مركز البحوث
   
الفقه
   
أحوال شخصية
   
النظر إلى العورة لأجل التداوي
النظر إلى العورة لأجل التداوي
علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس
الثلاثاء 15 يناير 2013

النظر إلى العورة لأجل التداوي

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعَّال لما يريد، خلق فسوّى، وقدّر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد -صلى الله عليه، وعلى آله وسلم- وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذه المسألة التي سأتكلم عنها هي: حكم النظر إلى العورة لأجل التداوي، وهذه المسألة قديمة جديدة، فهي قديمة؛ لأن الأطباء القدامى كانوا يعالجون الرجال والنساء، وربما احتاجوا في بعض الأحيان إلى كشف العورات؛ ولذا نجد أن فقهاء المسلمين قد تكلموا عن هذه في كتبهم. وهي جديدة لاتساع الطب في عصرنا وتطوره وانتشاره، فوجد الأطباء الكثيرون من الرجال والنساء، وربما احتاجوا إلى كشف العورات، ولكنهم يتساهلون في هذه المسألة، حتى أخذ البعض يكشف العورة بدون ضابط شرعي، وقد ساعد على ذلك انتشار الجهل بالأحكام الشرعية المتعلقة بالطب، بين طائفة الأطباء، إلا من رحم ربك؛ ولذا فقد أحببت أن أبين حكم كشف العورة، وحكم النظر إليها عند التداوي، وما هي الشروط اللازم توفرها لذلك، وسأبدأ قبل ذلك ببعض المقدمات، ولذا سيكون البحث على النحو الآتي:

1. تعريف العورة.

2. بيان الأصل في كشف العورة.

3. بيان الأصل في النظر إلى العورة.

4. حد العورة.

5. حكم النظر إلى العورة لأجل التداوي.

6. الضوابط الشرعية لجواز مداواة الرجل للمرأة والعكس.

فأقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبي ونعم الوكيل:

تعريف العورة:

قال في الفيروز آبادي: (والعَوْرَةُ: الخَلَلُ في الثَّغْرِ وغيرِهِ، وكلُّ مَكْمَنٍ لِلسَتْرِ، والسَّوْأةُ، وكلُّ أمْرٍ يُسْتَحْيا منه)(1)، وقال الجوهري: (العَوْرة: كل خَلَل يُتَخَوَّف منه من ثَغْرٍ أَو حَرْب. والعَوْرة: كل مَكْمَنٍ للسَّتْر، وعَوْرةُ الرجل والمرأَة: سوْأَتُهما والجمع عَوْرات بالتسكين، والنساء عَوْرة)(2)، وقال في مختار الصحاح: (العَوْرَةُ: سوءة الإنسان، وكل ما يستحيا منه. والجمع: عَوْرات، بالتسكين. والاسم العَوْرَة)(3).

قال في مراقي الفلاح من كتب الحنفية: (سميت عورة؛ لقبح ظهورها، وغض الأبصار عنها في اللغة. وفي الشريعة ما افترض ستره)(4)، وقال في فقه العبادات المالكي: (والعورة لغة: من العور، وهو القبح والنقص، وسميت كذلك؛ لقبح كشفها شرعاً)(5)، وقال في فقه العبادات الشافعي: (العورة لغة: مأخوذة من العور، وهو النقص والقبح والعيب. وسميت كذلك؛ لقبح منظرها، ولغض الأبصار عنها. وشرعاً: ما يجب ستره وتطلق على ما يحرم النظر إليه)(6).

بيان الأصل في كشف العورة:

الأصل أن يستر المرء عورته عن الناس. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: 5،6]. قال ابن كثير: (أي يكفونها عن الحرام، ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله فيه)(7)، وقال الشوكاني: (ومعنى حفظهم لها أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا يحل لهم)(8). وقد مدح الله سبحانه الحافظين لفروجهم على العموم، فقال سبحانه: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: 35]. قال ابن كثير: (أي عن المحارم والمآثم، إلا عن المباح)(9). ولا شك أن كشف العورة من المحرمات.

ولم يجوّز الشرع كشف العورة إلا للزوجة وملك اليمين؛ لما رواه بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: «قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو مما ملكت يمينك "، فقال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال: "إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل"، قلت: والرجل يكون خالياً؟ قال: "فالله أحق أن يستحيا منه»(10).

بيان الأصل في النظر إلى العورة:

الأصل أن يغض المرء بصره عن عورات الناس؛ قال تعالى آمراً الرجال بحفظ فروجهم: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30]. قال الطبري: (أي يكفوا من نظرهم إلى ما يشتهون النظر إليه، مما قد نهاهم الله عن النظر إليه. ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أن يراه من لا يحل له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم. ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ يقول: فإن غضها من النظر عما لا يحل النظر إليه، وحفظ الفرج عن أن يظهر لأبصار الناظرين، أطهر لهم عند الله) (11).كما أمر الله سبحانه النساء بمثل ما أمر به الرجال من حفظ الفروج، فقال سبحانه: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...﴾ [النور: 31]. وقد قال الطبري في هذه الآية مثل ما قال في الآية السابقة.(12)

كما أنه صلى الله عليه وسلم قد نهى عن النظر إلى ما حرم الله تعالى، وسمّى هذا النظر المحرم زنا، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى. مدرك ذلك لا محالة. فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه»(13)، ولذا فقد أمر صلى الله عليه وسلم بغض البصر. عن جرير -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نظر الفجاءة فقال: «اصرف بصرك»(14)، وقد حذر الإسلام من تتبع العورات، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: صعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المنبر، فنادى بصوت رفيع، فقال: «يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم، يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف رحله»، ونظر ابن عمر إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك، وما أعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك" (15)، كما حذر الإسلام أيضاً من كشف العورات، بدون مسوغ شرعي، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من ستر عورة أخيه، ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته، حتى يفضحه بها في بيته»(16).

قال مرعي بن يوسف: (ويجب غض البصر عن كل ما حرم الله تعالى. ثم قال: قال في الفروع: وليحذر العاقل إطلاق البصر، فإن العين ترى غير المقدور عليه، على غير ما هو عليه، وربما وقع من ذلك العشق، فيهلك البدن والدين، فمن ابتلي بشيء من ذلك، فليفكر في عيوب النساء. قال ابن مسعود: إذا أعجبت أحدكم امرأة، فليذكر مناتنها، وما عيب نساء الدنيا بأعجب من قوله تعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [النساء: 57]). (17)، وقال في فقه العبادات الحنبلي: (يجب ستر العورة مع القدرة على الستر، حتى في الخلوة والظلمة، وعن نفسه، من الأعلى لا من الأسفل)(18). وبنحوه قال في الروض المربع(19).

حد العورة:

أما عورة الرجل عند الحنفية فهي على الجملة: من تحت السرّة إلى الركبة، وأما المرأة فهي: جميع بدنها وشعرها إلا الوجه والكفين والقدمين. قال في تحفة الملوك: (عورة الرجل: مابين سرته إلى ركبته. والركبة: عورة، والسرّة: لا. وعورة الحرة البالغ جميع بدنها، وشعرها عورة، إلا الوجه والكفين والقدمين)(20). وقال في مراقي الفلاح: (وجميع بدن الحرة عورة، إلا وجهها وكفيها، باطنهما وظاهرهما في الأصح، وهو المختار)(21). ولهم تفصيل في المسألة ليس المقام محلاً لبسطه(22).

وأما عورة الرجل عند المالكية فهي: من السرّة إلى الركبة، وأما المرأة فهي: جميع بدنها، إلا الوجه والكفين. قال في التلقين: (وعورة الرجل المخاطب بسترها في الصلاة من سرته إلى ركبتيه، وكذلك الأمة. وعورة الحرة جميع بدنها، إلا الوجه والكفين)(23).

على أن العورة عندهم على قسمين:

1. عورة مغلظة: وهي عند الرجل السوءتان، وهما: القُبُل -ويَضُم الذكر والخصيتان- والدُبُر، كما أن العورة المغلظة عند المرأة البالغة الحرة: البطن، وما حاذاه من الظهر، ومن السرّة إلى الركبة.

2. عورة مخففة: وهي عند الرجل: ما زاد على المغلظة من السرّة إلى الركبة، وهي عند المرأة الحرة البالغة: جميع بدنها، ما عدا الوجه والكفين.(24)

وأما عورة الرجل عند الشافعية في المعتمد، فهي من ما تحت السرّة إلى ما فوق الركبة، وأما العورة عند المرأة الحرة البالغة فهي في الصلاة: جميع بدنها إلا وجهها وكفيها. قال الشافعي: (وعورة الرجل ما دون سرته إلى ركبتيه، ليس سرته ولا ركبتاه من عورته... وكل المرأة عورة إلا كفيها ووجهها. وظهر قدميها عورة)(25).

على أن لها حالات مختلفة، كالآتي:

1. ليس بين المرأة وبين زوجها عورة، على المعتمد عندهم.

2. عورتها مع الأجانب: كل البدن، حتى الوجه والكفين، في الأصح.

3. عورتها مع المحارم والنساء: ما بين السرّة والركبة.

4. وعورتها في الصلاة: كل البدن، إلا الوجه والكفين.

قال السبكي: (المرأة في العورة لها أحوال: حالة مع الزوج: ولا عورة بينهما. وفي الفرج وجهٌ. وحالة مع الأجانب: وعورتها كل البدن، حتـى الوجه والكفين، في الأصح. وحالة مع المحارم والنساء: وعورتها ما بين السرّة والركبة. وحالة في الصلاة: وعورتها كل البدن إلا الوجه والكفين. وصرح الإمام في النهاية، بأن الذي يجب ستره منها في الخلوة هي: العورة الصغرى، وهو المستور من عورة الرجل)(26). فبان بذلك أن عورتها في الصلاة: جميع بدنها إلا وجهها وكفيها، وعورتها في غير الصلاة، كل بدنها، حتى الوجه والكفين، في الأصح عندهم.

وأما عورة الرجل عند الحنابلة، فهي -على المعتمد- من تحت السرّة إلى فوق الركبة، وهي عند المرأة الحرة البالغة في الصلاة: جميع بدنها، إلا وجهها وكفيها(27). قال ابن قدامة في الشرح الكبير: (عورة الرجل ما بين السرّة والركبة، في ظاهر المذهب نص عليه في رواية الجماعة... والحرة كلها عورة إلا الوجه. وفي الكفين روايتان)(28)، ثم قال: (والسرّة والركبتان ليست من العورة، وهو قول مالك والشافعي)(29). وقال في فقه العبادات: (عورة الرجل الحر والعبد والخنثى المشكل: من السرّة إلى الركبة، أما هما (يعني السرّة والركبة) فليس من العورة)(30).

أما خارج الصلاة، فالمرأة كلها عورة. قال في فقه العبادات: (أما عورتها خارج الصلاة، فكلها عورة)(31).

وخلاصة أقوال المذاهب في حد العورة، كالآتي:

أما بالنسبة لعورة الرجل الحر البالغ، فهي كالآتي:

1. من تحت السرّة إلى الركبة، وهو مذهب الحنفية والمالكية.

2. من تحت السرّة إلى فوق الركبة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.

وأما بالنسبة لعورة المرأة الحرة البالغة، فهي في الصلاة، كالآتي:

1. جميع بدنها، إلا الوجه والكفين، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة.

2. جميع بدنها وشعرها، إلا الوجه والكفين والقدمين، وهو مذهب الحنفية.

وأما عورتها في غير الصلاة، فهي كالآتي:

1. لا فرق بين الصلاة وغيرها، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقول عند الشافعية.

2. كل بدنها، حتـى الوجه والكفين، وهو مذهب الحنابلة، المصحح عند الشافعية.

حكم النظر إلى العورة لأجل التداوي:

إعلم أن الأصل هو: ألا ينظر الرجل إلى عورة أجنبية، وألا تنظر المرأة إلى عورة أجنبي، كما أن الأصل أيضاً ألا يداوي الرجلُ المرأةَ، ولا المرأةُ الرجلَ، فالأولى أن يداوي الرجلُ الرجالَ، وأن تداوي المرأةُ النساءَ، ولكن عند تعذر ذلك، أو انعدامه، أو وجود مانع حال دونه، فإن الفقهاء قد أجازوا مداواة الرجلِ للنساء، ومداواة المرأةِ للرجال، وإن أدى ذلك إلى كشف العورة؛ لأن هذا موضع ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات. قال المالكية: (يجب على المكلف ستر عورته أمام من لا يحل له النظر إليها، إلا لضرورة، كالتداوي، فيجوز له كشفها بقدر الضرورة، ويحرم النظر إلى عورة المرأة والرجل، سواء كانت متصلة أو منفصلة، مثل: شعر المرأة المقصوص)(32). وقال البهوتي الحنبلي: (ويباح كشفها لتداوٍ وتخلٍّ ونحوهما، ولزوج وسيد وزوجة وأمة)(33). وقال في الإقناع: (ويجوز كشفها ونظر الغير إليها؛ لضرورة، كتداوٍ، وختان، ومعرفة بلوغ وبكارة وثيوبة وعيب وولادة ونحو ذلك، ويجوز كشفها ونظرها لزوجته، وعكسه، ولأمته المباحة، وهي لسيدها، وكشفها لحاجة، كتخلٍ، واستنجاء، وغسل)(34).

وقد ذكر ابن ضويّان ثمانية أقسام للنظر، وذكر منها: (السادس: نظره للمداواة، فيجوز للمواضع التي يحتاج إليها، وكذا لمسه، ويستر ما عداه، لكن بحضرة زوج أو محرم، ومثله من يلي خدمة مريض في وضوء واستنجاء، وكذا حال تخليص من غرق ونحوه، وكذا لو حلق عانة من لا يحسنه نص عليه؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بالكشف عن مؤتزر بني قريظة، وعن عثمان أنه أتي بغلام قد سرق، فقال: انظروا إلى مؤتزره، فلم يجدوه أنبت الشعر، فلم يقطعه)(35).

وقال الشربيني الشافعي: (وقال صاحب الذخائر: يجوز كشف العورة في الخلوة؛ لأدنى غرض. وقال: يشترط حصول الحاجة. قال: ومن الأغراض كشف العورة؛ للتبريد وصيانة الثوب من الأدناس والغبار عند كنس البيت وغيره)(36). فإذا كان قد أجاز كشفها للتبريد وصيانة الثوب من الأدناس والغبار، فبالأولى منه كشفها لأجل التداوي.

فهذا ما قاله فقهاء المذاهب المتقدمين، وأما علماء العصر فقالوا في هذه المسألة.

قرار مجمع الفقه الإسلامي، المنعقد في دورة مؤتمره الثامن، من 1- 7 محرم1414هـ، الموافق 21-27 يونيو1993:

الأصل أنه إذا توافرت طبيبة متخصصة، يجب أن تقوم بالكشف على المريضة، وإذا لم يتوافر ذلك، فتقوم بذلك طبيبة غير مسلمة ثقة، فإذا لم يتوافر ذلك، يقوم به طبيب مسلم، وإن لم يتوافر طبيب مسلم، يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم، على أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة، في تشخيص المرض ومداواته، وألا يزيد عن ذلك، وأن يغض الطرف قدر استطاعته، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم أو زوج أو امرأة ثقة، خشية الخلوة.(37)

قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، في دورته الرابعة عشر، 20شعبان 1415هـ، الموافق 21/ 1/ 1995م:

1. الأصل الشرعي أنه لا يجوز كشف عورة المرأة للرجل، ولا العكس، ولا كشف عورة المرأة للمرأة، ولا عورة الرجل للرجل.

2. يؤكد المجمع على ما صدر من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بقراره رقم 85/ 12/ 85 في 1- 7/ 1/ 1414هـ، وهذا نصه: (الأصل أنه إذا توافرت طبيبة متخصصة يجب أن تقوم بالكشف على المريضة، وإذا لم يتوافر ذلك فتقوم بذلك طبيبة غير مسلمة ثقة، فإذا لم يتوافر ذلك يقوم به طبيب مسلم، وإن لم يتوافر طبيب مسلم، يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم، على أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة، في تشخيص المرض ومداواته، وألا يزيد عن ذلك، وأن يغض الطرف قدر استطاعته وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم أو زوج أو امرأة ثقة خشية الخلوة.أهـ).

3. وفي جميع الأحوال المذكورة لا يجوز أن يشترك مع الطبيب، إلا من دعت الحاجة الطبية الملحة لمشاركته، ويجب عليه كتمان الأسرار إن وجدت.

4. يجب على المسئولين في الصحة والمستشفيات حفظ عورات المسلمين والمسلمات، من خلال وضع لوائح وأنظمة خاصة؛ تحقق هذا الهدف، وتعاقب كل من لا يحترم أخلاق المسلمين، وترتب ما يلزم لستر العورة، وعدم كشفها أثناء العمليات، إلا بقدر الحاجة من خلال اللباس المناسب شرعاً(38).

الضوابط الشرعية لمداوة الرجل للمرأة ولمداواة المرأة للرجل:

ومن خلال ما سبق من أقوال علماء المسلمين، ومع القول بجواز أن يداوي الرجلُ المرأةَ، والمرأةُ الرجلَ، يتبين لك أن هذا الجواز مقيد بضوابط، وهي كالآتي:

1. عدم وجود من يداويه من بني جنسه، فإن لم يوجد الرجل لمداواة الرجل، فيمكن أن تداويه امرأة، وإن لم توجد المرأة لمداواة المرأة، فيمكن أن يداويها رجل؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات.

2. ألا يُكشف من العورة، إلا بقدر الضرورة والحاجة، وبقدر ما يُحتاج إلى كشفه، وينبغي ستر ما عدا ذلك؛ لأن الضرورة تُقدَّر بقدرها، وقدرها هنا هو ما يحتاج إلى كشفه.

3. وأن يغُضَّ الطرف عن العورة قدر المستطاع؛ لأن الضرورة تُقدَّر بقدرها كما تقدم.

4. ألا يكون في هذه المداواة خلوة، فلا يجوز أن ينفرد الرجل بها، ولا هي به؛ لأن هذه خلوة محرمة، لا يجوز تعدِّيها، كما أنه لا مبرر لهتكها، إذ المداواة ممكنة مع وجود الغير، والضرورة تُقدَّر بقدرها كما تقدم.

5. كتمان سرر المريض إن وجد، فلا يجوز لأي منهما أن يكشف سراً لمريضه؛ لأن المجالس بالأمانات، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المجالس بالأمانة، إلا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق»(39)، وعن أبي بكر بن محمد بن حزم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يجالس المتجالسون بأمانة الله، فلا يحل لأحدهما أن يفشي عن صاحبه ما يكره»(40).

فإذا وجدت هذه الضوابط جاز للرجل أن يداوي المرأة والعكس، وإلا فلا يجوز.

والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل, وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس.

السبت - 23 محرم 1428هـ، 10/ 2/ 2007م.

____________________

(1) القاموس المحيط 1/ 573.

(2) لسان العرب 4/ 612.

(3) مختار الصحاح 1/ 467.

(4) مراقي الفلاح 1/ 128.

(5) فقه العبادات المالكي 1/ 140.

(6) وقال في فقه العبادات الشافعي 1/ 231.

(7) تفسير ابن كثير 4/ 542.

(8) فتح القدير 3/ 678.

(9) تفسير ابن كثير 3/ 643.

(10) سنن الترمذي 5/ 97، برقم 769، سنن أبي داود 2/ 437، برقم 4017. قال الألباني: حسن. انظر: إرواء الغليل 6/ 212، برقم 1810.

(11) تفسير الطبري 9/ 302.

(12) انظر: تفسير الطبري 9/ 302.

(13) صحيح البخاري 5/ 2304، برقم 5889، صحيح مسلم 4/ 2046، برقم 2657.

(14) صحيح مسلم 3/ 1699، برقم 2159، سنن أبي داود 1/ 652، برقم 2148، مسند أحمد بن حنبل 4/ 358، برقم 19183.

(15) سنن الترمذي 7/ 337، برقم 1955، قال الألباني: حسن صحيح. صحيح الترغيب والترهيب 2/ 292، برقم 2339.

(16) سنن ابن ماجه 7/ 440، برقم 2536، مسند أحمد 40/ 282، برقم 18963. قال الألباني: صحيح لغيره. صحيح الترغيب والترهيب 2/ 292، برقم 2338.

(17) منار السبيل 2/ 91.

(18) فقه العبادات الحنبلي 1/ 157.

(19) انظر: الروض المربع 1/ 67.

(20) تحفة الملوك 1/ 63، وانظر: مراقي الفلاح 1/ 128، الهداية 1/ 45.

(21) مراقي الفلاح 1/ 128.

(22) راجع مراقي الفلاح 1/ 128.

(23) التلقين 1/ 100، وانظر: فقه العبادات المالكي 1/ 141.

(24) انظر: فقه العبادات المالكي 1/ 141.

(25) الأم 1/ 180، وانظر: المهذب 1/ 123، مغني المحتاج 1/ 185، التذكرة 1/ 56.

(26) الأشباه والنظائر 1/ 410.

(27) انظر: المغني 1/ 671، الكافي في فقه ابن حنبل 1/ 226، الروض المربع 1/ 67، منار السبيل 1/ 53.

(28) الشرح الكبير 1/ 490.

(29) الشرح الكبير 1/ 490.

(30) فقه العبادات الحنبلي 1/ 157.

(31) فقه العبادات الحنبلي 1/ 157.

(32) فقه العبادات المالكي 1/ 141.

(33) الروض المربع 1/ 67.

(34) الإقناع 1/ 87.

(35) منار السبيل 2/ 91.

(36) مغني المحتاج 1/ 185.

(37) موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة ص 706.

(38) موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة ص 707.

(39) سنن أبي داود 2/ 684، برقم 4869، مسند أحمد 3/ 342، برقم 14734. قال الألباني: ضعيف. انظر: ضعيف أبي داود 1/ 480، برقم 1037.

(40) مصنف عبد الرزاق 11/ 22، برقم 19791. قال الألباني: ضعيف. انظر: الجامع الصغير وزيادته 1/ 471، برقم 4707.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: