الختان
الأحد 27 يناير 2013

الختـان

وفي هذا الموضوع سنتطرق إلى آية أخرى من آيات الله في هذا الإنسان، وقد يقول قائل؛ إذا كان في هذه العملية المسماة الختان فائدة للإنسان فلماذا لم يخلقه الله مختوناً؟ ولعل هذا من باب الشبه التي يلقيها الشيطان على من لا علم له أو على من لم يطلع على الحكمة من خلقه، وإذا علم الإنسان أنه مخلوق لغاية عظمى وهدف لا تتخيله العقول؛ صار بإمكانه أن يترجم تلك الخطرات إلى إجابات وتلك الوساوس إلى نفحات ترتقي به في سلم الوصول وحبل النجاة، وقد قيل أن امرأة سمعت بأن هناك رجلاً وجد ألف دليل على وجود الله فقالت؛ لقد كان في قلبه ألف شبهة عن الله، وهذا ما يسمى بإيمان العجائز فإن كل ما في هذا الكون هو دليل على وجود الله، وإذا كان ذلك كذلك فتعال أخي القارئ نتصفح معاً هذا الموضوع لنضع لبنة أخرى من لبنات الإعجاز ليزداد البناء متانة ولتتصدع بجانبه معاول الهدم والريبة والضلال.

النصوص الواردة في الختان:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الفطرة خمس أو خمس من الفطرة الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقص الشارب»(1).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحشرون حفاة عراة غرلاً»، قالت عائشة فقلت يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: «الأمر أشد من أن يهمهم ذاك».

غرلا: جمع أغرل وهو الذي لم تقطع منه قلفة الذكر وهي الجلدة التي تقطع عند الختان ومثلها كل عضو قطع من الإنسان فإنه يرجع على حاله(2).

وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء»(3).

وهناك الكثير من الأحاديث بخصوص الختان عدلت عن ذكرها مراعاة لطول البحث.

التعريف اللغوي:

في اللغة العربية تشتق الأسماء من الأفعال -على أحد القولين-، ومنها هذه التسمية، فالختان بكسر الخاء اسم لفعل الخاتن ويسمى به موضع الختن، وهو مصدر كالنزال والقتال، ويسمى به موضع الختن أيضا، ومنه الحديث: «إذا التقى الختانان وجب الغسل»(4).

وهو الجلدة التي تقطع والتي تغطي الحشفة عادة، والمقصود أن الختان اسم للمحل وهي الجلدة التي تبقى بعد القطع واسم للفعل وهو فعل الخاتن، ونظير هذا: السواك؛ فإنه اسم للآلة التي يستاك بها، وقد يطلق الختان على الدعوة إلى وليمته كما تطلق العقيقة على ذلك أيضاً(5).

ما هو الختان؟

ختان الرجل هو الحرف المستدير على أسفل الحشفة، وأما ختان المرأة فهي الجلد كعرف الديك فوق الفرج تعرف بالبظر، وهو عضو انتصابي عند المرأة مثل القضيب لكنه صغير الحجم ولا تخترقه قناة البول، ويسمى في حق الأنثى خفضاً، يقال ختنت الغلام ختناً، وخفضت الجارية خفضاً، ويسمى في الذكر إعذاراً أيضاً وغير المعذور يسمى أغلف وأقلف، وقد يقال الإعذار لهما أيضاً، وعذرت الجارية والغلام أعذرهما عذراً ختنتهما وكذلك أعذرتهما قال والأكثر خفضت الجارية، والقلفة والغرلة هي الجلدة التي تقطع، وهو الذي ترتبت الأحكام على تغييبه في الفرج فيترتب عليه أكثر من ثلاثمائة حكم وقد جمعها بعضهم فبلغت أربعمائة إلا ثمانية أحكام(6).

الختان من خصال الفطرة:

في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفطرة خمس أو خمس من الفطرة الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقص الشارب»(7) فجعل الختان أول خصال الفطرة وإنما كانت هذه الخصال من الفطرة لأن الفطرة هي الحنيفية ملة إبراهيم، وهذه الخصال أمر بها إبراهيم وهي من الكلمات التي ابتلاه ربه بهن، فعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] قال ابتلاه بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد، خمس في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس، وفي الجسد تقليم الأظافر وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء(8).

والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه وفطرة عملية وهي هذه الخصال، فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب والثانية تطهر البدن، وكل منهما تمد الأخرى وتقويها وكان رأس فطرة البدن الختان، وفي حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من الفطرة أو الفطرة المضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك وتقليم الأظافر وغسل البراجم ونتف الإبط والاستحداد والاختتان والانتضاح»(9).

وقد اشتركت خصال الفطرة في الطهارة والنظافة وأخذ الفضلات المستقذرة التي يألفها الشيطان ويجاورها من بني آدم وله بالغرلة اتصال واختصاص، وقال غير واحد من السلف أن من صلى وحج واختتن فهو حنيف، فالحج والختان شعار الحنيفة وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها(10).

حُكم الختان:

اختلف الفقهاء في حكم الختان على أقوال:

أولاً: وجوب الختان:

قال الشعبي وربيعة والأوزاعي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والشافعي وأحمد هو واجب، وشدد فيه مالك حتى قال: من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته، واحتج الموجبون له بوجوه منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123].

والختان من ملته وخلاف الختان شعار عبّاد الصليب وعبّاد النار الذين تميزوا به عن الحنفاء، والشعائر تنقسم إلى مستحب وواجب ولكن مثل هذا الشعار العظيم الفارق بين عبّاد الصليب وعبّاد الرحمن الذي لا تتم الطهارة إلا به وتركه شعار عبّاد الصليب لا يكون إلا من أعظم الواجبات، والختان شعار الحنفاء في الأصل ولهذا أول من اختتن إمام الحنفاء وصار الختان شعار الحنيفية وهو مما توارثه بنو إسماعيل وبنو إسرائيل عن إبراهيم الخليل فلا يجوز موافقة عباد الصليب القلف في شعار كفرهم وتثليثهم(11).

وأما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرنه بالمسنونات كما في حديث خمس من الفطرة حيث ذكر فيه الاستحداد وقص الشارب والسواك وهي من السنن، فدلالة الاقتران لا تقوى على معارضة أدلة الوجوب، وإزالة الشعور والأظفار القصد بها إزالة ما يجتمع بسببها من العرق والوسخ والدرن وإزالة الأوساخ ليست واجبة وكذلك ما قصدت به، وأما قلفة الذكر فالمقصود التطهير من النجاسة التي تحتقن فيها، ونجاسة البول تجب إزالتها وعامة عذاب القبر منها فلذلك وجب إزالة ما يوجب احتقانها واجتماعها يؤيد ذلك أن المقطوع هنا من أصل الخلقة وكذلك يحشر الخلق يوم القيامة غرلاً فلولا أن إزالتها من الواجبات لما تكلف قطعه بخلاف الشعر والظفر ولأن البول المحتقن في القلفة نجاسة شرع زوالها فكان واجباً كسائر النجاسات(12).

ثم إن الخصال المذكورة في الحديث منها ما هو واجب كالمضمضة والاستنشاق والاستنجاء ومنها ما هو مستحب كالسواك وأما تقليم الأظفار فإن الظفر إذا طال جداً بحيث يجتمع تحته الوسخ وجب تقليمه لصحة الطهارة وأما قص الشارب فالدليل يقتضى وجوبه إذا طال وهذا الذي يتعين القول به لأمر رسول الله به ولقوله: «من لم يأخذ شاربه فليس منا»(13).

وكذلك ما احتج به الخطابي قال أما الختان فإنه وإن كان مذكوراً في جملة السنن فإنه عند كثير من العلماء على الوجوب وذلك أنه شعار الدين وبه يعرف المسلم من الكافر وإذا وجد المختون بين جماعة قتلى غير مختونين صلى عليه ودفن في مقابر المسلمين.

كما أن الختان من أظهر الشعائر التي يفرق بها بين المسلم والنصراني فوجوبه أظهر من وجوب الوتر وزكاة الخيل ووجوب الوضوء على من قهقه في صلاته ووجوب الوضوء على من احتجم أو تقيأ أو رعف ووجوب التيمم إلى المرفقين ووجوب الضربتين على الأرض وغير ذلك مما وجوب الختان أظهر من وجوبه وأقوى حتى إن المسلمين لا يكادون يعدون الأقلف منهم(14).

بالإضافة إلى أنه لا يجوز كشف العورة للطبيب لغير ضرورة ولا مداواة فلو لم يجب الختان لما جاز ذلك؛ لأن الحرام لا يلتزم للمحافظة على المسنون، والمداواة من تمام الحياة وأسبابها التي لا بد للبنية منها فلو كان الختان من باب المندوبات لكان بمنزلة كشفها لما لا تدعو الحاجة إليه وهذا لا يجوز، كما أنه لا يستغنى فيه عن ترك واجبين وارتكاب محظورين أحدهما كشف العورة في جانب المختون والنظر إلى عورة الأجنبي في جانب الخاتن فلو لم يكن واجباً لما كان قد ترك له واجبان وارتكب محظوران، وأما كشف العورة له فلو لم تكن مصلحته أرجح من مفسدة كشفها والنظر إليها ولمسها لم يجز ارتكاب ثلاث مفاسد عظيمة لأمر مندوب يجوز فعله وتركه.

هذا والولي يؤلِم فيه الصبي ويعرضه للتلف بالسراية ويخرج من ماله أجرة الخاتن وثمن الدواء ولا يضمن سرايته بالتلف ولو لم يكن واجباً لما جاز ذلك فإنه لا يجوز إضاعة ماله وإيلامه الألم البالغ وتعريضه للتلف بفعل ما لا يجب فعله بل غايته أن يكون مستحباً وهذا ظاهر بحمد الله، والولي يخرج من مال الصبي أجرة المعلم والمؤدب ولا ريب أن تعليمه وتأديبه حق واجب على الولي فما أخرج ما له إلا فيما لا بد له من صلاحه في دنياه وآخرته منه فلو كان الختان مندوباً لكان إخراجه بمنزلة الصدقة التطوع عنده وبذله لمن يحج عنه حجة التطوع ونحو ذلك(15).

ولو لم يكن واجباً لما جاز للخاتن الإقدام عليه وإن أذن فيه المختون أو وليه فإنه لا يجوز له الإقدام على قطع عضو لم يأمر الله ورسوله بقطعه ولا أوجب قطعه كما لو أذن له في قطع أذنه أو إصبعه فإنه لا يجوز له ذلك ولا يسقط الإثم عنه بالإذن وفي سقوط الضمان عنه نزاع.

كما أن الأقلف معرض لفساد طهارته وصلاته فإن القلفة تستر الذكر كله فيصيبها البول ولا يمكن الاستجمار لها فصحة الطهارة والصلاة موقوفة على الختان ولهذا منع كثير من السلف والخلف إمامته وإن كان معذوراً في نفسه فإنه بمنزلة من به سلس البول ونحوه، لأن المقصود بالختان التحرز من احتباس البول في القلفة فتفسد الطهارة والصلاة ولهذا قال ابن عباس فيما رواه الإمام أحمد وغيره قال الأقلف لا تحل له صلاة ولا تؤكل ذبيحته ولا تجوز له شهادة ولهذا يسقط بالموت لزوال التكليف بالطهارة والصلاة(16).

وهذا قول صحابي وقد احتج الأئمة الأربعة وغيرهم بأقوال الصحابة وصرحوا بأنها حجة وبالغ الشافعي في ذلك وجعل مخالفتها بدعة كيف ولم يحفظ عن صحابي خلاف ابن عباس ومثل هذا التشديد والتغليظ لا يقوله عالم مثل ابن عباس في ترك مندوب يخير الرجل بين فعله وتركه، والختان علم الحنيفية وشعار الإسلام ورأس الفطرة وعنوان الملة وإذا كان النبي قد قال: «من لم يأخذ شاربه فليس منا»(17) فكيف من عطل الختان ورضي بشعار القلف عباد الصلبان ومن أظهر ما يفرق بين عباد الصلبان وعباد الرحمن الختان وعليه استمر عمل الحنفاء من عهد إمامهم إبراهيم إلى عهد خاتم الأنبياء فبعث بتكميل الحنيفية وتقريرها لا بتحويلها وتغيرها.

ولما أمر الله به خليله وعلم أن أمره المطاع وإنه لا يجوز أن يعطل ويضاع بادر إلى امتثال ما أمر به الحي القيوم وختن نفسه بالقدوم مبادرة إلى الامتثال وطاعة لذي العزة والجلال وجعله فطرة باقية في عقبة إلى أن يرث الأرض ومن عليها ولذلك دعا جميع الأنبياء من ذريته أممهم إليها حتى عبد الله ورسوله وكلمته ابن العذراء البتول فإنه اختتن متابعة لإبراهيم الخليل، والنصارى تقر بذلك وتعترف أنه من أحكام الإنجيل ولكن اتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، حتى لقد أذن عالم أهل بيت رسول الله عبد الله بن عباس أذاناً سمعه الخاص والعام أن من لم يختتن فلا صلاة له ولا تؤكل ذبيحته فأخرجه من جملة أهل الإسلام ومثل هذا لا يقال لتارك أمر هو بين تركه وفعله بالخيار وإنما يقال لما علم وجوبه علماً يقرب من الاضطرار، وهذا يدل على أنه كان يوجبه وأن قوله الختان سنة أراد به سنة النبي وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنه وأمر به فيكون واجباً، والسنة هي الطريقة يقال سننت له كذا أي شرعت فقوله الختان سنة للرجال أي مشروع لهم لا أنه ندب غير واجب فالسنة هي الطريقة المتبعة وجوباً واستحباباً لقوله من رغب عن سنتي فليس مني وقوله عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، وقال ابن عباس من خالف السنة كفر وتخصيص السنة بما يجوز تركه اصطلاح حادث؛ وإلا فالسنة ما سنه رسول الله لأمته من واجب ومستحب فالسنة هي الطريقة وهي الشريعة والمنهاج والسبيل(18).

ويكفي في وجوبه أنه رأس خصال الحنيفية التي فطر الله عباده عليها ودعت جميع الرسل إليها فتاركه خارج عن الفطرة التي بعث الله رسله بتكميلها وموضع في تعطيلها مؤخر لما استحق التقديم راغب في ملة أبيه إبراهيم عليه السلام: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 130،131].

فكما أن الإسلام رأس الملة الحنيفية وقوامها فالاستسلام لأمره كمالها وتمامها، فالملة هي الدين وهي مجموعة أقوال وأفعال واعتقاد ودخول الأعمال في الملة كدخول الإيمان فالملة هي الفطرة وهي الدين ومحال أن يأمر الله سبحانه باتباع إبراهيم عليه السلام في مجرد الكلمة دون الأعمال وخصال الفطرة وإنما أمر بمتابعته في توحيده وأقواله وأفعاله وهو اختتن امتثالاً لأمر ربه الذي أمره به وابتلاه به فوفاه كما أمر فإن لم نفعل كما فعل لم نكن متبعين له.

وأما قول الحسن البصري قد أسلم مع رسول الله الناس فما فتش أحداً منهم!!!

فجوابه أنهم استغنوا عن التفتيش بما كانوا عليه من الختان فإن العرب قاطبة كلهم كانوا يختتنون واليهود قاطبة تختتن ولم يبق إلا النصارى وهم فرقتان فرقة تختتن وفرقة لا تختتن وقد علم كل من دخل في الإسلام منهم ومن غيرهم أن شعار الإسلام الختان فكانوا يبادرون إليه بعد الإسلام كما يبادرون إلى الغسل ومن كان منهم كبيراً يشق عليه ويخاف التلف سقط عنه، وقد سئل الإمام أحمد عن ذبيحة الأقلف وذكر له حديث ابن عباس لا تؤكل فقال ذلك عندي إذا ولد بين أبوين مسلمين فكبر ولم يختتن وأما الكبير إذا أسلم وخاف على نفسه الختان فله عندي رخصة، وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن مسلم بالغ عاقل يصوم ويصلي وهو غير مختون وليس مطهراً هل يجوز ذلك ومن ترك الختان كيف حكمه فأجاب إذا لم يخف عليه ضرر الختان فعليه أن يختتن فان ذلك مشروع مؤكد للمسلمين باتفاق الأئمة وهو واجب عند الشافعي وأحمد في المشهور عنه وقد اختتن إبراهيم الخليل عليه السلام بعد ثمانين من عمره ويرجع في الضرر إلى الأطباء الثقات وإذا كان يضره في الصيف أخره إلى زمان الخريف والله أعلم(19).

ثانياً: الختان سنة:

ونقل كثير من الفقهاء عن مالك أنه سنة، حتى قال القاضي عياض: الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة؛ ولكن السنة عندهم يأثم بتركها فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض وبين الندب وإلا فقد صرح مالك بأنه لا تقبل شهادة الأقلف ولا تجوز إمامته، وقال الحسن البصري وأبو حنيفة لا يجب بل هو سنة وكذلك قال ابن أبي موسى من أصحاب أحمد هو سنة مؤكدة

وقال المسقطون لوجوبه قد صرحت السنة بأنه سنة كما في حديث شداد ابن أوس عن النبي أنه قال: «الختان سنة للرجال مكرمة للنساء»(20).

قالوا وقد قرنه بالمسنونات دون الواجبات وهي الاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط، وقد مر الجواب على هذا عند ذكر وجوبه، كما مر قول الحسن البصري قد أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس الأسود والأبيض والرومي والفارسي والحبشي فما فتش أحداً منهم أو ما بلغني أنه فتش أحداً منهم، وردوا على استدلال الموجبين بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123].

فالملة هي الحنيفية وهي التوحيد ولهذا بيّنها بقوله حنيفاً وما كان من المشركين، وقال يوسف الصديق ﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: 37،38].

وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 95] فالملة في هذا كله هي أصل الإيمان من التوحيد والإنابة إلى الله وإخلاص الدين له وكان رسول الله يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين.

ولو دخلت الأفعال في الملة فمتابعته فيها أن تفعل على الوجه الذي فعله فإن كان فعلها على سبيل الوجوب فاتباعه أن يفعلها كذلك وإن كان فعلها على وجه الندب فاتباعه أن يفعلها على وجه الندب فليس معكم حينئذ إلا مجرد فعل إبراهيم والفعل هل هو على الوجوب أو الندب فيه النزاع المعروف والأقوى أنه إنما يدل على الندب إذا لم يكن بياناً لواجب فمتى فعلناه على وجه الندب كنا قد اتبعناه، وأما قول ابن عباس الأقلف لا تؤكل ذبيحته ولا تقبل له صلاة فقول صحابي تفرد به قال أحمد وكان يشدد فيه وقد خالفه الحسن البصري وغيره وأما إنه من الشعائر صحيح لا نزاع فيه ولكن ليس كل ما كان من الشعائر يكون واجباً فالشعائر منقسمة إلى واجب كالصلوات الخمس والحج والصيام والوضوء وإلى مستحب كالتلبية وسوق الهدي وتقليده وإلى مختلف فيه كالأذان والعيدين والأضحية والختان فمن أين لكم أن هذا من قسم الشعائر الواجبة.

وأما أنه قطع شرع الله لا تؤمن سرايته فكان واجباً كقطع يد السارق من أبرد الأقيسة فأين الختان من قطع يد اللص فيا بعد ما بينهما ولقد أبعد النجعة من قاس أحدهما على الآخر فالختان إكرام المختون وقطع يد السارق عقوبة له وأين باب العقوبات من أبواب الطهارات والتنظيف وأما كشف العورة له لغير ضرورة ولا مداواة لا يلزم وجوبه فإنه يجوز كشفها لغير الواجب إجماعاً كما يكشف لنظر الطبيب ومعالجته وإن جاز ترك المعالجة وأيضاً فوجه المرأة عورة في النظر ويجوز لها كشفه في المعاملة التي لا يجب، ولتحمل الشهادة عليها حيث لا تجب وأيضاً فإنهم جوزوا لغاسل الميت حلق عانته وذلك يستلزم كشف العورة أو لمسها لغير واجب، وأما إن به يعرف المسلم من الكافر حتى إذا وجد المختون بين جماعة قتلى غير مختونين صلي عليه دونهم ليس كذلك فإن بعض الكفار يختتنون وهم اليهود فالختان لا يميز بين المسلم والكافر إلا إذا كان في محل لا يختتن فيه إلا المسلمون وحينئذ فيكون فرقاً بين المسلم والكافر ولا يلزم من ذلك وجوبه كما لا يلزم وجوب سائر ما يفرق بين المسلم والكافر، وأما إن الولي يؤلم فيه الصبي ويعرضه للتلف بالسراية ويخرج من ماله أجرة الخاتن وثمن الدواء فهذا لا يدل على وجوبه كما يؤلمه بضرب التأديب لمصلحته ويخرج من ماله أجرة المؤدب والمعلم، وأما لو لم يكن واجباً لما جاز للخاتن الإقدام عليه إلى آخره ينتقض بإقدامه على قطع السلعة والعضو التالف وقلع السن وقطع العروق وشق الجلد للحجامة والتشريط فيجوز الإقدام على ما يباح للرجل قطعه فضلاً عما يستحب له ويسن وفيه مصلحة ظاهرة، وأما إن الأقلف معرض لفساد طهارته وصلاته فهذا إنما يلام عليه إذا كان باختياره وما خرج عن اختياره وقدرته ولم يلم عليه ولم تفسد طهارته كسلس البول والرعاف وسلس المذي فإذا فعل ما يقدر عليه من الاستجمار والاستنجاء لم يؤاخذ بما عجز عنه.

وأما إنه من شعار عباد الصلبان وعباد النيران فموافقتهم فيه موافقة في شعار دينهم جوابه أنهم لم يتميزوا عن الحنفاء بمجرد ترك الختان وإنما امتازوا بمجموع ما هم عليه من الدين الباطل وموافقة المسلم في ترك الختان لا يستلزم موافقتهم في شعار دينهم الذي امتازوا به عن الحنفاء(21).

أرجح الأقوال:

وقد وقعت على فتوى لأحد العلماء المعاصرين حول هذا الموضوع قال فيها:

وبعد النظر في أقوال أهل العلم، وأدلة كل قول منها، يظهر -والله أعلم- أن نصوص الشريعة تحث على الختان باعتبارات منها كونه من سنن النبيين، ومن خصال الفطرة، غير أن هذا لا يرقى إلى حد الإيجاب، إذ أن الإيجاب حكم تكليفي لا بد له من نص صريح يحسم مادة الخلاف، بل الراجح هو الثابت، وليس فيما ثبت ما يدل على أكثر من كون الختان سنة، وهذا ما يترجح، والله أعلم.

أما عن التفريق في الحكم بين الذكر والأنثى فيفتقر إلى دليل، إذ أنه من قبيل تقييد المطلق، وهو حق للشارع الحكيم وحسب، وعليه فلا أرى وجهاً لمن فرَّق في حكم الختام بين الجنسين، بل يظل الحكم سنة في حقهما، والله أعلم(22).

كما قال الإمام الشوكاني رحمه الله: "والحق أنه لم يقم دليل صحيح يدل على الوجوب، والمتيقن السنّة، والواجب الوقوف على المتيقن إلى أن يقوم ما يوجب الانتقال عنه"(23).

ويعدد الإمام ابن القيم المواضع التي يسقط فيها وجوب الختان: منها "أن يولد الرجل ولا قلفة له، وضعف المولود عن احتماله بحيث يخاف عليه من التلف، وأن يسلم الرجل كبيراً ويخشى على نفسه منه، فلا ينبغي ختان الميت باتفاق الأمة ولأن النبي صلى الله عليه قد أخبر أن الميت يبعث يوم القيامة بغرلته غير مختون فليس ثمة فائدة من ختنه عند الموت"(24).

الختان عبر الزمان:

تشير المصادر التاريخية إلى أن بعض الأقوام القديمة قد عرفت الختان، وقد وجدت ألواح طينية ترجع إلى الحضارتين البابلية والسومرية (3500 ق.م) ذكرت تفاصيل عن عملية الختان، كما وجدت لوحة في قبر عنخ آمون (2200ق.م) تصف عملية الختان عند الفراعنة وتشير إلى أنهم طبقوا مرهماً مخدراً على الحشفة قبل الشروع في إجرائها، وأنهم كانوا يجرون الختان لغرض صحي.

وأهتم اليهود بالختان واعتبر التلمود من لم يختتن من الوثنيين الأشرار فقد جاء في سفر التثنية: "أختتنوا للرب وانزعوا غرل قلوبكم يا رجال يهوذا وسكان أورشليم".

أما في النصرانية فالأصل فيها الختان، وتشير نصوص من إنجيل برنابا إلى أن المسيح قد أختتن وأنه أمر أتباعه بالختان، لكن النصارى لا يختتنون (25)، أما العرب في جاهليتهم فقد كانوا يختتنون اتباعاً لسنة أبيهم إبراهيم، وذكر القرطبي إجماع العلماء على أن إبراهيم عليه السلام أول من أختتن(26).

ختان إبراهيم الخليل:

في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم»(27).

قال البخاري القدوم مخففة وهو اسم موضع، وقال المروزي سئل أبو عبد الله هل ختن إبراهيم عليه السلام نفسه بقدوم قال بطرف القدوم وقال أبو داود وعبد الله بن أحمد وحرب إنهم سألوا أحمد عن قوله اختتن بالقدوم قال هو موضع وقالت طائفة من رواه مخففاً فهو اسم الموضع ومن رواه مثقلاً فهو اسم الآلة(28).

فالختان مكمل للفطرة التي فطرهم عليها ولهذا كان من تمام الحنيفية ملة إبراهيم وأصل مشروعية الختان لتكميل الحنيفية فإن الله عز وجل لما عاهد إبراهيم وعده أن يجعله للناس إماماً ووعده أن يكون أباً لشعوب كثيرة وأن يكون الأنبياء والملوك من صلبه وأن يكثر نسله وأخبره أنه جاعل بينه وبين نسله علامة العهد أن يختنوا كل مولود منهم ويكون عهدي هذا ميسماً في أجسادهم فالختان علم للدخول في ملة إبراهيم وهذا موافق لتأويل من تأول قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾ [البقرة: 138] على الختان فالختان للحنفاء بمنزلة الصبغ والتعميد لعباد الصليب فهم يطهرون أولادهم بزعمهم حين يصبغونهم في المعمودية ويقولون الآن صار نصرانياً فشرع الله سبحانه للحنفاء صبغة الحنيفية وجعل ميسمها الختان فقال: ﴿صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً﴾.

وقد جعل الله سبحانه السمات علامة لمن يضاف منها إليه المعلم بها ولهذا الناس يسمون دوابهم ومواشيهم بأنواع السمات حتى يكون ما يضاف منها إلى كل إنسان معروفاً بسمته ثم قد تكون هذه السمة متوارثة في أمة بعد أمة فجعل الله سبحانه الختان علماً لمن يضاف إليه وإلى دينه وملته وينسب إليه بنسبة العبودية والحنيفية حتى إذا جهلت حال إنسان في دينه عرف بسمة الختان وكانت العرب تدعى بأمة الختان(29).

حكمة الختان وفوائده:

ولما كان الختان من أعمال المسلمين صار الناس على فرقتين بين مؤيد له وموجب له ولكن لا يعرف الحكمة منه، ومن رافض له متشدد في رده والتهكم به من غير بصيرة ولا دليل من عقل ولا برهان، ولقد ذكر أهل الاختصاص فوائد كثيرة عن الختان ولكن قبل ذلك يحسن أن نتطلع إلى حِكم الختان وعلة تشريعه، ولذلك كانت صبغة الله هي الحنيفية وهي صبغتان للقلب والبدن فصبغة القلوب بمعرفته ومحبته والإخلاص له وعبادته وحده لا شريك له، وصبغة الأبدان بخصال الفطرة من الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط والمضمضة والاستنشاق والسواك والاستنجاء فظهرت فطرة الله على قلوب الحنفاء وأبدانهم.

ولذلك قال الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله في قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللّهِ﴾ يعني بالصبغة صبغة الإسلام وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصر أطفالهم جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس بمنزلة غسل الجنابة لأهل الإسلام وأنه صبغة لهم في النصرانية فقال الله جل ثناؤه لنبيه لما قال اليهود والنصارى ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135]إلى قوله: ﴿صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾ [البقرة: 138].

قال قتادة: إن اليهود تصبغ أبناءها يهوداً والنصارى تصبغ أبناءها نصارى وإن صبغة الله الإسلام فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر(30).

هذا مع ما في الختان من الطهارة والنظافة والتزيين وتحسين الخلقة وتعديل الشهوة التي إذا أفرطت ألحقت الإنسان بالحيوانات وإن عدمت بالكلية ألحقته بالجمادات فالختان يعدلها ولهذا تجد الأقلف من الرجال والقلفاء من النساء لا يشبع من الجماع، ولهذا يذم الرجل ويشتم ويعير بأنه ابن القلفاء إشارة إلى غلمتها، وأي زينة أحسن من أخذ ما طال وجاوز الحد من جلدة القلفة وشعر العانة وشعر الإبط وشعر الشارب وما طال من الظفر فإن الشيطان يختبىء تحت ذلك كله ويألفه ويقطن فيه حتى إنه ينفخ في إحليل الأقلف وفرج القلفاء ما لا ينفخ في المختون ويختبىء في شعر العانة وتحت الأظفار.

فالغرلة أقبح في موضعها من الظفر الطويل والشارب الطويل والعانة الفاحشة الطول ولا يخفى على ذي الحس السليم قبح الغرلة وما في إزالتها من التحسين والتنظيف والتزيين، هذا مع ما فيه من بهاء الوجه وضيائه وفي تركه من الكسفة التي ترى عليه وقد ذكر حرب في مسائله عن ميمونة زوج النبي أنها قالت للخاتنة إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى لها عند زوجها وروى أبو داود عن أم عطية أن رسول الله أمر ختّانة تختن فقال: «إذا ختنت فلا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب للبعل»(31) ومعنى هذا أن الخافضة إذا استأصلت جلدة الختان ضعفت شهوة المرأة فقلت حظوتها عند زوجها كما أنها إذا تركتها كما هي لم تأخذ منها شيئاً ازدادت غلمتها فإذا أخذت منها وأبقت كان في ذلك تعديلاً للخلقة والشهوة هذا مع أنه لا ينكر أن يكون قطع هذه الجلدة علماً على العبودية فإنك تجد قطع طرف الأذن وكي الجبهة ونحو ذلك في كثير من الرقيق علامة لرقهم وعبوديتهم حتى إذا أبق رد إلى مالكه بتلك العلامة فما ينكر أن يكون قطع هذا الطرف علماً على عبودية صاحبه لله سبحانه حتى يعرف الناس أن من كان كذلك فهو من عبيد الله الحنفاء فيكون الختان علماً لهذه السنة التي لا أشرف منها مع ما فيه من الطهارة والنظافة والزينة وتعديل الشهوة وقد ذكر في حكمة خفض النساء أن سارة لما وهبت هاجر لإبراهيم أصابها فحملت منه فغارت سارة فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فخاف إبراهيم أن تجدع أنفها وتقطع أذنها فأمرها بثقب أذنيها وختانها وصار ذلك سنة في النساء بعد، ولا ينكر هذا كما كان مبدأ السعي سعي هاجر بين جبلين تبتغي لابنها القوت وكما كان مبدأ الجمار حصب إسماعيل للشيطان لما ذهب مع أبيه فشرع الله سبحانه لعباده تذكرة وإحياء لسنة خليله وإقامة لذكره وإعظاماً لعبوديته والله أعلم(32).

بيان القدر الذي يؤخذ من الختان:

لعل من أسباب اختلاف الناس في الختان على مختلف مشاربهم وأديانهم يرجع إلى اختلافهم في مقدار ما يزال بالختان فقد كان الناس وما زالوا بين إفراط وتفريط في ذلك، قال أبو البركات في كتابه الغاية ويؤخذ في ختان الرجل جلدة الحشفة وإن اقتصر على أخذ أكثرها جاز ويستحب لخافضة الجارية أن لا تحيف، نص عليه وحكي عن عمر أنه قال للخاتنة أبقي منه إذا خفضت.

وقال الخلال في جامعه: سئل أحمد كم يقطع في الختانة؟

قال: حتى تبدو الحشفة وأخبرني عبد الملك الميموني قال قلت يا أبا عبد الله مسألة سئلت عنها ختّان ختن صبياً فلم يستقص فقال إذا كان الختّان قد جاز نصف الحشفة إلى فوق فلا يعتد به لأن الحشفة تغلظ وكلما غلظت هي ارتفعت الختانة، ثم قال لي: إذا كانت دون النصف أخاف قلت له فإن الإعادة عليه شديدة جداً ولعله قد يخاف عليه الإعادة، قال لي: إيش يخاف عليه، ورأيت سهولة الإعادة إذا كانت الختانة في أقل من نصف الحشفة إلى أسفل، وسمعته يقول: هذا شيء لا بد أن تتيسر فيه الختانة.

وقال ابن الصباغ في الشامل: الواجب على الرجل أن يقطع الجلدة التي على الحشفة حتى تنكشف جميعها وأما المرأة فلها عذرتان إحداهما بكارتها والأخرى هي التي يجب قطعها وهي كعرف الديك في أعلى الفرج بين الشفرين وإذا قطعت يبقى أصلها كالنواة.

وقال ابن كج: عندي يكفي قطع شيء من القلفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها.

وقال الجويني: القدر المستحق من النساء ما ينطلق عليه الاسم قال في الحديث ما يدل على الأمر بالإقلال قال: «أشمي ولا تنكهي» أي اتركي الموضع أشم والأشم المرتفع.

وقال الماوردي: والسنة أن يستوعب القلفة التي تغشى الحشفة بالقطع من أصلها وأقل ما يجزئ فيه أن لا يتغشى بها شيء من الحشفة وأما خفض المرأة فهو قطع جلدة في الفرج فوق مدخل الذكر ومخرج البول على أصل كالنواة ويؤخذ منه الجلدة المستعلية دون أصلها(33).

متى يختن الصبي:

اتفق الجمهور على عدم ثبوت وقت معين للختان، لكن من أوجبه من الفقهاء جعلوا البلوغ وقت الوجوب؛ لأنه سن التكليف، لكن يستحب للولي أن يختن الصغير لأنه أرفق به.

وقال النووي باستحباب الختان لسابع يوم من ولادته لما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «عق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين رضي الله عنهما وختنهما لسبعة أيام»(34)، إلا أن يكون ضعيفاً لا يحتمله، فيؤخره حتى يحتمله ويبقى الأمر على الندب إلى قبيل البلوغ، فإن لم يختتن حتى بلوغه وجب في حقه حينئذ.

وفي هذا يقول ابن القيم: وعندي يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختوناً فإن ذلك مما لا يتم الواجب إلا به.

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الختان متى يكون؟

فأجاب: أما الختان فمتى شاء اختتن لكن إذا راهق البلوغ فينبغي أن يختتن كما كانت العرب تفعل لئلا يبلغ إلا وهو مختون، وأما الختان في السابع ففيه قولان هما روايتان عن أحمد قيل لا يكره لأن إبراهيم ختن إسحاق في السابع وقيل يكره لأنه عمل اليهود فيكره التشبه بهم وهذا مذهب مالك(35).

وثبت في الأخبار عن جماعة من العلماء أنهم قالوا: ختن إبراهيم إسماعيل لثلاث عشرة سنة وختن ابنه إسحاق لسبعة أيام وروي عن فاطمة أنها كانت تختن ولدها يوم السابع وأنكر ذلك مالك وقال ذلك من عمل اليهود ذكره عنه ابن وهب، وقال الليث بن سعد: يختن الصبي ما بين سبع سنين إلى عشر ونحوه، روى ابن وهب عن مالك، وقال أحمد: لم أسمع في ذلك شيئاً.

وفي البخاري سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أنا يومئذ مختون قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك أو يقارب الاحتلام.

واستحب العلماء في الرجل الكبير يسلم أن يختن وكان عطاء يقول: لا يتم إسلامه حتى يختن وإن بلغ ثمانين سنة، وروي عن الحسن أنه كان يرخص للشيخ الذي يسلم ألا يختتن ولا يرى به بأساً ولا بشهادته وذبيحته وحجه وصلاته.

قال ابن عبد البر: وعامة أهل العلم على هذا وحديث بريدة في حج الأغلف لا يثبت وروي عن ابن عباس وجابر بن زيد وعكرمة: أن الأغلف لا تؤكل ذبيحته ولا تجوز شهادته(36).

والختان قبل ذلك أفضل وهو قبل التمييز أفضل من بعده في المشهور لأنه قربة وطهرة فتقديمها أحرز لأن فيه تخليصاً من مس العورة ونظرها فإن عورة الصغير لا حكم لها ولذلك يجوز مسها وتقبيلها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل زبيبة الحسن(37)، وقيل التأخير إلى سن التمييز أولى لما روى عن ابن عباس كما تقدم أنه قال وكانوا لايختنون الرجل حتى يدرك يعني والله أعلم حتى يقارب الإدراك، وفي رواية لأحمد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين مختون(38).

وقال ابن القيم: ووقته عند البلوغ لأنه وقت وجوب العبادات عليه، ولا يجب الختان قبل البلوغ لأن الصبي ليس أهلاً لوجوب العبادات المتعلقة بالأبدان فما الظن بالجرح الذي ورد التعبد به ولا ينتقض هذا بالعدة التي تجب على الصغيرة فإنها لا مؤونة عليها فيها إنما هي مضي الزمان قالوا فإذا بلغ الصبي وهو أقلف أو المرأة غير مختونة ولا عذر لهما ألزمهما السلطان به وعندي أنه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختوناً فإن ذلك لا يتم الواجب إلا به وأما قول ابن عباس كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك أي حتى يقارب البلوغ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] وبعد بلوغ الأجل لا يتأتى الإمساك وقد صرح ابن عباس أنه كان يوم موت النبي مختوناً وأخبر في حجة الوداع التي عاش بعدها رسول الله بضعة وثمانين يوماً أنه كان قد ناهز الاحتلام وقد أمر النبي الآباء أن يأمروا أولادهم بالصلاة لسبع وأن يضربوهم على تركها لعشر فكيف يسوغ لهم ترك ختانهم حتى يجاوزوا البلوغ والله أعلم(39).

هل الختان تغيير لخلق الله:

وليس من تغيير خلق الله التصرف في المخلوقات بما أذن الله فيه ولا ما يدخل في معنى الحسن؛ فإن الختان من تغيير خلق الله ولكنه لفوائد صحية وكذلك حلق الشعر لفائدة دفع بعض الأضرار وتقليم الأظفار لفائدة تيسير العمل بالأيدي وإزالة ما به تعلق القاذورات والأوساخ وكذلك ثقب الآذان للنساء لوضع الأقراط والتزين، وأما ما ورد في السنة من لعن الواصلات والمتنمصات والمتفلجات للحسن فمما أشكل تأويله، وأحسب تأويله أن الغرض منه النهي عن سمات كانت تعد من سمات العواهر في ذلك العهد أو من سمات المشركات وإلا فلو فرضنا هذه منهياً عنها لما بلغ النهي إلى حد لعن فاعلات ذلك. وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنما يكون إثماً إذا كان فيه حظ من طاعة الشيطان بأن يجعل علامة لنحلة شيطانية(40).

أما ما كان بأمر الخالق أو بأمر رسوله الذي لا ينطق عن الهوى فلا يدخل في التغيير لخلق الله لأن الذي خلق هو الذي أمر، كما أن الذي خلق الشاة أمر بذبحها فلا يكون ذلك من التعذيب الذي يتذرع به الذين يخنقونها أو يصعقونها بالكهرباء زاعمين تجنب تعذيبها وإنما هم متجنبين الطاعة لخالقهم، والتمرد على أمر الوحي باتباع أمر الشيطان متمثلين قول الحق تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121].

ختان المرأة:

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن المرأة هل تختتن أم لا؟

فأجاب: الحمد لله نعم تختتن وختانها أن تقطع أعلى الجلدة التي كعرف الديك قال رسول صلى الله عليه وسلم للخافضة وهي الخاتنة: «أشمي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى لها عند الزوج»(41) يعني لا تبالغي في القطع وذلك أن المقصود بختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة ولهذا يقال في المشاتمة يا ابن القلفاء فان القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر ولهذا يوجد من الفواحش في نساء التتر ونساء الإفرنج ما لا يوجد في نساء المسلمين وإذا حصلت المبالغة في الختان ضعفت الشهوة فلا يكمل مقصود الرجل فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال والله أعلم(42).

وفي شرح العمدة: أما المرأة ففيها روايتان إحداهما أن خفضه واجب كالرجل والثانية لا يجب لأن ترك ختان الرجل مظنة احتقان النجاسة بخلاف المرأة وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الختان سنة للرجل مكرمة للنساء»(43) يعني بالسنة: الطريقة الشرعية(44).

وأما المرأة فيستحب ألا يجتذ خافضها، نص عليه، وحكي عن ابن عمر أنه قال لختانة: أبقي منه شيئاً إذا خفضت، وعن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ختانة تختن فقال: «إذا ختنت فلا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب للبعل»(45)، وقالت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لختانة إذا خفضن فأشمي ولا تنهكي فإنه أسرع للزوج وأحظى لها عند زوجها رواه حرب في مسائله(46).

ونقل ابن القيم عن الماوردي قوله: "وأما خفض المرأة فهو قطع جلدة في الفرج فوق مدخل الذكر ومخرج البول على أصل النواة، ويؤخذ من الجلدة المستعلية دون أصلها، هذه النواة هي البظر، والجلدة التي عليها وهي التي تقطع في الختان، والتي شبهها الفقهاء بعرف الديك والمسماة بالقلفة، والتي تتجمع فيها مفرزات اللخن (مفرزات باطن القلفة) مثل ما يحدث في الذكر عندما تكون تلك القلفة مفرطة النمو، لذا أمرت السنة المطهرة بإزالتها"(47).

وجمهور فقهاء المسلمين على أن الأمر للندب أو الاستحباب، عدا الشافعية الذين قالوا بوجوبه.

يقول د. محمد علي البار: "هذا هو الختان الذي أمر به المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأما ما يتم في مناطق من العالم من أخذ البظر بكامله، أو البظر مع الشفرين الصغيرين، أو حتى مع الشفرين الكبيرين أحياناً، فهو مخالف للسنة ويؤدي إلى مضاعفات كثيرة، وهو الختان المعروف بالختان الفرعوني، وهو على وصفه، لا علاقة له مطلقاً بالختان الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، لذا فإن الضجة المفتعلة ضد ختان البنات لا مبرر لها، لأن المضاعفات التي يتحدثون عنها ناتجة عن شيئين لا ثالث لهما: مخالفة السنة، وإجراء العملية دون طهارة مسبقة ومن قبل غير ذوي الخبرة من الجاهلات؛ لأن الختان الشرعي له فوائده، فهو اتباع لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وطاعة لأمره خاصة وأنه من شعائر الإسلام، وفيه ذهاب الغلمة والشبق عن المرأة وما في ذلك من المحافظة على عفتها، وفيه وقاية من الالتهابات الجرثومية التي تتجمع تحت القلفة النامية"(48).

الطب والختان:

الختان من محاسن الشرائع التي شرعها الله سبحانه لعباده ويجمّل بها محاسنهم الظاهرة والباطنة، إن الأبحاث الطبية أثبتت فائدة الختان في الطفولة المبكرة ابتداءً من يوم ولادته وحتى الأربعين يوماً من عمره على الأكثر، وكلما تأخر الختان بعدها كثرت الالتهابات في القلفة والحشفة والمجاري البولية.

في عام 1990م كتب البروفيسور ويزويل: لقد كنت من أشد أعداء الختان وشاركت في الجهود التي بذلت عام 1975 ضد إجرائه، إلا أنه في بداية الثمانينات أظهرت الدراسات الطبية زيادة في نسبة حوادث التهابات المجاري البولية عند الأطفال غير المختونين، وبعد تمحيص دقيق للأبحاث التي نشرت، فقد وصلت إلى نتيجة مخالفة وأصبحت من أنصار جعل الختان أمراً روتينياً يجب أن يجري لكل مولود(49).

ولقد أثبتت الدراسات الطبية الحديثة أن أمراضاً عديدة في الجهاز التناسلي بعضها مهلك للإنسان تشاهد بكثرة عند غير المختونين بينما هي نادرة معدومة عند المختونين ومن تلك الأمراض:

1- الختان وقاية من الالتهابات الموضعية في القضيب: فالقلفة التي تحيط برأس القضيب تشكل جوفاً ذو فتحة ضيقة يصعب تنظيفها، إذ تتجمع فيه مفرزات القضيب المختلفة بما فيها ما يفرز سطح القلفة الداخلي من مادة بيضاء ثخينة تدعى"اللخن Smegma" وبقايا البول والخلايا المتوسفة والتي تساعد على نمو الجراثيم المختلفة مؤدية إلى التهاب الحشفة أو التهاب الحشفة والقلفة الحاد أو المزمن والتي يصبح معها الختان أمراً علاجياً لا مفر منه، وقد تؤدي إلى التهاب المجاري البولية عند الأطفال غير المختونين.

وتؤكد دراسة د.شوبن أن ختان الوليد يسهّل نظافة ذلك العضو، ويمنع تجمع الجراثيم تحت القلفة في فترة الطفولة، وأكد د.فرغسون أن الأطفال غير المختونين هم أكثر عرضة للإصابة بالتهاب الحشفة وتضيق القلفة Phemosis من المختونين(50).

2- الختان يقي الأطفال من الإصابة بالتهاب المجاري البولية: وجد جنز برغ أن 95% من التهابات المجاري البولية عند الأطفال تحدث عند غير المختونين. ويؤكد أن جعل الختان أمراً روتينياً يجري لكل مولود في الولايات المتحدة منع حدوث أكثر من 50 ألف حالة من التهاب الحويضة والكلية سنوياً عند الأطفال. لما لالتهاب المجاري البولية من الخطورة البالغة عند الأطفال وأنها تؤدي في 35% من الحالات إلى تجرثم الدم وقد تؤدي إلى التهاب السحايا والفشل الكلوي(51).

3- الختان والأمراض الجنسية: أكد البروفيسور وليم بيكوز الذي عمل في البلاد العربية لأكثر من عشرين عاماً، وفحص أكثر من 30 ألف امرأة، ندرة الأمراض الجنسية عندهم وخاصة العقبول التناسلي والسيلان والكلاميديا والتريكوموناز وسرطان عنق الرحم، ويُرجع ذلك لسببين هامين ندرة الزنى وختان الرجال.

ويرى آريا وزملاؤه أن للختان دوراً وقائياً هاماً من الإصابة بكثير من الأمراض الجنسية وخاصة العقبول والثآليل التناسلية. كما عدد فنك Fink أكثر من 60 دراسة علمية أثبتت كلها ازدياد حدوث الأمراض الجنسية عند غير المختونين.

وأورد د. ماركس Marks خلاصة 3 دراسات تثبت انخفاض نسبة مرض الإيدز عند المختونين، في حين وجد سيمونس وزملاؤه أن احتمال الإصابة بالإيدز بعد التعرض لفيروساته عند غير المختونين هي تسعة أضعاف ما هو عليه عند المختونين(52).

حتى أولئك الذين يتجرؤون على معصية الله يجدون في التزامهم بخصلة من خصال الفطرة إمكانية أن تدفع عنهم ويلات هذا الداء الخبيت، لكن لا ننكر أن الوقاية التامة من الإيدز تكون بالعفة والامتناع عن الزنى.

4- الختان والوقاية من مرض الأيدز:

ويشرف باحثو جامعة جونس هوبكينس، حالياً، على تجربة أخرى في أوغندا تتوخى تقييم مدى تأثير ختان الذكور في مخاطر انتقال فيروس الأيدز من الذكور إلى الإناث، ومن المتوقّع صدور نتائج تلك التجربة في أواخر عام 2007. وتمت أيضاً دراسة مدى تأثير ختان الذكور في مخاطر انتقال فيروس الأيدز بين المثليين من الرجال، غير أنّ ذلك التأثير لم يخضع لتجارب معيّنة.

ويؤكّد كل من منظمة الصحة العالمية وصندوق الأمم المتحدة للسكان واليونيسيف وأمانة برنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الأيدز على أنّ موقفهم الراهن لم يتغيّر وعلى أنّهم لا ينصحون حالياً بتعزيز عملية ختان الذكور لأغراض الوقاية من فيروس الأيدز. غير أنّ الأمم المتحدة تعترف بأهمية استباق الأحداث والتأهّب للاستجابة لزيادة محتملة في الطلب على الختان إذا ما أكّدت التجارب الراهنة التأثير الوقائي لتلك الممارسة. والجدير بالذكر أنّ النموذج الرياضي الذي تم وضعه مؤخراً استناداً إلى فرضية انخفاض نسبة انتقال فيروس الأيدز بنحو 60% لدى الرجال المختونين يوحي بذلك، وإذا تأكّد فعلاً حدوث هذا المستوى من الحماية وإذا انتشرت ممارسة ختان الذكور على نطاق واسع، فإنّ من الممكن أن تشهد أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، خلال عشرين سنة، انخفاضاً كبيراً في عدد الوفيات وأنواع العدوى المرتبطة بفيروس الأيدز(53).

5- الختان والوقاية من السرطان:

يقول البرفسور كلو دري: يمكن القول وبدون مبالغة بأن الختان الذي يجري للذكور في سن مبكرة يخفض كثيراً من نسبة حدوث سرطان القضيب عندهم، مما يجعل الختان عملية ضرورية لابد منها للوقاية من حدوث الأورام الخبيثة. وقد أحصى د.أولبرتس مرضى مصابين بسرطان القضيب في الولايات المتحدة، لم يكن من بينهم رجل واحد مختون منذ طفولته.

وفي بحث نشره د. هيلبرغ وزملاؤه أكدوا فيه أن سرطان القضيب نادر جداً عند اليهود، وعند المسلمين حيث يجري الختان أيام الطفولة الأولى وإن أبحاثاً كثيرة جداً تؤكد أن الختان يقي من السرطان في القضيب.

وتذكر هذه الأبحاث أن التهاب الحشفة وتضيق القلفة هما من أهم مسببات سرطان القضيب، ولما كان الختان يزيل القلفة من أساسها، فإن المختونين لا يمكن أن يحدث عندهم تضيق القلفة، ويندر جداً حدوث التهاب الحشفة(54).

وقد ثبت أن مادة اللخن التي تفرزها بطانة القلفة عند غير المختونين والتي تتجمع تحت القلفة لها فعل مسرطن أيضاً، فقد أثبتت الأبحاث أن هذه المادة تشجع على نمو فيروس الثآليل الإنساني HPV الذي ثبت بشكل قاطع أثره المسرطن.

أما الدكتور رافيتش فيؤكد على دور الختان في الوقاية من أورام البروستات، على الرغم من أنه لا توجد دلالة قاطعة تثبت ذلك، غير أنه في المؤتمر الذي عقد في مدينة دوسلدورف الألمانية عن السرطان والبيئة، أشير إلى العلاقة السلبية بين سرطان البروستات الذي يصيب الرجال وبين الختان، وأن الرجال المختونين أقل تعرضاً للإصابة بهذا السرطان من غير المختونين.

وفي نفس المؤتمر كشف النقاب أيضاً عن أن النساء المتزوجات من رجال مختونين هن أقل تعرضاً للإصابة بسرطان الرحم من النساء المتزوجات من رجال غير مختونين.

من هنا نفهم أن دور الختان لا يقتصر على حماية الرجل المختون من الإصابة بالسرطان بل يظهر تأثيره الوقائي عند زوجات المختونين أيضاً.

ويؤكد د. هاندلي أن الختان عند الرجال يقي نساءهم من الإصابة بسرطان عنق الرحم، وذكر أن الحالة الصحية للقضيب والتهاباته تشكل خطراً على المرأة يفوق الخطر الذي يتعرض له الرجال أنفسهم.

وقد وجد الباحثون أدلة على اتهام فيروس الثآليل الإنساني HPV بتسبب سرطان القضيب لدى غير المختونين، وسرطان عنق الرحم عند زوجاتهم إذ أنهن يتعرضن لنفس العامل المسرطن الذي يتعرض له الزوج.

وإن عملية التنظيف للقلفة لدى غير المختونين لوقايتهم من السرطان، كما يدعو إلى ذلك بعض أطباء الغرب، هي عملية غير مجدية على الإطلاق كما يؤكد البروفسور ويزويل فهو يقول بأنه ليس هناك أي دليل على الإطلاق على أن تنظيف القلفة يمكن أن يفيد في الوقاية من السرطان والاختلاطات الأخرى المرتبطة بعدم إجراء عملية الختان.

نخلص من ذلك إلى القول بأن عدم إجراء الختان في سن الطفولة المبكرة يؤدي إلى ظهور مجموعة من العوامل، منها وجود اللخن (مفرز باطن القلفة)، وتجمع البول حولها ومن ثم تعطنه وتنامي فيروس الثآليل الإنساني وغيره من العوامل المخرشة والتي تؤدي في النهاية إلى ظهور سرطان القضيب عند الأقلف الذي تجاوز عمره الخمسين وحتى السبعين عاماً.

وبانتقال تلك المخرشات إلى عنق الرحم عند زوجته أمكن أن يؤدي عندها إلى الإصابة بسرطان عنق الرحم أو سرطان الفرج(55).

والختان يقلل الحساسية المفرطة للبظر الذي قد يكون شديد النمو بحيث يبلغ أكثر من 3 سنتمترات عند انتصابه فكيف للرجل أن يختلط بزوجته ولها عضو كعضوه، ينتصب كانتصابه " ومن فوائد الختان منعه من ظهور تضخم البظر أو ما يسمى بإنعاظ النساء، وهو إنعاظ متكرر أو مؤلم مستمر للبظر، كما يمنع ما يسمى نوبة البظر وهو تهيج عند النساء المصابات بالضنى يرافقه تخبط بالحركة وغلمنة شديدة وهو معند على المعالجة.

ويقول د. الغوابي وهو يتحدث عن فوائد ختان البنات: "تتراكم مفرزات الشفرين الصغيرين عند القلفاء وتتزنخ ويكون لها رائحة كريهة وقد يؤدي إلى التهاب المهبل أو الإحليل، وقد رأيت حالات كثيرة سببها عدم إجراء الختان عند المصابات، كما يرد على من يدعي أن ختان البنات يؤدي إلى البرودة الجنسية عندهن، بأن البرود الجنسي له أسباب كثيرة، وأن هذا الادعاء ليس مبنياً على إحصاءات وشواهد بين المختتنات وغير المختتنات، طبعاً إلا أن يكون ختاناً فرعونياً أدى إلى قطع البظر بكامله.

كما ينقل عن البروفسور هوهنر ـ أستاذ أمراض النساء في جامعة نيويوركـ بأن التمزقات التي تحدث في المهبل أثناء الوضع تحدث بردواً جنسياً بعكس ما كان منتظراً، في حين أن الأضرار التي تصيب البظر نادراً ما تقود إلى البرود الجنسي.

وفي المؤتمر الطبي الإسلامي عن الشريعة والقضايا المعاصرة (القاهرة 1987) قدمت فيه بحوث عن خفاض الأنثى أكد فيه د. محمد عبد الله سيد خليفة أضرار الختان الفرعوني وتشويهه للأماكن الحساسة من جسد الأنثى، وأن الخافضة هنا تنهك إنهاكاً فتزيل البظر بكامله والشفرين إزالة شبه تامة مما ينتج عنه ما يسمى بالرتق وهو التصاق الشفرين ببعضهما.

وأكد ذلك د. محمد حسن الحفناوي وزملاؤه من جامعة عين شمس وبينوا أن أضرار ختان الأنثى ناتج عن المبالغة في القطع الذي نهى عنه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم أو عن إجراء الخفض بأدوات غير معقمة أو بأيدي غير خبيرة، وليس عن الختان الشرعي نفسه.

وخلاصة القول:

يتضح لنا أن الحكمة الطبية من الختان، الذي دعت إليه الشريعة الإسلامية، تظهر عند الرجال أكثر بكثير مما تظهر عند النساء، ونستطيع القول أنه في البلاد ذات الطقس الحار كصعيد مصر والسودان والجزيرة العربية وغيرها، فإنه يغلب أن يكون للنساء بظر نام يزيد في الشهوة الجنسية بشكل مفرط، وقد يكون شديد النمو إلى درجة يستحيل معها الجماع ومن هنا كان من المستحب استئصال مقدم البظر لتعديل الشهوة في الحالة الأولى، ووجب استئصاله لجعل الجماع ممكناً في الحالة الثانية وهذا الرأي الطبي يتوافق مع رأي الجمهور من فقهاء الأمة الذين أوجبوا الختان على الرجال وجعلوه سنة أو مكرمة للنساء مصداقاً لتوجيهات نبي الأمة صلى الله عليه وسلم"(56).

وجه الإعجاز:

لقد عادت الفطرة البشرية لتثبت من جديد أنها الفطرة التي لا تتغير على مدى العصور، وأن دعوة الأنبياء هي دعوة حق إلى سعادة البشر جميعاً، وكما رأينا فإن الطب الحديث يؤيد وبقوة ما ذهب إليه الشافعية من استحباب الختان في اليوم السابع، ولحد أقصى (يوم الأربعين) من ولادة الطفل.

وإن ترك الطفل سنوات حتى يكبر دون أن يختن، يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات خطرة هو في غنى عنها. ويوما بعد يوم يعلو صوت الحق عالياً وهو ينادي بكل ما آتاه الله من حجج وبراهين على أن الإسلام الحق هو الحل وفيه السعادة الأبدية والأجوبة السهلة الميسرة لكل باحث عن الحق سواء كان ذلك الحق في مجال الطب وإيجاد العلاج أو في مجال الفطرة المنكوسة اليوم ومجال تصحيح مفاهيمها والأخذ بها إلى سواء السبيل أو في مجال توجيه العقل إلى خالقه وبارئه وكيف أن الحق قد أودع في هذا الكون من الأسرار ما بها يفيق المنصفون إلى كل خير، ولعلنا فيما تقدم أوضحنا أسرار الختان وكيف أن الإسلام أمر به وأوجبه لا على قول بعض العلماء بل ما صرحت بوجوبه السنة الشريفة وما كان عليه العمل عند السلف والخلف،وما رافقه من تطور للعلم أظهر نور السنة ساطعاً منيراً وأزال عنه شبهات الملحدين وأراجيف المبطلين، فكان خير دين لخير أمة أخرجت للناس أيدها خالقها بمعجزة خالدة وشواهد لا تنقضي على عظمة الإسلام القائم على التوافق بين النص والعقل من غير أي مصادمة ولا معارضة تؤكد في كل حين أنه الحق من عند الله القائل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ [الفتح: 28].

جمع وترتيب: قسطاس إبراهيم النعيمي.

مراجعة: علي عمر بلعجم.

___________________

(1) صحيح البخاري برقم: 5550، 5/ 2209.

(2) صحيح البخاري برقم: 6162، 5/ 2391.

(3) المعجم الكبير 7/ 273، وضعفه الألباني في السلسة الضعيفة 4/ 407، برقم: 1935.

(4) أخرجه الترمذي في السنن 1/ 182، برقم: 109، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجة في السنن 1/ 199، برقم: 608، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة 3/ 259، برقم: 1261.

(5) تحفة المودود 1/ 153 بتصرف.

(6) المرجع السابق 1/ 152بتصرف.

(7) تقدم تخريجه.

(8) تفسير أبي السعود 1/ 155.

(9) مسند أحمد 4/ 264، برقم: 53، وقال الألباني حسن، ينظر صحيح أبي داود 1/ 13، برقم: 43.

(10) تحفة المودود 1/ 161 بتصرف.

(11) المرجع السابق 1/ 163بتصرف.

(12) شرح العمدة 1/ 243.

(13) سنن الترمذي 5/ 93، برقم: 5/ 93، وقال حسن صحيح، قال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 6533 في صحيح الجامع.

(14) تحفة المودود 1/ 164-166 بتصرف.

(15) تحفة المودود 1/ 164-177 بتصرف.

(16) المرجع السابق 1/ 166-168.

(17) تقدم تخريجه.

(18) المرجع السابق بتصرف.

(19) مجموع الفتاوى 21/ 113.

(20) تقدم تخريجه.

(21) تحفة المودود 1/ 168، 170، بتصرف.

(22) د.أحمد بن عبد الكريم نجيب، أخذاً من موقع: http://saaid.net

(23) نيل الأوطار للشوكاني 1/ 139 وما بعدها.

(24) الختان بين موازين الطب والشريعة، الدكتور الطبيب محمد نزار الدقر، أخذاً من موقع:

http://www.55a.net

(25) الختان بين موازين الطب والشريعة، الدكتور الطبيب محمد نزار الدقر، أخذاً من موقع:

http://www.55a.net

(26) تفسير القرطبي 2/ 93.

(27) صحيح البخاري 3/ 1224، برقم: 3178، ومسلم 4/ 1839، برقم: 2370، واللفظ للبخاري

(28) تحفة المودود 1/ 154، بتصرف.

(29) المرجع السابق 1/ 186-192.

(30) تفسير الطبري 1/ 621.

(31) سنن البيهقي 6/ 396، برقم: 17337، وقال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 7475 في صحيح الجامع.

(32) تحفة المودود 1/ 186-192، بتصرف.

(33) تحفة المودود 1/ 186-192، بتصرف.

(34) الطبراني 7/ 12، برقم: 6708، وضعفه الألباني في تمام المنة 1/ 68.

(35) مجموع الفتاوى 21/ 113.

(36) تفسير القرطبي 2/ 93.

(37) لم أجده.

(38) شرح العمدة 1/ 243.

(39) تحفة المودود 1/ 177.

(40) التحرير والتنوير 1/ 1029.

(41) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير 1/ 91، برقم: 122، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة 2/ 344، برقم: 722.

(42) مجموع الفتاوى21/ 113.

(43) تقدم تخريجه.

(44) شرح العمدة 1/ 243.

(45) تقدم تخريجه.

(46) المرجع السابق 1/ 247.

(47) تحفة المودود 1/ 192.

(48) الختان بين موازين الطب والشريعة أخذامن: http://www.55a.net

(49) المرجع السابق.

(50) لماذا تراجع الغرب عن عدائه للختان الدكتور حسان شمسي باشا أخذا من:

http://www.khayma.com

(51) الختان بين موازين والشريعة أخذا من: http://www.55a.net

(52) المرجع السابق.

(53) نشرة إخبارية اشترك في إعدادها كل من منظمة الصحة العالمية، برنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الأيدز، اليونيسيف، صندوق الأمم المتحدة للسكان والبنك الدولي 17 آب/ أغسطس 200 أخذاً من موقع:

http://www.who.int/mediacentre

(54) المرجع السابق.

(55) الختان بين موازين الطب والشريعة، الدكتور الطبيب محمد نزار الدقر، أخذاً من موقع:

http://www.55a.net

(56) الختان بين موازين الطب والشريعة أخذا من موقع: http://www.55a.net

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: