مركز البحوث
   
أبحاث الإعجاز
   
الإعجاز التشريعي
   
الحكمة من إعفاء اللحية ووجه الإعجاز في ذلك
الحكمة من إعفاء اللحية ووجه الإعجاز في ذلك
عبد الكريم علي الفهدي
الأحد 27 يناير 2013

الحكمة من إعفاء اللحية ووجه الإعجاز في ذلك

الحمد لله رب العالمين القائل في محكم كتابه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب: 43].

فما أمرنا بأمر إلا لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها وما جاء هذا الدين إلا لمصلحة البشرية؛ لأن الخالق والآمر سبحانه جل في علاه ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [طه: 98].

ولذلك جاءت الشريعة التي ارتضاها لنا تُظهر لنا رحمته وحكمته وسعة علمه فنردد وراء كل أمر أو نهي قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38].

وصلى اللهم على البشير والنذير محمد صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

وبعد..جاءت الشريعة تحثنا على توفير اللحى وإعفائها فهل وراء ذلك حكمة هذا ما سنراه في هذا البحث بمشيئة الله.

أولاً: المقصود باللحى من الناحية اللغوية:

(ل ح ي) اللِّحْيَةُ: الشعر النازل على الذقن والجمع "لحِىً"مثل سدرة وسدر، وتضمّ اللام أيضا مثل حليةٍ وحُلًى، و"التَحَى"الغلام: نبتت لحيته، و"اللّحْيُ"عظم الحنك وهو الذي عليه الأسنان، وهو من الإنسان حيث ينبت الشعر وهو أعلى وأسفل وجمعه "أَلْحٍ(1).

واللحى بكسر اللام وحكي ضمها وبالقصر والمد جمع لحية بالكسر فقط وهي اسم لما نبت على الخدين والذقن(2).

إعفاء اللحية من سنن الأنبياء قال تعالى: مخبراً عن نبي من الأنبياء: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: 94].

وجاءت الأحاديث النبوية بالأمر بإعفاء اللحية وإكرامها منها الآتي:

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب»(3).

عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «خالفوا المشركين احفوا الشوارب وأوفوا اللحى»(4).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «انهكوا الشوارب وأعفوا اللحى» (انهكوا: بالغوا في القص)(5).

وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى».

«أحفوا الشوارب» معناها أحفوا ما طال على الشفتين «وأعفوا اللحى»إعفاء اللحى معناها توفيرها وهو معنى أوفوا اللحى في الرواية الأخرى(6).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس»(7).

وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء».

قال زكريا قال مصعب ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة وزاد قتيبة قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء(8).

فجاءت ألفاظ الأحاديث متنوعة في الأمر بإعفاء اللحية قال النووي: حصل من مجموع روايات هذا اللفظ في الصحيحين خمس روايات: «أعفوا»، و«أوفوا»، و«أرخوا»، و«أرجوا»(9)، و«وفروا»، ومعناها كلها: تركها على حالها(10).

أقوال العلماء حول إعفاء اللحية:

القول الأول: الأمر بترك اللحية على حالها وتكثيرها وعدم الأخذ منها، لأن كل الأحاديث وردت بصيغة الأمر، والأمر في الشريعة يدل على الوجوب ما لم يأت نص أخر يحوله عن ذلك، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء وأئمة المذاهب..

القول الثاني: إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد.

القول الثالث: عدم التعرض لها إلا في حج أو عمرة فيأخذ ما زاد على القبضة.

القول الرابع: الأخذ من اللحية من طولها وعرضها وتهذيبها دون الفحش في ذلك(11).

الحكم التشريعية من إعفاء اللحية:

- مخالفة المشركين والمجوس كما ورد في الأحاديث.

- التأسي بهدي المرسلين، قال تعالى: عن هارون عليه السلام: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه: 94].

- حلق اللحية فيه تشبه بالنساء وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك للحديث الذي رواه ابن عباس قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال»(12).

ويخشى على حالقها بغضاً لها وكراهة أن يكون ذلك ارتداداً عن الإسلام؛ لأن من نواقض الإسلام بغض شيء جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ولو عمل بها(13) وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإعفائها.

- زينة ووقار للرجال ومنافع أخرى يقول ابن القيم: "وأما شعر اللحية ففيه منافع منها الزينة والوقار والهيبة ولهذا لا يرى على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى، ومنها التمييز بين الرجال والنساء"(14) ولذلك جاء في اللحية إذا أزيلت ولم تعد ففيها الدية كاملة(15).

الفوائد الصحية من إعفاء:

لإعفاء اللحية فوائد صحية كثيرة منها:

أولاً: ما ذكره د. عبد الرزاق كيلاني بأن عمل الرجل يؤدي إلى كثرة تعرضه لأشعة الشمس والرياح الباردة والحارة والذي يؤثر سلبياً على الألياف المرنة والكلاجين الموجودين في جلد الوجه ويؤدي إلى تخربهما شيئاً فشيئاً إلى ظهور التجاعيد والشيخوخة المبكرة، وقد خلق الله -المصور- اللحية في وجه الرجل للتخفيف من تأثير هذه العوامل، ولم يخلقها للمرأة؛ لأنه سبحانه خلقها للعمل في البيت بعيداً عن تأثير الأشعة الشمسية وتقلبات الرياح.

من هنا نرى النتيجة الرائعة للهدي العظيم في أن وجه الملتحي أكثر نضارة وشباباً من وجه حليق اللحية، كما أن وجه المرأة المحجبة أكثر حيوية ونضارة من وجه السافرة مهما تقدمت بها السن هذا عدا عما يسببه حلق اللحية اليومي من تهيج للجلد وتخريب لأنسجته(16).

ثانياً: حلق اللحية يفقد الرجل العديد من المميزات الصحية التي يتمتع بها مطلق اللحية:

عند الحلاقة يزيل الإنسان الطبقة الخارجية من الجلد، وهذه الطبقة تمثل خط دفاع ميكانيكي ضد العدوى بالعديد من الأمراض، والذي يحلق لحيته يصبح عرضة للعدوى بالكائنات الحية الدقيقة المحرضة؛ خاصة الأمراض الفيروسية والبكتيرية والفطرية مثل الثعلبة وغيرها.

الذي يحلق لحيته يفتح منافذ العدوى الجلدية على مصارعه، وأفقد وجهه ميزة خط الدفاع الجلدي الذي منّ الله به عليه.

ثالثاً: شعر اللحية في الشتاء يدفئ الوجه، ويحمي العصب الوجهي من التعرض المباشر للبرد؛ خاصة عند قيادة السيارة بسرعة في الصباح الباكر البارد، وهذا يحمي المسلم من بعض أنواع الشلل ألوجهي النصفي.

رابعاً: شعر اللحية في الصيف يلطّف الوجه بنظام التبريد بالتبخير بنظام أواني المياه المحاطة بالأقمشة المبللة عند تعرضها لتيار الهواء وهذا يضفي على المسلم الراحة أيام الصيف الحارة.

خامساً: إطلاق اللحية يوفر على المسلم الوقت والجهد والمال.

كما أن اللحية تغطي تجاعيد الوجه المبكرة، وكذلك ترهل جلد الرقبة الذي عادة ما يعاني منه العديد من الرجال مبكراً (17).

وجه الإعجاز

يظهر لنا مما سبق عظمة هذا الدين الذي ما جاء إلا لجلب المصلحة للإنسان أو درء لمفسدة عنه في الدنيا والآخرة فكل أمر وراءه حكمة، كيف لا وهذه الأوامر صادرة من العليم الحكيم الخبير؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4].

وأخبرنا الله عز وجل عن نفسه بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الفتح: 4].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ [الأحزاب: 34].

وكل أمر في الشريعة وراءه حكمة الحكيم العليم الخبير الذي وسع كل شيء علما وهذا ما نراه في الأبحاث العلمية نسأله بمنه وفضله أن يوفقنا لطاعة والالتزام بأوامره وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

إعداد: عبد الكريم علي الفهدي.

7/ 11/ 2009م.

مراجعة: الدكتور/ قسطاس إبراهيم.

______________________

(1) المصباح المنير، 284.

(2) فتح الباري،10/ 350.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه، 5/ 2209، برقم: 5553.

(4) صحيح مسلم بتعليق محمد فؤاد عبد الباقي، 1/ 222برقم: 259.

(5) صحيح البخاري بتعليق د. مصطفى ديب البغا، 5/ 2209برقم: 5554.

(6) أخرجه مسلم في صحيحه،1/ 222برقم: 259.

(7) أخرجه مسلم في صحيحه،1/ 222برقم: 260.

(8) أخرجه مسلم في صحيحه، 1/ 223برقم: 261.

(9) في إحدى الروايات.

(10) تطريز رياض الصالحين، فَيْصلْ بن عَبْد العزيز آل مبارك، 2/ 156.

(11) للتفاصيل انظر: فتح الباري، 10/ 350.

(12) أخرجه أحمد في مسنده، 5/ 243، برقم3151. تعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري.

(13) الواجبات المتحتمات المعرفة على كل مسلم ومسلمة، لمحمد ابن عبد الوهاب؛ 1/ 5. الإعلام بتوضيح نواقض الإسلام،عبد العزيز بن مرزوق الطّريفي، 1/ 29، وأخذت هذه الفتوى من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 9].

(14) التبيان في أقسام القرآن لابن القيم، 2/ 318.

(15) انظر الاختيار لتعليل المختار عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي،5/ 44.

(16) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة للدكتور محمد نزار الدقر على هذا الرابط: www.55a.net

(17) نقلاً عن الدكتور نظمي خليل أبو العطا على هذا الموقع:

http://www.nazme.net/ar/index.php?p=show_articles&id=104

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: