعجزات في مناهج التعليم الأهلية والحكومية في المدارس ، والمعاهد، والجامعات، والتذكير بها في الأنشطة المصاحبة .

2. إعداد المعجزات للخطباء كي يضمنوها خطب الجمعة .

3. مطالبة المؤلفين والمخرجين بإعدادها في صورة أفلام تلفزيونية ومطالبة الإذاعة والصحف بالتركيز على إبراز وإظهار معجزات النبي صلى الله عليه وسلم في البرامج والصحف.

4. نشر محاضرات الإعجاز العلمي خاصة وغيرها من المعجزات باستخدام أجهزة عرض الشرائح (البروجكتور) وإقامة دورات لتدريب الراغبين من الدعاة .

5. تكوين فرع لهيئة الإعجاز العلمي في اليمن .

6. مطالبة الباحثين في الدراسات العليا في الجامعات أن يتناولوا موضوع المعجزات النبوية بالبحث والتحقيق .

7. إقامة المحاضرات ، والندوات لعرض المعجزات النبوية .

8. إعداد اللوحات الفنية المظهرة للمعجزات العلمية ، ونشرها بين الناس .

9. إقامة دورات للدعاة ، والخطباء ، وطلاب العلم حول نشر المعجزات .

10. جمع أنفع الكتب ، والرسائل والعمل على نشرها بين الناس .

11. نشر كتاب بينات الرسول -صلى الله عليه وسلم – ومعجزاته ، وشريط "إنه الحق" .

 

3- الهدف الثالث : الإيمان بالله :

  أولاً : الطرق العلمية لتحقيق الهدف الثالث :

1- جمع الكتب والرسائل التي تعنى بتثبيت الإيمان بالله وتحقيق التوحيد والعبودية، ودفع الشرك بكل صوره وأشكاله، والعمل على نشرها .

2- إعداد الكتب والرسائل على المستويات الثلاثة المذكورة سابقاً .

3- الاستفادة من كتب وأفلام ومجلات العلوم الكونية التي تتحدث عن آيات الله في آفاق الكون وأسرار النفس البشرية ، وإعادة عرضها في ثوبها الإيماني ؛ لأن الذين ألفوا في هذه المجالات معظمهم يكتب وهو معرض عن الدلالات الإيمانية لهذه الآيات كما قال تعالى : ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) ﴾ [سورة يوسف] ، وذلك بسبب الجو الذي نشأت فيه العلوم الحديثة في معركة بين الدين الذي حرف وبين العلم الحديث .

ومن أمثلة هذه المحاولات الجادة فيلم : (الله الرزاق) إلى جانب العديد من الكتب النافعة التي تخدم هذا الموضوع. وهذه الكتب ، والرسائل ، والأفلام فيها من التشويق ، والتوثيق ما يعمق الإيمان بالله سبحانه .

4- توثيق حوادث إجابة الدعاء ، كما يحدث في صلاة الاستسقاء ، وما حدث من إجابة الدعاء في شفاء المرضى ، وتفريج الكرب ، وإنزال النصر لعباد الله المؤمنين الصادقين، ودعوة الناس إلى توثيق صلتهم بربهم عن طريق الدعاء ؛ فإذا ما شاهد الناس الجواب الإلهي تحقق لهم يقين عملي تشاهده أبصارهم وتحسه أجسامهم؛ فكيف لا يؤمنون، والله يقول : ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) ﴾  [سورة النمل: 62]، ويقول سبحانه : ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) ﴾ [سورة البقرة] .

5- حصر الشبهات ، وتأليف الردود عليها ونشر هذه الردود في البيئات التي تشيع فيها تلك الشبهات.

6- دراسة الشبهات الجديدة ، وإعداد الردود المناسبة ؛ لتحصين الأمة منها حتى لا تسبب الريب أو الشك ، كما قال تعالى في وصف المؤمنين الصادقين : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (15) ﴾ [سورة الحجرات] .

  ثانياً : الطرق العلمية لتحقيق الهدف الثالث :

1. عرض أدلة الإيمان بالله في المناهج الدراسية الرسمية ، والأهلية ، والجامعية وما دونها ، كل فصل ومستوى بما يناسبه .

2. إعادة عرض الآيات الكونية في الدروس المدرسية ، والجامعية على ضوء الدلالات الإيمانية .

3. إعادة عرض الأفلام العلمية مع تعليقات إيمانية مناسبة ، ونشرها في التلفاز .

4. إقامة المعارض الإيمانية المتنقلة المشتملة على إظهار آيات الله التي أمرنا الله أن نتفكر فيها ، وأن ننظر إليها ؛ لنرى آثار صفات الله المتعلقة بأفعاله .

5. دعوة الكتاب في الصحف لنشر أدلة الإيمان بالله محلاة بالصور الموضحة .

6. حث الناس على الدعاء ليقيم كل مؤمن بينه وبين ربه صلة يجيب الله بها دعوته ، فيزداد الذين آمنوا إيمانا ، ويزدادوا على الله توكلا ، مع التأكيد على الأدعية المأثورة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – والمحافظة على آداب الدعاء .

7. إعداد كتاب عن آيات الله في المخلوقات ، توضح الآية وتبين الدلالة ، ويكون في متناول العلماء والخطباء ليتسنى لهم الاستدلال بهذه الآيات في دروسهم وخطبهم ومواعظهم .

8. تشجيع أصحاب الدراسات العليا في الكليات العلمية ، والعملية على الكتابة حول آيات الله في الكون .

4- الهدف الرابع : الإيمان باليوم الآخر

  أولاً : الطرق العلمية لتحقيق الهدف الرابع :

1. جمع الكتب والرسائل والبحوث التي تعنى باليوم الآخر ونشرها ، أو إعادة صياغتها على المستويات الثلاثة كي تناسب العلماء وطلاب العلم والعامة .

2. التركيز على أدلة الإيمان باليوم الآخر ، وإظهار أوجه الدلالة .

3. تقديم كتاب موثق عن علامات الساعة ، يبين فيه ما وقع بالفعل وما هو واقع وما يتوقع ، وأن يناقش مناقشة جماعية لمنع الشطط الذي قد يقع فيه الباحث المنفرد .

4. نشر بحث عجب الذنب بعد استكمال توثيقه .

5. دراسة ظاهرة الأصوات العجيبة التي ظهرت في سيبيريا ، فإن تم توثيقها فستكون من أعظم ما يؤثر في الناس .

6. دراسة شبهات الكافرين حول الإيمان باليوم الآخر ، والرد عليها .

7. إعداد كتب مفصلة عن أحوال اليوم الآخر كما وردت في الكتاب والسنة ، ونشرها بين الناس لمن يريد الاستزاده .

8. إعداد كتب ورسائل حول الرقائق ، ليستفيد منها الوعاظ والمربون .

9. إعداد كتاب جامع حول الجنة ، ودرجاتها ، ونعيمها ، وأهلها ، وأحوالهم ، وتفاوت درجات أهل الجنة ؛ ليكون مرجعاً للباحثين والدارسين والوعاظ والدعاة والمربين .

10. إعداد كتاب شامل حول النار ، ودركاتها ، وأهلها ، وأصناف العذاب فيها ، وأحوال أصحابها يكون مرجعاً للدارسين والباحثين والدعاة .

11. إقامة حلقات قرآنية لتدبر آيات القرآن ، في المسجد والمنزل وغيرهما .

  ثانياً : الطرق العملية لتحقيق الهدف الرابع :

1. إحياء زيارة القبور على الوجه المشروع .

2. إحياء زيارة المرضى .

3. الجلوس في مجالس الذكر والرقائق .

4. مصاحبة الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، كما قال تعالى : ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) ﴾ [سورة الكهف] .

5. التذكر ، والتذكير بحقيقة الحياة الدنيا والحث على الزهد فيها .

6. البعد عن أهل الأهواء المنغمسين في الدنيا ، كما قال تعالى : ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) ﴾ [سورة الكهف] .

7. إدخال أدلة الإيمان باليوم الآخر في المناهج الدراسية الأهلية ، والحكومية ، وفي جميع المؤسسات التعليمية العالية وما دونها .

8. حث القائمين على المحطات الفضائية أن يعدوا مواد إعلامية تذكر بالآخرة ، وتعرض أحوال الموتى أثناء موتهم وبعده ؛ ليتعظ الناس بالموت ، وليتذكروا الآخرة ، مع إعداد برامج تتعلق بالرقائق .

9. إقامة حلقات لتدبر آيات القرآن ، فهو الدواء والغذاء ، كما يقول العلماء .

10. إعداد القصائد والأناشيد الحادية إلى الدار الآخرة ونشرها بين الناس .

5- الهدف الخامس : إخلاص العبادة وإقامة الصلاة وإحياء رسالة المسجد

    أولاً : الطرق العلمية لتحقيق الهدف الخامس :

1. جمع الكتب والرسائل التي تعنى بإخلاص العبادة لله ، ونبذ كل شريك له ، والتي تعنى بتوضيح معنى العبادة ، وبيان صورها ، والتحذير من كل صور الشرك ، أو الابتداع والعمل على نشرها. وإعداد كتب ورسائل مناسبة للمستويات الثلاثة : مستوى العلماء ومستوى طلاب العلم ، ومستوى العامة ، ومخاطبة كل بما يناسبه .

2. إعداد أو اختيار رسائل حول الصلاة وأحكامها وكيفية تحقيق الخشوع فيها ، والحث على أدائها جماعة في المسجد .

3. إحياء رسالة المسجد ، وتعليم الناس أحكام المساجد ، والعمل على إقامتها. ونظافتها ، وجعلها مكانا لذكر الله ، وحلقات العلم ليلاً ونهاراً ، وتجنيبها المنازعات السياسية ، وكل ما يفرق كلمة المسلمين، كما قال تعالى : ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) ﴾ [سورة النور] .

4. إعداد كتب حول ما لا يسع المسلم جهله ؛ لبيان فروض العين على كل مسلم .

5. اختيار كتب مناسبة لتدريسها للعامة ، والخاصة في حلقات علمية مسجديه في الإيمان والتجويد ، والتفسير ، والحديث ، والفقه ، والسيرة ، واللغة ، والذكر ، والرقائق ، وكل علم يفقه الناس بدينهم ويصلح قلوبهم تحقيقاً لما بعث به الرسول – صلى الله عليه وسلم – كما قال تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) ﴾ [سورة الجمعة] .

    ثانياً : الطرق العملية لتحقيق الهدف الخامس :

1. المحافظة على المؤسسات الإسلامية : المعاهد ، والمدارس ، والجامعات التي تدرس العلوم الشرعية وتخرج العلماء .

2. الدعوة إلى إقامة منتدى للخطباء ، يحقق بينهم التعارف والتعاون ، ويمنع عنهم التعسف ، ويقدم لهم الخدمات العلمية التي ترتقي برسالتهم ، وتطور أداءهم ، أسوة بسائر المنظمات الجماهيرية التي كفل الدستور قيامها وحمايتها .

3. دعوة المسلمين للخروج الدعوي في سبيل الله بالمال والنفس والعيش مع الصحبة الصالحة وفق أحكام الشريعة ، والأخلاق الإسلامية ، والتعود على الاعتكاف في المساجد ، وقيام الليل وقراءة القرآن والخروج من مشاغل الحياة وهمومها. وتعويد النفس على التزام السنن في النوم واليقظة ، والمأكل والمشرب ، والإيثار والشورى ، والتحلي بالصبر، وأدب الدعوة إلى الله ، والتعرف على أحوال المسلمين. والتجرد عن حظوظ النفس وأهوائها .

4. الدعوة لإقامة الندوات العلمية ، والدعوية المشتركة بين الدعاة .

5. إحياء الحلقات العلمية في الإيمان ، والتجويد ، والتفسير ، والحديث ، والفقه ، والأخلاق ، وتعليم الواجبات ، والسيرة النبوية الكريمة .

6. إقامة المدارس لتحفيظ القرآن .

7. إحياء المواعظ المؤثرة عقب الصلاة .

8. إقامة دورات علمية ، ودعوية لخطباء المساجد .

9. إقامة حلقات علمية ، أو دورات حول إقامة الصلاة ، وتحقيق الخشوع فيها ، والحث على نوافلها وخاصة قيام الليل .

10. إقامة صندوق لصالح المسجد تحت نظر لجنة للعناية بالمسجد : نظافة ، وإضاءةً ، وفرشاً، وخدمات .

11. قراءة رسائل علمية مختارة في التحذير من مخالفة الدين أو لابتداع فيه بغير ما أنزل الله كما حذر سبحانه بقوله : ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) ﴾ [سورة الشورى] ، فلا دين إلا ما أمر الله به .

12. الحث على إيتاء الزكاة بمقاديرها الشرعية ، والعمل على صرفها في مصارفها الشرعية. والحث على الإنفاق في سبيل الله .

13. الحث على السعي ، وكسب الرزق الحلال ، وتحسين دخل الفرد ، والدعوة والمشاركة في التنمية الاقتصادية(2) ، والدعوة إلى إقامة الشركات ، والتوصية بالحرص على دراسات الجدوى في المشاريع الاقتصادية ، وضبط العقود ، وإيجاد الرقابة المالية المستمرة والدورية ، وتقوية الحافز عند العاملين ، حتى لا تصاب تلك المشاريع بأمراض القطاع العام. وحتى يتحرر الناس في أقواتهم ، فيتحرروا في عبادتهم .

14. الحث على صيام رمضان وقيامه ، وصيام النافلة ، وإحياء سنة الاعتكاف وتنظيمها بما يحقق المقصود من الاعتكاف ، وبما يتيح فرصةً للإكثار من تلاوة القرآن ، والإلتزام بالقيام وسنة الضحى وسائر النوافل ، والتحلي بالأخلاق الإسلامية ، وآداب التعامل الشرعية. وحضور الدروس العلمية النافعة .

15. الحث على الحج والعمرة والعمل على المتابعة بينهما ، وفق ما يتيسر من الفرص ، والعمل على تنظيمها ، والاستفادة منها تعليماً ، وتربية ، ودعوة ، وسلوكا ، وأخلاقاً .

16. الحث على الدعوة ، والمساهمة فيها ، والتعلم لآدابها ، والتعاون بين المسلمين على تحقيقها والمشاركة فيها. والممارسة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق الضوابط الشرعية.

17. حماية الدستور الإسلامي والنظام الإسلامي في البلاد ، وتقديم النصح والمشورة لولاة الأمور.

18. تشجيع المرأة على تعلم دينها ، وإقامة الجمعيات النسوية الدعوية ، والخيرية ، والتعليمية ، ودعوتها للتمسك بدينها وأخلاقها .

19. الإهتمام بأمر المسلمين ، ودعوتهم إلى توحيد صفوفهم ، وجمع كلمتهم على المستوى القطري ، والإقليمي ، والعالمي .

20. مناصرة قضايا المسلمين الفردية والجماعية بحسب القدرة المستطاعة .

 

توصيات لأعضاء الندوة

  إذا كنا نعرف أهمية الإيمان في الدين والدنيا ، واستعرضنا بعض الأهداف الهامة التي يجب على كل مسلم أن يساهم فيها ، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا ، وأوصي نفسي وإخواني بما يلي :

1. أن نعاهد الله على الدعوة إلى الإيمان ، والعمل على نشر علومه ، وتقويته وزيادته .

2. أن نقرر أن تكون هذه الندوة سنوية ، حتى نتمكن من التشاور في الأهداف والوسائل والأساليب التي تخدم الإيمان في مجتمعنا .

3. أن نشكل لجنة لمتابعة توصيات الندوة ، وقراراتها من العلماء وأهل الاختصاص .

4. العمل على إنشاء مركز للبحوث والدراسات الإيمانية ، تشارك فيه جميع الجماعات والمؤسسات الإسلامية تحت إشراف نخبة من العلماء العاملين ، ويقوم المركز بإعداد البرامج المطلوبة لخدمة الإيمان وتقويته وزيادته ، وتقديمها للجمعيات ، والمنظمات ، والهيئات والمدارس الإسلامية للإنتفاع بها في برامجها كل بما يناسبه. ويقوم الحاضرون باختيار عدد من العلماء يقومون بالتحضير لإنشاء مركز البحوث ، والدراسات الإيمانية ، ودعوة أهل الاختصاص لاستكمال خطوات التكوين والإشهار على أن تعمل اللجنة بالتعاون مع جميع الهيئات والمنظمات ، والجمعيات ، والمؤسسات الإسلامية الراغبة في المشاركة . 

 

 -----------------------

(1) نتقدم بالشكر للأخوين : عبدالواحد الخميسي وعلي محمد البهجي لمساهمتهما في إنجاز البحث .

(2) مثل إقامة المزارع والمتاجر ، والمعامل ، والمصانع ، والمستشفيات والمدارس ، والمشاغل والشركات التعاونية والخاصة والمساهمة .

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
محاور ندوة تقوية الإيمان وزيادته
الأحد 27 يناير 2013

محاور ندوة تقوية الإيمان وزيادته

 

ندوة تقوية الإيمان وزيادته

 

 

المحور الأول : أهمية الإيمان وضرورة تقويته وزيادته:

1-     تعريف الإيمان .

2-     أهمية الإيمان وثماره في الدنيا والآخرة .

3-     أهمية الإيمان في حياة الفرد والأسرة والمجتمع .

4-     زيادة الإيمان ونقصه .

5-     مظاهر ضعف الإيمان اليوم وأسبابها .

6-     الحاجة إلى تقوية الإيمان وزيادته .

المحور الثاني : تقوية الإيمان وزيادته اعتقاداً:

أولاً : تقوية وزيادة الإيمان بلا إله إلا الله :

أ ـ براهين الإيمان بالله :

1-     معجزات الرسل .

2-     آيات الله في الكون .

3-     آيات الله في الأنفس .

4-     إجابة الدعاء للسائلين المخلصين .

5-     الأدلة العقلية .

6-     أدلة الفطرة .

ب ـ معنى ومقتضيات شهادة لا إله إلا الله :

1-     العلم بأسماء الله وصفاته .

2-     استحقاق الله للعبادة .

3-     البراءة من الشرك الأصغر والأكبر .

4-     محبة الله تعالى وطاعته.

5-     محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطاعته .

6-     التسليم المطلق لكل ما جاء من عند الله .

7-     القيام بالأعمال الصالحة .

8-     الولاء والبراء .

ثانياً : تقوية وزيادة الإيمان بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم :

1 ـ العلم بدلائل نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

أ ـ المعجزة القرآنية:

-       الإعجاز العلمي.

-       الإخبار بالغيب .

-       الإعجاز البلاغي .

-       الإعجاز التشريعي .

-       الإعجاز العددي .

-       خصائص القرآن المعجزة.

-       المعجزات الحسية الخارقة التي أثبتها القرآن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .

ب ـ البشارات في الكتب السابقة .

ج ـ إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالغيب الذي تحقق في الماضي ويتحقق في عصرنا.

د ـ أنواع المعجزات الخارقة الثابتة في السنة الموثقة بأقوى طرق التوثيق .

هـ- شهادة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم بصدق رسالته.

2 ـ مقتضى الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم :

-       الإيمان بصدقه وصدق رسالته.

-       محبته صلى الله عليه وسلم .

-       اتباعه وطاعته والاقتداء به .

-       التسليم لما جاء به صلى الله عليه وآله وسلم .

-       ترك الابتداع .

-       الانتصار لدين الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .

3 ـ الرد على الشبهات حول الرسول صلى الله عليه وسلم :

ثالثاً : تقوية وزيادة الإيمان بالملائكة :

1-     أدلة الإيمان بالملائكة.

2-     صفات الملائكة الخَلقية والخُلقية .

3-     أهمية الإيمان بالملائكة .

4-     أعمال الملائكة .

5-     مقامات الملائكة .

6-     موقف الملائكة من المؤمنين .

7-     موقف الملائكة من العصاة .

8-     موقف الملائكة من الكافرين .

9-     حقوق الملائكة على المؤمنين .

10-    ثمار الإيمان بالملائكة .

رابعاً : تقوية وزيادة ي الإيمان بالكتب :

1-     أدلة الإيمان بالقرآن .

2-     حفظ القرآن وسلامته من التحريف .

3-     الكتب المذكورة في القرآن .

4-     تحريف الكتب السابقة .

5-     تصديق القرآن لها وهيمنته عليها .

خامساً : تقوية وزيادة الإيمان بالرسل :

1-     الحكمة من إرسال الرسل .

2-     أدلة الإيمان بالرسل .

3-     معجزات الرسل .

4-     الأمم التي أرسل إليها الرسل .

5-     تعدد الرسل واتحادهم في أصول الدين واختلاف شرائعهم .

6-     الرد على الشبهات حول الرسل .

7-     ختم الرسالات .

سادساً : تقوية وزيادة الإيمان باليوم الآخر:

أ ـ أدلة الإيمان باليوم الآخر النقلية والعقلية .

ب ـ مقدمات اليوم الآخر ( أشراط الساعة).

ج ـ وصف منازل الآخرة:

1-         الموت .

2-         الحياة البرزخية .

3-         قيام الساعة .

4-         البعث .

5-         الحشر .

6-         الحساب والميزان .

7-         الحوض والصراط .

8-         الجنة وأهلها .

9-         النار وأهلها .

10-    أهل الأعراف .

11-    الشفاعة والخلو .

د ـ أهمية الإيمان باليوم الآخر .

هـ- ثمار الإيمان باليوم الآخر .

و ـ الرد على الشبهات حول الإيمان باليوم الآخر .

سابعاً : تقوية وزيادة الإيمان بالقضاء والقدر:

أ ـ تعريف القضاء والقدر وأدلته العقلية والنقلية.

ب ـ مراتب القضاء والقدر:

1- العلم .         2- الكتابة         3- المشيئة .          4- الخلق .

ج ـ المحو والإثبات .

د ـ الإمساك عن ما لا يجوز الخوض فيه في باب القدر ، والحكمة من ذلك:

هـ- ثمار الإيمان بالقضاء والقدر .

و ـ الرد على الشبهات حول القضاء والقدر .

ثامناً : تقوية وزيادة الإيمان بكل ما جاء من عند الله:

أ ـ العلم بأدلة الإيمان بالله ورسوله ووضوحها (مانع من الشك فيما جاء من عند الله) .

ب ـ إظهار أدلة العقائد وإبطال الشبهات الواردة عليها (مانع من التشكيك) .

ج ـ بيان حِكَم التشريع .

المحور الثالث : الرد على الشبهات :

أ ـ حصر الشبهات الشائعة حول الإيمان والرد على ثلاث منها.

ب ـ سرد الشبهات المحصورة بين بعض الفئات والرد على ثلاث منها .

المحور الرابع : تقوية وزيادة الإيمان قولاً :

أ ـ الإكثار من ذكر الشهادتين والدعوة إليهما .

ب ـ الإكثار من تلاوة القرآن وتعليمه .

ج ـ المحافظة على الأدعية والأذكار المأثورة ونشرها .

د ـ الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

هـ- كيفية الاستفادة من وسائل الإعلام والتعليم والتوجيه .

و ـ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ز ـ نشر العلم بالدين ..

المحور الخامس : تقوية وزيادة الإيمان عملاً :

أ ـ أعمال القلوب :

1-     محبة الله عز وجل .

2-     تعظيم حرمات الله .

3-     الإخلاص .

4-     اليقين .

5-     الصدق .

6-     التوكل .

7-     الخوف والوجل .

8-     الرجاء .

9-     الشكر .

10-    الصبر .

11-    الرضا .

12-    الإحسان .

13-    الخشوع

14-    التوبة .

15-    المراقبة .

16-    التفكر .

17-    تدبر القرآن .

18-    المحاسبة للنفس .

19-    الاعتصام .

20-    الورع .

21-    الزهد .

22-    اليقظة والبصيرة والعزم.

23-    الاستقامة .

24-    الشوق إلى الله

25-    اجتناب المحرمات .

26-    سلامة الصدر من الحسد والرياء والعجب والغل والنفاق.. الخ .

27-    محبة النبي صلى الله عليه وسلم .

28-    تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم .

29-    شح المرء بدينه وحرصه عليه .

30-    تعديد نعم الله عز وجل .

31-    تعظيم أعراض وحرمات الناس وعدم الوقوع فيها ..

32-    السرور بالحسنة والاغتمام بالسيئة..

33-    محبة المسلمين ..

34-    الحياء من الله ومن الناس.

35-    قصر الأمل .

36-    الغيرة على العرض وعلى الدين وعلى الحرمات..

37-    أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه .

38-    الذكر .

39-    التذكر .

40-    التبتل .

41-    الشوق إلى الجنة .

42-    الرغبة إلى الله .

43-    الرأفة والرحمة .

44-    التواضع .

45-    الأمانة .

46-    الثقة .

47-    الإيثار .

48-    سعة الصدر.

49-    السكينة والطمأنينة.

ب ـ الأعمال التي تقوي الإيمان :

1-     الصلاة وكيفية إقامتها.

2-     إحياء السنن.

3-     قيام الليل .

4-     الحج والعمرة .

5-     الصيام والاعتكاف .

6-     قراءة القرآن .

7-     الزكاة والصدقات والتكافل بين المسلمين .

8-     الصلاة على الجنازة وزيارة القبور .

9-     الجهاد في سبيل الله .

10-    المرابطة في سبيل الله .

11-    امتثال الهدي النبوي في المطعم والمشرب والملبس .

12-    حسن الخلق .

13-    عيادة المريض .

14-    طلب العلم .

15-    الخروج في سبيل الله .

16-    الأخذ بالعزائم .

17-    الكسب الحلال .

18-    بر الوالدين .

19-    صلة الأرحام

20-    الإحسان إلى الأقارب.

21-    إكرام الجار .

22-    إكرام الضيف .

23-    الجود والسخاء .

24-    الرحمة بالصغير وتوقير الكبير .

25-    الإصلاح بين الناس.

26-    الطهارة والمحافظة على الوضوء .

27-    الكفارات الواجبة في الجنايات.

28-    حفظ اللسان وفضل الصمت .

29-    أداء الأمانة .

30-    الاقتصاد في النفقة.

31-    التقرب إلى الله بالذبائح المشروعة.

32-    الثبات للعدو وترك الفرار منن الزحف .

33-    أداء خمس المغنم إلى الإمام .

34-    الإيفاء بالعقود .

35-    مباعدة الكفار والمفسدين والظلمة .

36-    الستر على من ابتلي بمعصية .

37-    الإعراض عن الغلو .

38-    اجتناب المحرمات والمكروهات واتقاء الشبهات.

39-    اجتناب التشبه بالكافرين فيما يخالف الشرع.

40-    نبذ العصبيات الجاهلية .

41-    القيام بحقوق المسلمين ونصرتهم .

42-    تعظيم حرمات المسلمين واجتناب أذيتهم ورد المظالم.

43-    اجتناب الملاهي وأماكنها .

44-    طاعة أولي الأمر .

45-    التمسك بالجماعة .

46-    الحكم بين الناس بالحق وفقاً للشريعة .

47-    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

48-    اجتناب الإيذاء القتل والعدوان على النفوس .

49-    اجتناب السرقة والمماطلة في قضاء الدين .

ج ـ معوقات العمل وكيفية التغلب عليها .

1-     ضعف اليقين.

2-     الشبهات .

3-     الصحبة السيئة والبيئة الفاسدة .

4-     المشاغل عن العمل الصالح .

5-     وساوس الشيطان .

6-     الهوى .

7-     الجهل .

8-     الغفلة .

9-     الكبر.

10-    النفاق .

11-    العصبيات الجاهلية .

12-    التقليد المذموم .

13-    التسويف وطول الأمل .

14-    الأمن من عقاب الله .

15-    البدعة والغلو .

16-    حب الدنيا وإيثارها على الآخرة .

 

المحور السادس : نواقض الإيمان :

أ ـ نواقض الإيمان الاعتقادية .

ب ـ نواقض الإيمان القولية .

ج ـ نواقض الإيمان العملية .

د ـ ضوابط وموانع التكفير .

المحور السابع : الدعوة إلى الإيمان وإلى تقويته وزيادته :

أ ـ وجوب الدعوة إلى الإيمان وأهميتها.

ب ـ إعداد الداعية إلى الإيمان:

1)     إعداد الدعاة المؤهلين علماً وعملاً.

2)     مقترح إنشاء معهد لإعداد دعاة الإيمان .

3)     مقترحات أخرى لإعداد وتأهيل الدعاة .

ج ـ أساليب تبليغ الدعوة الإيمانية:

1)     الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة .

2)     المحاورة والمجادلة بالتي هي أحسن .

3)     الترغيب والترهيب .

4)     التحبب إلى الناس .

د ـ وسائل الدعوة إلى الإيمان :

1)     خطبة الجمعة.

2)     المحاضرات .

3)     الدروس.

4)     الندوات .

5)     دور العلم.

6)     وسائل الإعلام المعاصرة :

* الانترنت (الشبكة المعلوماتية).

* الصحف .

* القنوات الفضائية .

* وسائل العرض والإيضاح .

* الشريط الإسلامي.

7)     الرحلات .

8)     التأليف والكتابة .

هـ أماكن الدعوة إلى الإيمان :

1-     المساجد .

2-     الأندية .

3-     المدارس .

4-     الجامعات .

5-     المقايل .

6-     المجالس العامة .

7-     المستشفيات .

8-     الإصلاحيات والسجون .

9-     المعسكرات .

10-    أماكن المناسبات .

11-    وسائل النقل .

12-    البيوت للآباء مع أسرهم  .. وغيرها.

و ـ التعامل مع المدعوين :

(1) أول من ندعو :

-       إقناع العلماء والأئمة والخطباء بتبني دعوة تقوية الإيمان وزيادته .

-       دعوة أفراد الأسرة والعشيرة والأقرباء .

-       دعوة الأصدقاء والزملاء والجيران .

-       دعوة الزعماء والمؤثرين في المجتمع والجماعات والأحزاب لتبني تقوية الإيمان وزيادته.

-       دعوة عامة الناس .

-       الدعوة في أماكن تجمعات الناس .

-       الدعوة في صفوف النساء .

(2) التعامل مع المستجيبين:

أ ـ حسن الرعاية وخفض الجناح .

ب ـ التعليم للمستجيب:

-       تثبيت الإيمان .

-       تحقيق العبادة .

-       التنقية من الشبهات .

-       تزكية النفس .

-       تقويم السلوك .

ج ـ تحقيق معاني الإخوة والتكافل .

د ـ تحقيق الولاء والبراء في النفس .

هـ التدرج مع المستجيب والارتقاء به علماً وعملاً .

و ـ زيارة المستجيبين وتقديم الهدايا وتفقد أحوالهم .

(3) البرامج العملية للمستجيبين :

أ ـ كيفية التربية على أركان الإيمان وتحقيقها في المستجيبين.

ب ـ كيفية التربية على شعب الإيمان وتحقيقها في المستجيبين .

ز ـ موضوعات الدعوة الإيمانية:

قال تعالى : (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) .

أ ـ نشر تلاوة القرآن في المجتمع .

1 ـ توسيع دائرة تلاوة القرآن :

-       إقامة مدارس تحفيظ القرآن الكريم .

-       إقامة حلقات القرآن في المساجد .

-       إقامة ورد القرآن في كل أسرة .

-       إقامة مراكز لتأهيل معلمي القرآن الكريم .

-       الدعوة إلى الالتزام بورد يومي من القرآن لكل فرد .

2 ـ كيفية جمع الجهود الرسمية والشعبية لنشر تلاوة القرآن وتعليمه:

·      مسابقات الحفظ للقرآن الكريم.

·      التشجيع على تلاوة القرآن وحفظه .

·      إحياء القراءات المتواترة .

·      تعليم ونشر آداب التلاوة .

·      المطالبة بقناة وإذاعة لتلاوة القرآن ونشر علومه .

ب ـ تزكية النفوس :

·      منهج مقترح لتزكية الداعية .

·      منهج مقترح لتزكية المدعو .

·      الطرق العلمية لتحقيق التزكية .

·      المحافظة على تزكية الداعية والمدعو والارتقاء في مدارجها.

·      المنهج النبوي في التزكية .

·      الاستفادة من مدارس تزكية النفس عند المسلمين وتجنب أخطائها.

·      أهمية دور المربي القدوة في التزكية.

ج ـ تعليم الكتاب والسنة :

1 ـ مالا يسع المسلم جهله :

في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك.

2 ـ ما لا يسع المسلم جهله في الحقوق والواجبات :

·     ما لا يسع التاجر جهله .

·     ما لا يسع الزوجين جهله.

·     ما لا يسع الموظف جهله .

·     ما لا يسع الآباء والأبناء جهله .

3 ـ كيفية تعليم ما لا يسع المسلم جهله :

·     إقامة حلقات تعليمية في المساجد .

·     إعداد مناهج وبرامج تعليمية في المؤسسات التعليمية .

·     إعداد وتقديم برامج في المؤسسات الإعلامية .

·     إقامة حلقات أسرية في البيوت .

·     إقامة دورات لتأهيل معلمي الواجبات .

·     حث المتعلمين على تعليم ما لا يسمع المسلم جهله.

·     حث العامة على تعلم ما لا يسمع المسلم جهله.

4 ـ كيفية إعداد العلماء :

·     إقامة الحلقات العلمية المسجدية .

·     إقامة مراكز لإعداد العلماء .

·     إنشاء المعاهد التعليمية.

·     إنشاء الجامعات .

المحور الثامن : التمويل والمساهمة في نشر دعوة الإيمان :

1-     حث الناس على الكسب الحلال.

2-     التعاون على مشاريع الكسب الحلال .

3-     التمويل الذاتي لمشاريع الدعوة .

4-     الحث على الإنفاق وتبني المشاريع الدعوية .

5-     إقامة الأوقاف الخاصة للإنفاق على مشاريع الدعوة.

6-     تبني مشاريع الصدقات الجارية .

7-     إقامة الجمعيات الخيرية الخاصة لتبني مشاريع الدعوة .

8-     الحث على إقامة المعاهد المهنية .

9-     رصد استثمارات قائمة لصالح الدعوة .

10-    تشجيع الأعمال والصناعات المنزلية .

المحور التاسع : معوقات الدعوة إلى الإيمان والحلول المقترحة :

أ ) المعوقات الذاتية في الداعية وكيفية معالجتها:

1-     ضعف اليقين والتوكل .

2-     العجب والغرور والكبر .

3-     العادات السيئة .

4-     الوهن .

5-     نقص العلم الشرعي فيما يدعو إليه .

6-     أهواء النفس .

7-     قلة التجربة .

8-     ضعف الإعداد للداعية علمياً وعملياً .

9-     التنازع بين الدعاة .

10-    نقص الإمكانات المادية .

11-    اقتراف المعاصي .

ب ـ المعوقات الذاتية عند المدعو وكيفية معالجتها :

1-     الشبهات .

2-     البيئة الفاسدة .

3-     الصحبة السيئة .

4-     العصبية العمياء .

5-     الجهل .

6-     الغفلة .

7-     الكبر .

8-     أمراض القلوب .

9-     التأثر بأفكار ودعايات أعداء الإسلام .

10-    الشهوات المحرمة واقتراف المعاصي .

ج ـ المعوقات الداخلية :

1-     الجهل .

2-     التقليد الأعمى للغرب .

3-     الدعوات والأحزاب المنظمات العلمانية .

4-     العصبيات الجاهلية والأعراف القبلية التي تخالف الشريعة.

5-     الأفكار البدعية (البدع).

6-     الأنظمة المخالفة للشريعة .

7-     الاستجابة للضغوط الخارجية.

8-     المنافقون .

9-     الحروب القبلية .

10-    النزاعات الفكرية .

11-    النزاع والخصومات بين علماء الإسلام ودعاته .

د ) المعوقات الخارجية :

1 ـ كيد الكافرين لمحاربة الإسلام :

· في مجال التعليم .

· في مجال الإعلام .

· في مجال السياسة .

· في مجال الاقتصاد .

· في مجال المرأة .

· في مجال الشباب .

· في المجال العسكري .

2 ـ حملات التنصير .

3 ـ حركات الاستشراق .

4 ـ محاربة العلماء ودعاة الإسلام .

5 ـ إلصاق التهم الكاذبة بدعاة الإسلام .

المحور العاشر : تعمير المساجد وإحياء رسالتها:

1-     الدعوة إلى بناء المساجد .

2-     إقامة المحلقات اللازمة للمسجد .

3-     تأهيل الأئمة والخطباء.

4-     إنشاء مكتبة مسجدية .

5-     رصد الأوقاف للمساجد .

6-     نظافة المسجد .

7-     إقامة الصلاة .

8-     إحياء الاعتكافات .

9-     إعداد وتأهيل الأئمة والخطباء والعلماء .

10-    إقامة الدروس والمواعظ .

11-    إقامة الحلقات القرآنية والعلمية .

12-    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

13-    زيارة الناس ودعوتهم إلى المسجد .

14-    الإصلاح بين الناس.

15-    مساعدة الفقراء والمساكين.

المحور الحادي عشر : الموقف من النوازل والحوادث المتجددة :

أ ـ إقامة مركز الدراسات الإيمانية والفقهية والدعوية .

ب ـ مواصفات العلماء القائمين على هذا المركز .

ج ـ أقسامه المقترحة .

د ـ وسائله المقترحة .

المحور الثاني عشر : واجب الأمة في تقوية وزيادة الإيمان :

أ ـ أدلة الوجوب .

ب ـ واجب العلماء والدعاة .

ج ـ واجب المؤسسات الرسمية .

د ـ واجب الهيئات والمؤسسات الشعبية .

هـ- وسائل التعاون بين الهيئات الرسمية والشعبية لتقوية الإيمان وزيادته .

المحور الثالث عشر : الجهة المرشحة للقيام بهذا الأمر :

أ ـ "ندوة الإيمان" اسم للجهة المرشحة .

ب ـ أهداف ندوة الإيمان .

ج ـ كيفية تكوينها .

د ـ صفات مؤسسيها .

 

 

الأخ الشيخ / ................................................... حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

فتعلمون ما أحاط بالمسلمين من ضعف وانكسار بسبب ما أصابهم من الوهن مما جعل الوعود الإلهية للمؤمنين من النصر والعزة والتمكين تتأخر عن التحقيق، الأمر الذي يوجب على علماء الأمة أن يتدارسوا كيفية تقوية الإيمان وزيادته ليتحقق لهم ما وعد الله به عباده المؤمنين من فلاح في الدنيا والآخرة ، وقد قررت جامعة الإيمان الدعوة إلى عقد ندوة حول هذا الموضوع..

ونرسل لكم مع هذا محاور وموضوعات الندوة لمناقشة المحاور والموضوعات المقترحة للندوة قبل إرسالها إلى العلماء والمفكرين للكتابة في موضوعاتها ثم الاجتماع بعد ذلك لتدارس ما كتب وستكون الندوة التمهيدية بإذن الله في يوم الثلاثاء 25 / شعبان / 1424هـ .. في مركز البحوث التابع لجامعة الإيمان الساعة التاسعة صباحاً بإذن الله ..

شاكرين لكم المساهمة والحضور ..

والله يرعاكم ..

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

 

 

 

   رئيس الجامعة

عبد المجيد بن عزيز الزنداني

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
الأحد 27 يناير 2013

الإعجاز العلمي في القرآن والسنة(1)

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) ﴾ [سورة آل عمران] ، ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) ﴾ [سورة النساء] ، ﴿  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) ﴾ [سورة الأحزاب] .

أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .

 وعد يتحقق :

 وعد الله من أنكروا أن القرآن من عند الله أن يقيم عليهم الحجة ، ويبين لهم أن القرآن من عنده سبحانه ، وذلك بأن يريهم آيات كتابه التي كذبوا بها مشاهدة في الآفاق وفي أنفسهم، قال تعالى : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) ﴾ [سورة فصلت] .

وتحقق هذا الوعد الإلهي في عصر الاكتشافات العلمية في الأنفس وآفاق الكون ، وأظهر الله بهذه الاكتشافات أن القرآن من عنده لأنه نزل بعلمه الذي أحاط بأسرار الكون في أرضه وسمائه ، كما قال تعالى : ﴿ لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ... ﴾ [النساء:166] ، أي : وفيه علمه(2) ، وكما قال تعالى : ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ [الفرقان:6] .

وتحقق هذا الوعد بعد ألف وأربعمائة عام معجزةً ، لأنه إخبار بغيب وقع بعد زمن طويل ، فتحقق وعد الله .

ووعد الله عباده أن يريهم ما أخبرتهم به آيات القرآن ، فتتم معرفتهم بحقيقة ما أخبرهم به في آياته قال تعالى : ﴿ وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ... ﴾ [النمل:93] ، وقد أخبرنا الله في آياته عن أسرار الكون ، وبتقدم اكتشافات تلك الأسرار عرفنا تأويل تلك الآيات وما آلت إليه من المعاني الدقيقة التي تطابقت فيها الألفاظ مع الصور المشاهدة .

مسار البشرية يصحح :

وعندما بدأت النهضة العلمية التجريبية في أرض أوربا التي كان يسودها دين تعرض للتحريف والتبديل من قبل الكنيسة التي قدست أفكار أرسطو وخلعت عليها الصفة الإلهية ، وسرعان ما وقع الصدام بينهما وبين الاكتشافات العلمية؛ مما حمل الكنيسة على أن تشن حرباً على العلوم التجريبية ذهب ضحيتها الآلاف من قادة العلوم التجريبية الحديثة ؛ نتيجة للصدام العنيف بين الدين المحرف والعلوم الحديثة .

وبعد معركة مريرة انتصر فيها قادة العلوم التجريبية الحديثة على خصومهم من رجال الكنيسة، ساروا بالعلوم بعيداً عن الإيمان ؛ فراراً من رجال الدين ، وفرضوا الإلحاد والعلمانية، وحبسوا القسس داخل جدران الكنائس ، أو تخلصوا منهم انتقاماً لمن اضطهدتهم الكنيسة من قادة العلوم التجريبية الحديثة .

ونشروا في العالم أجمع : أن الدين والعلم ضدان لا يلتقيان، وأسسوا الحضارة المعاصرة على هذه المقولة ، وقلدهم في ذلك بعض المسلمين الجاهلين بدينهم ظانين أن دين الإسلام الذي حفظه الله من التحريف كغيره من الأديان المحرفة.

وشاء الله أن يبين للناس الدين الحق الذي ارتضاه لعباده، فأراهم صدق خبر القرآن من خلال اكتشافاتهم لأسرار الأنفس والآفاق الكونية فظهرت المعجزة التي وعدنا الله بها في قوله : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) ﴾ [سورة فصلت] ، وإذا بالعلوم التجريبية واكتشافاتها تثبت عدداً من القضايا وهي :

1- النصوص الدينية في التوراة والإنجيل قد تعرضت للتحريف فتصادمت مع حقائق العلم .

2- حفظ الله القرآن من أي تحريف فجاء العلم الحديث شاهداً لكل ما قرر في كتاب الله .

3- لا تناقض بين الدين الحق والعلم الصحيح .

4- بطلان دعوى الصراع بين الدين والعلم .

وانظر ما قرره قادة العلوم الحديثة عن إعجاز القرآن كما جاء على ألسنتهم في شريط : إنه الحق .

وبهذا تسقط الدعوى العلمانية التي أسست عليها الحضارة المادية الحديثة، وتعود البشرية إلى مسارها الإيماني الهادي تحت ظل حضارة إسلامية تجمع بين الدين والدنيا ، والمادة والروح ، والمصالح والأخلاق ، والوحي والعقل ، والفوز في الدنيا والآخرة ، ولقد قال البروفيسور البريطاني ـ صاحب تجربة التلقيح في الأنابيب (طفل الأنابيب) - بعد أن حضر مؤتمراً سمع وشاهد فيه آيات الإعجاز العلمي : " إذا كنتم تفكرون بهذا المنهج فإن علينا أن نتوقع ظهور حضارة عالمية جديدة "(3) .

وبهذا مكن الله علماء المسلمين من أن يبينوا للناس خطأ المسار الذي سلكته البشرية بعيداً عن الدين تحت الراية العلمانية ، كما أظهر الله للبشرية معجزة جديدة معاصرة يتمكن الإنسان من مشاهدتها وفحص حقائقها ليتبين له أن القرآن هو كتاب الله الحق ، وأن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم - هو الرسول الصادق وأن الدين عند الله الإسلام .

استقرار التأويل :

يأتي التأويل بمعنى التفسير للألفاظ والجمل وبيان معانيها كما في دعاء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل(4) " . 

ويأتي بمعنى الوقوع أو المشاهدة كما في قوله تعالى على لسان يوسف ـ عليه السلام ـ : ﴿...هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا...﴾ [يوسف:100] ، أي : تحققت الرؤيا .

وكما في قوله تعالى : ﴿ وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ... ﴾ [النمل:93] ، فإذا رؤيت الآية عرف الناس حقيقتها واستقر عندهم تأويلها .

ولهذا أثره في عمق الفهم ودقته لآيات القرآن التي كان تأويلها يتردد بين عدد من أقوال المفسرين، فيستقر التأويل بمشاهدة الحقائق المتعلقة بالآية الكريمة ، كما قال تعالى : ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنعام:67] ، أي : أن العلم الذي كان غائباً عنكم عن حقيقة الآية سوف يتجلى عندما يأذن الله بمشاهدة تلك الآية ، فتعلمون معناها وحقيقتها ، كما قال سبحانه: ﴿ وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا... ﴾ [النمل:93] .

الرد على المكذبين بحقائق بعض الآيات القرآنية :

قال تعالى : ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ...﴾ [يونس:39]  ، يخبرنا الله عن طائفة من الكافرين الذين يكذبون ببعض آيات القرآن التي نزلت بعلم الله الشامل الكامل ، وعجز علمهم البشري المحدود عن الإحاطة بعلم الله فكذبوا الآية ، فبين الله أن السبب عند هؤلاء المكذبين يرجع إلى أن تأويل هذه الآية لم يقع بعد . فإذا أظهر الله الآية للناس فوقعت أو تمكنوا من مشاهدتها سقط ذلك التكذيب .

ومن ذلك ما كان يروجه العلمانيون من اعتراض على جعل شهادة الرجل بشهادة امرأتين فأرى الله الناس في عام 1990م أن المرأة إذا تكلمت شغل الكلام جزءاً من ذاكرتها الذي ربما تكون المعلومة مخزونة فيه ، فتظل المعلومة عن صاحبتها بسبب انشغال جزء من الذاكرة بالكلام ، فتحتاج إلى امرأة ثانية تذكرها ، كما قال تعالى : ﴿ ... أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ... ﴾ [البقرة:282] .

بينما الرجل يتميز بمركز

خاص بالكلام ومركز آخر متخصص بالذاكرة فإذا تكلم فلا يؤثر كلامه في ذاكرته وبهذا يتبين لنا الحكمة في تقرير شهادة الرجل بشهادة امرأتين .

ومن هذا الباب ما كان يروجه الكفار ولا يزالون من إنكار إمكانية البعث بعد أن يكون الناس تراباً ، فكشف الله للعلماء أن عجب الذنب الذي يخلق منه الإنسان لا تأكله الأرض، ويبقى محتفظاً بخصائص أجسام البشر وقابلاً لإعادة الخلق مرة أخرى، كما ظهر أخيراً في بحث الإعجاز في عجب الذنب. فمشاهدة الآيات ترد على من كذب بها .

رفع بعض الإشكالات عند المفسرين وشراح الحديث :

وقد يقع المفسرون بعلمهم البشري المحدود أمام حيرة في فهم الحقائق والكيفيات المتعلقة ببعض آيات القرآن التي نزلت بالعلم الإلهي الكامل ، فتأتي المشاهدة لحقائق تلك الآيات مبينة لها رافعة لما قد وقع من أشكال في تفسيرها ، ومن أمثلة ذلك :

1 ـ عندما وقف المفسرون عند قوله تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ [الفرقان:53] .

أشكل عليهم : الحجر المحجور ، الذي يقع بين النهر والبحر ، فقالوا : بأن كلاً من البحرين إذا التقيا يقول كل منهما للآخر : حجراً محجوراً . فلم يتخيلوا أنه منطقة فاصلة بين البحرين : العذب والملح ، كما هو ظاهر الآية ، وأولوه إلى كلام ينطق به كل بحر لصاحبه ، فجاء الكشف العلمي ليبين للناس دقة الخبر القرآني وحقيقة ذلك الحجر المحجور ، بأنه يتكون بين الماء الملح الأجاج في البحر والعذب الفرات في النهر في منطقة المصب الممزوجة بالملوحة والعذوبة والتي تفصل دائماً بين الماء العذب الفرات في النهر والماء الملح الأجاج في البحر ، فكشف العلم الحديث أن لمياه البحر الملح كائنات حية خاصة بها من الأسماك والنباتات ، فإذا أدخلت إلى مياه المصب تموت بسبب اختلاف الضغط التناضحي (الأسموزي) بين الماءين ، كما اكتشف العلم الحديث أن لمياه البحر العذب (النهر) كائنات من النباتات والأسماك خاصة به إذا أدخلت إلى ماء المصب تموت، فمياه منطقة المصب محجورة على الكائنات الحية في كل من ماء البحر وماء النهر .

والكائنات الحية في منطقة المصب لا تستطيع الخروج من ماء المصب لا إلى البحر ولا إلى النهر فلو خرجت تموت لنفس السبب السابق ، وهو الاختلاف في درجة الضغط التناضحي  ، فمنطقة المصب إذاً حجر على ما فيها من الكائنات، محجورة على ما بخارجها من الكائنات فهي بذلك حجر محجور كما وصف القرآن، فتتجلى الحقيقة ويرتفع الإشكال وتظهر الكيفية .

2 ـ وأخبر القرآن أن الناصية عند الإنسان هي الكاذبة  وهي الخاطئة في قوله تعالى عن ناصية أبي جهل : ﴿ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ [العلق:16] ، فمن المفسرين من توقف في تفسيرها ، ومنهم من قال : المقصود من الآية ناصيةِ كاذبٍ خاطئٍ، فصاحبها هو الكاذب وهو الخاطئ ، وليست الناصيةُ، لأن الناصية لا تنطق فكيف تكذب؟! ولا تجترح السيئات فكيف تكون خاطئة ؟! وجاء التقدم العلمي ليكشف الحقيقة ، ويبين الأسرار المحجوبة عن علم البشر وعلم المفسرين عبر القرون، وذلك باكتشاف أن المخ الذي يقع في الناصية (الفص الجبهي) هو مكان اتخاذ القرار بالكذب أو الخطيئة، فتبين بذلك دقة الوصف القرآني للناصية بأنها الكاذبة والخاطئة ورفع بذلك الإشكال .

3 ـ ومثال ذلك في الحديث النبوي : ما وقع من إشكال عند شراح الحديث في حديث عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عند البخاري ومسلم ، ولفظه عند البخاري : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك .. » الحديث .

فأوحى ذلك للشراح أن زمن النطفة أربعون يوماً، وأن العلقة تأخذ فترة أربعين يوماً أخرى، وكذلك زمن المضغة يكون أربعين يوماً ، فيكون المجموع مائة وعشرين يوماً . وهذا يشكل مع حديث حذيفة بن أسيد الغفاري عند مسلم والذي فيه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : « إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها . ثم قال : يا رب أذكر أم أنثى ؛ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك »(5) .

ففي حديث حذيفة أن العظام تتكون بعد اليوم الثاني والأربعين وهي لا تكون إلا بعد مرحلة المضغة التي لا تكتمل إلا بعد مائة وعشرين يوماً كما في حديث عبدالله بن مسعود .

 فجاءت الاكتشافات العلمية لتبين دقة الأوصاف والأسماء القرآنية والنبوية للنطفة، والعلقة، والمضغة(6)، كما بينت أنها تجتمع كلها في الأربعين يوماً الأولى، وأن لكل من النطفة والعلقة والمضغة حصتها من الأربعين يوماً كما هو المفهوم من لفظ حديث عبدالله بن مسعود عند مسلم ، ونصه : « إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك .. » الحديث ، أي : أن الإنسان يجتمع خلقه في الأربعين يوماً الأولى ، ويكون في ذلك الجمع كعلقة مكتملة (مجتمعة الخلق) ويكون كذلك كمضغة مجتمعة الخلق في نفس زمن جمع الخلق ، أي : الأربعين يوماً الأولى ، وهكذا يرتفع الإشكال بين حديث عبدالله بن مسعود وحديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنهما.

فتح أبواب السبق العلمي عند المسلمين :

ومن فوائد أبحاث الإعجاز العلمي : أنها تدفع المسلمين إلى ولوج ميادين الأبحاث العلمية التجريبية بدوافع إيمانية، مما يمكنهم من السبق العلمي لوجود نصوص هادية لهم في أبحاثهم كما بدأ ذلك يتجلى في أبحاث الطب النبوي .

آثار الإعجاز العلمي عند غير المسلمين :

لقد كانت العلوم التجريبية سبباً في صرف الناس عن الأديان المحرفة وستكون ـ بإذن الله ـ سبباً لدخولهم في الإسلام ، وقد تجاوب عدد من كبار علماء العالم من غير المسلمين مع هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، فحضروا عدداً من المؤتمرات الدولية عن الإعجاز العلمي، وألقوا بشهاداتهم بأن العلم الذي تضمنته آيات القرآن ، وأحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مجال اختصاصاتهم لا يمكن أن يكون إلا من عند الله، وهذه بعض شهادتهم التي ألقوها في عدد من المؤتمرات : يقول البروفيسور كيث. إل .مور : وهو من أشهر علماء الأجنة في العالم ، وله كتاب في علم الأجنة مترجم إلى سبع لغات ، " ويتضح لي أن هذه الأدلة حتماً جاءت لمحمد من عند الله ، لأن كل هذه المعلومات لم تكتشف إلا حديثاً وبعد قرون عده وهذا يثبت لي أن محمداً رسول من عند الله " ، ثم قال : "فإن أوصاف الأجنة البشرية في القرآن لا يمكن بناؤها على المعرفة العلمية للقرن السابع ، فالاستنتاج الوحيد المعقول هو أن هذه الأوصاف أوحيت إلى محمد – صلى الله عليه وسلم- من الله .

وقال البروفيسور تاجاتات تاجاسن : عميد كلية الطب بجامعة تشانج ماي بتايلاند وهو من أشهر علماء تايلاند : " أؤمن أن كل شيء ذكر في القرآن منذ 1400سنة لابد أن يكون صحيحاً ، ويمكن إثباته بالوسائل العلمية، وحيث إن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكن يستطع القراءة أو الكتابة فلا بد أنه – صلى الله عليه وسلم – رسول جاء بهذه الحقيقة التي أوحيت إليه من خالق عليم بكل شيء ، هذا الخالق لابد أن يكون هو الله ، ولذلك فإنني أعتقد أنه حان الوقت لأن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله " .

وقال البروفيسور الفريد كرونر : وهو من أشهر علماء ألمانيا في الجيولوجيا : " وأن كثيراً من القضايا المعروفة فيه

(أي في القرآن) في ذلك الوقت لم يكن من الممكن إثباتها ، ولكن الوسائل العلمية الحديثة الآن في وضع تستطيع فيه أن تثبت ما قاله محمد -صلى الله عليه وسلم- منذ 1400سنة ، ثم قال : " لأن العلماء قد اكتشفوا ذلك فقط خلال السنوات القليلة الماضية بوسائل معقدة جداً ومتقدمة تكنولوجيا " .

وقال البروفيسور مارشال جونسون مدير معهد دانيال وهو من أشهر علماء الأجنة في أمريكا : " إنني لا أرى سبباً ولا دليلاً على حقيقة تفنيد مفهوم هذا الفرد محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي كان لابد وأنه يطور هذه المعلومات في مكان ما ، وكذلك فإنني لا أرى شيئاً يتضارب مع مفهوم أن التدخل الإلهي كان مشمولاً فيما كان باستطاعته أن يبلغه " .  

وقال البروفيسور يوشيدي كوزاين : مدير مرصد طوكيو باليابان : " قلت إنني متأثر جداً باكتشاف الحقيقة في القرآن " . ثم قال : " ولذلك بقراءة القرآن وبإجابة الأسئلة اعتقد أنني أستطيع أن أجد طريقاً مستقبلياً للبحث في الكون " .

وقال البروفيسور جولي سمسون : وهو من أشهر علماء الأجنة والوراثة في أمريكا : " وجاء القرآن بعد سنوات من ذلك مؤيداً كما تطرقنا إليه مما يدل على أن القرآن هو كلام الله " .

وقال البروفيسور هي : وهو من أشهر علماء البحار في أمريكا : " إنني أجد من المثير جداً أن هذا النوع من المعلومات موجود في آيات القرآن الكريم " ، ثم قال : " اعتقد أنه لابد وأن يكون من الله ".

وقال البروفيسور تي .إف .إن. برساد : وهو من أشهر علماء الأجنة وأمرض النساء في كندا : " إن محمداً - صلى الله عليه وسلم – كان رجلاً عادياً جداً ولم يكن يستطيع أن يقرأ ولا يستطيع أن يكتب بل كان في الواقع أمياً ، ونحن نتحدث أنه كان منذ 1300سنة رجلاً أمياً يدلي ببينات وتصريحات عميقة ودقيقة بصورة مدهشة وذات طبيعة علمية" . ثم قال : "لا أجد صعوبة في أن أوافق في عقلي أن هذا إلهام إلهي أو وحي قادم " .

وقال البروفيسور اليسون بالمر : الرئيس السابق للجمعية الجيولوجية الأمريكية : " فإن هذا يقوي الاعتقاد بأن الله قد أرسل من خلال محمد - صلى الله عليه وسلم – مقادير ضئيلة من علمه اكتشفناها فقط في الأزمنة الحديثة ، إننا نتطلع إلى حوار مستمر في موضوع العلم في القرآن في سياق الجيولوجيا " . 

وقال البروفيسور أرم. استرونج : وهو الرجل الثالث في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا : " وإنني متأثر جداً كيف أن بعض الكتابات القديمة تبدوا متطابقة مع علم الفلك بصورة ملفتة للأنظار " .

وقال البروفيسور درجا .رام : وهو أحد مشاهير علم البحار في الهند : " من الصعب أن نفترض أن هذا النوع من المعرفة كان موجوداً في ذلك الوقت منذ 1400سنة هجرية "، ثم قال : " ولذلك فمن المؤكد أن هذا ليس علماً بشرياً " .

وقال : " ولذلك فقد فكرت في قوة خارقة لطبيعة خارج الإنسان لقد جاءت المعلومات من مصدر خارق للطبيعة ".  

وقال البروفيسور شرويدر وهو أحد المشاهير في علم البحار في ألمانيا : " أود أن أعلق على المحاضرة التي ألقاها علينا الشيخ الزنداني بالأمس وأود أن أقول لكم : إنني أقدر هذه المحاضرة في إطارٍ اجتماعي علمي كهذا لا يحتاج المرء أن يكون مسلماً حتى بالنسبة لي كمسيحي من المهم ليس فقط أن أرى العلم كما هو عليه ، ولكن أيضاً أن أراه بصورة أوسع وأقارنه بالدين ، أي : أراه في إطار الدين ، في أديان كثيرة نجد أن القادة يظنون أن العلم يستطيع أن يأخذ شيئاً من الدين ، إذا كان العلم يتقدم فإن على الدين أن يتقهقر ، هنا لدينا تناول مختلف تماماً لقد أراني الشيخ الزنداني : أن العالم في الحقيقة يؤكد ما يقوله القرآن ، وما قيل بالفعل منذ عدد من السنوات في القرآن هو حقيقة يكشفها العلماء اليوم اعتقد أنه من المهم بالنسبة لندوة كهذه أن تبلغ هذا إلى العلماء من جميع الأمم ، وإنني واثق أننا جميعاً نرجع إلى أوطاننا ونحن نفكر أكثر في العلاقة بين الدين وعلوم البحار ليس هناك علم في جانب ودين في الجانب الآخر .

وقد سمح لي البروفيسور كيث. إل. مور أن أضيف إلى كتابه العالمي في علم الأجنة إضافات إسلامية كتب مقدمتها بنفسه ، وأعلن بعض هؤلاء العلماء إسلامهم ، ومنهم من لا يزال يتكتم بإيمانه. وشاركت مع خمسة من هؤلاء العلماء من غير المسلمين في كتاب : " مطابقة علم الأجنة لما في القرآن والسنة ". كما كان الإعجاز العلمي سبباً في دخول الكثير من الباحثين في الإسلام .

آثار الإعجاز العلمي عند المسلمين :

وبتطور أبحاث الإعجاز العلمي وتأصيلها نالت القبول المشترك من علماء الإسلام ورواد العلوم الحديثة معاً ، وحظيت بالتأييد العام ، والإقبال من الباحثين والجامعات والشباب ، وقد لاحظنا زيادة الإقبال والتأثر من العامة والخاصة عند الإعلان عن محاضرات عن الإعجاز العلمي أو سماعهم لها. فهم يشاهدون اليوم أمام أعينهم معجزة جديدة تؤكد لهم بلغة عصرهم صدق إيمانهم بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

مقترحات عملية :

نظراً لأهمية الإعجاز العلمي في تثبيت عقائد المسلمين ودعوة غيرهم إلى الإسلام أتقدم بالمقترحات الآتية :

1- إنشاء فرع لهيئة الإعجاز العلمي في اليمن .

2- استمرار التواصل مع قادة العلوم الحديثة من غير المسلمين ومن أكابر العلماء المشهود لهم من المسلمين

3- مواصلة أبحاث الإعجاز العلمي وتطويرها .

4- تدريس الإعجاز العلمي في المدارس والجامعات .

5- دعوة القنوات الفضائية لإخراج هذه الأبحاث بطرق فلمية موثقة ومشوقة .

والحمد لله رب العالمين ،،،

-------------------------

(1) نتقدم بالشكر للأخوة : د. شاكر نصيف ، وعبدالواحد الخميسي ، وعلي محمد البهجي ، لمساهمتهم في إنجاز البحث .

(2) انظر سبب النزول : ابن الجوزي ، الطبري ، ابن كثير ، تفسير الجلالين .

(3) قال هذا بعد حضوره القاعة الكبرى التي خصصت في المؤتمر الطبي السعودي الثامن الذي انعقد في الرياض والذي حضره قرابة ألفي طبيب من أنحاء العالم أثناء توديع الشيخ أحمد زكي له .

(4)  أخرجه البخاري حديث رقم 143 ، ومسلم في فضائل الصحابة ، باب فضائل ابن عباس حديث رقم 2477 دون قوله "وعلمه التأويل". قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء م1 ك/ العلم. الباب الثالث، حديث رقم 5 رواه البخاري من حديث ابن عباس دون قوله "وعلمه التأويل" وهو بهذه الزيادة عند أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ورواه الطبراني في الكبير.

(5) رواه مسلم ، كتاب القدر ، ج4 ، ص2037 ح3 / 2645 ، ورواه غيره.

(6) راجع كتاب "مطابقة علم الأجنة لما في القرآن والسنة" ، للمؤلف وآخرين من كبار علماء الأجنة .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أثر الإيمان بالله في القيادة التربوية
الأحد 27 يناير 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أثر الإيمان بالله في القيادة التربوية

 

1 ـ معنى الإيمان بالله:

 

الإيمان بالله هو: الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء، ومليكه، وخالقه، وأنه الذي يستحق وحده أن يفرد بالعبادة: من صلاة ، وصوم ، ودعاء، ورجاء ، وخوف، وذل، وخضوع، وأنه المتصف بصفات الكمال كلها، المنزه عن كل نقص(1).

 

ومعنى ذلك: أن تعتقد أن الله لا مثيل له، ولا شريك، ولا ند، ولا يستحق العبادة غيره ، وأنه متفرد بكل الصفات الحسنة من سمع وبصر وكلام وعدل وحكمة ورحمة وعزة ومجد وقوة ، وعلم ، محيط بكل شيء ، لا يدانيه علم البشر لو اجتمعوا ، وأنه هو الأول والآخر، وأنه خالق كل شيء ، وأنه له الكمال والجلال والعظمة التي يتصف بها جل وعلا (2)، حيث أن العقيدة الإسلامية تنطلق من أن الوجود بكل محتوياه محدث- أي مخلوق من عدم-  ويعني ذلك أن لكل شيء فيه بداية ، ولابد من أن تكون له نهاية، وما دام محدثاً فلابد له من محدث أحدث هذا الوجود، ومقتضيات المنطق تؤكد الوجود الأزلي والأبدي للمحدث ، فلا شيء قبله ولا شيء بعده ،(3)

 

ويؤمن المسلم بوجود الله تعالى، وأنه خالق الأرض، والسماوات، عالم الغيب والشهادة، يعلم السر وأخفى، رب كل شيء وخالقه، لا إله معه ولا رب سواه ، موصوف بكل كمال، منزه عن كل نقص(4)، ووجود الله حقيقة قائمة لا وهم فيها ،فانه ينقدح في العقول حقيقة وجود خالق، ويؤكدها ما جاء به الوحي ، وأخبر به رسول الله الصادق الأمين.

 

وتقوم عقيدة المسلم على أساس أن وراء هذا الكون والإنسان والحياة خالقاً خلقها جميعاً، وخلق كل شيء، وهو الله تعالى، وأن هذا الخالق أوجد الأشياء من عدم، وهو واجب الوجود، فهو غير مخلوق، وإلا لما كان خالقاً ، واتصافه بكونه خالقاً يقضي بكونه غير مخلوق، ويقضي بأنه واجب الوجود، لأن الأشياء جميعها تستند في وجودها إليه ولا يستند هو إلى شيء (5).

 

والعقيدة بوجود الله فطرة في النفس الإنسانية، وهي شيء ضروري يحصل للإنسان كثمرة من ثمرات مواهبه العقلية ، ومن الأشياء المتفق عليها أن كل شيء له علة توجده، أو صانع يصنعه، فإذا نظر الإنسان إلى الكون واستعرض ما فيه من الكائنات حصل له علم ضروري بأن هذه الكائنات لم توجد اتفاقاً، بل لا بد لها من موجد أوجدها .. وبالنظر إلى القرآن الكريم فإن فيه نصوصاً تقيم الدليل الحسي على وجود الله ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ* إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون ﴾ [البقرة:163-164]. والآيات: جمع آية، وهي العلامة الظاهرة،وهي في هذه الآية بمعنى الدليل على وجود الله ، فقد يكون في الشيء جملة آيات من نواح مختلفة ، فمن جهة أنه أثر يدل على مؤثر فيه، ومن ناحية تسويته وإتقانه يدل على علم صاحبه وحكمته(6).

 

ومن الدلائل على وجود الله في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [ أل عمران:190-191].

 

  وقال تعالى: ﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [العنكبوت:44].

 

ولهذا كان واجباً على كل مسلم أن يجعل إيمانه صادراً عن تفكير وبحث ونظر، وأن يحكم العقل تحكيماً مطلقاً في الإيمان بالله.

 

  والدعوة إلى النظر في الكون لاستنباط سننه وللاهتداء إلى الإيمان ببارئه، يكررها القرآن مئات المرات في سوره المختلفة، وكلها موجهة إلى قوى الإنسان العاقلة تدعوه إلى التدبر والتأمل ليكون إيمانه عن عقل وبينة، وتحذره الأخذ بما وجد عليه آباءه من غير نظر فيه وتمحيص له وثقة ذاتية بمبلغه من الحق، هذا هو الإيمان الذي دعا الإسلام إليه، وهو ليس الإيمان الذي يسمونه إيمان العجائز، إنما هو إيمان المستنير المستيقن الذي نظر ونظر، ثم فكر وفكر، ثم وصل عن طريق النظر والتفكير إلى اليقين بالله جلت قدرته(7).

 

والمراد بإيمان العجائز هنا هو الذي يعتريه الغموض والإبهام لأنه نابع من أناس لا نصيب لهم من التعليم والفهم الدقيق الذي يقوم على البحث والتحليل، فهو رغم كونه يتسم بالرسوخ والقوة ـ بحيث يصعب زحزحتهم عن إيمانهم ـ إلا أن هذا الإيمان قد يتعرض لهزات عنيفة ربما تجتثه من الجذور فتعصف به عصفاً ، كأنه هشيم تذروه الرياح لأن طبيعة إيمانهم لا يقوم على البحث والتحليل.. أما إيمان العلماء فهو مكين لأنه وليد البحث والتعمق الذي يفضي بهم إلى اقتناع راسخ، بالله، فيؤمن العالم حين يؤمن عن بحث واقتناع جازم راسخ، رسوخ الطود الأشم، أو أقوى وأعظم ، لا يؤثر فيه الإغراء أو التغرير ، بل يستطيع هو أن يؤثر في المغررين.(8)

 

2 ـ أثر الإيمان بالله في القيادة التربوية:

 

يعتبر الإيمان بالله عماد الحياة ومصدر كل سعادة في الدنيا والآخرة، ومنبع كل خير، وعليه فإن القائد المؤمن يكون راضياً بالقضاء، صابراً على البلاء، شاكراً لله في الرخاء، معترفاً بوحدانية الله عز وجل، ومقراً بقدسيته وعظمته، وقلبه ممتلئ بالخوف من الله ومحبته قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون ﴾ [ الأنفال:2].

 

ويتضح مما سبق أن الإيمان بالله يطلق النفس من قيودها المادية ويسمو بها إلى الملأ الأعلى، وإذا ما كان القائد التربوي مؤمناً بالله على الوجه الصحيح، سما بإيمانه ، وترفع عن الشهوات، فيقدم لأمته كل خير وتضحية وإيثار، فلا يخش في الله لومة لائم، بل يكون قادراً على مواجهة الأخطار وتحمل الصعاب، وعدم التردد في اتخاذ القرارات الحاسمة ، لأنه يستمد قوته من عقيدة راسخة وإيمان ثابت، متمثلاً قول الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [ آل عمران: 173 - 174].

 

وهذه حقيقة ثابتة أثبتها القرآن الكريم وأكدتها التجربة الإنسانية، فمثلاً ظهر في كل عصر، وفي بعض المجتمعات أناس تفجرت مشاعرهم بالإيمان بالله، فوقفوا حياتهم لصالح الإنسانية، وعملوا جاهدين لخدمتها، باذلين كل ما في وسعهم لهداية البشرية ، والاستبسال دفاعاً عن الحق، وإرساء دعائم الفضيلة ، لأنه الإيمان متى كمل في الإنسان دفع صاحبه إلى خوض غمار الحياة بقوة واستبسال ، وحال بينة وبين التفاني في المطالب الجسدية والتهالك عليها، والتوغل في لذائذ الحياة ومتعها ، وبذلك يصفو عيشه وتتم راحته وأمته.(9)   

 

ويرى الباحث أن القائد التربوي في عصرنا هو أشد ما يكون حاجة إلى الإيمان بالله، لأن الإيمان بالله يحول بين صاحبه واقتراف المعاصي والآثام ، فإيمانه بالله يخضعه لسلطان عقيدته ويسير على مقتضى ما توجيه إليه فيما يفعل ، فإذا كان كامل الإيمان أبى عليه إيمانه أن يفعل ما ينفيه أو يترك ما يقتضيه.

 

والإيمان بالله، ينير للقائد التربوي ظلمات الحياة، فيتحمل أعباء المسئولية بأمانة، ويتغلب على صعوباتها بصبر ، ويعالج مشكلاتها برؤية ، فلا يتذمر لا يتأفف ، فإذا فشل لم ييأس وإن نجح لم يغتر ، لأنه يعلم أن الدنيا ليست كل شيء لديه، ولا هي مقصوده ومبتغاه، ويعلم أن الله على كل شيء قدير، فإن شاء أعطاه أضعاف ما ضاع منه، وإن لم يعلم له سبباً ولم يعرف له طريقاً، فليست الأسباب منحصرة فيما علم، ولا الطريق مقصورة على ما عرف، ولأنه كثيراً ما وجد الخير فيما كان يظنه شراً، وكثيراً ما وجد الشر فيما كان يظنه خيراً ، فكم مرة استتبعت الأفراح الأحزان ، والشرور السرور ، فليس هناك ما يدعوه لليأس مادام مؤمناً بالله، وليس هناك ما يخيفه أو يفزعه إذا كثرت عليه الأهوال، لأن إيمانه بالله يجعل النفس مطمئنة ، تصغر أمامها الشدائد، وتهون عليها المصائب.

 

 ما أحوجنا إلى القائد التربوي المؤمن الذي إن اعتراه مكروه صبر عليه، ورضي بقضاء الله، لأنه يعتقد أن ما أصابه لم يكن ليضره، وما ضره لم يكن ليصيبه، وأن ما يصيب الإنسان من أذى إلا كفر الله بها خطاياه ورفع بها درجة.

 

ومعروف أن الناس في هذا العصر يعيشون وسط تيارات جارفة، من الآلام والمصاعب، الناجمة عن ضعف الإيمان، ومتاعب الحياة فليصعب معها التعامل مع البشر فكيف الحال بمن يتولى قيادتهم ، أو يدير شؤون أمورهم، فإنه ما لم يكن مؤمناً بالله إيماناً كاملاً ، تتخذ من إيمانه ملجأ وملاذاً يلوذ به في الشدائد والمصاعب، كان أشقى الناس وأتعسهم ، أما إذا كان مؤمناً بالله فإنه يحيا بإيمانه حياة كلها صفاء وبهجة ولذة .

 

ولذا فإن الإصلاح الإداري مرهون بصلاح القيادات الإدارية، والتطور التربوي لن يحصل إلا بوجود قيادات تربوية مؤمنة حق الإيمان، لأنه إذا أفقرت نفوس القادة التربويين من الإيمان، ساءت المؤسسات التربوية التي يقودونها، وتدني مستوى أدائها ، وعمها الفساد والفوضى، وأظلم حاضر العاملين فيها، وضاع مستقبل الأجيال ، والله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه: ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [سورة الرعد: 11].

 

من أجل ذلك كانت رسالات السماء تهدف أول ما تهدف إلى إصلاح النفوس وتزكيتها ففي ذلك صلاح الأحوال واستقامة الأمور ، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ [ الأنفال:53].        

 

 فحياة الناس صورة ظاهرة لما في قلوبهم، وإن سلوكهم يتلون باللون الذي ينبعث من القلب، من كفر أو إيمان، من غي أو رشد، من خير أو شر، من هدى أو ضلال، فتغيير الصورة الظاهرية أمر سهل ميسور، ولكن تغيير صورة الباطن ليس سهلاً كما قد يتصور البعض، إذ لا يمكن تغييرها إلا بالإيمان .

 

وليس بالإمكان أن نبني مؤسسات تربوية ناجحة في ظل قيادات تربوية لا تستنير نفوسها بنور الإيمان، ولا تشرق قلوبها بضياء الحب والنيات الطيبة، ولا تخضع لنوازع الضمير، لأن البناء الحقيقي يتطلب أولاً تغيير ما في النفوس.

 

وهذا هو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مكة عند بدء دعوته، فهو قد مكث في مكة ثلاث عشرة سنة، لم يأمر  الناس خلال هذه الحقبة من الزمن بصيام أو زكاة أو حج، ولم يبني لهم مسجداً، ولم يأمرهم الوحي خلال هذه الفترة بشيء من العبادات أو المعاملات، لأنه كان بصدد ما هو أهم وأجدر بالعناية من ذلك كله، وهو إرساء قواعد الإيمان، وتشييد الضمير الإنساني، وبناء النفوس التي ستحمل أمانة الدعوة، ويصنع الرجال الذي سينقلون البشرية إلى آفاق رحبة واسعة عبر تاريخها الطويل.

 

فالإيمان غير نفوس العرب من حالة الكفر إلى الإسلام، وحول نفوسهم تحويلاً جذرياً، فالشخص حينما يدخل الإيمان إلى قلبه تتبدل آراؤه، وترتقي أفكاره، وتتحسن نظرته إلى الأشياء، وتتغير تبعاً لذلك سلوكه.

 

 فالعربي كان راعياً للأغنام، وكان ذا طباع غليظة، وقلب قاس، ولكنه بالإيمان تحول من هذه الصفات الرذيلة، إلى إنسان راق ذي أخلاق فاضلة وقلب رحيم، وأصبح رعاة الإبل أساتذة العالم، وقادة الأمم، فاخذ العالم عنهم أرفع أساليب التربية، وأعظم نظم التشريع، ومن الذي غير حياة عمر بن الخطاب وحولها من حياة كان يتصف فيها بأنه جبار قاسي القلب لا يعرف الرأفة والرحمة، إلى حالة اتصف فيها بأنه رجل عطوف يشفق على رعيته، رقيق القلب؟ إنه الإيمان.

 

ويفهم مما سبق أن للإيمان بالله آثار عظيمة على الإنسان المؤمن، ولذا فالقيادة التربوية إذا كانت مؤمنة فإنها ستقرن أي عمل تقوم به بالإيمان، وسيكون لذلك تأثير على حياتها العملية والمهنية، وسيكون حالها ـ من دون شك ـ أفضل من القيادة غير المؤمنة بالله، وذلك لأنها بالإيمان:

 

- تحيا حياة طيبة .

- تنجو من المكاره والشرور .

- تنال رضا الله .

- تنال ثواب الآخرة ، والتنعم بالجنة .

- تنجو من عقاب الآخرة ، ودخول النار .

- يدفع الله عنها شرور الدنيا وكيد الشياطين .

- تكون مطمئنة وغير قلقة .

- تندفع لطلب المفيد من العلوم والمعارف .

- تسعى للقيام بالأعمال الصالحة والنافعة .

- تصبر على تحمل المشقات وصعوبات الحياة .

- تستعين على ترك الفواحش واجتناب الفساد .

- تكسب احترام الناس ورضاهم .

وهذا ما يوضحه الأنموذج الآتي:

------------------------

(1) ـ ياسين ، 1985، ص15 محمد نعيم ، 1985 الإيمان ، أركانه ، حقيقته نواقضه ، عمان، مكتبة الرسالة، 1405هـ ، 1985م .

(2) ـ إبراهيم ، 1997م ، ص60 مفيدة محمد، 1997 ، القيادة التربوية في الإسلام ، عمان، دار مجدلاوي، 1417هـ ، 1967م .

(3) ـ الأسمر ، 2001 ، ص34 أحمد رجب، 2001 النبي المربي ، إربد ، دار الفرقان للنشر والتوزيع ، 1422هـ ، 2001م .

(4) ـ الزحيلي، 1993م ، ص57 وهبة 1993 ، نظام الإسلام ، بيروت ، دمشق ، دار قتيبة للطباعة والنشر ، 1413هـ ، 1993م .

(5) ـ النبهاني ، 1953، ص4 تقي الدين ، 1953 ، نظام الإسلام ، 1372هـ ، 1953م

(6) ـ روح الدين الإسلامي ص58, عفيف عبد الفتاح طبارة ، ط3 ، (ب ت) ، بيروت ، مطابع دار العباد ..

(7) ـ النبهاني ، 1953م، ص6، 7

(8) ـ الأنصاري، 1964، ص93 أحمد مكي ، (1964) إيمان العلماء ، منبر الإسلام ، العدد 11 ، السنة21 ، ذو القعدة  1383هـ إبريل 1964م .

(9) ـ حسين ، 1969، ص96 مبارك حسن (1969) الإيمان قاعدة الإصلاح ، منبر الإسلام ، العدد (8) ، السنة 27 شعبان 1389هـ أكتوبر 1969م .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الجنة
الأحد 27 يناير 2013

الجنـــة

 

مقدمـة:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [سورة آل عمران:102] ، ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [سورة النساء:1]،  ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  [سورة الأحزاب:70, 71] .

أما بعد:

 

 فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .

 

لقد جعل الله سبحانه وتعالى الجنة جزاءً لعبادة المؤمنين الصادقين فقال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ [سورة الكهف:107, 108] ، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [سورة يونس:9, 10] ، فهيا لنرى بعض ما أعده الله لعباده في الجنة دار النعيم .

 

1- خلق الجنة :

 

الجنة مخلوقة ، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [سورة النجم:13-15] ، وقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجنة ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك في قصة الإسراء وفي آخره قال : « ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى نَأْتِيَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى(1) فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لا أَدْرِي مَا هِيَ قَالَ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ(2) اللُّؤْلُؤَ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ » (3) ، فالجنة مخلوقة موجودة في السماء عند سدرة المنتهى .

 

وزار النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجنة ، ورآها ، ودخلها ، ووصف جنابذها وتربتها ، وقد بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في موقف آخر أنه رأى كل شيء وعد الناس به في الدار الآخرة ، ورأى قطفاً من الجنة ، فقصرت يده عن تناوله، فدل ذلك على حقيقة وجود الجنة ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : «…لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنْ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ (4) »(5) ،،، فتأمل يا عبدالله سعة الجنة وعظمها ، فقد بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ، فقال تعالى : ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [سورة آل عمران:133] ، قال الشوكاني : ذهب الجمهور إلى أنها تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض فذلك عرض الجنة(6) .

 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم في آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة : «…إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مِرَارٍ»(7) ، فإذا كان أقلهم منزلة في الجنة من له مثل الدنيا وعشرة أمثالها ، فكيف يكون ملك أعلاهم منزلة ؟! فتصور سعة الجنة وعظمها !!

 

2- الجنة دار النعيم :

 

الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله لعباده المؤمنين ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  [سورة الكهف:107, 108] ، وقال تعالى: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَانُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا  [سورة مريم:61] ، وقال تعالى في الحديث القدسي : « أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾[سورة السجدة](8)، فدخول الجنة والنجاة من النار هو الفلاح العظيم والفوز الكبير، والنجاة العظمى قال تعالى: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ.. ﴾ [آل عمران:185] ، وقال تعالى أيضاً : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  0[سورة التوبة:72] ، وقال عز من قائل : ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  [سورة النساء:13] . فنعيم الجنة يفوق الوصف ، ويقصر دونه الخيال ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا قال تعالى : ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [سورة السجدة:17]،وقال صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى:« أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر»(9).

 

3- إنها جنان :

 

قال الله تعالى : ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ [سورة الرحمن:46] ، وقال تعالى : ﴿ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ [سورة الرحمن:62]، وعَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله : «أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْب ٌ(10) فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ(11) عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ قَالَ يَا أُمَّ حارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى» (12)، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :« جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ »(13).

4- التهيئة لدخول الجنة :

 

بعد أن يجتاز المؤمنون الصراط يُوقفون على قنطرة بين الجنة والنار ، ثم يهذبون وينقون ، وذلك بأن يقتص بعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا ، حتى إذا دخلوا الجنة كانوا أطهارا أبرارا ، ليس لأحد عند الآخر مظلمة ، ولا يطلب بعضهم بعضا بشيء ، روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا »(14) ، وقال تعالى : ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ  [سورة الحجر:47] .

 

5- دخول الجنة :

 

أ- سَوق وفد الرحمن إلى الجنة :

 

قال تعالى : ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ﴾ [الزمر: 73] ، وقال تعالى :   ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَانِ وَفْدًا ﴾ [سورة مريم:85] ، قال ابن عباس وفدا : ركبان(15) .

ونقل الطبري في تفسيره عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال : " أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم – ولكنهم يأتون بنوق لم ير الخلائق مثلها ، عليها رحال(16) الذهب وأزمتها الَزبَرْجد ويركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة "(17) .

ب- ريح الجنة :

 

ويسير وفد الرحمن إلى الجنة زمرا ، فيجدون رائحة الجنة العبقة الزكية التي تفوح من مسيرة سبعين عاماً ، فعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : «…وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا»(18) .

ج- أبواب الجنة :

 

ويصل وفد الرحمن إلى أبواب الجنة ، فينتهي ما سلف في الأيام الخالية من تعب ومكابدة وصبر ومصابرة وحساب وعرض ، فيروا أبواب الجنة الثمانية ، قال تعالى : ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمْ الْأَبْوَابُ  [سورة ص:50]، وقال تعالى : ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ  [سورة الرعد:23, 24] ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: « فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لا يَدْخُلُهُ إِلا الصَّائِمُونَ »(19) ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ(20) الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ »(21).

وأبواب الجنة الثمانية لها مصاريع عظيمة ، وقد وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما بين مصراعيها بقوله : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ(22) أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى(23)»(24), وقال صلى الله عليه وآله وسلم : «… وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَإِنَّهُ لَكَظِيظٌ(25)»(26).

والباب الأيمن من أبواب الجنة خاص بالذين يدخلون الجنة بغير حساب من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم : «… فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الأَبْوَابِ…»(27) .

4 - أول من يدخل الجنة :

 

ويصل وفد الرحمن إلى أبواب الجنة ، ويحين دخولهم إليها ، فيستفتح سيد الخلائق صلى الله عليه وآله وسلم ، ويقرع باب الجنة ، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم :« آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ مَنْ أَنْتَ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ بِكَ أُمِرْتُ لا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ »(28) ، فتفتح أبواب الجنة لوفد الرحمن ، قال تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ  [سورة الزمر:73] ، فيكون سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أول الداخلين إلى الجنة وأمته أول الأمم دخولاً ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : « نَحْنُ الآخِرُونَ(29) الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ…»(30) ، ويتقدم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم السبعون الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : « عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ أُمَّتِي قَالَ لا وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قَالَ هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ وَهَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ قُلْتُ وَلِمَ قَالَ كَانُوا لا يَكْتَوُونَ وَلا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ »(31) ، وبعد ذِكْرِ السبعين الألف ذكرت رواية أخرى أن معهم ثلاث حثيات من حثيات ربي قال صلى الله عليه وآله وسلم : «…وَثَلاثَ حَثَيَاتٍ(32) مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ »(33) ، أي : يدخلون الجنة بغير حساب ، وقد وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صورة أول زمرة تدخل الجنة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « أَوَّلُ زُمْرَةٍ(34) تَلِجُ(35) الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلا يَمْتَخِطُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ أَمْشَاطُهُمْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ(37) وَرَشْحُهُمْ(38) الْمِسْكُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ لا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ وَلا تَبَاغُضَ قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا »(39) .

5- استقبال الملائكة :

 

تستقبل الملائكة وفد الرحمن بعد أن فتحت الأبواب بالتسليم والتبشير لهم بالحياة الطيبة ، والخلود في الجنة ، قال تعالى: « حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ  » [سورة الزمر:73]، وتتلقاهم الملائكة وتبشرهم وتهنئهم بأنهم قد وجدوا ما كان يعدهم ربهم به في الدنيا من الثواب والنعيم ، قال تعالى: ﴿ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ  [سورة الأنبياء:103] .

6- ما يضيفون به عند دخولهم :

 

ويكرم الله سبحانه وتعالى وفده بهدية هي زيادة كبد النون ، ثم ينحر لهم ثور الجنة ، ويشربون من عين سلسبيل ، قال صلى الله عليه وآله وسلم عندما سأله حِبر من أحبار اليهود عن تحفة(40) أهل الجنة إذا دخلوها فقال : « زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ(41) قَالَ فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا(42) ؟ قَالَ يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا قَالَ فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ ؟ قَالَ مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً »(43) .

7- اهتداؤهم إلى منازلهم :

 

ويهتدي وفد الرحمن إلى بيوتهم ومساكنهم بعد إتحاف الله لهم بزيادة كبد الحوت فلا يخطئون في الوصول إليها ، بل هم أهدى إليها من مساكنهم التي كانت في الدنيا ، قال تعالى : ﴿ وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾  [سورة محمد:6] ، قال مجاهد : "يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، لا يخطئون، كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدا"(44) ، وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : «…فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا(45) »(46) .

أوصاف الجنة:

 

ويشاهد أهل الجنة ما أعد الخالق سبحانه لهم مما لم تر أعينهم قبل ذلك ، ولم تسمع آذانهم ، ولم يخطر على قلوبهم ، فنعيم الجنة يفوق الوصف ، ويقصر دونه الخيال ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا ، قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  [سورة السجدة:17] ،  وقال صلى الله عليه وآله وسلم : قال الله تعالى : « أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [سورة السجدة:17 ](47).

فهيا بنا لنتأمل مع أهل الجنة في :-

1- درجات الجنة :

 

فالجنة درجات ، بعضها فوق بعض ، وأهلها متفاوتون فيها بحسب منازلهم فيها ، قال تعالى :﴿ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا ﴾ [سورة طه:75] ، وينظرون إلى المائة درجة التي وصفها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : «… فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلاهَا دَرَجَةً وَمِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الأَرْبَعَةُ وَمِنْ فَوْقِهَا يَكُونُ الْعَرْشُ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ »(48).

وقال : « إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ»(49)، ويمكن لكل أحد أن يرتقي في هذه الدرجات بعمله الصالح وبدعاء واستغفار ولده الصالح له بعد موته ، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ فَيَقُولُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ » وفي رواية : « بدعاء ولدك لك »(50).

2- أعلى منزلة في الجنة :

 

هي الوسيلة التي كان يسألها المؤمنون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : « إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ»(51) ، وقد سأل الصحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قائلين : وما الوسيلة ؟ «قَالَ أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ…»(52).

3- لبنات الجنة :

 

وينظرون إلى بناء الجنة الذي قال عنه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أنه : « لبنة من فضة ولبنة من ذهب …»(53) ، ويشاهدون مِلاَطُها(54) الذي قال عنه صلى الله عليه وآله وسلم : « وَمِلاطُهَا الْمِسْكُ الأَذْفَرُ …»(55).

4- تربة الجنة وطينتها وحصباؤها :

 

وإذا نظر أهل الجنة إلى أرض الجنة التي يمشون عليها فإذا هي كما وصفها الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : «أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ »(56) ، وبين الرسول أن تربتها كالدقيق الخالص البياض ، فقال : « دَرْمَكَةٌ(57) بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ »(58) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : «… ومِلاَطُها المِسْك الأَذْفَر(59) وحصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ واليَاقُوت …»(60) .

5- مساكن الجنة :

 

ويطلع أهل الجنة على ما بني لهم في الجنة من مساكن طيبة حسنة كما قال تعالى : ﴿ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ [التوبة:72] ، تحيط بها الحدائق الغدقة والبساتين النضرة التي فيها من كل الثمرات ، وأشجارها دائمة الثمر والظل يحيط بالمساكن التي تجري من تحتها الأنهار ، والتي لا يسمع فيها لغو ولا تأثيم ، وليس فيها نصب ، ولا صخب ، فيشاهد أهل الجنة ما وصف الله ورسوله لهم من :-

أ- غرف الجنة :

 

قال تعالى : ﴿ لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [سورة الزمر:20] ، وقال تعالى : ﴿ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ [سورة سبأ:37]، وعن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا فَقَامَ إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هِيَ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ »(61)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ …»(62) .

ب- بيوت الجنة :

 

وتتحقق رؤيتهم لما بني لهم من البيوت بما قدموا في الدنيا من الأعمال الصالحة كبناء المساجد ، وصلاة النوافل بعد أداء الفرائض ، فقد قال تعالى : ﴿ .. رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ .. ﴾ [التحريم: 11] .

وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : « مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ »(63) ، وقال أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم : « مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ »(64) .

ج- قصور الجنة :

 

وتظهر قصور الجنة الذهبية التي يذهب رونقها وجمالها كل جمال ورونق لقصور الدنيا التي كان يتباهى بها أهلها ، تلك القصور التي جعلها سبحانه وتعالى لمن أطاعه ، قال تعالى : ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴾ [سورة الفرقان:10] ، القصور التي يراها المؤمنون رأي العين بعد أن كانوا يؤمنون بها بالغيب ، قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ يَقُولُ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَدَعَا بِلالا فَقَالَ : « يَا بِلالُ بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ إِلا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي إِنِّي دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ فَأَتَيْتُ عَلَى قَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُرْتَفِعٍ مُشْرِفٍ...»(65) .

د- خيام الجنة :

 

النفس البشرية تشتهي التنويع والتغيير ، فتشتهي ألا تبقى على مسكن واحد ، بل تريد أن تدخل البيوت والقصور والخيام ، والله سبحانه أشبع رغبات المؤمن في الجنة ، فجعل له أصناف المآكل والمشارب ، وكذلك أصناف البيوت والمساكن، ومن ذلك : الخيام التي وصفها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : « إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُهَا سِتُّونَ مِيلاً لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُ فَلا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا »(66) ، ووصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عرضها ، فقال : «…عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلاً …»(67) . ولزيادة متعة المؤمن في الجنة جعل الله خيام اللؤلؤ على حافتي النهر ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : « دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ خِيَامُ اللُّؤْلُؤِ فَضَرَبْتُ بِيَدِي إِلَى مَا يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ فَإِذَا مِسْكٌ أَذْفَرُ قُلْتُ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ »(68) .

هـ- أنهار الجنة :

 

ولنتجول مع أهل الجنة بين أنهارها ، ونمتع النفس بذلك النعيم الدائم المقيم الذي بشر الله به عباده المتقين، فقال سبحانه :  ﴿ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  [سورة البقرة:25]، وقال تعالى : ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [سورة الكهف:31] ، وهذا نهر الكوثر الذي أعطاه الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال سبحانه : ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ  [سورة الكوثر:1] ، وقد رآه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وحدثنا عنه ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ قُلْتُ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ فَإِذَا طِينُهُ مِسْكٌ أَذْفَرُ »(69)، وهذه أنهار الجنة الأربعة من الماء واللبن والخمر والعسل المصفى ، قال تعالى : ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ  [سورة محمد:15] ، وهذه الأنهار تنشق من بحر العسل والخمر والماء واللبن ، ففي سنن الترمذي بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَحْرَ الْمَاءِ وَبَحْرَ الْعَسَلِ وَبَحْرَ اللَّبَنِ وَبَحْرَ الْخَمْرِ ثُمَّ تُشَقَّقُ الأَنْهَارُ بَعْدُ »(70) .

و- عيون الجنة :

 

وانظر أخي المؤمن إلى عيون الجنة الكثيرة النضاخة المختلفة الطعوم والمشارب كعين الكافور والتسنيم والسلسبيل التي يشرب منها المقربون ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ [سورة الذاريات:15] ، قال تعالى:﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴾[سورة الإنسان:5, 6]، وقال تعالى : ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [سورة الإنسان:17, 18] ، وقال تعالى :  ﴿ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾ [سورة المطففين:27, 28] .

ز- أشجار الجنة وثمارها :

 

وقد زين الله الجنة بأنواع الأشجار والثمار اليانعة والروضات المتفتحة التي تدخل السرور والحبور، قال تعالى: ﴿ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ  [سورة الروم:15] ، وقد أخبرنا الحق أن في الجنة أشجار العنب والنخل والرمان ، كما فيها أشجار السدر(71) والطلح(72) ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴾ [سورة النبأ:31, 32] ، وقال تعالى : ﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ  [سورة الواقعة:27-29] ، وقد بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن الله يجعل مكان كل شوكة في شجرة الطلح ثمرة ، فيها سبعون لونا من ألوان الطعام(73) .

وفي الجنة من أنواع الثمارٍ والنعيم كل ما تشتهيه النفوس وتلذ العيون ، قال تعالى: ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ﴾ [سورة ص:51] ، وقال تعالى : ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ [سورة الواقعة:20] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ﴾ [سورة المرسلات:41] ، وأشجار الجنة دائمة العطاء ، قال تعالى : ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ﴾ [سورة الرعد:35] ، وقال تعالى : ﴿ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ﴾ [سورة الواقعة:32, 33] ، قال صلى الله عليه وآله وسلم :« مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلا وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ »(74) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لا يَقْطَعُهَا »(75) ، وفي مسند احمد عن أبي سعيد الخدري عندما سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ما طوبى ، قال :« شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا »(76) .

 والمؤمن يكثر من غرس أشجار جنته بكثرة التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :« لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ وَأَنَّهَا قِيعَانٌ وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ »(77) ، وعن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ الرجل إذا نَزَعَ ثَمَرَةً مِنَ الجنَّة عَادَت مَكَانَهَا أُخْرَى »(78) ، ومن لطائف ما يجده أهل الجنة عندما تأتيهم ثمارها أنهم يجدونها تتشابه في المظهر، ولكنها تختلف في المخبر، قال تعالى : ﴿ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  [سورة البقرة:25] ، وثمار أشجار الجنة قريبة دانية مُذَلَّلَـهُ ينالها أهل الجنة بيسر وسهوله، قال تعالى : ﴿ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ  [سورة الرحمن:54] ، وقال تعالى : ﴿ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا  [سورة الإنسان: 14] ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ أَوْ قَالَ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ »(79) .

ومن أشجار الجنة :

 

أشجار الريحان الفائحة التي قال عنهـا الله تبارك وتعـالى : ﴿ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ﴾ [سورة الواقعة88, 89] ، وأخبرنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن سيد ريحان الجنة الحناء ، ففي معجم الطبراني الكبير بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبدالله ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: « سَيِّدُ رَيْحَانِ الجَنَّةِ الحِنَّاءُ »(80) .

ح- سوق الجنة :

 

يخلق الله سبحانه وتعالى سوقاً يغشاه أهل الجنة إتماماً للإنعام في دار النعيم ، فهذا الإمام مسلم يخرج لنا حديث السوق عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالاً فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدْ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالاً فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ وَاللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً فَيَقُولُونَ وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً »(81) .

سير المؤمن إلى ملكه :

 

بعد أن طفنا مع أهل الجنة في أوصاف الجنة ، آن الأوان أن نسير مع ملك من ملوكها لنرى ما أعده الله له من النعيم الذي قال الله تعالى عنه : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا  [سورة الإنسان:20] ، ويرتقي أهل الجنة في الجنة إلى منازلهم بحسب أعمالهم ، ويقال لصاحب القرآن كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا »(82) .

 

استقبال الخدم له : ويصل أهل الجنة كل واحدٍ إلى مملكته الخاصة به والتي لا يشاركه فيها أحد فتستقبله الولدان .

سعة مملكة المؤمن ونعيمها :

 

أ- سعتها :

 

فيدخل المؤمن مملكته الواسعة وقد وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سعة مملكة أخر أهل الجنة دخولاً ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم :« إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ حَبْوًا فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَقُولُ أَتَسْخَرُ بِي أَوْ أَتَضْحَكُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ فَكَانَ يُقَالُ ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً »(83) ، وذكر مسلم في رواية لأعلى أهل الجنة منزلة عندما سأل موسى عليه السلام ربه عن أعلى أهل الجنة منزلة ، فقال سبحانه وتعالى : « أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» قَالَ وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [سورة السجدة:17](84) .

ب- نعيمها :

 

1- صفات أهل الجنة وحليهم ولباسهم :

 

تتغير هيئة أهل الجنة ، ويصبح طول أحدهم ستين ذراعاً ، قال صلى الله عليه وسلم: « خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ... فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ »(85)، وتكون صورة أول زمرة تدخل الجنة كالقمر ليلة البدر ، قال صلى الله عليه وآله وسلم :« أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ »(86).

وسنهم ثلاثاً وثلاثين سنة ، لا تزيد أبدا ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : « يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا(87) مُرْدًا(88) بِيضًا جِعَادًا(89) مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ عَلَى خَلْقِ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا »(90) ، ويتزين المؤمنون في الجنة بأنواع الحلي من الذهب والفضة واللؤلؤ ، قال تعالى : ﴿ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴾ [سورة الإنسان:12] ، وقال تعالى : ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ  [سورة الحج:23] ، ومن حليهم أساور الذهب والفضة واللؤلؤ ، قال تعالى :  ﴿ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ [سورة الإنسان:21] .

ومن ألوان الثياب التي يلبسها المؤمنون في الجنة :

 

الخضر من السندس والإستبرق ، قال تعالى : ﴿ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [سورة الكهف:31] ، وقال تعالى : ﴿ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ [سورة الإنسان:21] ، وثياب أهل الجنة لا تبلى ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : « مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ لا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ »(91) .

ولباس أهل الجنة أرقى من أي ثياب صنعها الإنسان ، فقد أتى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بثوب من حرير فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «…لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا »(92) .

ومن حلي أهل الجنة التيجان ، فقد ذكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الخصال التي يعطاها الشهيد ، فقال : « وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا… »(93) ، ووصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إضاءة أدنى لؤلؤة في التاج ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ عَلَيْهِمْ التِّيجَانَ إِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ مِنْهَا لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ »(94) ، وأخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : أن لأهل الجنة أمشاطاً من الذهب وأنهم يتبخرون بعود الطيب ، فقال : « وَأَمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمْ(95) الأَلُوَّةُ(96)…»(97) .

2- نساء أهل الجنة :

 

الزوجات في الجنة من النعيم الذي تتم به نعمة أهل الجنة ، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة المؤمنة في الجنة تتم نعمتها وسعادتها بالزوج ، وإذا أدخل المؤمن الجنة ودخلت معه زوجته الصالحة ، فإنها تكون زوجته فيها أيضاً ، قال تعالى :  ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴾ [سورة الرعد:23] .

ويعيش المؤمن مع أزواجه في الجنة حياة سرور ونعيم ، قال تعالى: ﴿ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾ [سورة يس:56] ، وقال تعالى : ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴾ [سورة الزخرف:70] ، ويزوج الله المؤمن في الجنة بزوجات من الحور العين(98) ، قال تعالى : ﴿ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ [سورة الدخان:54].

وقد وصف القرآن الكريم زوجات المؤمنين في الجنة ، فوصف جمالهن ، فقال تعالى : ﴿ وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ﴾ [سورة الواقعة:22, 23] ، المكنون : الذي لم يغير صفاء لونه ضوء الشمس ، ولا عبث الأيدي ، وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان ، فقال تعالى : ﴿ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴾ [سورة الرحمن:56-58] ، ووصف أعمارهن المتساوية فقال تعالى : ﴿ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴾ [سورة النبأ:33] ، والكواعب : جمع كاعبة ، وهي المرأة الجميلة التي برز ثديها. والأتراب المتقاربات في السن ، ووصفهن بأنهن قاصرات الطرف على أزواجهن قال تعالى : ﴿ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ﴾ [سورة الرحمن:72] ، وقال تعالى : ﴿ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ ﴾ [سورة الصافات:48] ، ونساء الجنة لسن كنساء الدنيا ، فائهن مطهرات ، قال تعالى : ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ سورة البقرة:25] ، ووصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمال نساء أهل الجنة بقوله :  « ولكل واحد منهما زوجتان ، يرى مخ سُوقِهِمَا من وراء اللحم من الحسن »(99)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الدنيا ، لأضاءت ما بينهما ، ولملأته ريحا ، ولنصيف(100) على رأسها خير من الدنيا وما فيها »(101) . وتغني الحور العين لزوجها في الجنة بصوت جميل عذب : قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط…»(102).

ووصف الله سبحانه الزوجات في الجنة بأنهن أبكار ، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾[سورة الواقعة:35, 36]، وقال تعالى : ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ  [سورة الرحمن:74] ، وعن ابن عباس قال : قيل يا رسول الله أنفضي إلى نسائنا في الجنة كما نفضي إليهن في الدنيا قال : « والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء »(103) .

3- خدم أهل الجنة :

 

أكرم الله أهل الجنة بولدان ينشئهم(104) ليخدموهم وهم في غاية الجمال ، قال تعالى : ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا  [سورة الإنسان:19]، وقال تعالى : ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ  [سورة الواقعة:17, 18] ، قال أبو عبيده والفراء :- مخلدون لا يهرمون ولا يتغيرون(105).

4- طعام أهل الجنة وشرابهم :

 

في الجنة ما تشتهيه الأنفس من المآكل والمشارب ، قال تعالى : ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ  [سورة الواقعة:20, 21] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ [سورة المرسلات:41, 42] ، وقد ذكرنا سابقاً ثمار الجنة وما فيها من الأنهار والعيون .

وأول طعام أهل الجنة هو زيادة كبد الحوت ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن أول شيء يأكله أهل الجنة ، فقال : « زيادة كبد الحوت »(106).

5- آنية أهل الجنة :

 

آنية طعام أهل الجنة التي يأكلون ويشربون فيها من الذهب والفضة ، قال تعالى : ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ﴾ [الزخرف:71] ، أي وأكوابٍ من ذهب ، وقال تعالى أيضاً : ﴿ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ﴾ [سورة الإنسان:15, 16] ، أي اجتمع فيها صفاء القوارير وبياض الفضة ، وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما : عن أبي موسى الأشعري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ...»(107).

ومن الآنية التي يشربون بها :

 

الأكواب(108) ، والأباريق(109) ، والكؤوس(110) ، قال تعالى : ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ  [سورة الواقعة:17, 18] .

6- قوة أهل الجنة في الأكل والشرب والشهوة :

 

عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونِ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَقَالَ لأَصْحَابِهِ إِنْ أَقَرَّ لِي بِهَذِهِ خَصَمْتُهُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ قَالَ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ فَإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ تَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ الْمِسْكِ فَإِذَا الْبَطْنُ قَدْ ضَمُرَ »(111) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « إن أهل الجنة يأكلون فيها ، ويشربون ، ولا يتفلون فيها ، ولا يبولون ، ولا يتغوطون ، ولا يمتخطون , قالوا : فما بال الطعام ؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك ، يلهمون التسبيح والتحميد ، كما تلهمون النَّفسَ »(112).

7- فرُش الجنة :

 

أعدت قصور الجنة وأماكن الجلوس في حدائقها وبساتينها بألوان فاخرة رائعة من الفرش للجلوس والاتكاء ونحو ذلك ، فالسرر كثيرة راقية ، والفرش عظيمة القدر بطائنها من الاستبرق ، فما بالك بظاهرها .

وهناك ترى النمارق مصفوفة على نحو يسر الخاطر، ويبهج النفس ، والزرابي مبثوثة على شكل منسق تكامل ، قال تعالى : ﴿ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ  [سورة الغاشية:13-16] ، وقال تعالى : ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ [سورة الرحمن:54] ، وقال تعالى : ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ  [سورة الطور:20] ، وقال تعالى أيضاً : ﴿ ثُلَّةٌ مِنْ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنْ الْآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ﴾ [سورة الواقعة:13-16] ، وقال تعالى : ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ  [سورة الحجر:47] .

 

أهل المؤمن في الجنة وذريته :

 

 من فضل الله وكرمه على المؤمنين وذريتهم المؤمنة أن يرفع الذرية إلى درجة الآباء دون أن ينقص من درجة الآباء شيئاً ؛ لتتم النعمة ، وتقر العين ، قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ [سورة الطور:21] .

التزاور في الجنة :

 

أهل الجنة يزور بعضهم بعضاً ، ويجتمعون في مجالس طيبة ، يتحدثون عما كان منهم في الدنيا وما أنعم الله عليهم من دخول الجنة ، قال تعالى : ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ  [سورة الطور:26-28] ، وقال تعالى : ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾ [سورة الحجر:47] .

أماني أهل الجنة :

 

 لبعض أهل الجنة أمانٍ لما كانوا يحبونه في الدنيا ، مع أنهم فيما تشتهيه أنفسهم في الجنة ، وقد حدثنا رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض هذه الأماني وكيفية تحققها ، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحدث وعنده رجل من أهل البادية : « أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْت(113) قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ(114) نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ لا تَجِدُ هَذَا إِلا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ »(115) ، ويخبرنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن مؤمن أخر يشتهي الولد في الجنة فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي »(116) .

ورضوان من الله أكبر:     

 

أفضل ما يعطاه أهل الجنة رضوان الله والنظر إلى وجهه الكريم ، قال تعالى : ﴿ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [سورة البينة:8] ، وقال تعالى : ﴿ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [سورة التوبة:72] ، وعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ قَالَ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ ...»(117) ، قال تعالى : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [سورة القيامة:22, 23] .

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا »(118) .

 

آمان ونعيم لا ينقطع :

 

 أهل الجنة في أمان تام من كل منغصات النعم ، فهم في مقام أمين آمنون من كل خوف، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ  [سورة الدخان:51, 52] ، وقال سبحانه : ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ﴾ [سورة الدخان:55] ، فقد أمنوا في الجنة من الموت ومن العذاب ، قال تعالى : ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ [سورة الدخان:56] ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ لا مَوْتَ كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ»(119) . وهم أمنون من الخروج من الجنة ، أو انقطاع نعيمها ، قال تعالى : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [سورة هود:108] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ ﴾ [سورة ص:54] ، وأمنهم سبحانه من كل خوف وحزن(120) ، قال سبحانه وتعالى : ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ [سورة الأعراف:49] . كما أنهم في صحة وشباب آمنون من كل مرض وهرم ، قال صلى الله عليه وآله وسلم :  « يُنَادِي مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلا تَبْأَسُوا أَبَدًا »(121) . وأعظم ما يخافه المؤمن سخط الله سبحانه ، وقد أمن الله أهل الجنة منه بقوله تعالى في الحديث القدسي : « أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً»(122).

آخر دعوى أهل الجنة :

 

قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ* دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [سورة يونس:9, 10] .

ثمن الجنة :

 

الإيمان والعمل الصالح ثمن للجنة ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴾ [سورة الكهف:107] ، كما وعد الله الجنة لمن يبذل نفسه وماله في سبيل الله بوعد مؤكد أخبر به في التوراة والأنجيل والقرآن ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [سورة التوبة:111] .

 

وهناك أعمال كثيرة مُبَيَّنَةً في الكتاب والسنة مردُّها للإيمان والعمل الصالح ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة »(123) .

وطاعة الله ورسوله في كل أمر من الأمور ثمن الجنة، قال تعالى : ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [سورة النساء:69] ، فالوصول إلى هذا النعيم هو غاية تنافس المؤمنين ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ* عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ* تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ* يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ* خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [سورة المطففين:22-26].

 

إعداد: علي البهجي

تحقيق ومراجعة: علي عمر بلعجم.

 

---------------------

(1) - سدرة المنتهى: قيل هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر وورقها كأذان الفيلة. انظر تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي - ك صفة الجنة - باب ما جاء في صفة ثمار أهل الجنة .

(2) - الجنابذ: جمع جُنبُذ بضم الجيم والباء ، وهو البناء المرتفع المستدير من كل شيء كالجُلنار بضم الجيم وفتح اللام المشددة وهو : زهر الرمان وغيره انظر القاموس المحيط 1/523

(3) - أخرجه البخاري – كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء 3/1217, برقم: 3164، ومسلم- ك الإيمان - ب الإسراء بالرسول إلى السماوات وفرض الصلوات،1/148, برقم: 163 واللفظ له .

(4) - السائبة: ما أطلق من الدواب للآلهة والأصنام فلا يحمل عليها .

(5) - أخرجه البخاري 1/406, برقم: 1154, ومسلم 2/618, برقم: 901.  .

(6) - فتح القدير - 1/495 ط. مؤسسة الريان .

(7) - أخرجه البخاري - كتاب التوحيد - باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم 6/2728, برقم: 7073 .

(8) - رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - في كتاب بدء الخلق ، باب ما جاء في صفة الجنة 3/1185, برقم: 3072, ومسلم في صحيحه 4/2174, برقم: 2824,  من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(9) - سبق تخريجه.

(10) - أصابه بالخطأ والغرب هو : السهم الذي لا يُدْرَى راميه .

(11) - قال ابن حجر في الفتح عند شرح هذا الحديث كان ذلك قبل تحريم النوح، فلا دلالة فيه (أي على جواز النوح) فإن تحريمه كان عقب غزوة أحد وهذه القصة كانت عقب غزوة بدر

(12) - أخرجه البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب من أتاه سهم غرب فقتله 3/1034, برقم: 2654 .

(13) - أخرجه البخاري - كتاب التفسير- باب قوله : (ومن دونهما جنتان) 4/1848, برقم: 4597، ومسلم - كتاب الإيمان - باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ، 1/163, برقم:180, واللفظ له .

(14) - صحيح البخاري - كتاب الرقاق – باب القصاص يوم القيامة 2/861, برقم: 2308 .

(15) - تفسير ابن كثير .

(16) - الرحال جمع رحل ، وهو مسكن الرجل وما يستصحبه من أثاث ، وهو أيضاً رحل البعير وهو أصغر من القتب . انظر مختار الصحاح 237 .

(17) - تفسير الطبري عند الآية الكريمة .

(18) - أخرجه الترمذي - كتاب الديات - باب ما جاء فيمن يقتل نفساً معاهده 4/20, برقم: 1403، وابن ماجه - كتاب الديات - باب من قتل معاهداً 2/896, برقم: 2687، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة 2/106, برقم: 2176، وفي السلسة الصحيحة 5/388, برقم: 2307, وقد وردت أحاديث أخرى أن رائحة الجنة تشم من مسافات مختلفة.

(19) - البخاري - كتاب بدء الخلق - باب صفة أبواب الجنة 3/1188, برقم: 3084.

(20) - فيسبغ الوضوء : أي يتم ويكمل ويحسن الوضوء .

(21) - مسلم - كتاب الطهارة - باب الذكر المستحب عقب الوضوء 1/209, برقم: 234.

(22) - هجر : مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين ، شرح النووي عند هذا الحديث .

(23) - بصرى : هي مدينة حوران بينها وبين مكة شهر.

(24) - أخرجه البخاري - كتاب تفسير القرآن – باب (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكورا ) 4/1745, برقم: 4435، ومسلم - كتاب الإيمان – باب أدنى أهل الجنة منزلة 1/184, برقم: 194, واللفظ له .

(25) - لكظيظ : أي ممتلئ .

(26) - أخرجه أحمد في أول مسند البصريين من حديث بهز بن حكيم 5/3, برقم 20037 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم:5590.

(27) - أخرجه البخاري - كتاب تفسير القرآن - باب (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكورا) 4/1745, برقم: 44, ومسلم 1/184, برقم: 194 .

(28) - مسلم - كتاب الإيمان – باب في قول النبي أنا أول الناس يشفع في الجنة 1/188, برقم: 197 .

(29) - نحن الآخرون أي في ترتيب الأمم في الدنيا .

(30) - أخرجه مسلم - كتاب الجمعة - باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة 2/585, برقم: 855 .

(31) - البخاري - كتاب الرقاق - باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب 5/2170, برقم: 5420, ومسلم في صحيحه 1/199, برقم: 220.

(32) - الحثو : الأخذ بملء الكفين .

(33) - أخرجه أحمد 5/268 ، برقم: 22357، وابن ماجة في السنن 2/1433, برقم: 4286 وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه 2/426, برقم 3459 .

(34) - الزمرة : الجماعة .

(35) - تلج : الولوج الدخول .

(36) - مجامرهم : مباخرهم .

(37) - الألوة : عود يتبخربه .

(38) - الرشح : العرق .

(39) - رواه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الخلق - باب ما جاء في صفة الجنة 3/1186, برقم:3074, ومسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر 4/2178, برقم: 2834 واللفظ للبخاري .

(40) - ما يهدى إلى الرجل ويخص به ويلاطف .

(41) - النون : الحوت .

(42) - إثرها : خلفها .

(43) - أخرجه مسلم كتاب الحيض باب صفة مني الرجل والمرأة 1/252, برقم: 315.

(44) - تفسير ابن كثير .

(45) - أخرجه البخاري - كتاب المظالم - باب قصاص المظالم 2/861, برقم: 2308.

(46) - لقد تمكن الإنسان اليوم أن يضع برنامجاً للطائرات لتطير بركابها آلياً من قارة إلى قارة لتنزل في مدرج المطار المحدد لها ، كما أن طائرات التجسس بدون طيار تطير من قواعدها وتعمل في الأهداف المحددة وتعود إلى أماكنها المرسومة لها فكيف يعجب الناس من قدرة الخالق العظيم الذي يلهم كل شخص للاهتداء إلى منزله في الجنة.

(47) - سبق تخريجه.

(48) - البخاري - كتاب الجهاد- باب درجات المجاهدين في سبيل الله 6/2700, برقم:6987, والترمذي - كتاب صفة الجنة - باب ما جاء في صفة درجات الجنة 4/675, برقم: 2530, واللفظ له .

(49) - البخاري- كتاب بدء الخلق -باب صفة الجنة والنار3/1188, برقم:3083  ، ومسلم -كتاب الجنة -باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف 4/2177, برقم: 2831 .

(50) - أخرجه أحمد في المسند في باقي مسند المكثرين من حديث أبي هريرة 2/509, برقم10618, وابن ماجة في السنن 2/1207, برقم: 3660 وذكره الهيثمي 10/153 ، ورواه البزار ورجاله رجال عاصم بن بهدله وهو حسن الحديث ، وابن ماجه -ك الأدب -ب بر الوالدين ، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/294 ، برقم: 2953 .

(51) - أخرجه مسلم في الصلاة - باب استحباب القول مثل قول المؤذن 1/288, برقم: 384، وأبو داود 1/199, برقم 2523

(52) - أخرجه الترمذي -كتاب المناقب -باب في فضل النبي r 5/586, برقم: 3612, وأحمد في باقي مسند المكثرين 2/265, برقم: 7588, من حديث أبي هريرة ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 3/189, برقم 2857 .

(53) - أخرجه الترمذي -كتاب صفة الجنة -باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها 4/672, برقم: 2526، وأحمد في باقي مسند المكثرين 2/445, برقم: 9742, من حديث أبي هريرة ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة6/164, برقم 2662 .

(54) - ملاطها : ما يوضع بين الأحجار في البناء .

(55) - سبق تخريجه في الحاشية 53.

(56) - أخرجه البخاري - كتاب أحاديث الأنبياء - باب ذكر إدريس وهو جد أبي نوح ويقال جد نوح 1/135, برقم: 342.

(57) - الدرمكة : هي الدقيق الخالص البياض .

(58) - مسلم - كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب ذكر بن صياد 4/2243, برقم 2928 .

(59) - الأذفر : الطيب الريح .

(60) - سبق تخريجه في الحاشية 53.

(61) - أخرجه الترمذي - عن علي بن أبي طالب -كتاب البر والصلة عن رسول الله - باب ما جاء في قول المعروف 4/354, برقم: 1984, وهو الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/230, برقم: 946.

(62) - سبق تخريجه في الحاشية 49.

(63) - أخرجه مسلم -كتاب المساجد -باب فضل بناء المساجد والحث عليها 1/378, برقم: 533 .

(64) - أخرجه مسلم - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن 1/502, برقم: 728.

(65) - أخرجه البخاري -كتاب التعبير - باب القصر في المنام1/386, برقم: 1098 ، وأحمد في باقي مسند الأنصار من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه 5/354, برقم: 23046، واللفظ لأحمد .

(66) - أخرجه مسلم -كتاب الجنة - باب في صفة خيام الجنة 4/2182, برقم: 2838 .

(67) - أخرجه البخاري -كتاب تفسير القرآن -باب (حور مقصورات في الخيام)4/1849, برقم: 4598 .

(68) - أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين من حديث أنس 3/103, برقم: 12027, وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم : 3365.

(69) - أخرجه البخاري -كتاب الرقائق باب في الحوض 4/1900, برقم: 4680 .

(70) - أخرجه الترمذي -كتاب صفة الجنة -باب ما جاء في صفة أنهار الجنة4/699, برقم: 2571 ، وأحمد في أول مسند البصريين5/5, برقم: 20064, من حديث معاوية بن حيدة وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/319 برقم 2078, وفي صحيح الجامع برقم: 2122 .

(71) - السدر : هو شجر النبق الشائك لكنه في الجنة منزوع شوكه .

(72) - الطلح : شجر من أشجار الحجاز من نوع العضاه فيه شوك لكنه في الجنة منضود معد للتناول بلا كدٍ ولا مشقه ، انظر الجنة والنار للأشقر ص176 .

(73) - أخرجه الحاكم في المستدرك - 2/518 - ط دار الكتب العلمية ، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ولفظه تفتق عن اثنين وسبعين لونا ما منها لون يشبه الآخر) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد - رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح 10/414.

(74) - أخرجه الترمذي 4/671, برقم: 2525, وابن حبان في صحيحه 16/425, برقم: 7410,من حديث أبي هريرة ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم: 5647.

(75) - أخرجه البخاري -كتاب بدء الخلق - باب ما جاء في صفة الجنة4/1851, 4599, واللفظ له ، ومسلم -كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام 4/2175, برقم: 2826.

(76) - أحمد في باقي مسند المكثرين3/71, برقم: 11691, من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وفي صحيح ابن حبان16/429, برقم: 7413, وصححه الألباني  في سلسلة الأحاديث الصحيحة 4/639 برقم 1985.

(77) - أخرجه الترمذي بإسنادٍ حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه في كتاب الدعوات عن رسول الله - باب ما جاء في فضل التسبيح والتكبير والتهليل 5/510, برقم: 3462, وحسنه الألباني في الجامع الصغير1/578, برقم: 5773.

(78) - أخرجه الطبراني في الكبير 2/102, برقم:1449, وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة 7/147, برقم: 3146.

(79) - قطعة من حديث أخرجه مسلم -كتاب الكسوف -باب ما عرض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار2/622, برقم: 904 .

(80) - الطبراني في المعجم الكبير - قال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ما خلا عبدالله بن احمد بن حنبل وهو ثقة مأمون 5/157 وهو في مصنف ابن أبي شيبة -7/32 -ط مكتبة الرشد ( الرياض ) ، وهو في سلسلة الأحاديث الصحيحة 3/407 برقم 1420 .

(81) - أخرجه مسلم -كتاب الجنة - باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال 4/2178, برقم: 2833.

(82) - رواه أبو داود -كتاب الصلاة -باب استحباب الترتيب في القراءة 1/463, برقم: 1464، والترمذي -ك كتاب فضائل القرآن - باب ما جاء فيمن قرأ حرفاً من القرآن ما له من الأجر 5/177, برقم: 2914، وصححه الألباني في الصحيحة 5/281, برقم: 2240 .

(83) - أخرجه البخاري -كتاب الرقاق -باب صفة الجنة والنار5/2402, برقم: 6202، ومسلم -كتاب الإيمان -باب أخر أهل النار خروجاً 1/173, برقم: 186 واللفظ له .

(84) - أخرجه مسلم -كتاب الإيمان -باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها 1/176, برقم: 189 .

(85) - أخرجه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء باب خلق آدم 5/2299, برقم: 5873 .

(86) - أخرجه البخاري كتاب بدء الخلق باب ما جاء في صفة الجنة 3/1185, برقم: 3073.

(87) - الأجرد : الذي ليس على بدنه شعر .

(88) - لأمرد: الذي لا شعر في ذقنه، ويراد به الحسن .

(89) - أي أن شعر رأسهم قصير مجتمع .

(90) - أخرجه الترمذي 4/682, برقم: 2545, وأحمد ، في مسند المكثرين 2/295, برقم: 7920من حديث أبي هريرة , وقال محققو المسند حديث حسن بشواهده أنظر صحيح الترغيب والترهيب للألباني 3/256, برقم: 3700. 

(91) - أخرجه مسلم -كتاب صفة الجنة - باب دوام نعيم أهل الجنة 4/2181, برقم: 2836.

(92) - البخاري -كتاب اللباس - باب مس الحرير من غير لبس 2/922, برقم: 2473.

(93) - أخرجه الترمذي -كتاب فضائل الجهاد - باب ثواب الشهيد4/187, برقم: 1663 ، وأحمد في مسند الشاميين من حديث المقداد بن معدي كرب 4/131, برقم: 17221، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة7/30, برقم: 2829.

(94) - أخرجه الترمذي -كتاب صفة الجنة -باب ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة 4/695, برقم: 2562، وابن حبان 16/410 وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي1/299, برقم: 468, وفي ضعيف الجامع برقم : 1882

(95) - مجامرهم: مباخرهم .

(96) - الألوة: عود يتبخر به.

(97) - سبق تخريجه.

(98) - الحوراء : هي التي يكون بياض عينها شديد البياض وسواده شديد السواد والعيناء هي واسعة العين .

(99) - البخاري - كتاب الخلق -باب ما جاء في صفة الجنة 3/1185, برقم: 3073، ومسلم -كتاب الجنة -باب أول زمرة تدخل الجنة4/2178, برقم: 2834 .

(100) - النصيف: الخمار .

(101) - البخاري -كتاب الجهاد -باب الحور العين وصفاتهن 3/1029, برقم: 2643 .

(102) - أخرجه الطبراني في الأوسط 5/150 ، وهو في صحيح الجامع الصغير 1/325 رقم 1561 ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله رجال الصحيح 10/419 .

(103) - أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة 374 ، والبيهقي في البعث 404 ، وأبو يعلى في مسنده 2436 ، وذكره الهيثمي في المجمع 10/416,  .

(104) - قال ابن القيم في حاد الأرواح : ( إذا تأملت لفظه الولدان ولفظة يطوف عليهم واعتبرتها في قوله تعالى : (ويطوف عليهم غلمان لهم) وضممت ذلك إلى ما في حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "من مات من أهل الجنة من صغير وكبير يردون بني ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبداً ، وكذلك أهل النار" أخرجه الترمذي في صفة الجنة ، علمت أن الولدان غلمان أنشأهم الرب تعالى في الجنة خدماً لأهلها . وهذا من تمام كرامة الله لأهل الجنة أن يجعل أبناءهم مخدومين معهم .

(105) - حادي الأرواح - لابن القيم - ص280 .

(106) - البخاري -كتاب الرقاق -باب صفة الجنة والنار 3/1211, برقم: 3151, واللفظ له ، ومسلم -كتاب الحيض -باب بيان صفة مني الرجل والمرأة1/252, برقم: 315 .

(107) - سبق تخريجه.

(108) - الكوب : مالا أذن معه ولا عروة ولا خرطوم .

(109) - الأباريق : ذوات الآذان والعرى .

(110) - الكأس : القدح الذي فيه الشراب .

(111) - أخرجه أحمد في المسند 4/367, برقم: 19288,وابن حبان 16/443 ، واللهيثمي في مجمع الزوائد 10/416 ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/266, برقم: 3739.

(112) - أخرجه مسلم -كتاب الجنة ونعيمها -باب صفة الجنة وأهلها 4/2180, برقم: 2835.

(113) - أي فيما شئت من أنواع النعيم وألوان الطعام والشراب.

(114) - فبادر الطرف : أي سابق النظر .

(115) - أخرجه البخاري -كتاب الحرث والمزارعة -باب كراء الأرض بالذهب والفضة 2/826, برقم: 2221 .

(116) - أخرجه الترمذي -كتاب صفة الجنة -باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة 4/695, برقم: 2563, وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة 2/437, برقم: 3500 .

(117) - أخرجه مسلم -كتاب الإيمان -باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى1/163, برقم: 181 .

(118) - البخاري -كتاب التوحيد -باب كلام الرب مع أهل الجنة5/2398, برقم: 6183 ، ومسلم -كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها -باب إحلال الرضوان على أهل الجنة4/2176, برقم: 2829.

(119) - أخرجه البخاري -كتاب الرقاق -باب يدخل سبعون ألف بغير حساب5/2062, برقم: 5085، ومسلم -كتاب الجنة وصفة نعيمها- باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء4/2189, برقم: 2850، واللفظ له.

(120) - الحزن ينشأ من الخوف والخوف إما من شيء قادم أو من شيء قد مضى فأصل الخوف يستلزم الحزن ونفي الخوف من كل ما مضى ومن كل ما سيأتي ينتج عنه ذهاب الحزن .

(121) - أخرجه مسلم -كتاب الجنة - باب دوام نعيم أهلها 4/2181, برقم: 2836.

(122) - أخرجه البخاري -كتاب الرقاق -باب صفة الجنة 5/2398, برقم: 6183، ومسلم -كتاب الجنة -باب إحلال الرضوان4/2176, برقم: 2829 .

(123) - أخرجه الترمذي -كتاب صفة القيامة والرقاق والورع -باب ما جاء في صفة أواني الحوض 4/633, برقم: 2450, والحاكم في المستدرك 4/343, برقم: 7852، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة2/637.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
من البينات العلمية في القرآن الكريم
الثلاثاء 29 يناير 2013

 

من البينات العلمية في القرآن الكريم

مقدمة :

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران : 102] ، ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1] ، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾  [الأحزاب:70-71] .

 

أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .

وبعـد ...

لقد أرسل الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس كافة على اختلاف عصورهم وثقافاتهم ومداركهم ، وأيده ببينات متنوعة تتناسب مع جميع من أرسل إليهم إلى يوم القيامة ، فمعجزة الفصاحة في كتاب الله أخضعت فصحاء العرب ، ومعجزة البشارات أقامت الدليل لأهل الكتاب على صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومعجزات الخوارق أرغمت الكافرين المعاندين وأوضحت لهم حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الساطعة ، ومعجزة الإخبار بالغيب تجلت ولاتزال تتجلى وتتحقق على مر القرون والعصور .

فهيا لنرى بعض الأبحاث من معجزة وعد بها القرآن وتجلت في عصرنا وشاهد حقائقها أهل الاختصاصات الكونية العلمية الدقيقة في عصرنا ، كعلم الفلك وعلوم الأرض والأرصاد والنبات والحيوان وعلوم الطب المختلفة وعلوم البحار وغيرها من العلوم الكونية ، ليكون ذلك دليلاً لكل عاقل في عصرنا أن هذا القرآن من عند الله ، وأن العلامة الإلهية الشاهدة بأنه من الله هي العلم الذي تحمله الآيات وتجليه الاكتشافات العلمية الدقيقة بعد رحلة طويلة من البحث والدراسة ، وباستخدام أدق الآلات التي لم تصنع إلا في عصر الثورة الصناعية الحاضرة ، ولقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الإعجاز ووعد بإظهاره في قوله تعالى : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت:53] .

إن البينة (المعجزة) القرآنية الموجودة بين أيدينا والباقية بعدنا إلى ما شاء الله تحمل الرسالة الإلهية إلى البشر ، كما تحمل الدليل على صدق هذه الرسالة فهي الشاهد والمشهود عليه كما قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [هود:17](1) .

والقرآن معجز بلفظه ومعناه ، لأنه من عند الله ، فألفاظه إلهية ومعانية وعلومه إلهية، وكل منها يدل على المصدر الذي جاء منه هذا القرآن .

وهو بذلك أكبر دليل وشهادة بين أيدينا قال تعالى : ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ [الأنعام:19] ، فهو رسالة ومعجزة لمن نزل عليهم ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة .

وقد جعل الله العلم الإلهي الذي تحمله آيات القرآن هو البينة الشاهدة على كون هذا القرآن من عند الله كما قال تعالى :

﴿ لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [النساء:166] ، أي : أنزله وفيه علمه(2).

ففي هذه الآية بيان لطبيعة المعجزة العلمية ، التي نزلت رداً على إنكار الكافرين ، لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم التي تبقى بين يدي الناس ، وتتجدد مع كل فتح بشري في آفاق العلوم والمعارف ذات الصلة بمعاني الوحي الإلهي .

قال الخازن عند تفسير هذه الآية : " لكن الله يشهد لك يا محمد بالنبوة ، بواسطة هذا القرآن الذي أنزله عليك "(3).

وقال ابن كثير : " فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب ، وهو القرآن العظيم .. ولهذا قال : أنزله بعلمه : أي : فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه ، من البينات والهدى ، والفرقان ، وما يحبه الله ويرضاه ، وما يكرهه ويأباه ، وما فيه من العلم بالغيوب ، من الماضي والمستقبل "(4).

وقال أبو العباس ابن تيمية(5) : فإن شهادته بما أنزل إليه هي شهادته بأن الله أنزله منه، وأنه أنزله بعلمه(6)، فما فيه من الخبر ، هو خبر عن علم الله ، ليس خبراً عمن دونه، وهذا كقوله : ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [هود:14] .

وكل آية من كتاب الله تحمل علماً إلهياً يعرفه البشر عند ارتقائهم بأسباب العلوم والمعارف في ذلك الميدان الذي تتحدث عنه الآية القرآنية .

والقرآن ملئ بالآيات التي تتحدث عن مظاهر الكون ، وحديثه عن الكون هو حديث من يعلم أسراره ودقائقه ، مع أن البشرية كلها في وقت النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تعلم معظم تلك الأسرار، وكان يغلب على تفكيرها الأسطورة والخرافة. لذلك رأينا الجراح الفرنسي العالمي الشهير الدكتور: موريس بوكاي يتقدم إلى البشرية بأطروحة قال فيها : لقد قامت الأدلة على أن القرآن الذي نقرأه اليوم ، هو نفس القرآن الذي قرأه النبي محمد صلى الله عليه وسلم على الصحابة ، وما دام أن القرآن قد أفاض في الحديث عن الكون وأسراره ، فإننا نستطيع بهذه الحقيقة أن نعرف منها إذا كان القرآن من عند الله باختبار يعرفه كل عاقل في عصرنا .

فإذا كان القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو مملوء بالوصف لمظاهر الكون : الأرض ، السماء ، الجبال ، البحار ، الأنهار ، الشمس ، القمر ، النبات، الحيوان ، الإنسان ، الرياح، الأمطار .. وغير ذلك ،فإن حديثه عن هذه المظاهر الكونية سيعكس لنا علم محمد صلى الله عليه وسلم وثقافته عن المخلوقات وأسرارها ، كما يعكس لنا علم مجتمعه وبيئته، وعلوم عصره في ذلك المجال ، وهي علوم غلبت عليها السذاجة والخرافة والأسطورة، وسنجد القرآن عندئذ مملوءاً بالخرافة والأسطورة والخبر الساذج عند حديثه عن الكون وأسراره ، كما هو شأن كل الكتب التي دونت في تلك الأزمنة بما فيها الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى (التوراة والإنجيل) التي طرأ عليها التحريف، هذا إذا كان القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم .

أما إذا كان القرآن من عند الله فسنراه في حديثه عن المخلوقات وأسرارها يسبق مقررات العلوم الحديثة, وسنرى  الاكتشافات العلمية تلهث وراءه فتقرر ما فيه من حقائق وتؤكد ما فيه من مقررات في شتى المجالات .

ولقد قضى الدكتور موريس بوكاي لتحقيق هذا الاختبار عشر سنوات يتعلم فيها القرآن واللغة العربية ، ويقارن بين القرآن وبين الكشوف العلمية الحديثة , ثم ألف كتاباً سماه : " دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة " .

وقد أثبت فيه سلامة القرآن من التحريف, ودخول التحريف على التوراة والإنجيل وأثبت تعارض التوراة والإنجيل مع العلوم الحديثة ؛ كما أثبت سبق القرآن لهذه العلوم وبين أن هذا مما اشتمل عليه وعد الله القائل : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت:53] .

يقول د. بوكاي : " إن القرآن لا يخلو فقط من متناقضات الرواية وهي السمة البارزة في مختلف صياغات الأناجيل بل هو يظهر أيضاً – لكل من يشرع في دراسته بموضوعية وعلى ضوء العلوم – طابعه الخاص وهو التوافق مع المعطيات العلمية الحديثة . بل أكثر من ذلك، وكما أثبتنا ، يكتشف القارئ فيه مقولات ذات طابع علمي من المستحيل تصور أن إنساناً في عصر محمد صلى الله عليه وسلم قد استطاع أن يؤلفها، وعلى هذا فالمعارف الحديثة تسمح بفهم بعض الآيات القرآنية التي كانت بلا تفسير صحيح حتى الآن "(7).

فهاهو ذا الحق يتبين كما وعد الله ، وهاهي ذي المعاني التفصيلية التي تضمنتها الآيات القرآنية عن الحقائق الكونية تُرى وتتجلى فتُعلم، كما قال تعالى : ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ [ص:87-88 ] .

قال الفراء(8) في تفسير الحين الذي ذكرته الآية أنه : " بعد الموت وقبله ، أي لتظهر لكم حقيقة ما أقول "بعد حين" أي في المستأنف "(9). وذهب السدي(10) الكبير إلى هذا المعنى(11).

وقال ابن جرير الطبري ، بعد ذكر الأقوال المتعددة، في تفسير الحين الذي ذكرته الآية : " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، أن يقال : أن الله أعلم المشركين بهذا القرآن أنهم يعلمون نبأه بعد حين ، من غير حد منه لذلك الحين بحد ، ولا حد عند العرب للحين لا يجاوز ولا يقصر عنه، فإذا كان ذلك كذلك، فلا قول فيه أصح من أن يطلق، كما أطلقه الله، من غير حصر ذلك على وقت دون وقت "(12) .

لقد أظهر الله لعباده الكثير من آياته عبر القرون ، وفي عصر الاكتشافات العلمية الهائلة ، أظهر الله لعباده نوعاً جديداً من البينات المعجزة تعارف العلماء على تسميته بالإعجاز العلمي في القرآن. يعرف به أهل عصرنا أن القرآن نزل بعلم الله الذي يعلم السر في السماوات والأرض .

1- وصف الحاجز بين البحرين :

التحقيق العلمي :

لقد توصل علماء البحار بعد تقدم العلوم في هذا العصر، إلى اكتشاف الحاجز بين البحرين، فوجدوا أن هناك برزخاً يفصل بين كل بحرين ، ويتحرك بينهما ويسميه علماء البحار (الجبهة) تشبيهاً له بالجبهة التي تفصل بين جيشين. وبوجود هذا البرزخ يحافظ كل بحر على خصائصه التي قدرها الله له، ويكون مناسباً لما فيه من كائنات حية تعيش في تلك البيئة .

ومع وجود هذا البرزخ فإن البحرين المتجاورين يختلطان اختلاطاً بطيئاً ، يجعل القدر الذي يعبر من بحر إلى بحر آخر يكتسب خصائص البحر الذي ينتقل إليه عن طريق البرزخ الذي يقوم بعملية التقليب للمياة العابرة من بحرٍ إلى بحر ؛ ليبقى كل بحرٍ محافظاً على خصائصه .

تدرج العلم البشري لمعرفة حقائق اختلاف مياه البحار وما بينها من حواجز :

* اكتشف علماء البحار أن هناك اختلافاً بين عينات مائية أخذت من البحار المختلفة في عام (1284هـ- 1873م) ، على يد البعثة العلمية البحرية الإنجليزية في رحلة (تشالنجر)، فعرف الإنسان أن المياه في البحار تختلف في تركيبها عن بعضها البعض من حيث درجة الملوحة، ودرجة الحرارة ، ومقادير الكثافة ، وأنواع الأحياء المائية، ولقد كان اكتشاف هذه المعلومة بعد رحلة علمية استمرت ثلاثة أعوام، جابت جميع بحار العالم. وقد جمعت الرحلة معلومات من 362 محطة مخصصة لدراسة خصائص المحيطات. وملئت تقارير الرحلة 29.500 صفحة في خمسين مجلداً استغرق إكمالها 23 عاماً ، وإضافة إلى كون الرحلة أحد أعظم منجزات الاستكشاف العلمي فإنها أظهرت كذلك ضآلة ما كان يعرفه الإنسان عن البحر(13) .

* بعد عام (1933م) قامت رحلة علمية أخرى أمريكية في خليج المكسيك، ونشرت مئات المحطات البحرية ، لدراسة خصائص البحار، فوجدت أن عدداً كبيراً من هذه المحطات تعطي معلومات موحدة عن خصائص الماء في تلك المنطقة ، من حيث الملوحة والكثافة والحرارة والأحياء المائية وقابلية ذوبان الأكسجين في الماء، بينما أعطت بقية المحطات معلومات موحدة أخرى عن مناطق أخرى، مما جعل علماء البحار يستنبطون وجود بحرين متمايزين في الصفات لا مجرد عينات محدودة كما علم من رحلة (تشالنجر).

* وأقام الإنسان مئات المحطات البحرية لدراسة خصائص البحار المختلفة، فقرر العلماء أن الاختلاف في هذه الخصائص يميز مياه البحار المختلفة بعضها عن بعض ، لكن لماذا لا تمتزج البحار وتتجانس رغم تأثير قوتي المد والجزر التي تحرك مياه البحار مرتين كل يوم، وتجعل البحار في حالة ذهاب وإياب ، واختلاط واضطراب، إلى جانب العوامل الأخرى التي تجعل مياه البحر متحركة مضطربة على الدوام مثل الموجات السطحية والداخلية والتيارات المائية والبحرية ؟

ولأول مرة يظهر الجواب على صفحات الكتب العلمية في عام (1361هـ-1942م) ، فقد أسفرت الدراسات الواسعة لخصائص البحار عن اكتشاف حواجز مائية تفصل بين البحار الملتقية ، وتحافظ على الخصائص المميزة لكل بحر من حيث الكثافة والملوحة ، والأحياء المائية ، والحرارة، وقابلية ذوبان الأوكسجين في الماء . 

وبعد عام (1962م) عرف دور الحواجز البحرية في تهذيب خصائص الكتل العابرة من بحر إلى بحر لمنع طغيان أحد البحرين على الآخر فيحدث الاختلاط بين البحار الملحة ، مع محافظة كل بحر على خصائصه وحدوده المحدودة بوجود تلك الحواجز .

وفي دراسة ميدانية(14) للمقارنة بين مياه خليج عمان والخليج العربي بالأرقام والحسابات والتحليل الكيمائي، تبين اختلاف كل منهما عن الآخر من الناحية الكيميائية والنباتات السائدة في كل منهما ووجود البرزخ الحاجز بينهما .

وقد تطلب الوصول إلى حقيقة وجود الحواجز بين الكتل البحرية ، وعملها في حفظ خصائص كل بحر قرابة مائة عام من البحث والدراسة ، اشترك فيها المئات من الباحثين، واستخدم فيها الكثير من الأجهزة ووسائل البحث العلمي الدقيقة .

بينما جلى القرآن الكريم هذه الحقيقة قبل أربعة عشر قرناً ، قال تعالى : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ(22) ﴾ [سورة الرحمن] ، وقال تعالى : ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل:61].

المعاني اللغوية وأقوال المفسرين :

مرج : قال ابن فارس : "مرج : الميم والراء والجيم أصل صحيح يدل على مجيء وذهابٍ واضطراب، ومرج الخاتم في الإصبع : قلق ، وقياس الباب كله منه ومرجت أمانات القوم وعهودهم : اضطربت واختلطت، والمَرْج : أصله أرض ذات نبات تمرج فيها الدواب"(15).

البحرين : قال ابن فارس: "الباء والحاء والراء ، قال الخليل : سمي البحر بحراً لاستبحاره وهو انبساطه وسعته... ويقال للماء إذا غلظ بعد عذوبته  استبحر، وماء بحري أي مالح"(16).

وقال الأصفهاني(17) : "وقال بعضهم : البحر يقال في الأصل للماء المالح دون العذب"(18).

وقال ابن منظور(19) : "وقد غلب على المالح حتى قلّ في العذب"(20).

فإذا أطلق البحر دل على البحر المالح ، وإذا قيد دل على ما قيد به ، والقرآن يستعمل لفظ الأنهار للدلالة على المياه العذبة الكثيرة الجارية ، ويستعمل لفظ البحر ليدل على البحر المالح قال تعالى : ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنهَارَ (32) ﴾ [إبراهيم:32] .

وكذلك يستعمل لفظ البحر في الحديث للدلالة على الماء الملح ، فقد «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يا رسول الله إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»(21) .

البرزخ : هو الحاجز : وقد ذهب أكثر المفسرين(22) إلى أنه لا يرى .

البغي : قال ابن منظور: "وأصل البغي مجاوزة الحد(23) ، وبمثله قال الجوهري(24) والأصفهاني(25)".

المرجان : قال ابن الجوزي(26) : "وحكى القاضي أبو يعلي أن المرجان ضرب من اللؤلؤ كالقضبان وروي عن الزجاج(27) ، قوله : المرجان أبيض شديد البياض"(28) .

وقال ابن مسعود : المرجان الخرز الأحمر .

ونقل أبو حيان(29) عن بعضهم أن المرجان هو الحجر الأحمر(30).

وقال القرطبي : "وقيل المرجان عظام اللؤلؤ وكباره ، قاله علي وابن عباس رضي الله عنهما، واللؤلؤ صغاره، وعنهما أيضاً بالعكس أن اللؤلؤ كبار اللؤلؤ والمرجان صغاره وقاله الضحاك وقتادة"(31) .

وقال الألوسي(32): "وأظن أنه إن اعتبر في اللؤلؤ معنى التلألؤ واللمعان ، وفي المرجان معنى المرج والاختلاط فالأوفق لذلك ما قيل ثانياً فيهما"(33)، أي : أن اللؤلؤ ما عظم منه والمرجان اللؤلؤ الصغار .

والحاصل أن المرجان نوع من الزينة يكون بألوان مختلفة بيضاء وحمراء، ويكون كبيراً وصغيراً، وهو حجر يكون كالقضبان ، وقد يكون صغيراً كاللؤلؤ أو الخرز ، وهو في الآية غير اللؤلؤ، وحرف العطف بينها يقتضي المغايرة .

هذا والمرجان لا يوجد إلا في البحار الملحة .

والآيات ترينا دقائق الأسرار التي كشف عنها اليوم علم البحار ، فهي تصف اللقاء بين البحار الملحة ودليل ذلك مايلي:

أولاً : لقد أطلقت الآية لفظ البحرين بدون قيد ، فدل ذلك على أن البحرين ملحان .

ثانياً : بينت الآيات في سورة الرحمن أن البحرين يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، وقد تبين أن المرجان لا يكون إلا في البحار الملحة، فدل ذلك على أن الآية تتحدث عن بحرين ملحين، قال تعالى : ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ أي يخرج من كل منهما.

فمن الذي كان يعلم أن البحار الملحة تتمايز فيما بينها رغم اتحادها في الأوصاف الظاهرة التي تدركها الأبصار والحواس، فكلها : ( ملحة ، زرقاء ، ذات أمواج ، وفيها الأسماك وغيرها ) ، وكيف تتمايز وهي تلتقي مع بعضها ؟ والمعروف أن المياه إذا اختلطت في إناء واحد تجانست، فكيف وعوامل المزج في البحار كثيرة من مد وجزر وأمواج وتيارات وأعاصير ؟

والآية تذكر اللقاء بين بحرين ملحين يختلف كل منهما عن الآخر، إذ لو كان البحران لا يختلف أحدهما عن الآخر لكانا بحراً واحداً ، ولكن التفريق بينهما في اللفظ القرآني دال على اختلافٍ بينهما مع كونهما ملحين .

و﴿مرج البحرين يلتقيان﴾ أي أن البحرين مختلطان، وهما في حالة ذهاب وإياب واختلاط واضطراب في منطقة الالتقاء، كما تدل اللغة على ذلك بلفظ مرج، وهذا ما كشفه العلم من وصف لحال البرزخ الذي يكون متعرجاً ومتنقلاً في الفصول المختلفة بسبب المد والجزر والرياح .

ومن يسمع هذه الآية فقط ، يتصور أن امتزاجاً واختلاطاً كبيراً يحدث بين هذه البحار يفقدها خصائصها المميزة لها، ولكن العليم الخبير يقرر في الآية بعدها ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان﴾ أي ومع حالة الاختلاط والاضطراب هذه التي توجد في البحار، فإن حاجزاً يحجز بينهما يمنع كلاً منهما أن يطغى ويتجاوز حده .

وهذا ما شاهده الإنسان بعدما تقدم في علومه وأجهزته ، فقد وجد ماء ثالثاً حاجزاً بين البحرين يختلف في خصائصه عن خصائص كل منهما .

ومع وجود البرزخ فإن ماء البحرين المتجاورين يختلط ببطء شديد، ولكن دون أن يبغي أحد البحرين على الآخر بخصائصه؛ لأن البرزخ منطقة تقلب فيها المياه العابرة من بحر إلى آخر لتكتسب المياه المنتقلة بالتدريج صفات البحر الذي ستدخل إليه، وتفقد صفات البحر الذي جاءت منه وبهذا لا يبغي بحر على بحر آخر بخصائصه، مع أنهما يختلطان أثناء اللقاء ، وصدق الله القائل : ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) ﴾ [الرحمن:19-20] .

ولقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن الحاجز الذي يفصل بين البحرين المذكورين هو حاجز من قدرة الله لا يرى(34).

وقد أشكل على بعض المفسرين الجمع بين اختلاط مياه البحار مع وجود البرزخ ، إذ أن وجود البرزخ (الحاجز) يقتضي منع الاختلاط، وذكر الاختلاط (مرج) يقتضي عدم وجود البرزخ ، وقد زال الإشكال اليوم باكتشاف أسرار البحر على حقائقها .

أوجه الإعجاز في الآيات السابقة :

مما سبق يتبين :

1) أن القرآن الكريم الذي أنزل قبل أكثر من 1400 سنة قد تضمن معلومات دقيقة عن ظواهر بحرية لم تكتشف إلا حديثاً بواسطة الأجهزة المتطورة، ومن هذه المعلومات وجود حواجز مائية بين البحار، قال تعالى : ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) ﴾ [الرحمن:19-20] .

2) يشهد التطور التاريخي في سير علوم البحار بعدم وجود معلومات دقيقة عن البحار وبخاصة قبل رحلة تشالنجر عام (1873م) فضلاً عن وقت نزول القرآن قبل ألف وأربعمائة سنة الذي نزل على نبيٍ أمي عاش في بيئة صحراوية ولم يركب البحر .

3) كما أن علوم البحار لم تتقدم إلا في القرنين الأخيرين وخاصة في النصف الأخير من القرن العشرين . وقبل ذلك كان البحر مجهولاً مخيفاً تكثر عنه الأساطير والخرافات ، وكل ما يهتم به راكبوه هو السلامة والاهتداء إلى الطريق الصحيح أثناء رحلاتهم الطويلة ، وما عرف الإنسان أن البحار الملحة بحار مختلفة إلا في الثلاثينات من هذا القرن، بعد أن أقام الدارسون آلاف المحطات البحرية لتحليل عينات من مياه البحار ، وقاسوا في كل منها الفروق في درجات الحرارة ، ونسبة الملوحة ، ومقدار الكثافة، ومقدار ذوبان الأوكسجين في مياه البحار في كل المحطات فأدركوا بعدئذٍ أن البحار الملحة متنوعة .

4) وما عرف الإنسان البرزخ الذي يفصل بين البحار الملحة ، إلا بعد أن أقام محطات الدراسة البحرية المشار إليها ، وبعد أن قضى وقتاً طويلاً في تتبع وجود هذه البرازخ المتعرجة المتحركة، التي تتغير في موقعها الجغرافي بتغير فصول العام .

5) وما عرف الإنسان أن مائي البحرين منفصلان عن بعضهما بالحاجز المائي، ومختلطان في نفس الوقت إلا بعد أن عكف يدرس بأجهزته وسفنه حركة المياه في مناطق الالتقاء بين البحار، وقام بتحليل تلك الكتل المائية في تلك المناطق .

6) وما قرر الإنسان هذه القاعدة على كل البحار التي تلتقي إلا بعد استقصاء ومسح علمي واسع لهذه الظاهرة التي تحدث بين كل بحرين في كل بحار الأرض .

* فهل كان يملك رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المحطات البحرية ، وأجهزة تحليل كتل المياه ، والقدرة على تتبع حركة الكتل المائية المتنوعة ؟ .

* وهل قام بعملية مسح شاملة ، وهو الذي لم يركب البحر قط ، وعاش في زمن كانت الأساطير هي الغالبة على تفكير الإنسان وخاصة في ميدان البحار ؟

* وهل تيسر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في زمنه من أبحاث وآلات ودراسات ما تيسر لعلماء البحار في عصرنا الذين اكتشفوا تلك الأسرار بالبحث والدراسة ؟

* إن هذا العلم الذي نزل به القرآن يتضمن وصفاً لأدق الأسرار في زمنٍ يستحيل على البشر فيه معرفتها ليدلُ على مصدره الإلهي، كما قال تعالى :﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان:6].

* كما يدل على أن الذي أنزل عليه الكتاب رسول يوحى إليه وصدق الله القائل : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت:53] .

3- (والجبال أوتاداً ) قال تعالى : ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ مِهَادًا(6)وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ:6-7] ، تشير الآية إلى أن الجبال أوتاد للأرض ، والوتد يكون منه جزء ظاهر على سطح الأرض ، ومعظمه غائر فيها ، ووظيفته التثبيت لغيره .

 

بينما نرى علماء الجغرافيا والجيولوجيا يعرفون الجبل بأنه: كتلة من الأرض تبرز فوق ما يحيط بها، وهو أعلى من التل(35).

ويقول د. زغلول النجار: "إن جميع التعريفات الحالية للجبال تنحصر في الشكل الخارجي لهذه التضاريس، دون أدنى إشارة لامتداداتها تحت السطح، والتي ثبت أخيراً أنها تزيد على الارتفاع الظاهر بعدة مرات"(36).

ثم يقول : "ولم تكتشف هذه الحقيقة إلا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر عندما تقدم السيرجورج ايري بنظرية مفادها أن القشرة الأرضية لا تمثل أساساً مناسباً للجبال التي تعلوها، وافترض أن القشرة الأرضية وما عليها من جبال لا تمثل إلا جزءاً طافياً على بحر من الصخور الكثيفة المرنة ، وبالتالي فلا بد أن يكون للجبال جذور ممتدة داخل تلك المنطقة العالية الكثافة لضمان ثباتها واستقرارها"(37).

وقد أصبحت نظرية ايري حقيقة ملموسة مع تقدم المعرفة بتركيب الأرض الداخلي عن طريق القياسات الزلزالية، فقد أصبح معلوماً على وجه القطع أن للجبال جذوراً مغروسة في الأعماق ويمكن أن تصل إلى ما يعادل 15مرة من ارتفاعاتها فوق سطح الأرض، وأن للجبال دوراً كبيراً في إيقاف الحركة الأفقية الفجائية لصفائح طبقة الأرض الصخرية. هذا وقد بدأ فهم هذا الدور في إطار تكوينية الصفائح منذ أواخر الستينيات .

ويعرف الدكتور زغلول الجبال في ضوء المعلومات الحديثة فيقول إن الجبال ما هي إلا  قمم لكتل عظيمة من الصخور تطفو في طبقة أكثر كثافة كما تطفو جبال الجليد في الماء(38).

 

ولقد وصف القرآن الجبال شكلاً ووظيفة، فقال تعالى : ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ [النبأ:7] ، وقال تعالى : ﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ [لقمان:10] ، وقال أيضاً : ﴿ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ [الأنبياء:31] ، والجبال أوتاد بالنسبة لسطح الأرض، فكما يختفي معظم الوتد في الأرض للتثبيت، كذلك يختفي معظم الجبل في الأرض لتثبيت قشرة الأرض .

وكما تثبت السفن بمراسيها التي تغوص في ماء سائل ، فكذلك تثبت قشرة الأرض بمراسيها الجبلية التي تمتد جذورها في طبقةٍ لزجةٍ نصف سائلة تطفو عليها القشرة الأرضية(39).

ولقد تنبه المفسرون رحمهم الله إلى هذه المعاني فأوردوها في تفسيرهم لقوله تعالى : ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ ، واليك أمثلة من ذلك :

1- قال ابن الجوزي : "﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ للأرض لئلا تميد"(40).

2- وقال الزمخشري(41): " ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ أي : أرسيناها بالجبال كما يرس البيت بالأوتاد ".

3- وقال القرطبي : " ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ أي : لتسكن ولا تتكفأ بأهلها"(42).

4- وقال أبو حيان : " ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ أي : ثبتنا الأرض بالجبال كما يثبت البيت بالأوتاد"(43).

5- وقال الشوكاني(44) : " ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ الأوتاد : جمع وتد أي جعلنا الجبال أوتاداً للأرض لتسكن ولا تتحرك كما يرس البيت بالأوتاد"(45).

أول الجبال خلقاً البركانية :

عندما خلق الله القارات بدأت في شكل قشرةٍ صلبةٍ رقيقة تطفو على مادة الصهير الصخري ، فأخذت تميد وتضطرب، فخلق الله الجبال البركانية التي كانت تخرج من تحت تلك القشرة ، فترمي بالصخور خارج سطح الأرض ، ثم تعود منجذبةً إلى الأرض وتتراكم بعضها فوق بعض مكونة الجبال، وتضغط بأثقالها المتراكمة على الطبقة اللزجة فتغرس فيها جذراً من مادة الجبل ، الذي يكون سبباً لثبات القشرة الأرضية واتزانها .

وفي قوله تعالى : ﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ [لقمان:10]  ، إشارة إلى الطريقة التي تكونت بها الجبال البركانية بإلقاء مادتها من باطن الأرض إلى الأعلى ثم عودتها لتستقر على سطح الأرض ، ويجلي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الكيفية ، فقد روى أنس بن مالك(46) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ ، فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَعَادَ بِهَا عَلَيْهَا .. الحديث» (47) .

فتأمل في قول النبي صلى الله عليه وسلم المبين لكيفية خلق الجبال : « فعاد بها عليها » ، أي : أن خلقها كان بخروجها من الأرض وعودتها عليها .

أوجه الإعجاز :

إن من ينظر إلى الجبال على سطح الأرض لا يرى لها شكلاً يشبه الوتد أو المرساة، وإنما يراها كتلاً بارزة ترتفع فوق سطح الأرض، كما عرفها الجغرافيون والجيولوجيون. ولا يمكن لأحدٍ أن يعرف شكلها الوتدي ، أو الذي يشبه المرساة إلا إذا عرف جزأها الغائر في الصهير البركاني في منطقة الوشاح، وكان من المستحيل لأحدٍ من البشر أن يتصور شيئاً من ذلك حتى ظهرت نظرية (سيرجورج ايري) عام 1855م .

فمن أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة الغائبة في باطن القشرة الأرضية وما تحتها على أعماق بعيدة تصل إلى عشرات الكيلومترات ، قبل معرفة الناس لها بثلاثة عشر قرناً ؟

ومن أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بوظيفة الجبال ، وأنها تقوم بعمل الأوتاد والمراسي، وهي الحقيقة التي لم يعرفها الإنسان إلا بعد عام 1960م ؟

وهل شهد الرسول صلى الله عليه وسلم خلق الأرض وهي تميد ؟ وتكوين الجبال البركانية عن طريق الإلقاء من باطن الأرض وإعادتها عليها لتستقر الأرض ؟

ألا يكفي ذلك دليلاً على أن هذا العلم وحي أنزله الله على رسوله النبي الأمي في الأمة الأمية ، في العصر الذي كانت تغلب عليه الخرافة والأسطورة ؟

إنها البينة العلمية الشاهدة بأن مصدر هذا القرآن هو خالق الأرض والجبال ، وعالم أسرار السماوات والأرض القائل :

﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان:6].

---------------------

(1) معنى الآية : أفمن كان على بينة من ربه كمن ليس كذلك ، والبينة البرهان الذي يدل على الحق ، والمعنى ويتلو البرهان الذي هو البينة شاهد يشهد بصحته من القرآن أو من الله عز وجل والشاهد هو الإعجاز الكائن في القرآن أو المعجزات النبوية . فتح القدير للشوكاني بتصرف وبنحوه ، قال الشنقيطي فيما نقله عنه تلميذه القادري في تفسير سورة هود ، وفي الشاهد أقوال أخرى انظرها مجموعة في زاد المسير لابن الجوزي .

(2) انظر سبب النزول : ابن الجوزي ، الطبري ، ابن كثير ، تفسير الجلالين .

(3) الخازن في مجموعة من التفاسير .

(4) تفسير ابن كثير .

(5) الفتاوى : 14/196 .

(6) وإلى هذا المعنى ذهب كثير من المفسرين : [ ابن الجوزي ، الزمخشري ، أبو حيان ، الآلوسي ، الشوكاني، البيضاوي ، والنسفي ، والخازن ، الجلالان (جلال الدين المحلي ، وجلال الدين السيوطي ) .

 (7)دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة / موريس بوكاي ص 285-286 / دار المعارف 1977.

(8) العلامة صاحب التصانيف أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبدالله بن منظور الأسدي مولاهم الكوفي النحوي صاحب الكسائي ، له كتاب [معاني القرآن] توفي عام 207هـ .

(9) تفسير القرطبي .

(10) إسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي كريمة الحجازي ثم الكوفي إمام مفسر من التابعين توفي عام 127هـ .

(11) تفسير أبي حيان .

(12) تفسير الطبري .

(13) Introduction to Oceangraphy David A. Ross, 2nd ed. , 1977, USA, pp. 37-39

(14) للباحث محمد إبراهيم السمرة الأستاذ بكلية العلوم- قسم علوم البحار- في جامعة قطر. قامت بالدراسة سفينة البحوث (مختبر البحار) التابعة لجامعة قطر في الخليج العربي وخليج عمان في الفترة (1404- 1406هـ) (1984-1986م).

(15) معجم المقاييس في اللغة : لابن فارس مادة مرج.

(16) معجم المقاييس في اللغة ، لسان العرب ، المفردات للراغب الأصفهاني .

(17) العلامة المحقق أبو القاسم الحسين بن محمد ابن المفضل الأصبهاني الملقب بالراغب صاحب تصانيف مفيدة توفي عام 502هـ .

(18) المفردات .

(19) محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري ، لغوي ، عمر وكبر وحدث ، له "لسان العرب" وهو من أوسع المعاجم في اللغة العربية توفى عام 711هـ .

(20) لسان العرب .

(21) أخرجه أحمد في المسند 2/237 ورواه الترمذي في الطهارة ب/ ماء البحر أنه طهور، وابن الجارود في المنتقى 1/23، وابن خزيمة في صحيحه 1/59، وابن حبان في صحيحه 4/49، والحاكم في المستدرك 1/237، وأبو داود في السنن ك/الطهارة ب/ ماء البحر وابن ماجة ك/ الطهارة وسننها ب/ الوضوء بماء البحر، ومالك في الموطأ 1/22، وقال في تلخيص الحبير 1/9-10: وصححه البخاري فيما حكاه عنه الترمذي، وقال (الحافظ ابن حجر): إن ابن عبدالبر حكم بصحته لتلقي العلماء له بالقبول. ونقل (الحافظ أيضاً) عن ابن منده ترجيحه صحته، قال: وصححه أيضاً ابن المنذر وأبو محمد البغوي. وكذلك ذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي .

(22) منهم : ابن الجوزي ، الزمخشري ، وأبو حيان ، والقاسمي، والخازن، والنسفي .

(23) لسان العرب .

(24) الصحاح. والجوهري هو إمام اللغة أبو نصر إسماعيل بن حماد التركي صنف كتاب " الصحاح" وهو معجم في اللغة ، توفي بنيسابور عام 393هـ .

(25) المفردات .

(26) عبدالرحمن بن علي بن محمد القرشي التيمي البكري ، محدث مؤرخ حافظ مفسر واعظ فقيه وله مؤلفات متعددة توفي ببغداد عام 597هـ .

(27) إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، نحوي لغوي مفسر، من كتبه "معاني القرآن" توفي عام 311هـ .

(28) زاد المسير .

(29) محمد بن يوسف بن علي بن ابن حيان الغرناطي الجياني ، نحوي مفسر له تآليف منها البحر المحيط في التفسير توفي بالقاهرة عام 745هـ.

(30) البحر المحيط .

(31) الجامع لأحكام القرآن .

(32) محمود بن عبدالله محمود الحسيني الألوسي مفسر محدث لغوي أشهر تآليفه "روح المعاني" في تفسير القرآن توفي ببغداد عام 1270هـ.

(33) روح المعاني .

(34) منهم : ابن الجوزي ، الزمخشري ، وأبو حيان ، والقاسمي، والخازن، والنسفي .

(35) Websters Seventh New Collegiate Dictionary

(36) الفكرة الجيولوجية عن الجبال في القرآن / الدكتور زغلول النجار ص3 (بالإنجليزية) ، 1992 إصدارات هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة- رابطة العالم الإسلامي/ مكة

(37) المرجع السابق .

(38)المرجع السابق ، ويقول : وإن جبلاً ذا متوسط جاذبية نوعية مقداره 2.7 (وهي جاذبية الجرانيت) يمكن أن يغطس في طبقة من الصخور البلاستيكية متوسط جاذبيتها النوعية حوالي 3.0 ، حتى يطفو مرسلاً جذراً يبلغ حوالي تسعة أعشار امتداده الكلي ، وتاركاً عشر حجمه الكلي فقط فوق سطح الأرض. وفي بعض الحالات تكون نسبة جذر الجبل إلى ارتفاعه الظاهر 15 إلى 1 تبعاً لتركيبة صخوره .

(39) تسمى المنطقة اللزجة "منطقة الوشاح" .

(40) زاد المسير .

(41) محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري، له باع في اللغة والبيان والتفسير، أخذ بمذهب الاعتزال ودافع عنه، له "الكشاف" في التفسير وغيره من المؤلفات توفي عام 538هـ، وكلامه المذكور في كتابه الكشاف.

(42) الجامع لأحكام القرآن .

(43) البحر المحيط .

(44) محمد بن علي الشوكاني اليماني أحد العلماء المشهورين. له مؤلفات منها التفسير والدراري المضيئة والسيل الجرار وغيرها توفي عام 1250هـ بصنعاء .

(45) الشوكاني فتح القدير .

(46) أنس بن مالك بن النضر الخزرجي الأنصاري أبو ثمامة أو أبو حمزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخادمه روى عنه كثيراً من الأحاديث رحل إلى دمشق ومنها إلى البصرة وبها توفي سنة 93هـ .

(47) أخرجه الترمذي في آخر كتاب التفسير من سننه واللفظ له، وقال حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه (تحقيق أحمد شاكر وآخرين) وأخرجه أحمد في مسنده 3/124، وأبو يعلى في مسنده 7/682، وعبد بن حميد في مسنده 1/365 ، والبيهقي في شعب الإيمان 3/244 ، والأصبهاني في العظمة 4/1353 ، وفيه سليمان بن أبي سليمان الهاشمي، قال الذهبي في الكاشف : مجهول ، وقال ابن معين : لا أعرفه ، وقال ابن حجر : مقبول من الثالثة، وحسن إسناده المقدسي في المختارة 6/153 –154.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الإيمان بالبعث
الثلاثاء 29 يناير 2013

الإيمان بالبعث

 

 تعريف البعث والنشور لغة واصطلاحاً :

 

البعث في اللغة :

 

يأتي على ثلاثة معاني هي : الإرسال ، والإثارة ، والقوم المبعوثين.

 

قال الخليل بن أحمد(1): "البعث : الإرسال ، كبعث الله من في القبور . وبعثت البعير: أرسلته وحللت عقاله ، أو كان باركا فهجته ، قال :

 

أنيخها ما بدا لي ثم أبعثها *** كأنها كاسر في الجو فتخاء

 

وبعثته من نومه فانبعث أي نبهته , ويوم البعث : يوم القيامة . وضرب البعث على الجند إذا بعثوا ، وكل قوم بعثوا في أمر أو في وجه فهم بعث ، وقيل لآدم ابعث بعث النار ، فصار البعث بعثا للقوم جماعة ، هؤلاء بعث مثل هؤلاء سَفْر ورَكْب"(2), وقال ابن فارس : "البعث هو الإثارة يقال : بعثت الناقة إذا أثرتها"(3).

 

وقال الجوهري(4): "بعثه وابتعثه : أي أرسله فانبعث ، وقولهم : كنت في بعث فلان أي في جيشه الذي بعث معه. والبعوث الجيوش"(5).

 

وقال الراغب(6): "أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه . يقال بعثه فنبعث ، ويختلف البعث بحسب اختلاف ما علق به ، فبعثت البعير أثرته وسيرته وقوله عز وجل : ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ ﴾ [ سورة : الأنعام : 36] ، أي : يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة بعثرت، قال تعالى : ﴿ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ [سورة الانفطار:4] ، أي : قلـب ترابها أثير ما فيها"(7).

 

وقال ابن منظور(8): "بعثه يبعثه بعثاً : أرسله وحده ، وبعث به : أرسله مع غيره . وابتعثه أيضا : أي أرسله فانبعث . انبعث الشيء ، وتبعث: اندفع . وبعثه من نومه بعثاً فانبعث : أيقظه وأهبه ، وتأويل البعث : إزالة ما كان يحبسه عن التصرف ، والانبعاث .. والبعث أيضا الإحياء من الله للموتى ومنه قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ... ﴾ [سورة البقرة : 56] ، أي : أحييناكم . وبعث الموتى نشرهم ليوم البعث ، وبعث الله الخلق يبعثهم بعثا : نشرهم ، ... وبعث البعير فانبعث : حل عقاله فأرسله ، أو باركاً فهاجه"(9).

 

البعث في الاصطلاح :

 

هو إخراج الناس من القبور بإنشاء أجسادهم ، وإعادة أرواحهم لأجل الحساب , وهنالك تعريفات أخرى مرادفة أذكرها لمزيد الإيضاح، منها : البعث إعادة بناء الأجساد بعد فنائها ، وإعادة الحياة لها بعد سلبها منها(10) ، ومنها أما البعث فالمراد به: المعاد الجسماني(11) .

 

ومنها أنه : هو إعادة الإنسان روحاً وجسداً كما كان في الدنيا(12) . ومنها أنه : إعادة الأبدان وإدخال الأرواح فيها ، فيخرجون من الأجداث أحياء مهطعين إلى الداعي كما ذكر الله تعالى : ﴿ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ ﴾ [سورة القمر:7](13), قال ابن كثير : "البعث هو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة"(14) .

 

  وبهذا تجد التطابق والترابط بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي لكلمة البعث . فالبعث في الشرع يشتمل على كل المعاني اللغوية لأنه إثارة لمن سكن القبور وهو إرسال للأجساد عن قبورها وللأرواح إلى أجسادها ، والناس جميعهم هم بعث الآخرة يرسلون ويوجهون بأشخاصهم إلى أرض المحشر للحساب .

 

والنشور مرادف البعث في المعنى ، يقال : نشر الميت نشوراً ، إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله : أحياه ، فإذا شاء الله تبارك وتعالى إعادة العباد وإحيائهم أمر إسرافيل فينفخ في الصور فتعود الأرواح إلى الأجساد ، ويقوم الناس لرب العالمين(15).

 

 

حكم الإيمان بالبعث :

 

الإيمان بالبعث واجب لا يقبل الله إيمان عبد إلا به وهو جزء من أحداث يوم القيامة الركن السادس من أركان الإيمان ، المسمى باليوم الآخر ، والمسمى بيوم القيامة ، والمسمى بيوم البعث . وقد تعددت وتنوعت أسمائه وأوصافه لتنوع الأحداث التي تكون فيه فهو اليوم الآخر لأن ما قبله سابق وهو الأخير .

 

وهو يوم القيامة لأن الناس جميعاً يقومون من قبورهم لرب العالمين ويقومون في محشرهم لمجيء الرب سبحانه لفصل القضاء، وهو يوم البعث لأن الناس يبعثون فيه من قبورهم ويخرجون إلى محشرهم .

 

ثبتت حقيقة البعث في الكتاب والسنة وتتابعت نصوص الوحي بوجوب الإيمان به  فصار الإيمان به من الأمور المعلومة بالضرورة عند أهل الملة . وقد استفاضت نصوص الكتاب والسنة للتأكيد عليه والتكفير لمنكره ، ولم تحظى قضية في القرآن والسنة بالتدليل والتأكيد عليها مثل قضية البعث ؛ فمن نصوص الكتاب العزيز قوله تعالى : ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [سورة التغابن:7] .

 

ومن نصوص السنة الشريفة : ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما : عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : «كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزاً يوماً للناس فأتاه رجلُُ فقال : ما الإيمان ؟ قال :  الإيمان أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وبلقائه ، ورسله ، وتؤمن بالبعث ..»(16).

 

وعند احمد وغيره : عن علي بن أبى طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا يؤمن عبدُُ حتى يؤمن بأربع حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق ، وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت ، وحتى يؤمن بالقدر »(17) .

 

كذلك فإن البعث مما تستلزمه العقول وتستوجبه , ولتلك النصوص السابقة كان من لم يؤمن بالبعث كافرٌ خارجٌ عن الملة . وقد أجمع أهل ملة الإسلام على ذلك .

 

كيفية البعث :

 

إن معرفة طبيعة البعث ، وتصور كيفيته أساس لبناء الإيمان باليوم الآخر ، فبانعدامها تبقى ضبابية الرؤية ، ويجد الريب طريقة للقلوب .

 

إن أساس الريب هو غياب الشعور بعظم الخلق ، واستحضار الشعور بعظم الفناء الذي يجري على المخلوقات، ولأنه فناء عظيم استعظمت النفوس المعاد لتلك الأجساد بعد فنائها ، وظل الشياطين ينسجون على هذا الشعور الشك والريب في العودة خلقا جديداً لأجل هذا لابد أن نعرف تفاصيل كيفية البعث حتى يكون المعتقد عن الآخرة سليما والتصور لها صادقا.

 

وفي البداية يحسن أن أنبه إلى خطورة العادات التي أنستنا جمال الكون وعظم الخلق الأول ، تلك العادات التي جعلتنا ننظر إلى المخلوقات من حولنا نظرة تبلد لا انفعال وتأثر ، في حين أنه لو رأى دمية لاشتد إليها طرفه ، وتوجه عنها سؤاله . وهنا يظهر مدى الغفلة والسدور المسيطر علينا . كم أصداف وأسماك ؟ كم ممالك للنمل والنحل والطير ؟ كم لغات وأصوات ؟ كم أشجار وجداول وبساتين ؟ كم كواكب ونجوم ومجرات ؟ ، كل هذا غطت عليه العادات وجعلت الناظر كغير الناظر حتى صار الحال كما قال الله  تعالى : ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [سورة  يوسف : 105] .

 

ويقول الشوكاني : "وإن نظروا إليها بأعيانهم فقد أعرضوا عما هو الثمرة للنظر بالحدقة وهي التفكر ، والاعتبار ، والاستدلال(18). إن عظمة هذا الخلق لا ينكرها أحد ، لكنه لا يذكرها إلا إذا فنيت فقط . ولو أنا نظرنا إلى المخلوق نظرة المتأثر وجوداً وعدما ، لكان تصور البعث لا ضبابية فيه وتصديقه لا مرية معه" .

 

وحتى لا يتكرر الشك ، ولا يوجد الريب في مسألة الإيمان بالآخرة إليك تفصيل عن كيفية البعث ،إعمالاً لواجب النظر في الخلق وتبيناً لكيفية البعث يوم القيامة أمر بالنظر ، ومن أعظم مجالات النظر الأنفس التي قال الله عنها : ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات : 21]  ، وذلك بالتعرف أولاً على الأجزاء الأساسية والرئيسية التي يتركب منها الإنسان ، وبالتعرف ثانياً على حالها عند فناء الإنسان عن هذه الدار ، ودورها ثالثا في التركيبة الجديدة لإنسان الآخرة .

 

أولاً: كيفية التركيب لأجزاء الإنسان عند خلقه :

 

الأجزاء التي تركب منها الإنسان ثلاثة : الأصل الآدمي ، والجسد ، والروح .

 

1-   الأصل الآدمي :

 

ونقصد بهذا الأصل الجزء الصغير الذي جاء من ظهر آدم وهو مشتمل على الحامض النووي DNA  وما يشتمل عليه من الخارطة الوراثية للإنسان هذا الأصل هو كالبذرة للنبات ، وهو جزء تناقلته أصلاب الآباء إلى أن ظهر كل فرد عن أصله من لدن آدم إلى آخر مولود يولد على وجه الأرض .

 

كل هذه الأصول كانت مجتمعة في ظهر آدم عليه السلام ، هذه الأصول لدقه تناهيها في الصغر لو اجتمعت لكانت شيئاً صغيراً جداً .

 

وقد أشار القرآن إلى حقيقة أن هذه الأصول كانت في ظهر آدم عليه السلام قال تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف : 172].

 

قال الشوكاني بعد أن ذكر الأقوال في معنى الإشهاد : " والمعنى أن الله سبحانه لما خلق آدم مسح ظهره فاستخرج منه ذريته ، وأخذ عليهم العهد ، وهؤلاء : عالم الذرة وهذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه ، ولا المصير إلى غيره ، لثبوته مرفوعاً إلى النبي صلى عيه وسلم وموقوفاً على غيره من الصحابة ، ولا مُلجئ إلى المصير إلى المجاز ، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل "(19) .

 

وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة ، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلا قال : ﴿..أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ إلى قوله : ﴿..الْمُبْطِلُونَ ﴾ [الأعراف: 172-173](20) .

 

وقال ابن كثير: "أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه قال : أخرج الله ذرية آدم من ظهره كهيئة الذر وهو في أذى من الماء" . وقال ابن جرير : "عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ... ﴾ [الأعراف : 172] ، قال : أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم : ﴿ ... أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ...﴾ [الأعراف : 172] ، قالت الملائكة : ﴿... شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف : 172](21) ، هذا الأصل صار عبر رحلة الماء الدافق إلى الأرحام أساس التخلق البشري الذي قال الله عنه : ﴿ فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾ [سورة الطارق:5-7]، وهذا وصف شامل للماء الذي يحمل هذا الأصل والذي يأتي من الرجل والمرأة وانه دافق ودافق بمعنى مدفوق ، والدفق الصب . قال الزجاج : "من ماء ذي اندفاق... فالدافق هو المندفق بشدة قوته "(22) .

 

وقد اشتمل الماء الدافق للرجل على السلالة التي جعل الله النسل منها ، والعاقل يقف متدبرا لهذا الماء الدافق  المشتمل على مالا يحصى من الحيوانات المنوية ، من المتحكم فيه وكيف كان الاختيار فيه للمنوي المخصص للشخص المخصوص إنه لا يسعنا إلا أن نقول سبحان الخلاق العليم .

 

وهذه نقطة الغيب التي لا يعلمها إلا الله فهو الذي يقدر اللحظة التي يتم فيها انتقال ذلك الأصل المحمول عبر الماء الدافق ، والتي يتم فيها الاختيار الخاص لسلالة الإنسان المعين ، واستنقاصها من بين ذلك الماء المتشابه في حيواناته التي لا يحصيها إلا الله الذي أحصى كل شيء عددا ، وقد اخبرنا الله عن هذه السلالة بقوله : ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾ [ المؤمنون : 12] .

 

 قال الشوكاني : " والمراد بالإنسان الجنس، لأنهم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم ، وقيل : المراد به آدم . والسلالة : فعالة من السل ، وهو استخراج الشيء من الشيء ، يقال سللت الشعرة من العجين والسيف من الغمد فانسل ، فالنطفة سلالة ، والولد سليل وسلالة أيضا ... والمعنى أنه سبحانه خلق جوهر الإنسان أولا من طين ، لأن الأصل آدم وهو من طين خالص ، وأولاده من طين ومني "(23).

 

وقال ابن كثير في قوله  : ﴿  ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾ [السجدة:8]، " سميت الذرية سلالة لأنها تسل من الأصل ، وتنفصل عنه "(24) .

 

وفي اللغة يأتي لفظ سلالة في اللغة بمعاني منها : ( انتزاع الشيء في رفق ) ، كما تعنى ( السمكة الطويلة )(25)، وإذا نظرنا إلى المنوي سنجده سلالة تستخلص برفق من الماء المهين ، ويشير القرآن الكريم إلى ذلك كله في قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾ [ سورة السجدة:8 ](26).

 

2-   الجسد :

 

بعد أن تصير سلالة الإنسان نطفة في الرحم تتخلق تلك النطفة وتأخذ في أطوار البناء للجسد، ولنستمع إلى القرآن يصف لنا ذلك التطور قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [سورة المؤمنون:12-14] ، وقوله تعالى : ﴿  ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾ ، هذا الجعل هو البداية الظاهرة لبناء الجسد الإنساني ، وهذه النطفة هي النطفة الأمشاج أي التي تم لها الإخصاب - اندماج المنوي في البويضة - فهي جزء من ماء الرجل وجزء من ماء المرأة ، وهي تأخذ شكل القطرة فهي نطفة ، ( وهي أمشاج لكونها تتكون من أخلاط متعددة  تحمل صفات الأسلاف والأحفاد لكل جنين )(27).

 

وفيها يبدأ الانقسام والتكاثر فيأخذ الجنين في أطواره إلى أن يتم إكمال بناء الجسد الإنساني عبر الأطوار التي تتبع طور النطفة ، هذه النطفة الأمشاج تعلق بها جانبان :

 

الأول - الخلق ، والثاني التقدير ، وفيما يلي تفصيل عن ذلك :

 

أ - الخلق :

 

وهو البداية لوجود الكائن الإنساني ، فالمنوي يوجد فيه (23) حاملاً وراثيا ، كما يوجد في البويضة (23) حاملا وراثيا. ويمثل هذا نصف عدد حاملات الوراثة في أي خلية إنسانية ويندمج المنوي في البويضة لتكوين الخلية الجديدة التي تحوى عددا من الصبغيات ( الكرموسومات ) مساويا للخلية الإنسانية (46) وبوجود الخلية التي تحمل هذا العدد من الصبغيات يتحقق الوجود الإنساني ، ويتقرر به خلق إنسان جديد لأن جميع الخطوات التالية ترتكز على هذه الخطوة ، وتنبثق منها ، فهذه هي الخطوة الأولى لوجود المخلوق الجديد .

 

 

ب- التقدير ( البرمجة الوراثية ) :

 

وبعد ساعات من تخلق إنسان جديد قي خلية إنسانية كاملة تبدأ عملية أخرى ، تتحدد فيها الصفات التي ستظهر على الجنين في المستقيل الصفات السائدة ، كما تحدد فيها الصفات المتنحية التي قد تظهر في الأجيال القادمة ، وهكذا يتم تقدير أوصاف الجنين وتحديدها ... وقد أشار القرآن إلى هاتين العمليتين المتعاقبتين : ( الخلق والتقدير ) ، في أول مراحل النطفة الأمشاج في قوله تعالى : ﴿  قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴾ [ سورة عبس:17-19 ].

 

ج- تحديد الجنس :

 

ويتضمن التقدير الذي يحدث في النطفة الأمشاج تحديد الذكورة والأنوثة وإلى هذا تشير الآية : ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾ [ النجم : 45-46]  ، فإذا كان المنوي الذي نجح في تلقيح البويضة يحمل الكروموسوم (y) كانت النتيجة ذكرا وإذا كان ذلك المنوي يحمل الكروموسوم (X) كانت النتيجة أنثى(28), فتدبـر في هذا الأصل الصغير ماذا ينبني عليه وهو يمثل البذرة التي تختزل أوصاف النبات وعلى أساسها تكون حياته ونماؤه .

 

-    الحرث ( الانغراس ) :

 

وتكتمل مرحلة النطفة الأمشاج باستكمال انغراسها في جدار الرحم وهو الحرث: " وفي نهاية مرحلة النطفة الأمشاج ينغرس كيس الجرثومة في بطانة الرحم بما يشبه انغراس البذرة في التربة في عملية حرث الأرض ... ويكون عمر النطفة حينئذ ستة أيام ، وطور الحرث هو آخر طور في مرحلة النطفة ، وفيها ينتقل الحمين من شكل النطفة ويتعلق بجدار الرحم ليبدأ مرحلة جديدة ، وذلك في اليوم الخامس عشر "(29) .

 

وقال ابن جرير في قوله تعالى : ﴿ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾ [المرسلات:21] : " ثم جعلنا الإنسان الذي جعلناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين وهو حيث استقرت فيه نطفة الرجل من رحم المرأة ، ووصفه بأنه مكين لأنه مكن لذلك ، وهيأ له ، ليستقر فيه إلى بلوغ أمره الذي جعله له قرارا ، وقوله : ﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ﴾ [ المؤمنون :14]   يقول : ثم صيرنا النطفة التي جعلناها نطفة في قرار مكين علقة . وهي القطعة من الدم. ﴿ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ﴾ [المؤمنون:14] ، يقول : فجعلنا ذلك الدم مضغة وهي القطعة من اللحم ، وقوله : ﴿ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا ﴾ [المؤمنون:14]  يقول : فجعلنا تلك المضغة من اللحم عظاماً "(30).

 

وقال الشوكانى : "﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ﴾ [المؤمنون:14] : أي أنبت الله سبحانه على كل عظم لحما على المقدار الذي يليق به ويناسبه ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ [ المؤمنون:14] أي نفخنا فيه الروح بعد أن كان جماداً ، وقيل : أخرجناه إلى الدنيا وقيل : هو نبات الشعر ، وقيل : خروج الأسنان ، وقيل تكميل القوى المخلوقة فيه ، ولا مانع من إرادة الجميع . والمجيء بثم لكمال التفاوت بين الخلقين ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [سورة المؤمنون:14] أي استحق التعظيم والثناء "(31) .

 

فهذه مراحل النمو (التخلق البشرى) بينتها الآية ، وبهذا نكون قد عرفنا كيفية بناء الأجسام عن ذلك الأصل .

 

3-   الروح :

 

الروح شيء من خلق الله لا يعلم حقيقته إلا الله ينفخه الملك في جسد الجنين . فيكون هو الحياة التي تسمى نفساً ، وبها يكون اكتمال نشأة الجنين . والروح من أمر الله تتعلق بالإنسان بعد تسويته كما أخبر سبحانه : ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [سورة السجدة:7-9] ، والآية تبين البداية التي يتم فيها تعلق الروح بالجسد وهي الفترة التي اكتملت فيها أطوار خلق الجنين ، ونجد تفصيل هذا فيما أخبرنا عنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال : «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد»(32). فالروح تسكن الجسد بنفخ الملك لها في جسم الجنين في بطن الأم فتتركب منهما النفس الإنسانية ، قال ابن كثير: "... فحاصل ما نقول إن الروح هي أصل النفس ومادتها والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن ؛ فهي هي من وجه لا من كل وجه ، وهذا معنى حسن والله أعلم "(33).

 

ثانياً كيفية تفكيك أجزاء الإنسان عند الموت :

 

قبل أن نعرف كيفية التركيب لجسم الإنسان في الآخرة علينا أن نتذكر كيفية التفكك الذي يحدثه الموت لأجزاء الإنسان .

 

فناء الروح :

 

من المعلوم أن الإنسان عند الموت أول ما يفنى منه الروح وذلك بعد خروجها من الجسد ومفارقتها له ، وهو موتها ، وذلك بإخراج الملك الموكل بقبض الأرواح لها ، ووضعها في برزخ النعيم أو برزخ العذاب بحسب عملها ، وهذه من أدق المراحل وأخطرها ؛  لذلك نجد القرآن يؤكد عليها ، وهي أول جزء يؤخذ من الإنسان عند فناءه ، وآخر جزء يضاف إلى الإنسان عند إعادته.

 

لقد جاءت الروح ومعها من يحملها وينفخها في الجسد ، وهي تفنى ومعها من يأخذها وينتزعها من الجسد قال تعالى : ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ  [ سورة الأنعام:61, 62] ، وقوله : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ ﴾ ، أي احتضر ، وحان أجله ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ ، أي ملائكة موكلون بذلك . قال ابن عباس وغير واحد : " لملك الموت أعوان من الملائكة ، يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم .. ﴿ وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾  ، أي في حفظ روح المُتَوفى ، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله عز وجل إن كان من الأبرار ففي عليين وإن كان من الفجار ففي سجين عياذاً بالله من ذلك "(34).

 

هنا يتوجه السؤال لإظهار عجز العاجزين ، وضعف الخلق أجمعين : ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ * فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ  [ سورة الواقعة:82-85] , إنه مشهد مهيب أذهل ناظريه ، وأظهر عجزهم الشديد أمام هذا الأخذ المتحكم بلا منازع ، لا يملك هؤلاء إلا التمني والترجي لبقاء حياة المحتضر ، ولكن هيهات فقد جاء أمر ربك وانتهي زمن الإمهال ، إنها نهاية صعبة لا قبول فيها لشافع أو صديق حميم ، وتؤخذ الروح وتوضع في عليين أو في سجين بحسب حالها في الدنيا .

 

فناء البدن :

 

ويعقب فناء الروح فناء البدن فبعد خروج الروح منه يصبح متغيراً إلاَّ الأنبياء ومن شاء من خلقه فيوضع في التراب ليتحلل إلى أصله التراب الذي جاء منه كما قال الله تعالى : ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾ [ سورة طه:55] ففنائها إعادتها إلى التراب .

 

قال الشوكاني ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ﴾ : "وما بعده راجع إلى الأرض المذكورة سابقاً . قال الزجاج وغيره : يعنى أن آدم خلق من الأرض وأولاده منه ، وقيل المعنى إن كل نطفة مخلوقة من التراب في ضمن خلق آدم لأن كل فرد من أفراد البشر له حظ من خلقه ﴿ مِنْهَا ﴾ [ سورة طه : 55] ﴿ وَفِيهَا ﴾ أي : في الأرض ﴿ نُعِيدُكُمْ ﴾ بعد الموت فتدفنون فيها وتتفرق أجزاؤكم حتى تصير من جنس الأرض ، وجاء (بفي) بدون ( إلى) للدلالة على الاستقرار, ومنها (أي : الأرض نخرجكم تارة أخرى) ، أي بالبعث والنشور وتأليف الأجسام ورد الأرواح إليها على ما كانت عليه قبل الموت"(35).

 

وفناء الأجسام محاط بعلم الله الذي أحاط بكل شئ علما فهو يعلم السر وأخفي وقد أكد الله هذا المعنى بقوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ [سورة ق: 4].

 

شرح ذلك ابن كثير قائلاً : " أي ما تأكل من أجسادهم في البلى نعلم ذلك ، ولا يخفي علينا أين تفرقت الأبدان ، وأين ذهبت ، وإلى أين صارت. ﴿ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ ، أي : حافظ لذلك ، فالعلم شامل ، والكتاب أيضاً فيه كل الأشياء محفوظة . قال العوفي(36): عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ ﴾ أي : ما تأكل من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم "(37).

 

أجساد الأنبياء لا تأكلها الأرض :

 

وفناء الأبدان خاضع للقانون الذي يختاره الله فما شاء أفناه ، وما شاء أبقاه ، وإن أجساد الأنبياء قد حرم الله على الأرض أن تأكلها ففي الحديث : عن أوس بن أوس(38) رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة : فيه خلق آدم ، وفيه النفخة ، وفيه الصعق ؛ فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي فقالوا : يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ - يعنى قد بليت -  قال :  إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله عليهم »(39) , وهذا من خصوصيات الأنبياء تكريماً لهم وتعظيماً ، وهو إعلام بعظيم قدرة الله عز وجل على فعل الشيء وضده فهو خالق السنن والقوانين سبحانه .

 

فناء الأصل الآدمي :

 

أما الأصل الآدمي ففناؤه ببقائه متفرداً ، وهو كالبذرة تحتفظ بخصائص النبات ، وهو أيضاً يحتفظ بخصائص الجسد , هذا الأصل يبقى في الأرض لا يتغير ولا يقع عليه الفساد ، ولا يؤثر عليه شيء قد أحاطت به قدرة الله عز وجل التي حفظت أصول كل الأشجار والنباتات اليابسة .

 

ثالثا كيفية تركيب أجزاء الإنسان عند البعث :

 

على أساس معرفة التركيب والتفكيك لجسم الإنسان في الدنيا ، نتعرف هنا على كيفية التركيب لإعادته يوم البعث.

 

وقبل التفصيل أضرب هذا المثل : إذا فككت آلة ثم أردت إعادة تركيبها فإن العادة قد جرت بالبدأ بآخر الأجزاء تفكيكا والانتهاء بأولها حتى يتم التركيب لذلك الجهاز أو تلك المكنة . إن هذه سنة ثابتة تكاد أن تعم كل المصنوعات والمركبات ولله المثل الأعلى فهو خالق الخلق وجاعل السنن في كل ما عمله سبحانه أو عملته أيدينا ، ومن ذلك سنته في كيفية إعادة تركيب الإنسان وهي :

 

 

أولا حفظ الأصل الآدمي :

 

إن الأصل الآدمي هو ذلك الجزء المتناهي في الصغر المتناسل من آدم عليه السلام، وهو أصل قد حفظه الله من البِلى والتغير ، كما حفظ أصول النباتات والأشجار وان مرت عليها سنون القحط والجدب ، فهو كتاب حفيظ اشتمل على الجينات (الكروموسومات) حاملات الوراثة ولعل الله يشير إلى هذا الكتاب الخلقي في قوله تعالى: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ  [ سورة ق:4] ، وهو حفيظ بمعنى حافظ أو بمعنى محفوظ ، والمعنيان مقصودان والله أعلم .

 

إنه محفوظ بقدرة الله التي حفظت أصول النباتات والأشجار ، وعلم الله محيط بكل ذلك ، وهذا الأصل حافظ في نفسه لكل الصفات والسمات الجسدية وعلى أساسها يكون تركيب الجسد مرة أخرى ففي الحديث عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى عليه وسلم قال : « كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب(40)  منه خلق وفيه يركب »(41)، فيبدأ التركيب من هذا الأصل بسريان الحياة فيه وإعادة سنة الانقسام والتكاثر فيه بعد نزول المطر على الأرض الذي هو كمني الرجال ؛ فتبدأ النشأة الثانية بقدرة الله .

 

وفي رواية لمسلم أيضا قال قال رسول الله صلى عليه وسلم : « إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً فيه يركب يوم القيامة ، قالوا : أي عظم هو يا رسول الله ؟ قال: عجب الذنب ».(42)

 

 

ثانيا تخلق الجسد :

 

في يوم البعث تعود الأجساد بعد بلائها وتنشأ في تراث الأرض فتنشر العظام وتكسى باللحم بقدرة الله عز وجل , وقد علمنا أن أصل هذه الأجساد هو الأصل الآدمي وأنه لها كالبذرة للنبات . ولعودة الحياة إلى الجسم مرة أخرى لابد من عمليتين أساسيتين أولهما دبيب الحياة في الأصل الآدمي ، وثانيهما نبات الجسم وتطوره عن ذلك الأصل ، وهاتان العمليتان تتم بتهيئة الحال المناسب لانتشار الحياة في الأصل الآدمي وقد توصل العلماء إلى ما يسمى بالحامض النووي DNA وأنه أساس التحكم في عمل الخلية(43)، وقد علمنا من الخلقة الأصلية أن الحياة تدب فيه بالماء المناسب وهو المني ، وفي الوسط البيئي المناسب وهو الأرحام . وهنا تتكرر السنة عند إرادة الخلق مرة أخرى فيرسل الله ماء مناسباً لحياته ، ويجعل الله الأرض رحماً عاماً لتشمل الإعادة كل الخلق ، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم:« ما بين النفختين أربعون ، قالوا : يا أبا هريرة أربعون يوماً ؟ قال : أبيت . قالوا : أربعون شهراً ؟ قال : أبيت . قالوا : أربعون سنة ؟ قال : أبيت ، ثم ينزل من السماء ماء ، فينبتون كما ينبت البقل ، قال : وليس في الإنسان شيء إلا يبلى ، إلا عظم واحد ، وهو عجب الذنب فيه يركب الخلق يوم القيامة »(44) ،  فإذا نزل هذا الماء فإن الحياة تنشأ في حامض ذلك الأصل وتبدأ الجينات تقوم بعملها بإذن ربها ويبدأ النسخ للأجناس البشرية ، وتبدأ عملية التكاثر والانقسام للخلايا الجسدية فينبت الجسم كما أخبر البني صلى الله عليه وسلم في الحديث : «فينبتون كما ينبت البقل» ، ولنقف عند صورة البقل وهو ينمو من بذرة البقل الصغيرة شيئا فشيئا ، تأخذ وتسترسل طولاً وعرضاً داخل التربة بقدرة الله سبحانه وتعالى ، وهكذا كيفية خلق الإنسان عند البعث ، لذلك يبعث الناس على حالتهم الأصلية فتعود إليهم الغرلة التي في مذاكيرهم ، وإن كانوا قد ختنوا في الدنيا ؛ فإن سجلها موجود في ذلك الأصل , وتعود الأجساد كما بدأت تماما .

 

إن الله يقول عن الخلق الأول : ﴿ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتًا  [سورة نوح:17] أي : أنه نشوء من الجزء الصغير إلى الجزء الأكبر ، وهو نمو من جزء واحد لا من مجموعة أجزاء - كالشجرة عندما تنبت لا تنبت من أصول متعددة - وإذا كان مبدأ الخلق كذلك فمعاد الخلق كذلك كما يوجبه النص ، فيعود الجسد من ذرة واحدة لا من جميع الذرات ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول عن مبدأ الخلق : « ما من كل الماء يكون الولد»(45)  وهذا معلوم عند علماء الأجنة أن المنى يحتوى على ما لا يحصى من المنويات ويكون الجنين من واحد منها فقط ، وعلى هذا يتم القول بأن ما من كل الذرات يعود الجسد يوم القيامة لقول الله تعالى : ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [سورة الأعراف:29] ، وهذه مقايسة في غاية الصحة والوضوح كما هو بين من التشبيه في الآية الكريمة .

 

معاد الأجساد حقيقة لا ريب فيه :

 

قد اشتهر الخلاف حول نوع معاد الإنسان في الآخرة : أهو معاد روحاني ، أم معاد جسماني ؟ وقبل الإجابة نسأل هل الجسد الذي يعيش من بلغ من العمر (40) عاما هو نفس الجسد الذي عاش به وهو ابن (30) عاما ؟ .

 

إن العلم اليوم يؤكد أنه ليس هو ، وذلك أن جميع خلايا الجسم تتغير إلا الخلايا العصبية ويستعيض عنها الجسد خلايا جديدة ولكن ، بنفس المواصفات والهيئات والوظائف ، وتصبح تلك الخلايا التي تخلص منها الجسم ذرات ميتة تستحيل إلى التراب(46)

 

فجسدك اليوم غير جسدك في الماضي وهو في نفس الوقت لا ينسب إلى غيرك لأنه مهما تغير يحمل صفات جسدك الأساسية لا صفات الغير ، والأصل الآدمي في الآخرة ينبت الجسم منه كما نبت منه في الدنيا وذلك بنشاط الخلية الأولى وانقسامها ، والخلية عندما تنقسم تحمل مواصفات الخلية التي انقسمت منها كاملة ، إلا أن بيئة التخلق في الآخرة عامة وهي تربة الأرض ، وبيئة التخلق في الدنيا محدودة وهي أرحام الأمهات وكذلك الوسط المائي في الآخرة عامُُ يسقي الأرض كلها . ولسنا يوم القيامة محتاجين إلى جميع خلايا أجسادنا السابقة ولكن يكفي الأصل الإنساني ( البذرة ) ليبنى الجسد على أساسه بحسب الجينات الكامنة فيه كما هو الحال في الدنيا .

 

 فالجسم في الآخرة هو نفس جسم الدنيا لأنه يحمل نفس مواصفاته وصفاته ولكن بصورة أتم وأكبر, وهنا يمكن أن نعرف أهمية الشرع بالنسبة للعقل ، وسنعرف أن العقل سباح ماهر ، ولكنه في المحيط ، لذلك يحتاج إلى قارب .

 

إن الشرع هو الهادي للعقل إلى السداد ، والمقيد له عن الضلال و التيه ، وخير مثال ما نحن بصدده من معرفة طبيعة البعث وكيفيته ، ولننظر كيف يصاب العقل رغم حسن جوهره وبهاء منظره بالإعياء بحثاً عن الحقيقة وما أقربها إليه لو التفت إلى الهدي القرآني والنور النبوي .

 

إن القرآن الكريم يخاطب كل المستويات العلمية في شتى الأزمنة والمواقع ، ولو رفض الناس دلالات القرآن بحجة أن العقول تحار في إدراكها لكان ضلالا فليس معيبا قبول ما تحار فيه العقول وهي لا تستحيله إذا جاء من خبر الغيب الصادق , إن الكشوف العلمية اليوم تكشف لنا الحيرة في كثير من الأمور وتصير الأمر غير المقيس كالأمر المقيس .

 

وعلى ضوء ما كشف للناس من العلوم لو قلنا : بالقول الأول إن الجسد في الآخرة جسد جديد لا يلزم أن يكون أصله الجسد الأول لكنا مخطئين لخروجنا على أصل السببية، وهي سنة في الخلق الأول ، وقد أخبرنا الله أن الخلق الثاني كالخلق الأول في قوله سبحانه  : ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ  [ سورة الأعراف:29] فلابد من بذرة ، ولابد من غذاء  الأرض ولابد من ماء . ولو قلنا : بالقول الثاني إن الجسد في الآخرة هو نفس الجسد بمعنى أن الذرات هي نفس الذرات بأعيانها والتي استحالت ترابا وصارت من خصائصه المحايدة في الغالب ، لكنا أيضا مخطئين لأن هذا يستلزم وجوب عدم تحلل خلايا أجسام الموتى ، وهذا لا يكون إلا لبعض عباد الله ومنهم الأنبياء وليس في ذلك من شأن إلا التكريم الخاص ، والاستحالة(47) مع الإعادة تستوجب بقاء الأصل ، والأصل محفوظ وعليه يتركب الجسد مرة أخرى وهو الصحيح . فلو كانت الاستحالة بل إبقاء للأصل لكان المعاد مستحيلا وليس في الشرع الصحيح مستحيل يلزم قبوله ، ولكن يكفي للمعاد بقاء الأصل وحفظه بقدرة الله وعلمه  كما حفظه من قبل لتقدير ما تحتاجه الأجساد لتركيبها للمعاد والله الهادي إلى طريق الرشاد، ولا ضرورة توجب تعليل معاد جميع الذرات بقدرة الله مع وجود سنته هذه في خلقه ولا تبديل لخلق الله .

 

ثالثا عودة الأرواح إلى أجسادها :

 

بعد اكتمال الأجساد يبث الله الأرواح ويرسلها إلى أجسادها وتأتي كل روح فتتعرف على جسد صاحبها فتدخله وذلك عند نفخة الإحياء - النفخة الثانية - ففي الحديث : « إن الله تعالى يقول لإسرافيل : أنفخ نفخة البعث، فينفخ فتخرج الأرواح كأمثال النحل ، قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الله عز وجل : وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده , فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد  ثم تدخل في الخياشيم فتمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنكم وأنا أول من تنشق عنه الأرض فتخرجون منها شبابا كلكم أبناء ثلاثا وثلاثين 000 الحديث »(48), (49).

 

هذه الحال مشابهة لحالة الجنين في بطن أمه ، إذا اكتمل تخلقه أرسل الله إليه ملكا فينفخ فيه الروح كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه السابق(50) فتتحرك الأجساد بالحياة وتصير كاملة الحياة فتقوم من رقدتها ، وتنشق الأرض ، عنهم كما تنشق عن النبات فيخرج الناس أحياء فذلك  هو البعث وهذه هي كيفيته.

 

 

 

أدلة الإيمان بالبعث

 

 1- الإخبار عنه في القرآن والسنة :

 

إن الذي خلق اليوم الآخر وخلق الجنة والنار قد أخبرنا عما أعد لعباده المؤمنين ، وتوعد به الكافرين ، فقال تعالى : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾  [ سورة الحج:6, 7] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ  [ سورة الذاريات:5, 6]، وقال تعالى: ﴿ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ  [ سورة القيامة:1-4] ، وقال تعالى : ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [ سورة التغابن:7] ، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا عن اليوم الآخر وهو الذي زار الجنة وراء النار في ليلة الإسراء والمعراج فهو شاهد العيان الصادق الذي لا ينطق عن الهوى فقال صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عن الإيمان :« أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»(51).

 

كما ذكرت السنة النبوية كثيراً من تفاصيل أحداث اليوم الآخر كالبعث والحشر والموقف والحساب والصراط والميزان والجنة والنار.

 

ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : « تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً» (52) ، قَالَتْ عَائِشَةُ : «فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟ فَقَالَ : الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ »(53) .

 

ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في ذكر النفخات التي تسبق قيام الناس من القبور، وفيه : « ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ »، قال : « لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلاَّ يَبْلَى إِلاَّ عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ »(54).

 

وإخباره صلى الله عليه وسلم عن الميزان بقوله : « مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيء »(55).

 

وقوله صلى الله عليه وسلم في وصف الصراط : « وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ ، وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَبِهِ كَلاَلِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ(56)، قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، غَيْرَ أَنَّهَا لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللَّهُ ، فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، مِنْهُمُ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ ، وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو ... »(57).

 

قال صلى الله عليه وسلم عن القنطرة : « إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ(58)  بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا »(59) .

 

وقال صلى الله عليه وسلم: « إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا ، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا ، وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ.. »(60)

 

وقال صلى الله عليه وسلم : « قَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ ، حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا ، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ : أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ – حسبت أنه قال : تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ. قُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذِهِ ؟ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا ، لاَ هي أَطْعَمَتْهَا وَلاَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ –» قال نافع : "حسبت أنه قال : «مِنْ خشيش أو خَشَاشِ الأَرْضِ» "(61).

 

2- استحالة العبث ، ولن نترك سدى :

 

إن الحياة الدنيا بدون الحياة الأخرى تكون عبثاً، وتعالى الله عن العبث، فالحكمة ظاهرة في تضاعيف هذا الكون وبنائه وفي جميع خلايا الإنسان وأجهزته, وكل جزء في كيان الإنسان قد خلق لحكمة، فكيف تكون الحياة بأكملها عبثاً لا حكمة من ورائها ؟ فلابد أن هناك حكمة ، وإذا كانت لا تظهر في الدنيا فلابد من يوم آخر تظهر فيه، قال تعالى : ﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى  [سورة القيامة:36-40] .

 

3- العدل الإلهـي :

 

إذا رأيت جباراً يعتدي على طفل صغير فإن مشاعرك ستتحرك مستنكرةً لذلك العدوان ، ولكل ظلمٍ تراه , ولو أن حماراً يرى نفس المنظر للظالم ما تحركت مشاعر كراهية الظلم لديه، ذلك لأن الذي خلقك قد فطرك على حب العدل(62) ولم يفطر الحمار على ذلك .

 

وكل مخلوق من البشر قد فطر على نفس ما فطرت عليه أنت ، ولو جمعنا حب العدل الذي قسم بين الأولين والآخرين وفي نفوس الأنبياء والفضلاء والصالحين لما كان إلا قبساً من عدل الله العظيم لأن حب العدل صفة كمالٍ ، والخالق أكمل من مخلوقاته فهو صاحب العدل الكامل سبحانه .

 

ومن العدل أن يثاب المحسن ويعاقب المسيء ، فإذا عرفنا أن عدل الإنسان يأبى التسوية بين الظالم والمظلوم والمطيع والعاصي، وعلمنا أن الله هو صاحب العدل المطلق والكمال الأعلى ورأينا موازين العدل لا تتحقق كاملة في الحياة الدنيا جزمت العقول بأن الله سيقيم العدل الكامل في حياة أخرى ، كما قال سبحانه : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ  [ سورة الجاثية:21] ، وقال تعالى : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ [ سورة القلم:35, 36] ، وقال تعالى : ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ [ سورة الأنبياء:47] .

 

4- دليل الحق :

 

لو أنك زرت بلداً متحضراً في حياته المادية ، ورأيت جميع الشوارع في جميع المدن معبدةً منارةً بأعمدة الإضاءة فإنك ستستنتج أن قانون هذه الدولة ونظامها يقضي بتعبيد الشوارع وإنارتها .

 

فإذا دخلت شارعاً في مدينة من هذه المدن ، ورأيت الحفريات وأعمدة الإضاءة ملقاةً على الأرض ومتناثرة فيه ستجزم بأن هذا الشارع لا بد أن يعبد ، ولا بد أن يضاء بالنور وأن تقام فيه أعمدة الإضاءة كبقية الشوارع في تلك البلاد، وجميع تلك المدن وفقاً لقانون تلك البلدة ونظامها ؛ لأن الحكومة التي من شأنها تعبيد الطرق وإضاءتها لا تترك هذا الشارع شاذاً عن نظامها ، إذا عرفت ذلك فتأمل في هذا الكون الذي أقام الله بناءه بالحق .

 

لقد خلق الله السماوات والأرض بالحق ، فانظر إلى خلايا جسمك وأنسجته وأعضاءه وأجهزته، سترى أن كلاً منها في موضعه الصحيح وشكله الصحيح ويؤدي وظيفته الصحيحة وأنها جميعاً قد خلقت بالحق شكلاً ووظيفة وموضعاً. وإذا تأملت في أجزاء سائر الحيوانات والنباتات وجدت ما تجده في نفسك من وضع كل شيء في موضعه المناسب وبحجمه وشكله الصحيح المناسب لوظائفه .

 

وإذا درست الأرض وتركيبها ستجد أن كل أجزائها من هواء وماءٍ وأرض وصخور وموقع في المجموعة الشمسية قد وضعت في أماكنها الصحيحة المناسبة لحياة ما عليها من كائنات .

 

وإذا تأملت في الشمس والقمر والنجوم والكواكب وجدتها بأحجام ومدارات وتركيب وسرعات محكمة موزونة متقنةٍ متناسبة مع كل جرم من تلك الأجرام ومتناسقة في بناء كامل قامت عليه السماء ، فيدلك ذلك على أن الحق الذي هو وضع الأمور في نصابها هو القانون الإلهي الذي قام عليه بناء الأرض والسماء .

 

والاستثناء هو ما تراه في حياة الناس ، فنجد الظالم مكرماً والمظلوم مهاناً في أحيان كثيرة. وقد نجد النبي المرسل مطارداً يؤذيه السفهاء ، وتجد العبد المتأله يعبد من دون الله، فلا ترى سنة إقامة الحق الذي شمل الأرض والسماء كاملة التحقق في حياة البشر .

 

فيدلنا ذلك على أن الذي أقام الحق في أجزاء الكون لابد أن يقيمه في حياة الناس ولابد أن تخضع حياة الناس للقانون الذي خضع له الكون . وما دام هذا القانون غير متحقق في الدنيا، فلابد من يوم آخر يقام فيه الحق ، كما قال تعالى : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ  [ سورة الجاثية21, 22] .

 

5- الأطماع الواسعة وحب الخلود :

 

لو نظرنا إلى خلق الأطراف (اليدين والرجلين) عند الجنين في رحم أمه ما فهمنا الحكمة من خلقها ، إذ أنه لا يمكنه استخدامها في ذلك المكان الضيق حيث لا تقوم الحاجة إليها. ولن تظهر الحكمة منها إلا عند خروجه من ذلك المكان إلى مكان أرحب حيث يحتاج لتلك الأطراف في السعي في الأرض . إذاً فخلق تلك الأطراف وإحكامها كان من أجل مرحلة تالية من الحياة .

 

والذي يقصر نظره على طور الرحم سينكر الحكمة من خلق تلك الأطراف عندما يراها لا تؤدي وظيفة. لكن الإحكام في خلق تلك الأطراف مشاهد، وإنكاره باطل، وعدم ظهور الحكمة في الطور الأول لا ينقض الإحكام ولكن يدل على ضرورة وجود طور آخر تظهر فيه الحكمة من ذلك الخلق الزائد عن سعة الرحم وحاجة الجنين في تلك المرحلة. وكذلك الأطماع الواسعة للإنسان في هذه الدنيا وحبه للخلود لا تتسع الحياة الدنيا على الأرض لتلبيتها، فكلما تحقق للإنسان مكسب من مكاسب الحياة سعى إلى مكسب آخر، وان أعطي وادياً من مال طلب آخر، كما قال صلى الله عليه وسلم : « لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى ثَالِثًا، وَلاَ يَمْلأَ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ »(63).

 

ولو امتلك الإنسان نصف الأرض لطلب النصف الآخر ، ولو أعطي الأرض كلها لسلك سبيلاً إلى القمر . ولو عرض عليه أن يعمر ألف عام أو مليون عام أو أكثر من ذلك لطلب المزيد ، ولن يرضى إلا بالخلود . وما زلت قدم أبينا آدم عليه السلام من قبل إلا طمعاً بالخلود والملك الذي لا يبلى، كما قال تعالى : ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى  [ سورة طه:120] .

 

فهذان دليلان من فطرة الإنسان على أن حاجة فطرته أكبر من هذه الأرض وعمرها. ولما كان الخالق حكيماً لا يعبث ، والأرض لا تكفي لتلبية هذه الفطرة ، فالعقل يقضي بأن هناك طوراً آخر خلقت من أجله هذه الفطرة الزائدة عن حجم الأرض وعمرها ، قال تعالى : ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ  [سورة ق:34, 35] .

 

6- دليل البدء والإعادة :

 

إن نسمة الهواء (الأوكسجين) التي تتنفسها تتحول في جسمك إلى ثاني أكسيد الكربون الذي تأخذه الأشجار فيعود مرة أخرى نسمة جديدة من الأوكسجين انظر ص : 85،87 , وإن ماء النهر يجري إلى البحر ثم يتبخر فيكون سحاباً ثم يصب مطراً فيعود أنهاراً تصب في البحار ، وإن صخور الأرض التي نعيش عليها تدخل في باطن الأرض فتصهر في باطنها الناري لتخرج حممًا بركانية فتعود صخوراً مرة ثانية على سطح الأرض .

 

وإن الصباح يأتي ثم يعقبه الليل ثم يعود الصباح مرة أخرى ، والقمر يبدأ هلالاً ثم يكتمل بدراً ثم يعود هلالاً كالعرجون القديم ، وإن النجم يبدأ من سحابة من دخان ثم ينفجر فيعود دخاناً .

 

إن الكون كله بدأ بانفجار عظيم ثم أخذ في التوسع وسيعود كما بدأ أول مرة ، فسنة الله في الكون بدء وإعادة ، وكما بدأ الله خلق الإنسان فسوف يعيده مرة أخرى، كما قال تعالى : ﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  [ سورة الروم:11] ، وقال تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  [ سورة الروم:27] ، وقال سبحانه : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [سورة العنكبوت19, 20] ، فالذي شأنه أن يعيد الخلق كما بدأه قادر على يعيد خلق الإنسان كما بدأه ، وهو سبحانه يرينا كيف يحيي المواد الميتة ، قال تعالى : ﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ [فاطر:9] ، وقال تعالى : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ سورة فصلت:39] ، وقال سبحانه : ﴿ وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا  [سورة مريم:66-68] .

 

7- دليل الثواب والعقاب :

 

ما جعل الله الدنيا دار جزاء ولكن كادت الدنيا أن تكون دار جزاء ، فكم نرى من المجرمين قد أحيط بهم بعد طول أجرام ؟ ! وكم من المظلومين يقتص الله لهم ممن ظلمهم ؟! وكم أخذ الله الأمم الكافرة بعد قوة وتقلب في البلاد ؟! وكم أجاب الله دعاء المؤمنين بالنصر على أعدائهم . فعندما استقام المسلمون على دينهم كان نصر الله يتنزل عليهم ، وعندما انحرفوا سلط الله عليهم أعداءهم, وعندما جاءت الدول الاستعمارية محاربة للإسلام ظالمة للمسلمين ؛ ثارت عليها الشعوب المظلومة وطردتها من بلادها. وعندما نشر الاتحاد السوفييتي الكفر والظلم والفساد حطمه الله وهو في أعز قوته.

 

 وهكذا من يتأمل في حياة الأفراد والأسر والمجتمعات يجد أن الدنيا تكاد تكون دار جزاء يعاقب فيها المسيء ويكافأُ فيها المحسن ، وإذا تأملت هذا جلياً فإنك ستصل إلى نتيجة تدلك على أن الذي عجل للكافرين والظالمين بعض ما يستحقون من العذاب لابد أن يوفيهم في الدار الآخرة ما يستحقون من العقاب، كما قال سبحانه عن قوم عاد : ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ﴾ [ سورة فصلت:16] ، وقال تعالى عن المنافقين : ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ  [سورة التوبة:101] .

 

وكما يعجل الله بعض العقاب للكافرين فإنه يعجل للمؤمنين بعض حسناتهم في الدنيا ويوفيهم أجورهم يوم القيامة. قال تعالى عن المؤمنين : ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ  [سورة النحل:30] ، وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ ﴿ (النحل:122) ، وقال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  [ سورة النحل:41] ، فيكون بعض الثواب والعقاب من الله في الدنيا دليلا على الثواب والعقاب الكاملين في الدار الآخرة .

 

8- ظهور علامات الساعة :

 

لقد أخبرنا رسول الله صلى الله وسلم بأحداثٍ ستقع في الدنيا ، تكون علامات على قرب الساعة فشاهدنا الكثير منها(64)، مثل ما جاء في حديث جبريل عندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمارات الساعة فقال : «.. أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ...»(65) ، وقد وقع ذلك بشيوع التسري (اتخاذ الإماء) فتلد لسيدها بنتاً تضم إلى أسرته وتبقى هي في الإماء ، وبعد ظهور النفط والمعادن رأينا من كانوا حفاة عراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما شاهدنا من علامات الساعة يؤكد صدق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة والآخرة. وكما رأينا هذه العلامات في الدنيا حقاً فسنرى الجنة والنار حقاً، وسيجد كل فريق ما وُعد به ، يقول تعالى : ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ  [ سورة الأعراف:44].

 

 

 

ثمار الإيمان بالبعث

 

 

 

إن لكل شيء نؤمن به أثر يظهر على ذواتنا وأعمالنا ومقاصدنا ونشاطنا ورغباتنا زيادة ونقصا بحسب ذلك الشئ ، وليس من شئ أعظم من أمر المبدأ الذي أتينا منه ، ولا أعظم من أمر المعاد الذي ننتهي إليه ، فهما أعظم ما يشغل الإنسان العاقل وينفعل له .

 

وقد ذكرت في بدء البحث بعض تفاصيل المبدأ ثم استعرضت أمر المعاد العظيم ذلك المورد الجامع لكل شخص خرج من بطن أمه ، وذلك القيام الأعظم لرب العالمين .

 

وإن من عرف المعاد وآمن به لابد أن يغير من طبيعة حياته ، ونوعية اختياراته وأسبقية أولوياته ، فإنه المصدر الثاني لمادة التقوى بعد الإيمان بالله ؛ ففي المبدأ تتجلي آيات الله ، وفي المعاد يتحقق لقاؤه ، وهذه آثار الإيمان بغيب البعث لمن بلغ الإيمان به حد الشهادة أو أزيد .

 

 

المطلب الأول

 

قبول هدي الله واتباعه

 

 

 

بعد أن تيقنا أن الله هو الذي أبدأنا وأنه سيعيدنا ، يلزمنا أن نؤمن بضرورة الهدى الإلهي ، فإن فترة مابين المبدأ والمعاد بدون الهدي جهل وضلال ، وتعالى الله أن يترك خلقه بلا هدي كيف وقد تقررت هذه الضرورة عند مبدأ الخليقة حين أهبط آدم إلى الأرض ولابد من أمر الله تكميلا لخلقه وتحقيقاً لوعده في قوله : ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ  [سورة البقرة:38] .

 

وهدي الله كتبه المنزلة على الأنبياء المؤيدين بالمعجزات ، وقد ختم الكتاب بالقرآن الكريم المصدق لما قبله والمهيمن عليه، وختم الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى الناس جميعا .

 

وإن الإنسان يسعى للسعادة ويحرص على مجانبة الشقاوة ، وإن الخالق هو العليم بالأسباب المستوجبة للسعادة ، والأسباب الموصلة إلى الشقاوة ، قد جعل لذلك هدياً موجب للسعادة اتباعه وموجب للشقاوة إجتنابه .

 

وهدي الله عين الحق لأن مصدره الله ؛ فإذا ابتغينا الهدى في غيره ضللنا ، وأخطأنا ، وظلمنا أنفسنا .

 

وهدي الله كامل غير ناقص شامل لشئون الإنسان والحياة كلها الدنيوية والأخروية فلا سبيل للخطأ أو النقص إليه أبدا ، وهدي الله ضرورة لكل أمة ، فما من أمة إلا وأرسل الله إليها رسولاً يعلمها الهدى والنور حتى لا تبقى حجة للخلق على الله يوم القيامة .

 

فالخسران الذي ما بعده خسران هو مجانبة هدى الله عز وجل قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ﴾ [سورة طه:124-126] .

 

فإذا كان المبدأ منه والمعاد إليه لزم السؤال عن المعنى الذي خلق له الإنسان على سبيل التفصيل والإيضاح لا على سبيل الإجمال والإبهام فإن الإجابة هي ما جاء به الكتاب مفصلا وبلغه النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً .

 

وكل من يؤمن بالبعث واليوم الآخر لابد أن يؤمن بالكتاب كما قال الله : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [سورة الأنعام] .

 

وذلك لما بينهما من التلازم وهو كون المعاد لشئ عظيم ، وهذا الشئ هو ما تضمنه الهدى الإلهي قال الشوكاني : " والمعنى أن من حق من صدق بالآخرة أن يؤمن بهذا الكتاب ويصدقه ، ويعمل بما فيه ؛ لأن التصديق بالآخرة يوجب قبول من دعى الناس إلى ما ينال به خيرها ويدفع به ضرها " (66).

 

أما من لم يؤمن بالآخرة لا يجد معنى يدفعه للإيمان بالكتاب ، إنه يشعر بالإستغناء عنه ، إنه لا يرى له ضرورة ، ولا يشعر بمسؤولية ، فكان الفارق والبعد بين الكتاب وحامله وبين هذا كبير.، حتى ولو جهر به حامله على الأسماع فإن بينه وبين هذا المعرض حجاب من الغفلة والانصراف مما يجعله كمن لا يسمع فهو كما قال الله : ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا  [سورة الإسراء:45] ، يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : وإذا قرأت يا محمد على هؤلاء المشركين القرآن جعلنا بينك وبينهم حجاباً مستورا . قال قتاده ، وابن زيد : هو الأكنة على قلوبهم كما قال تعالى : ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ [سورة فصلت:5] ، أي مانع حائل أن يصل إلينا مما تقول شئ ، وقوله ﴿ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴾ أي بمعنى ساتر كميمون ، ومشئوم بمعنى شائم ، ويامن لأنه من يمنهم وشؤمهم ، وقيل مستورا عن الأبصار فلا تراه وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى؛ ومال إلى ترجيح هذا ابن جرير رحمه الله(67) .

 

قال ابن عاشور : " ولما كان إنكارهم للبعث هو الأصل الذي استبعدوا به دعوة النبي صلى الله عليه وسلم حتى زعموا أنه يقول محالاً ؛ إذ يخبر بإعادة الخلق بعد الموت.. استحضروا في هذا الكلام بطريق الموصولة ، لما فى الصلة من الإيماء إلى علة جعل ذلك الحجاب بينه وبينهم فلذلك قال : ﴿ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ .. ﴾ [الإسراء:45] "(68).

 

وقد نجد من يؤمن بالله إيمان المبدأ ولا يؤمن بالمعاد وهذا لا ينفع صاحبه فكفره بالمعاد أبطل إيمانه بالمبدء ؛ إذ لا معنى للإيمان برب خلق الخلق ثم راح وتركهم كما يعتقده هؤلاء .تعالى الله الحي القيوم عن ذلك علواً كبيرا، وهولاء سريعاً ما ينصرفوا عن الله إلى غيره .

 

وإن هناك علتان للإعراض عن الهدي الإلهي : الإنكار ، والاستكبار وهما نتاج عدم الإيمان بالآخرة قال تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ [سورة النحل:22] .

 

أما الإنكار : فهو إنكار قلوبهم لشرع الله وهديه ؛ لأن من لا يؤمن بالآخرة لا يجد معنى للهدى ولا مبرر له ، بل الحياة عنده فلتة لا غاية لها ، وطفرة من اللذائذ والآلام ؛ فهو مستنكر لشئ اسمه نظام أو آداب أو أخلاق أو فضيلة ؛ إذ لا قيمة لها في نظره ، فإن قيمة الشئ ما استلزم المحاسبة عليه ، ولا معاد في حسبانه تكون فيه المحاسبة .

 

وأما الكِبر : فإن من لا يؤمن بالآخرة لا يشعر بسلطان قاهر عليه فيتولد في نفسه الاستغناء فتتغلب عليه روح الكِبر والتعالي ، يرفض أي مبدأ يستنقص من غلواء كبره ، ولضاضة عتوه ، فهو لهدى الله مفارق ولشرعه مشاقق ولأولياء الله مبغض محارب ، حاله كما قال الله : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [سورة الزمر:45] ، فالانقباض والتوتر عند ذكر الله من سمات من لا يؤمن بالآخرة .

 

وإن الهدى الإلهي هو صراط الله المستقيم الموصل إلى الجنة وهو الذي قال الله عنه : ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [سورة الأنعام:153] ، إن صراط الله مستقيم شكلاً لا اعوجاج فيه ، ومضموناً لا باطل فيه، وغاية لا شقاوة معه ، وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن هذا الصراط مبتعدون كما قال الله : ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾ [سورة المؤمنون:74] ، أي عنه مائلون عدول, فإذا كان هذا هو حال من لم يؤمن بالآخرة ، فإن المؤمن بها على العكس من ذلك .

 

والإهتداء لا يتم إلا باتباع الكتاب المنزل والتأسي بالنبي المرسل لأنه الذي ارتضى الله سنته وهديه للناس : ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ... ﴾ [الأنعام:124] ، فكان التقيد بسنته ، شرطه الاهتداء ، ومن علم هذه الحقيقة وتيقن لقاء الله خشي على نفسه المخالفة وقد قال الله تعالى : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [سورة الأحزاب:21] والأسوة من الائتساء وهو الاقتداء فمن كان له أمل في الآخرة فلا يلقى الله إلا وهو متبع للكتاب مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا يلزمنا التقيد بهدي الله وشرعه في جميع مناحي الحياة .

 

 

المطلب الثاني

 

النجاة من الشيطان الرجيم

 

 

 

ليس هناك أخطر من الشك من لقاء الله ،أو الريب في وعده ، وإن العمل الأول للشيطان هو التشكيك بوعد الله ،ثم التزيين للمعصية والتحلية لها .

 

إن وسائل الشيطان لإضلال بنى آدم مصدرها الشك أو الشهوة ، والشهوة لا تتحكم إلا بقدر ما تتحكم الشبهة ، أو بانقطاع الشعور عن معاني اليقين بالغفلة ؛ لذلك فإنه « لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن»(69).

 

ولا يكون للشيطان سلطان على من يؤمن بالآخرة إذ لا سبيل للشك إليهم إلا بقدر النسيان والغفلة ولكنهم لإيمانهم ويقينهم بقرب لقاء الله يتذكرون فتنقشع عنهم الجهالة والغفلة فيبصرون كما قال الله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [سورة الأعراف:201] ، فلا يتمكن من الفتك بهم .

 

وإن الله ابتلى الناس بالشيطان ليظهر من يؤمن بوعد الآخر ممن هو منها في شك كما أخبر : ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ  [سورة سبأ20, 21] ، ( أي : إنما سلطانه عليهم ليظهر أمر مَن هو مؤمن بالآخرة ، وقيامها والحساب فيها والجزاء فيحسن عبادة ربه عز وجل في الدنيا ممن هو منها في شك )(70) ، فلا سلطان له على أهل اليقين بالآخرة ، وذلك لانتفاء الحيرة والتردد الذي يوجده الريب فلا يتمكن من مخادعتهم وإضلالهم ، ولمسارعتهم إلى التوبة عند الغفلة ، ولكن يبقى سلطان الشهوة يكابدها المؤمن ثم يتغلب عليها بيقينه الذي يورثه الاستهانة بشهوات الدنيا لتذكره نعيم الآخرة ، ويورثه الخوف من عاقبتها لتذكره عذاب الآخرة .

 

أمّا أولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة فإن وساوس الشيطان ووعوده تأتيهم من كل جانب كالأمواج المتلاطمة ، وكالصواعق المفزعة ، حالهم كما قال الله : ﴿ أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [سورة مريم:83]،إنهم في لجاج بحر وُعُوده، وتزييناته وزخارفه؛ لا سفينة تحملهم ، ولا شاطئ يعصمهم، فهم في ريبهم يترددون ، قد يئسوا من الآخرة؛ فسلموا للشيطان قيادهم فهم من حظه وجنده صدق فيهم قول الله : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ [سورة الأعراف:27] .

 

أما المؤمن بالآخرة فيعلم أن وعود الشيطان كاذبة وتزييناته خادعه فلا تنطلى عليه الشبه ، ولا يؤثر الفاني على الباقي ، فيحرز نفسه بما يوجب أن يحترز به - من ذكر الله عز وجل ، وتذكر لقاء الآخرة .

 

 

المطلب الثالث

 

الخوف والإشفاق

 

 

 

إن اليقين بالبعث يجعل صاحبه خائفا من لقاء الله لا على سبيل القنوط من رحمة الله - فرحمة الله واسعة - ولكن على سبيل الإشفاق الذي وصف به أهل الجنة أنفسهم عند تزاورهم كما قال الله : ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ [سورة الطور:25, 26] ، والإشفاق هو : الحذر من قولهم ، ( أشفقت من الأمر: إذا رققت وحاذرت)(71) ، فلربما استنفد المؤمن جزاء عمله بما أعطى من الدنيا مع أنه لا يسلم من الغفلة التي بها ينال منه الشيطان ما ينال لذلك فإن المؤمن بالبعث يستحضر مشاعر الخوف دائما ، كتب محمد ابن النصر الحارثي إلى أخ له : "أما بعد فإنك في دار تمهيد ، وأمامك منزلان لابد من أن تسكن أحدهما ، ولم يأتك أمان فتطمئن ، ولا براءة فتقصر والسلام "(72).

 

- وللخوف آثار منها :

 

1- التقوى :

 

وهى توقي سخط الله بفعل ما أمر وترك ما نهى عنه وزجر ، وهذا التوقي لا يتأتى إلا ممن خاف الحشر إلى الرب سبحانه كما قال الله : ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ... ﴾ [الأنعام:51] ، وخص الذين يخافون أن يحشروا لأن  الإنذار يؤثر فيهم ، لما حل بهم من الخوف ، بخلاف من لا يخاف الحشر من طوائف الكفر لجحوده به وإنكاره له ، فإنه لا يؤثر فيه ذلك (73) .

 

2- المسارعة في الخيرات :

 

وذلك بعدم تأخيرها ، والإستزادة من الأعمال الصالحة فوق الواجبات من الأمور المستحبات خوف الفوات، كان مطرف بن عبد الله بن الشخير (74) يقول : "يا أخوتي اجتهدوا في العمل فإن يكن الأمر كما نرجو من رحمة الله وعفوه كانت لنا درجات في الجنة ، وإن يكن الأمر شديد كما نخاف ونحاذر لم نقل :ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ، نقول: قد عملنا فلم ينفعنا "(75) ، هذا هو حال أهل العزم والكياسة ممن وجلت قلوبهم فرقا من لقاء الله ،وهم الموصوفون بقوله : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ  [ سورة المؤمنون60, 61] ، قال ابن كثير(76): " أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشرط الإعطاء ". وهذا من باب الإشفاق والاحتياط كما قال الإمام أحمد : «عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : يا رسول  الله : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ.. ﴾ [المؤمنون:60] ، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل ؟ قال : لا يا بنت الصديق ، ولكنه الذي يصلي ، ويصوم ، ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل »(77) ، والعاقل يسارع في الخيرات خشية الفوات ، فإن الدنيا فرصة قال الأصمعي(78) : أنشدني رجل من أهل البصرة

 

فمالك يوم الحشر شئ سوى الذي *** تزودته قبل الممات إلى الحشر

 

     إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا *** ندمت علي التفريط في زمن البذر(79)

 

3- الاعتبار بما حل في الأمم السابقة :

 

إن المؤمن الذي عرف ما وراء الوجود من واجب الوجود جل جلاله ينطلق في الحياة فيشاهد مصارع الأولين ، وآثار ديارهم المخربة ، وحصونهم المدمرة ، فيرتعب لتلك المشاهد أن أُخِذ أهلُها في غفلة ، وقد كانوا أقوياء ذوي كثرة، فما أغنى عنهم غناهم ولا دفعت عنهم قوتهم لما جاءهم العذاب ، لقد كانت لهم آلهة مدعاة يعبدونها من دون الله ،وهم وهي من خلق الله !،وكانوا يحسبون أنها ستدفع عنهم النقم وتصرف عنهم المحن ،فحان عليهم الدهر وأحاط بهم القهر : ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ  [سورة هود:101] .

 

إن من بلغ به الإيمان بلقاء الله حد اليقين اعتبر بما حصل للأمم السابقة من العذاب - كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، وذلك لعلمه بأن الله من ورائهم محيط ، وقد أخذهم علي حالهم لينالوا كمال العقوبة في الآخرة ، فكان ذلك الأخذ آية مشاهده دالة على لزوم محاسبة الناس على أعمالهم : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ [ سورة هود:103] ، وقد كان المشركون من أهل مكة يمرون علي ديار من أخذوا بالعذاب - كقوم لوط فلا يتأثرون لعدم رجائهم للآخرة ؛ فانعدم الخوف من نفوسهم فلم يعتبروا بمرورهم ذلك كما قال الله : ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا  [سورة الفرقان:40] ، والقرية : ( يعني قرية قوم لوط وهي سدوم التي أهلكها الله بالقلب وبالمطر من الحجارة التي كانت من سجيل …. ﴿ بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا  [سورة الفرقان:40] ، أي معادا يوم القيامة )(80) لهذا كله كان الخوف من لقاء الله مادة كل خير والأمان من غضب الله مادة كل شر...

 

 

المطلب الرابع

 

رجاء الآخرة

 

 

 

إن من أهم آثار الإيمان بالبعث حصول الرجاء، والرجاء هو أمل الحصول على رضوان الله بفعل طاعته وترك معصيته.

 

قال ابن فارس : ".. وهو الأمل يقال رجوت الأمر رجاءً . ثم يتسع في ذلك فربما عبِّر عن الخوف بالرجاء قال الله تعالى : ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ [سورة نوح:13] ، أي : لا تخافون له عظمة ، وناس يقولون ما أرجو : أي ما أبالى ، وفسر الآية على هذا ، وذكروا قول القائل :

 

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها *** وخالفها في بيت نوب عوامل(81) .

 

قالوا معناه : لم يكترث ، ويقال للفرس إذا دنى نتاجها : قد أرجت ترجى إرجاءً "(82).

 

ولا يتم الرجاء إلا عند أمل الحصول على مرغوب في أمر متيقن بوسيلة موصلة ؛ فهذه أركان ثلاثة للرجاء . ولا أرغب من نيل رحمة الله ، ولا أيقن من وقوع البعث ، ولا وسيلة أنفع من العمل الصالح ؛ لذلك لا رجاء لمن لم يؤمن بالآخرة إذ ليس لهم فيها مرغوب ، وهم منها في شك ، ولا وسيلة لهم بها يرجون؛ فانعدمت أركان الرجاء عندهم، فهم في يأس من رحمة الله ، وهو حال مناقض لحال من يرجوا رحمة الله وقد بين الله تلك الحال بقوله : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) ﴾ [سورة العنكبوت:23] ، واليأس هذا نقيض الرجاء لأنه نتاج الكفر بلقاء الله نقيض الإيمان به .

 

 

العمل الصالح دليل رجاء الآخرة :

 

والرجاء شرط الاستمرار فى العمل الصالح ، والعمل دليل وجوده لأنه باعثه قال تعالى : ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [سورة الكهف:110] .

 

والأعمال الصالحة وهي ما وافقت مراد الله سبحانه، ومراد الله مبين في الكتاب المنزل وتعاليم النبي المرسل ، وما ألهمت إليه الفطر السليمة المستنيرة بالكتاب والسنة .

 

وإن لله في كل شأن أمر يجب أداؤه وفعله ، ومن أمر الله اجتناب ما نهى عنه فإن من تمام العمل الصالح أن يجتنب المحظور إلى جانب فعل المأمور .

 

والمحظور أنواع وأخطرها ما استلزم عدم الإيمان بالآخرة كموالاة غير المؤمنين من دون المؤمنين فإن الله يقول : ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [سورة المجادلة:23] .

 

والمأمور أنواع : وأهمها الإيمان بما يجب الإيمان به شرعا مصحوباً باليقين  ومجاهدة أعداء الإسلام بالنفس والمال فإن الله يقول : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ﴾ [سورة الحجرات:15] .

 

وشرط قبول العمل الصالح أن يبتغي به وجه الله وحده فلا يشرك مع الله فيه أحدا فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم يروي عن الله عز وجل أنه قال:« أنا خير الشركاء فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا برئ منه وهو للذي أشرك »(83) قال مطرف رحمه الله :"صلاح القلب بصلاح العمل وصلاح العمل بصحة النية " (84) وقال ابن القيم رحمه الله : " والأصول التي انبنى عليها سعادة العبد ثلاثة : ولكل واحد منها ضد ، فمن فقد ذلك الأصل حصل على ضده : التوحيد وضده الشرك ، والسنة وضدها البدعة ، والطاعة وضدها المعصية . ولهذه الثلاثة ضد واحد  وهو خلو القلب من الرغبة في الله ، وفيما عنده . ومن الرهبة منه ومما عنده "(85).

 

والرجاء قسيم الخوف ولابد منهما ، فهما كالجناحين للطائر بالنسبة للمؤمن  ( ولا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المناهي ، وبالرجاء يكثر من الطاعات )(86).والرجاء يطلق علي أمل الحصول على المرغوب ، ويطلق أيضا علي الخوف فإذا علمت ذلك فاعلم (أنهما متلازمين فمن كان يرجو ما عند الله من الخير فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس .(87) ومن تجلت لهم آية البعث أعملوا هذا الرجاء  فيظهر عليهم أثره من فعل العمل الصالح ، والابتغاء به وجه الله أداءاً للازم ذلك الرجاء قال ابن القيم : " وكلما قوي الرجاء جد في العمل كما أن الباذر كلما قوي طمعه في المغل غلق أرضه بالبذر ، وإذا ضعف رجاؤه قصر في البذر "(88) ، فحال الراجي للقاء الله ووعده كما قال الله : ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [سورة الزمر:9] ، حقا إنها حال من عرف الحقيقة وعلمها .

 

ولابد للمؤمن من الرغبة والرهبة ؛ الرغبة ليقينه بما عند الله من الرحمة ، والرهبة ليقينه بما عند الله من العذاب، وكان هذا شأن رسل الله الكرام كما أخبر الله عنهم : ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [سورة الأنبياء:90] ، إن من حرم الرغبة وقع في اليأس والقنوط ، ومن حرم الرهبة وقع في الجرأة والتعدي علي الحرمات .

 

والشيء لا يكون مرجوا حتى يكون له شأن ، ولا أعظم من شأن الآخرة، والمؤمنون بالبعث علموه وتيقنوه فكانوا له أكثر رجاء ؛ فابتغوا إليه الوسيلة كما قال الله : ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [سورة الإسراء:57] ، قال ابن عباس : " أي القربة "، وقال قتادة : "أي تقربوا إليه بطاعته ، والعمل بما يرضيه ، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى المقصود ، والوسيلة أيضا علَم على أعلى منزلة في الجنة وهي منزلة رسول الله صلي الله عليه وسلم وداره في الجنة ، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش كما ورد في الصحيح "(89).

 

 

المطلب الخامس

 

الفوز العظيم

 

 

 

إن المؤمن بالبعث يشعر بالسعادة لأنه نال من معرفة الحقيقة ما يكفيه لإدراك ماضيه ومستقبله، ومن ذلك ما أعد الله للعاصين من العذاب ، وما أعد للطائعين من النعيم ؛ فاستعد لذلك بما ينجيه.

 

وتُعْلم السعادة من حال من لا يؤمن بالبعث ، فانه يظل في عذاب نفسي أليم من المستقبل المجهول ، ولا أشد على النفس الإنسانية من طريق لا يعرفها ، ولا يدري ماتؤول إليه ؛ فهو في عذاب ، وفي ضلال مبين ؛ حيث إن البعث قد جاء به الخبر الصادق عن مصدر الغيب ،ودلت عليه الخلقة ؛ فآمن به الناس واتقوه ، وهذا ماض في ضلاله وغفلته فما أعظم غبنه ، صدق فيه قول الله : ﴿ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ  [سورة سبأ:8] .

 

إن السعادة هي تحقيق الأمنيات ،والسعادة مطلب كل إنسان ،ولها بالنسبة لفريق المؤمنين طابع خاص ينالونها في الدنيا ولا تنتهي فيها ، بل يقطفون ثمارها في الآخرة فهي سعادة مستمرة ختامها  الفوز العظيم بدخول الجنة ، يعبرون عن سعادتهم تلك بقولهم : ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [سورة فاطر34, 35] ، والمؤمن يبقي مغمور بأحاسيس السعادة في حياته كلها في الدنيا والآخرة .

 

- أحاسيس السعادة في الدنيا :

 

1- الثبات والصبر : والثبات هو الصمود أمام التحدي في مواطن الابتلاء ، وإن مواطن الابتلاء هي مواقع نيل السعادة ، حيث يشهدها من انغرس يقين الآخرة في قلوبهم ؛ فيجتلون السعادة من تلك المواقع ، وهذان مثالان لذلك الثبات ، وذلك الصبر .

 

أ- ثبات من كانوا مع طالوت : قال الله  تعالى : ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) ﴾ [سورة البقرة:249]، ولنتأمل وصف الفئة القليلة التي تريد الوصول إلي السعادة قال : ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ ... ﴾ [البقرة:249] ، أي الذين تيقنوا أنهم ملاقوه يوم القيامة فقالوا قولة الثبات في موطن خذلان الأكثرية : ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  [سورة البقرة:249] ؛ فيقينهم بلقاء الله أعلمهم أن الأمر في الدنيا والآخرة بيده وحده .

 

ب- ثبات سحرة فرعون: لما رأو الآيات فعرفوا المعنى من الحياة وغايتها فقالوا مقالة الثبات،وفرعون يتوعدهم بالصلب: ﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ [سورة طه]:73، إن هذا هو موقف من استقر يقين الآخرة في صدورهم .

 

2- الشوق إلي نعيم الجنة : إن من آمن بالبعث قد علم أن الله قد أعد للمؤمنين دارا يتحقق فيها رضاءه عنهم في صورة نعيم ما بعده نعيم ، وإن أهل هذا الإيمان في حالة من الشوق إلى ذلك النعيم لايصرفهم عن تذكره ، ولا عن الحنين إليه نعيم الدنيا وهذا حال خير الخلق الأنبياء ،قال الله عن إبراهيم وبنيه: ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾[سورة ص:46]، قال مجاهد : "أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم غيرها ، قال السدي : ذكرهم للآخرة وعملهم لها , وقال مالك بن دينار : نزع الله تعالي من قلوبهم حب الدنيا وذكرها  وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها .... وقال قتادة : كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة والعمل لها ...."(90) .

 

3- أحاسيس السعادة في الآخرة : أما الشعور بالسعادة في الآخرة فهو الوصول إلي السعادة نفسها حيث تتحقق السعادة وتنتفي الشقاوة إلى الأبد ؛ فتظهر عليهم آثار تلك السعادة ومنها :

 

أ- الحمد : الذي تلتهجه ألسن أهل النعيم يوم مشاهدة الفوز العظيم ؛ فيحمدون الله على صدق وعده : ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [سورة الزمر:74] ، ويحمدون الله على هدايته لهم بصيرورتهم إلى ما صاروا إليه فإن الهداية بيد الله : ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [سورة الأعراف:43] .

 

ب- إعلان الفرح : فيفرح المؤمنون لأخذهم كتبهم بأيمانهم قال تعالى : ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه  [سورة الحاقة:25, 26] ، إنه يفرح لكتابه ففيه الشهادة العظمى له بالفوز ، وقد أخذه بيمينه ، ويفرح لعاقبة يقينه بملاقاة الله للحساب : ﴿ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه ﴾ [سورة الحاقة:20] ، فأي فرح أعظم من هذا ! .

 

ج- التزاور في الجنة : ويتزاور أهل الجنة فيتذكروا ما كانوا عليه من الخشية  والإشفاق فى الدنيا ، وكيف صاروا إلى ما صاروا إليه من النعيم والأمن والإسعاد فيأخذهم التذكر إلى ذكر حال من كان للقاء الله جاحد ولوعده مكذب فيذكر بعضهم بعض حال ذلك الصنف، قال تعالى: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ* قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ* قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِي* وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ* أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ* إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ ﴾[سورة الصافات:50-61].

 

 

 

 

الخاتمــــة

 

أ- الخلاصة :

 

هذه دراسة لقضية البعث استلزمت  نظرة شاملة عن الحياة الإنسانية من مبدأ الخليقة إلى منتهاها من منظور قرآني ، والقرآن أحكم الوصف في ذلك وفصل ؛ لأن الإدراك السليم هو الإدراك الناشئ عن معرفة كلية جامعة حتى يتم استيعابه لجزئيات الأشياء والمعاني استيعاباً صحيحاً محكماً .

 

وإن هذه النظرة الشاملة المذكورة في القرآن هي عين الحقيقة ؛ لأنها جاءت من خالق الإنسان والحياة الذي يعلم السر والتفاصيل والغايات .

 

وإن البشرية اليوم تتخبط كثيراً فيما يتعلق بالدراسات الإنسانية لانصرافها عن هذا المنهج القويم والمنبع الصافي ؛ فتولدت تصورات خاطئة ، وأفكار منحرفة ، وخرافات مضللة تاهت فيها البشرية وابتعدت عن سواء السبيل.

 

وقد بين القرآن أمر الحياة المشاهدة وأصلها, وأن أصلها الماء ، وأكد أن بداية الإنسان كانت من الطين ، وتناسله عبر الماء المهين واكتمال وجوده بنفخ الروح فيه ، وفصل قصة الإنسان الأولى ، وكيف نزل إلى الأرض ، ولماذا أنزل ، وما الذي يجب عليه ، وما المصير الذي هو صائر إليه ؟ .

 

وبهذا عر