مركز البحوث
   
أبحاث الإعجاز
   
الإعجاز الفلكي
   
الإعجاز العلمي في قوله (إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت)
الإعجاز العلمي في قوله (إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت)
عادل الصعدي
الثلاثاء 22 يناير 2013

الإعجاز العلمي في قوله تعالى:

﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: 1-2]

مقدمة:

يخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم أن كل المخلوقات ستفنى وتزول لأن حياتها محدودة، وأن الحياة الكاملة والمطلقة هي لله الحي الذي لا يموت، يقول تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].

وقد أطلعنا الله عز وجل في كتابه على بعض الكيفيات التي ستنتهي بها بعض المخلوقات، ومن ذلك نجوم السماء، يقول تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: 1-2]، ويقول تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: 8].

وقد كشف العلم الحديث أن للنجوم حياة طويلة تمر بمراحل متعددة، فهي تولد وتكبر تدريجياً لتصل إلى مرحلة الشباب والفتوة، ثم تصير إلى الشيخوخة، ثم تندثر وتموت.

وهذا يتطابق مع إخبار القرآن الكريم بما ستؤول إليه النجوم عند قيام الساعة، ولكن الفرق بين ما يحدث في أيامنا هذه وما سيحدث عند قيام الساعة هو أن نهاية النجوم عند قيام الساعة ستكون نهاية تشمل كل النجوم بلا استثناء، أما ما يحدث في الدنيا هو نهاية فردية لبعض النجوم وليس لجميعها.

يقول الدكتور زغلول النجار: "ومع تسليمنا بأن انكدار جميع النجوم في الآخرة لن يتم بالسنن الدنيوية التي تنكدر بها النجوم في زماننا الراهن؛ لأن الآخرة سوف تحدث بأمر من الله تعالى بـ(كن فيكون)، إلا أن إثبات علوم الفلك لحقيقة انكدار النجوم كمرحلة من مراحل احتضارها في الحياة الدنيا يبقي شهادة للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق، وشهادة للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة"(1).

المعنى اللغوي للآيات الكريمة الواردة في نهاية النجوم:

الشمس نجم من النجوم، وقد أخبر الله عز وجل عن تكويرها، وأخبر أن النجوم الأخرى سوف تنكدر وتطمس، يقول تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: 1-2]، ويقول تعالى مخبراً عن انطماس النجوم: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: 8].

والتكوير في اللغة بمعنى اللف والجمع، يقول صاحب مختار الصحاح: "ك و ر: كَارَ العمامة على رأسه أي لاثها، وكل دور كَوْرٌ، وقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:1].

قال ابن عباس: غُوِّرَتْ، وقال قتادة: ذهب ضوءها، وقال أبو عبيد: كُوِّرَتْ مثل تكوير العمامة تلف فتمحى"(2).

ويقول ابن منظور: "وأَصله من تَكْوِيرِ العمامة وهو لفها وجمعها، وكُوِّرَتِ الشمسُ جُمِعَ ضوءُها ولُفَّ كما تُلَفُّ العمامة، وقيل معنى كُوِّرَتْ غُوِّرَتْ، وقال مجاهد: كُوِّرَت اضمحلت وذهبت، ويقال كُرْتُ العمامةَ على رأْسي أَكُورُها وكَوَّرْتُها أُكَوِّرُها إِذا لففتها، وقال الأَخفش: تُلَفُّ فَتُمْحَى، وقال أَبو عبيدة: كُوِّرَتْ مثل تَكْوِير العمامة تُلَفُّ فَتُمْحَى، وقال قتادة: كُوِّرَتْ ذهب ضوءُها، وهو قول الفراء.

وقال عكرمة نُزِعَ ضوءُها، وقال مجاهد: كُوِّرَتْ دُهْوِرَتْ، وقال الرَّبيعُ بن خَيثَمٍ: كُوِّرَتْ رُميَ بها. وكَوَّرْته فتكَوَّر أَي سقَط"(3).

والانكدار من الكدر وهو ضد الصفاء، يقول ابن منظور: "الكَدَرُ نقيض الصفاء، والكُدْرَةُ من الأَلوان ما نَحا نَحوَ السواد والغُبْرَةِ، وانْكَدَرَ يَعْدُو أَسرع بعض الإِسراع، وفي الصحاح أَسرع وانْقَضّ، وانكَدَر عليهم القومُ إِذا جاؤوا أَرسالاً حتى يَنْصَبُّوا عليهم وانْكَدَرَتِ النجومُ تَناثَرَتْ"(4).

والطمس في اللغة الانمحاء وذهاب الضوء، يقول صاحب اللسان: "الطُّمُوس الدروس والانْمِحاء، وطَمَس الطريقُ وطَسَمَ يَطْمِسُ ويَطْمُسُ طُموساً درَسَ وامَّحى أَثَرُه، قال شمر: طُموسُ البصر ذهاب نوره وضوئه، وكذلك طُمُوس الكواكب ذهاب ضَوْئها، والطَّمْسُ استئصال أَثر الشيء"(5).

أقوال المفسرين في هذه الآيات القرآنية:

تعددت أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] على عدة أقوال:

يقول ابن كثير: "قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ يعني أظلمت، وقال العوفي عنه: ذهبت، وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت، وكذا قال الضحاك، وقال قتادة: ذهب ضوءها"(6).

ويقول البغوي: "﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أظلمت، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: ذهب ضوءها، وقال سعيد بن جبير: غورت، وقال مجاهد: اضمحلت، وقال الزجاج: لفت كما تلف العمامة، يقال: كورت العمامة على رأسي أكورها كوراً وكورتها تكويراً إذا لففتها، وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض، فمعناه: أن الشمس يجمع بعضها إلى بعض ثم تلف فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها"(7).

ويقول الطبري: "والصواب من القول في ذلك عندنا: أن يقال ﴿كُوِّرَتْ﴾ كما قال الله جل ثناؤه، والتكوير في كلام العرب: جمع بعض الشيء إلى بعض، وذلك كتكوير العمامة وهو لفها على الرأس، وكتكوير الكارة وهي جمع الثياب بعضها إلى بعض ولفها، وكذلك قوله ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ إنما معناه: جمع بعضها إلى بعض ثم لفت فرمي بها، وإذ فعل ذلك بها ذهب ضوءها، فعلى التأويل الذي تأولنا وبيناه لكلا القولين اللذين ذكرت عن أهل التأويل وجه صحيح وذلك أنها إذا كورت ورمي بها ذهب ضوءها"(8).

وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: 2] قال بعض المفسرين أن انكدرت بمعنى تغيرت(9).

وقيل تهافتت وتناثرت، يقول القرطبي: "﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ أي تهافتت وتناثرت، وقال أبو عبيدة: انصبت كما تنصب العقاب إذا انكسرت، وروى الضحاك عن ابن عباس قال: تساقطت. ويحتمل أن يكون انكدارها طمس آثارها، وسميت النجوم نجوماً لظهورها في السماء بضوئها، وعن ابن عباس أيضاً: انكدرت تغيرت فلم يبق لها ضوء لزوالها عن أماكنها والمعنى متقارب"(10).

وأما قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: 8]، فقد ذهب المفسرون إلى أن طمس النجوم بمعنى ذهاب ضيائها ومحو نورها، يقول الطبري: "﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ يقول: فإذا النجوم ذهب ضياؤها فلم يكن لها نور ولا ضوء" (11)، وبقوله قال بقية المفسرين(12).

مراحل حياة النجوم في ضوء العلم الحديث:

النجوم عبارة عن أجرام غازية في غالبيتها، ضخمة الحجم، وهي أجرام سماوية شديدة الحرارة، ملتهبة، مشتعلة، ومضيئة بذاتها، يغلب على تركيبها غاز الإيدروجين، ويليه في الكثرة غاز الهيليوم، والقليل من العناصر الأخرى الأثقل وزنا، ونتيجة لدوران النجم حول محوره تحصل عملية التجاذب الداخلي إلى مركز النجم، وتؤدي هذه العملية إلى اتحاد نوى ذرات الإيدروجين مع بعضها البعض بالاندماج أو الانصهار النووي (Nuclear Fusion)، وينطلق عن ذلك كميات هائلة من الطاقة على هيئة عدد من الإشعاعات الكهرومغناطيسية التي من أهمها الضوء والحرارة.

ويؤدي تسلسل عملية الاندماج النووي من عنصر إلى آخر، إلى تكوين عناصر أعلى في وزنها الذري باستمرار، مما يؤدي بدوره إلى تعقيد كل من التركيب الكيميائي والبناء الداخلي للنجم، الذي يتقلص حجمه بالتدريج وتزداد كثافته بطريقة مطردة، وترتفع درجة حرارته باستمرار، فيمر بذلك في عدد من الأطوار المتتالية حتى نهاية حياته، وتسمى هذه المراحل المتتالية بدورة حياة النجم(13).

دورة حياة النجوم:

خلقت النجوم ابتداءاً من الدخان الكوني، الذي نشأ عن انفجار الجرم الأولي للكون، ولا تزال النجوم تتخلق أمام أنظار الفلكيين من دخان كل من السدم والمسافات بين النجمية وبين المجرية، عبر مراحل متتالية، وذلك بواسطة عدد من الدوامات العاتية التي تعرف باسم دوامات تركيز المادة

(Material Accretion Whorlsor Vertigos) والتي تعمل على تكثيف المادة في داخل سحابات الدخان بفعل عملية التجاذب التثاقلي (Gravitational Attraction)، فتؤدي إلى إحداث تصادمات متكررة بين جسيمات المادة ينتج عنها الارتفاع التدريجي في درجة حرارتها حتى تصبح قادرة على بث الأشعة تحت الحمراء فيولد ما يسمى بالنجم الابتدائي.

وتستمر جزيئات المادة في هذا النجم الأولي في التجمع والانجذاب أكثر نحو المركز حتى تتجمع الكتلة اللازمة لبدء عملية الاندماج النووي، فتزداد الاصطدامات بينها، ويزداد الضغط إلى الدرجة التي تسمح ببدء التفاعلات النووية الاندماجية بين نوى ذرات الإيدروجين، فيتوهج النجم الأولي وتنطلق منه الطاقة، وينبثق الضوء المرئي، وعند ذلك يكون النجم الابتدائي قد وصل إلى طور النضج المسمى باسم نجوم النسق الرئيسي Main Sequence Stars)(14).

ويستمر النجم في هذا الطور غالبية عمره (90% من عمره)، حيث يتوقف انكماش مادته نحو المركز بسبب الحرارة والضغط البالغين المتولدين في مركز النجم، وينتج عن استمرار التفاعلات النووية في داخل نجم النسق الرئيسي استهلاك كميات كبيرة من غاز الإيدروجين الذي تحوله إلى الهيليوم، وبالتدريج تتخلق العناصر الأثقل من مثل الكربون، والنيتروجين، والأوكسجين(15).

والجدير بالذكر أن شمسنا عبارة عن نجم في مرحلة نجوم النسق الرئيسي -مرحلة الشباب-، فنلاحظ عليها استقراراً في خصائصها، فلا تخرج علينا يوماً بضياء شديد ثم تبدو كنجم خافت في يوم آخر، ومن فضل الله علينا أن شمسنا نجم مستقر يرسل لنا معدلاً ثابتاً -تقريباً- من الأشعة، بحيث توفر لنا أسباب الحياة والدفء اللازمين لبهجة حياتنا.

ومرحلة الشباب هي أطول المراحل في عالم النجوم، وهذا يعني أن شمسنا ستظل بقدرة الله تعالى على تلك الحال من الاستقرار والثبات إلى فترة طويلة من عمرها. ويقدر العلماء عمر الشمس الآن بحوالي 450 مليون سنة، وأنها مستمرة على حالها لفترة 5000 مليون سنة أخرى، وبعدها ستنفتح لتصبح نجماً عملاقاً، يبتلع الكواكب القريبة منه، واحداً بعد الآخر، ومن المعروف أن كوكبنا الأرضي أحد تلك الكواكب التي ستبتلعها الشمس حسب التقديرات النظرية.

ولنتخيل معاً ما سيحدث لكوكبنا وعالمنا مع اقتراب الشمس من الأرض حتى تبتلعها، إن درجة الحرارة سترتفع تدريجياً، فيهرب الغلاف الجوي تدريجياً، وهنا لابد وأن تموت جميع الكائنات التي تعيش على الأرض، وتدريجياً تتبخر مياه البحار والمحيطات لتتحول الأرض إلى كوكب جاف، ثم تدخل الأرض تدريجياً في غياهب باطن الشمس ذي الحرارة الرهيبة، فتذوب مادة الأرض بفعل الحرارة الرهيبة لباطن الشمس، فيصبح كوكبنا جزءاً من أحشاء الشمس. وقبل أن تبتلع الشمس كوكبنا الأرضي قد تبتلع القمر قبلها، وقد يكون ذلك تفسيراً لقوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: 9](16).

وفي مراحل لاحقة يتحول لب النجم إلى الحديد، فتتوقف عملية الاندماج النووي، ويدخل النجم في مرحلة الاحتضار على هيئة النموذج الأول لانفجار المستعر الأعظم (Type I Supernova Explosion)، وينتهي به إلى دخان السماء عبر مراحل من العمالقة الحمر (Red Giants)، ثم مرحلة النجوم الزرقاء شديدة الحرارة والمحاطة بهالة من الإيدروجين المتأين والمعروفة باسم السدم الكوكبية (Planetary Nebulae)، ثم مرحلة الأقزام البيض (White Dwarfs) إذا كانت الكتلة الابتدائية للنجم قليلة نسبياً أي في حدود كتلة الشمس تقريبا.(17)

أما إذا كانت الكتلة الابتدائية للنجم عدة مرات قدر كتلة الشمس، فإنه يمر بمراحل من العمالقة العظام (Supergiants) ثم النموذج الثاني لانفجار المستعر الأعظم

(Supernova Explosion) TypeI الذي تتبقى عنه النجوم النيوترونية (Neutron Stars) أو الثقوب السود (Black Holes)، والتي يمكن تسميتها باسم النجوم الخانسة الكانسة (The Concealedor Hidden Sweeping Stars) كما يصفها القرآن الكريم، والتي تبتلع كل ما تمر به أو يصل إلى أفق حدثها (Event Horizon) من مختلف صور المادة والطاقة، ثم ينتهي بها المطاف إلى دخان السماء عن طريق تفككها وتبخر مادتها عالية الكثافة، كما يعتقد غالبية الدارسين لموضوعات الفيزياء الفلكية، وإن كانوا لم يتمكنوا بعد من تحديد كيفية حدوث ذلك، ويرى بعض الفلكيين أن أشباه النجوم (Quasars) مرشحة لتكون المرحلة الانتقالية من الثقوب السود إلى دخان السماء، وهي أجرام شاسعة البعد عنا، ضعيفة الإضاءة -ربما لبعدها الشاسع عنا-، منها ما يطلق أقوى الموجات الراديوية المعروفة في السماء الدنيا ويعرف باسم أشباه النجوم الراديوية، ومنها ما لا يصدر مثل تلك الموجات الراديوية ويعرف باسم أشباه النجوم غير الراديوية(18).

وغالبية نجوم السماء من النوع العادي، أو ما يعرف باسم نجوم النسق الرئيسي (Main Sequence Stars) التي تمثل مرحلة نضج النجم وأوج شبابه، وهي أطول مرحلة في حياة النجوم، حيث يمضي النجم 90% من عمره في هذه المرحلة، التي تتميز بتعادل دقيق بين قوى التجاذب إلى مركز النجم -والناتجة عن دوران النجم حول محوره-، وقوى دفع مادة النجم إلى الخارج -نتيجة لتمدده بالحرارة الشديدة الناتجة عن عملية الاندماج النووي في لبه-، ويبقي النجم في هذا الطور حتى ينفذ وقوده من غاز الإيدروجين، أو يكاد ينفد، فيبدأ بالتوهج الشديد حتى تصل شدة إضاءته إلى مليون مرة قدر شدة إضاءة الشمس، ثم يبدأ في الانكدار التدريجي حتى يطمس ضوءه بالكامل، ويختفي كلية عن الأنظار على هيئة النجم الخانس الكانس (أو الثقب الأسود)، عبر عدد من مراحل الانكدار.

ومن النجوم المنكدرة ما يعرف باسم السدم الكوكبية (Planetary Nebulae)، والأقزام البيض (White Dwarfs)، والنجوم النيوترونية (Neutron Stars)، ومنها النابض وغير النابض، وغيرها من صور انكدار النجوم(19).

وجه الإعجاز:

أثبتت الاكتشافات العلمية الحديثة أن النجوم تولد وتمر بمراحل عديدة، فهي تخلق ثم تصير إلى مرحلة تسمى فيها هذه النجوم بنجوم النسق الرئيسي، ويستمر النجم على هذا الطور غالبية عمره، وبعد ذلك يستمر التحول إلى مرحلة جديدة وهكذا حتى يتحول إلى نجم منكدر لا ضوء فيه.

وتقول الدراسات الحديثة أن الشمس ستتمدد ويصبح حجمها كبيراً، وبالتالي فإنها لن تستطيع أن تستمر طويلاً في الإمساك بتلابيب أطرافها، فتهرب الطبقات الخارجية منها تدريجياً -في شكل حلقات غازية تخرج متتابعة في منظر مهيب-، وفي تلك الحالة ستطال تلك الحلقات جميع الكواكب الخارجية حتى (بلوتو)، بل وجميع أطراف المنظومة الشمسية. وتعرف تلك المرحلة من حياة النجوم بمرحلة (السدم الكوكبية)، حيث تلفظ النجوم طبقاتها الخارجية في شكل حلقات مستديرة تشبه في منظرها الخارجي الكواكب في استدارة شكلها. ونجم (القيثارة) هو أحد أشهر تلك الأمثلة التي يعرفها الفلكيون من بين آلاف النجوم التي رصدناها، وهي تلفظ طبقاتها الخارجية(20).

وستفقد الشمس في تلك المرحلة ما يزيد عن ثلث كتلتها لتصبح بعد ذلك لباً عارياً صغيراً حرارته شديدة، ويتوقف نبض التفاعلات النووية في الباطن لتبرد الشمس تدريجياً ويتصاغر حجمها كثيراً وتدخل إلى مقابر النجوم فيما يعرف بمرحلة (الأقزام البيضاء). وفي تلك المرحلة تكون كثافة المادة عالية بدرجة رهيبة، حيث يزن السنتيمتر المكعب من مادة القزم الأبيض حوالي طن واحد من مادة الأرض، كما أن حجم الشمس في تلك المرحلة سيتصاغر ليصبح في حجم الأرض تقريباً(21).

وهذا يتطابق مع ما أخبر الله تعالى عنه، فقد تحدث الخالق عز وجل عن تلك المرحلة الدقيقة من حياة شمسنا في الآية الأولى من سورة التكوير بقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، ومن الأقوال التي نقلناها عن بعض المفسرين في بداية البحث ما قاله أبيّ بن كعب: أي ذهب ضوءها، وعن ابن عباس: أظلمت، وعن مجاهد: اضمحلت وذهبت، وقيل: ذهب ضوءها فلا ضوء لها.

وقال الطبري: التكوير في كلام العرب جمع بعض الشيء إلى بعض، أي جمع بعضها إلى بعض.

وهذا الكلام الأخير يمكن أن يفسر ما نحن بصدده بشكل أكثر انسجاماً، ويبين تلك المرحلة الدقيقة من حياة الشمس، حيث تتكور على بعضها وتنكمش نحو داخلها، فيتصاعد حجمها إلى حد كبير.

وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: 2]، وقوله: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: 8]، يذكر المولى عز وجل تصاغر النجوم ووصولها لتلك المرحلة من نهاية حياتها وتصاغر حجمها، ومن الأقوال التي نقلناها في أول البحث عن بعض المفسرين ما قاله ابن كثير وغيره: طمست أي ذهب ضوءها، وقول الطبري: أي ذهب ضياؤها فلم يكن لها نور ولا ضوء.

وهذا الكلام هو حقيقة ما نفهمه من خلال تلك الأحداث الجسيمة التي تحدث للنجوم بعد أن تلفظ طبقاتها الخارجية، فيصبح النجم بعد ذلك عبارة عن لب عارٍ لا تغطيه طبقات خارجية، ويكون هذا اللب منكمشاً على نفسه بدرجة كبيرة، كما أن نبض قلب النجم في تلك لحالة يكون متوقفاً أو على وشك التوقف، لتنطفئ شمعة هذا النجم، فيخفت ضوءه وتقل أشعته تدريجياً ليصبح (قزماً أسوداً) بعد أن كان (قزماً أبيضاً). وتخبت الحرارة تدريجياً نتيجة توقف التفاعلات النووية، والتي تمثل نبض قلب النجم، وبالتالي يفقد النجم مصدر حرارته وطاقته فيذبل ويضعف ويخفت ضوءه ليدخل بعد ذلك في (مقابر النجوم). إنها مرحلة حاسمة في قصة الحياة في عالم النجوم(22).

ومن هنا نشعر بعظمة تلك الآيات الكريمة والتي أخبرت عن نهاية النجوم بعبارة بليغة ووصف دقيق، وفي هذا دلالة على السبق القرآني وكشفه للكثير من الحقائق الكونية، ومن ذلك الإشارة إلى تلك المراحل من حياة النجوم والتي لم يعرفها الإنسان إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين.

إن هذا يعد بحق من الشهادات الناطقة بربانية القرآن الكريم، وبنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، الذي تلقى هذا الوحي الخاتم من قبل ألف وأربعمائة من السنين بهذه الدقة العلمية المبهرة في مجتمع لم يكن له من العلم أي نصيب.

إعداد: عادل الصعدي

مراجعة: علي عمر بلعجم

5/ 7/ 2007م

________________________

(1) من أسرار القرآن، ﴿والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس﴾، للدكتور زغلول النجار، نقلاً عن موقع:

http://www.ahram.org.eg/Archive/2007/5/21/OPIN1.HTM

(2) مختار الصحاح للرازي 1/ 586.

(3) لسان العرب لابن منظور 5/ 154.

(4) المرجع السابق 5/ 134.

(5) المرجع السابق 6/ 126.

(6) تفسير ابن كثير 4/ 611.

(7) تفسير البغوي 1/ 345.

(8) تفسير الطبري 12/ 456.

(9) المرجع السابق 12/ 557.

(10) تفسير القرطبي 19/ 197.

(11) تفسير الطبري 12/ 382.

(12) تفسير ابن كثير 4/ 590، وتفسير القرطبي 19/ 138، وتفسير البغوي 1/ 304، وزاد المسير لابن الجوزي 8/ 447، وفتح القدير للشوكاني 5/ 501.

(13) ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: 1-3]، للدكتور زغلول النجار، نقلاً عن موقع الدكتور زغلول النجار.

(14) المرجع السابق.

(15) المرجع السابق.

(16) حياة النجوم بين العلم والقرآن الكريم، للدكتور محمد صالح النواوي، نقلاً عن موقع:

http://www.55a.net/firas/arabic/?page=show_det&id=761

(17) ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: 1-3]، للدكتور زغلول النجار، نقلاً عن موقع الدكتور زغلول النجار.

(18) المرجع السابق.

(19) المرجع السابق.

(20) حياة النجوم بين العلم والقرآن الكريم، للدكتور محمد صالح النواوي، نقلاً عن موقع:

http://www.55a.net/firas/arabic/?page=show_det&id=761

(21) المرجع السابق.

(22) المرجع السابق.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: