مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
مباحث إيمانية
   
ما لا يسع المسلم جهله
   
ما لا يسع المسلم جهله في الإيمان بالله تعالى
ما لا يسع المسلم جهله في الإيمان بالله تعالى
الأثنين 31 ديسمبر 2012

ما لا يسع المسلم جهله في الإيمان بالله تعالى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إمام المتقين وشفيع المذنبين وسيد الخلق أجمعين من أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد أبى إلا أن يلج النار فصلاة ربي وسلامه على الحبيب المختار وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

وبعد فإن نعمة الإيمان بالله تعالى من أكابر النعم التي منّ الله بها على عباده، إذ هو الخالق لهم، وهو الذي قذف الإيمان في قلوبهم، ليكون نجاة لهم من العذاب الأليم، والإيمان بالله بلسما على القلب، فبه ترتاح النفس، وينشط القلب، وتُزال الحيرة التي يعيش فيها البعض من البشر مرددين بعض الأسئلة: من أين جئت؟ ومن أين جاء هذا الكون الكبير؟ وهل وجدت وحدي أم أن هناك خالق أوجدني؟ ومن هو؟ وما هي صلتي به؟ وإلى أين المسير بعد هذه الرحلة القصيرة على ظهر هذا الكوكب؟ وماذا بعد الموت؟ أتختم الحياة بالموت، أم أن هناك بعد الموت حياة للجزاء؟ ولماذا وجد الإنسان، وأعطي العقل والإرادة؟ ولماذا سُخر له ما في السماوات والأرض؟ و..و..و.. الخ. كلها أسئلة تتطلب الجواب، ولا سبيل إلى الجواب الشافي إلا بالاعتقاد الجازم بالإيمان بالله الذي لا يخالطه شك ولا ريب.

فبالإيمان يعرف الإنسان لماذا جاء! وماذا يفعل في هذه الحياة،وأين مسيره بعد الموت؟

فلإيمان هو الذي يُعرّف الإنسان أن بعد الموت حياة برزخ، بعدها نشأة أخرى توفى فيها كل نفس ما كسبت...

وبالإيمان يعرف الإنسان أنه كُرّمَ على سائر المخلوقات، وأنه في الحياة الدنيا للابتلاء والامتحان والاختبار، وأنها دار ممر وعمل وليس مقر وجزاء، وبهذا يتضح الفرق فالإنسان المؤمن يعيش مطمئن، صافي النفس، وغيره يعيش شقي محروم يتخبط في ظلمات الشك والحيرة والجهل، ولمعرفة الإيمان لابد من توضيح بعض الأمور هاهنا ليسترشد بها القاري فيما بعد, وسوف أقتصر على مالا يسع المسلم جهله في الإيمان بالله, لأن دائرة الإسلام واسعة تبدأ بنطق الشهادتين وتنتهي بارتكاب مكفر من المكفرات التي أجمع عليها علماء الأمة على أنها تخرج مرتكبها أو قائلها من تلك الدائرة الواسعة.

إذن فمراتب الناس في تلك الدائرة تتفاوت مابين داخل في الإسلام للتو-لا يعلم من الإسلام شيئاً- وبين عالم نحرير عارف بدقائق هذا الدين قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11], ولاشك أن تعلم الدين يكون تدريجيا حتى يصل المسلم بنفسه إلى علم ما هو ضروري من الدين, فقد قال الله تعالى:﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78], وبالتالي فإن أنظار الناس كما تختلف في إدراك وتعلم الدين وأساسياته فإنها أيضا تختلف في إدراك مالا يسع المسلم جهله في كل باب من أبواب الإيمان أو الفقه أو غيرها ولذلك فإني سأقتصر على ما رأيته جامعا لأقوال أهل العلم مما لا يسع المسلم جهله في هذا الموضوع دون اللجوء إلى التكرار أو سرد الكثير من أقوال العلماء توخيا للاختصار الغير المخل -إن شاء الله تعالى- ودفعا للإطالة المملة وعلى الله اعتمادي وهو نعم المولى ونعم الوكيل.

تعريف الإيمان لغة وشرعا:

الإيمان في اللغة: هو التصديق مع القبول والإذعان, قال الله تعالى:﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا﴾ [يوسف: 17], غير أنه لما كان من الألفاظ الشرعية،فلا يكتفي بتعريفه اللغوي بل لابد من الرجوع إلى النصوص الشرعية في تعريف الألفاظ الشرعية.

تعريف الإيمان في الشرع: التصديق بالقلب، ولإقرار باللسان، والعمل بالأركان, أي أن تصدق بالله وتعتقد وجوده،ووحدانيته،وربوبيته،وأسمائه، وصفاته......... الخ.

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-:

حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول قسمان: قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام.

والعمل قسمان: عمل القلب: وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح.

فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بكامله، وإذا زال تصديق القلب،لم تنفع بقية الأجزاء(1).

قال الحافظ ابن عبدا لبر: "أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل"(2).

قال الإمام الآجري: "لا يكون المؤمن مؤمناً إلا أن تجتمع فيه الخصال الثلاث" يقصد الإيمان بالقلب واللِّسان والعمل.

وقال: "ثم اعلموا أنه لا تجزئ معرفة التصديق بالقلب، إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمنا دل عليه القرآن والسنة، وأقوال علماء الأمة"(3).

وجوب الإيمان المجمل على كل أحد:

لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا، ولاريب أن معرفة ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- على التفصيل فرض على الكفاية؛ لأن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب والحكمة، وحفظ الذكر، والدعاء إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء إلى سبيل الرب، بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين، فهو واجب على الكفاية منهم.

وأما ما يجب على أعيانهم، فهذا يتنوع بتنوع قدراتهم وحاجاتهم ومعرفتهم، وما أمر به أعيانهم، لا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم، أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك.

ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل مالا يجب على من لم يسمعها، ويجب على المفتي، والمحدث، والحاكم، مالا يجب على من ليس كذلك(4).

وهنا مسألة مهمة جدا يغفل عنها كثير من الناس وهي أن هذا الإيمان الواجب لا يٌنال إلا بالعلم فتعلم هذة الأمور على وجه الإجمال فرض عين على كل مسلم ومسلمة, قال ابن عبد البر -رحمة الله-: "قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امريء في خاصة نفسه ومنه ماهو فرض على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع واختلفوا في تلخيص ذلك، والذي يلزم الجميع فرضه من ذلك مالا يسع الإنسان جهله من جملة الفرائض المفترضة عليه نحو الشهادة باللسان والإقرار بالقلب بأن الله وحده لاشريك له ولاشبه له ولا مثل، ولم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، خالق كل شيء، وإليه مرجع كل شيء، المحيي المميت الذي لا يموت، والذي عليه جماعة أهل السنة أنه لم يزل بصفاته وأسمائه ليس لأوليته ابتداء،ولا لآخر يته انقضاء، وهو على العرش استوى"(5).

تعريف المعلوم من الدين بالضرورة:

عرف العلم الضروري بأنه الذي (لا يفتقر إلى نظر واستدلال, وتعلمه العامة, وهو مرادف للبديهي)(6).

وبناءا على تعريف العلم الضروري, يكون ما قيل عنه أنه من المعلوم من الدين بالضرورة هو المسائل الشرعية التي استوى في العلم بها جميع الناس, لا فرق في ذلك بين عالم وعامي, وهذا الذي يقصد عند الإطلاق, وهو ما سماه الإمام الشافعي -رحمه الله- علم العامة الذي لا يسع أحد جهله(7).

فضابط المعلوم من الدين بالضرورة هو الظهور والانتشار(8). وأما ما خفي من المسائل، فقد لا يكون معلوما لجميع الناس، فضلا عن أن يكون معلوما بالضرورة.

الأدلة على وجوب الإيمان بالله:

قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285].

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ [النساء: 136].

وقوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته.....» الحديث(9).

والإيمان بالله تعالى يتضمن أربعة أمور:

أولاً: الإيمان بوجود الله تعالى:

وقد دل على وجوده تعالى: الفطرة, والعقل, والشرع, والحس.(10)

1- أما دلالة الفطرة على وجوده: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم, ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة,فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»(11), وقال صلى الله عليه وسلم: «خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين»(12).

قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30].

ومما يدل على الفطرة: أن الإنسان إذا أحاطت به الشدائد يلجأ إلى الله وحده الذي يجيب المضطر إذا دعاه.

قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: 32].

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً﴾ [الإسراء: 67].

وبهذا نجد أن الإنسان مفتقر إلى خالقه ويحس بذلك من قرارة نفسه وعميق وجدانه فتجد أشد الناس إلحاداً يلجأ إلى الله إذا ادلهمت عليه الخطوب، وداهمته الكروب، كما وضح ذلك الرحمان في كتابه العزيز.

2- وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى: فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها لابد لها من خالق أوجدها إذ لا يمكن أن توجد نفسها، ولا يمكن أن توجد صدفة.

ولأن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف،والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها،يمنع منعا باتا أن يكون وجودها صدفة،إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظما حال بقاءه وتطوره؟!

وإذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها ولا أن توجد صدفة تعين أن يكون لها موجد وهو الله رب العالمين.

وقديما قيل لأعرابي: بم عرفت ربك؟

فقال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير،فسماء ذات أبراج،وأرض ذات فجاج،وبحار ذات أمواج،أفلا تدل على اللطيف الخبير؟

وقد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي في سورة الطور حيث قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون﴾ [الطور: 35], يعني أنهم لم يُخلقوا من غير خالق، ولا هم الذين خلقوا أنفسهم، فتعين أن يكون خالقهم هو الله تبارك وتعالى.

3- وأما دلالة الشرع على وجود الله تعالى فلأن الكتب السماوية كلها تنطق بذلك،وما جاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه. يقول الشيخ ابن عثيمين: "ما جاءت به -أي الكتب السماوية- من الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به".

4- وأما دلالة الحس على وجود الله تعالى فمن وجهين _أحدهما: أننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين وغوث المكروبين،ما يدل دلالة قاطعة على وجوده تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء: 76], َوقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9], وقال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

وفي الحديث أن أعرابيا دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الجمعة فقال: يا رسول الله هلكت وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا قال فرفع الرسول صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا،اللهم أغثنا»قال أنس : "ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع (جبل) من بيت ولا دار قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً"(13) -أي أسبوعاً-.

ومازالت إجابة الداعين أمرا مشهودا إلى يومنا هذا لمن صدق اللجوء إلى الله تعالى وأتى بشرائط الإجابة.(14)

الوجه الثاني: أن -آيات الأنبياء- التي تسمى -المعجزات- ويشاهدها الناس أو يسمعون بها، برهان قاطع على وجود مرسلهم، وهو الله تعالى؛ لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر، يجريها الله تعالى تأييدا لرسله ونصرا لهم.

مثال ذلك: (آية موسى عليه السلام) حين أمره الله تعالى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فانفلق اثني عشر طريقا يابسا، والماء بينهما كالجبال، قال الله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيم﴾ [الشعراء: 63].

ثانياً: (آية عيسى عليه السلام) حيث كان يحيي الموتى، ويخرجهم من قبورهم بإذن الله، قال الله تعالى عنه: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ [آل عمران: 49].

ثالثاً: آية لمحمد -صلى الله عليه وسلم-، حين طلبت منه قريش آية، فأشار إلى القمر فانفلق فرقتين فرآه الناس،وفي ذلك قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَر ُ* وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: 1-2]. فبهذه الآيات المحسوسة التي يجريها الله تعالى تأييدا لرسله، ونصرا لهم، تدل دلالة قطعية على وجوده تعالى.

ثانياً: الإيمان بربوبيته:

أن يعتقد الإنسان أن الله وحده رب كل شيء وخالقه ومالكه ومدبر جميع الأمور وحده لا شريك له ولامعين، فلا خالق إلا الله, ولا مالك إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا آمر إلا لله، قال تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54], وقال: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: 13].

ولم يعلم أن أحداً من الخلق أنكر ربوبية الله سبحانه، إلا أن يكون مكابرا غير معتقد بما يقول،كما حصل من -فرعون- حين قال لقومه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ [النازعات: 24], وقال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: 38], لكن ذلك ليس عن عقيدة، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14].

وقال موسى لفرعون فيما حكى الله عنه:﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء: 102]؛ ولهذا كان المشركون يقرون بربوبية الله تعالى، مع إشراكهم به في الألوهية, قال الله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 84-89].

ثالثاً: الإيمان بألوهيته:

أن يفرد الإنسان الله بأفعاله على وجه التقرب المشروع كالدعاء والنذر والنحر والرجاء والخوف والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة وكل العبادات، وهذا النوع هو موضوع دعوة الرسل عليهم السلام.

و(الإله) بمعنى (المألوه) أي (المعبود) حبا وتعظيماً، قال تعالى: ﴿وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163], وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18].

وكل ما أتخذ إلها مع الله يعبد من دونه فألوهيته باطلة، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: 62]. وتسميتها آلهة لا يعظمها حق الألوهية، قال الله تعالى في (اللات والعزة ومناة): ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: 23].

وقال عن يوسف عليه السلام أنه قال لصاحبي السجن: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾ [يوسف: 39-40].

ولهذا كانت الرسل عليهم الصلاة والسلام يقولون لأقوامهم: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 59], ولكن أبى ذلك المشركون، واتخذوا من دون الله آلهة، يعبدونهم مع الله سبحانه وتعالى،ويستنصرون بهم.(15)

ولذلك يجب على كل مسلم أن يكون مخلصاً في عبادة الله وحده دون سواه فلا يشرك مع الله أحد في العبادة بجميع أنواعها لا الأموات ولا الأحياء ولا الرسل ولا الأنبياء ولا الصالحين ولا الطالحين.

رابعاً: الإيمان بأسمائه وصفاته:

إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف،ولا تعطيل،ولا تكييف، ولا تمثيل، قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أسمائه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180], وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: 27], وقال تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

مراجعة: علي عمر بلعجم 26/ 1/ 2007م.

_______________________

(1) كتاب الصلاة وحكم تاركها: ص35.

(2) التمهيد 9/ 238.

(3) الشريعة للآجري 2/ 611, تحقيق د/ الدميجي ط: 2، دار الوطن.

(4) شرح العقيدة الطحاوية 1/ 8.

(5) جامع بيان العلم 1/ 10.

(6) التعريفات الفقهية(ضمن كتاب قواعد الفقه)لمحمد عميم الإحسان ص 358.

(7) انظر: الرسالة ص 358.

(8) انظر: جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب ص: 67

(9) أخرجه مسلم 1/ 36, برقم: 8.

(10) انظر: رسائل في الأصول/ للشيخ محمد بن صالح العثيمين- رحمه الله- ص 27.

(11) أخرجه البخاري 1/ 456, برقم: 1293, ومسلم 4/ 2047, برقم: 2658.

(12) رواه مسلم 4/ 2197, برقم: 2865.

(13) رواه مسلم 2/ 612, برقم: 897.

(14) رسائل في الأصول ص 29.

(15) رسائل في الأصول ص 30.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: