ضوابط التكفير
خالد حسن محمد البعداني
الأثنين 31 ديسمبر 2012

ضوابط التكفير

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين، والآخرين وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين بالدين القويم، دين الحق والهدى الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، أمر بالتمسك به وحذر مما يخالفه فمن اتبعه فقد اتبع الهدى والنور، ومن أعرض عنه فقد ضل وشقى وكان من الخاسرين، فصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين الذي جاء بالحق وأمر بتباعه ونهى عن الباطل وأمر باجتنابه، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الإسلام وأوضح مفهومه بأنه شهادة التوحيد، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، فمن جاء بأركان الإسلام وقام بها حق القيام فهو المسلم على رغم أنف من أبى ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تحقروا الله في ذمته»(1)، وفي رواية: فهو «المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم»(2).

فمسألة التكفير من أهم المسائل في زماننا هذا والناس فيها على صنفين:

صنف تساهل فيها فلم يكفر إلا من اعتقد الكفر؛ فالسجود للصنم والاستهزاء بآيات الله -عز وجل- أو السب ليس كفراً إذا لم يعتقد ذلك.

وصنف وسع دائرة الكفر فكفروا بكل ذنب فاستباحوا دماء وأموال المسلمين وجازفوا في التكفير، وقاطعوا المسلمين، وحكموا على المجتمعات بالكفر والانحراف عن الدين، فضلوا عن الصراط المستقيم وهدى رب العالمين، ولم ينظروا إلى الشروط والموانع وضوابط التكفير.

والحق أحق أن يتبع وهو وسط بين الطرفين، فلا تساهل في مسألة التكفير فالكفر يكون بالفعل والقول والاعتقاد،ولا تكفير بكل ذنب، ولا تكفير إلا بشروط وضوابط مع انتفاء الموانع.

قال ابن أبي العز الحنفي: "أن باب التكفير وعدم التكفير باب عظمت الفتنة والمحنة فيه وكثر فيه الافتراق وتشتت فيه الأهواء والآراء، وتعارضت فيه دلائلهم... فالناس فيه على طرفين ووسط"(3).

فكان لابد من الوقوف مع هذا المسألة الخطيرة، بشكل موجز نذكر فيه ضوابط وشروط التكفير، ونذكر قبلها مقدمة في الموضوع تكون كالمدخل له حتى يتضح المقال مبتعدين عن التفصيلات الجزئية في هذه المسألة فهي كثيرة والمقام لا يسمح بذلك، فتنظر في مواطنها والعلم عند الله.

تعريف الكفر في اللغة:

الكُفْرُ نقيض الإِيمان وهو مصدر كَفَرَ يَكْفُر كُفْراً وكُفُوراً وكُفْراناً وهو الجحود والستر يقال: كَفَرَ نعْمَةَ اللَّهِ وكُفُوراً وكُفْراناً: جَحَدَها وسَتَرَها وكافَرَهُ حَقَّهُ: جَحَدَهُ.

والكافر: هو الجاحد لأنعم الله تعالى وهو مشتق من الستر، وقيل: لأنه مغطى على قلبه، قال ابن دريد: كأنه فاعل في معنى مفعول ويجمع على كفار، وكَفَرَة وكِفارٌ مثل جائع وجِياعٍ ونائم ونِيَام.

والكافر: يقال لليل والبحر والوادي العظيم والنهر الكبير والسحاب المظلم الذي يغطي الشمس ويقال للزرع والدرع، والأرض المستوية.. ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزارع لستره البذر في الأرض، ويقال: كفرت الشمس النجوم: سترتها، وتكفر في السلاح أي: تغطي فيه.

فالكفر: ضد الإيمان لأنه تغطية الحق، ويقال لأَهل دار الحرب قد كَفَرُوا أَي عَصَوْا وامتنعوا. وكذا كفران النعمة جحودها وسترها، وأعظم الكفر: جحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة(4).

والكفور: المبالغ في كفران النعمة ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الزخرف: 15](5).

والتكفير في اللغة: هو الذل والخضوع، قال في النهاية: والتَّكْفير: هو أن يَنْحَنِي الإنسان ويُطَأطِىء رأسَه قريباً من الرُّكوع كما يَفْعل من يُريد تَعْظِيم صاحِبه(6).

تعريف الكفر في الاصطلاح:

الكفر: نقيض الإيمان فهو ضد الإيمان الذي هو ستر الحق بالباطل، وكفران النعمة سترها، فالكفران ستر نعمة المنعم بالجحود أو بعمل هو كالجحود في مخالفة المنعم(7).

قال المناوي: الكفر تغطية ما حقه الإظهار والكفران ستر نعمة المنعم بترك أداء شكرها وأعظم الكفر جحود الوحدانية أو النبوة أو الشريعة(8).

وقال الرازي: الكفر عدم تصديق الرسول بشيء مما عُلم بالضرورة مجيئه به.

وقال بعضهم: هو رفض التصديق عن معرفة وإرادة ولو بشيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ووصل إلينا بطريق يقيني قطعي(9).

وخلاصة الأمر: أن الكفر حكم شرعي يطلق على ما يخالف الإيمان، سواء كان ذلك ستر الحق بالباطل، أو التغطية، أو بعدم التصديق. وسيأتي مزيد بيان في الحديث عن أنواع الكفر.

أقسام وأنواع الكفر:

تحدث العلماء عن أنواع الكفر فقسموه إلى أربعة أقسام فقالوا كفر إنكار، وكفر جحود وكفر معانده، وكفر نفاق، وهناك من قسمه إلى نوعين كفر أكبر وكفر أصغر.

فمن قال الكفر أقسامه أربعة فقد قسمها كالآتي:

كفر الإنكار: هو أن ينكر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6].

كفر الجحود: وهو أن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه فهذا كفر جاحد ككفر إبليس، وكفر أميه بن أبي الصلت، وبلعم بن باعورا. وهو على قسمين كما ذكر ابن القيم-رحمه الله-: كفر مطلق عام،وكفر مقيد خاص فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله،وإرساله الرسول، والكفر الخاص المقيد: أن يجحد فرضا من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته... (10).

كفر معانده: هو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ويأبى أن يقبل الإيمان ككفر أبي طالب فانه قيل فيه آمن شعره وكفر قلبه أي كفر هو فقد قال:

ولقد علمت بأن دين محمد *** من خير أديان البريه دينا

لولا الملامة أو حذار مسبة *** لوجدتني سمحا بذاك مبينا

كفر النفاق: كفر النفاق فان يقر بلسانه ويكفر بقلبه ككفر المنافقين(11).

ومن قسمه إلى نوعين كالإمام ابن القيم -رحمه الله-: قال الكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر فالكفر الأكبر: هو الموجب للخلود في النار، والأصغر: موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود.

ثم قسم الكفر الأكبر إلى خمسة أقسام: فأدخل فيها الأقسام الأربعة المذكورة سابقاً وزاد كفر الشك: وهو ما لا يجزم بصدقه ولا بكذبه أي الرسول بل يشك في أمره وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول.

وأما الكفر الأصغر فالأمثلة عليه كثيرة منها ما ورد من الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم: «اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت»(12)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»(13)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد»(14)،(15) فهذا موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.

أصول المكفرات:

الكفر بجميع أنواعه لا يخرج عن ثلاثة أصول هي جماع كل المكفرات.

الأصل الأول: المكفرات الاعتقادية:

وهي كل عقيدة تخل بركن من أركان الإيمان، أو تخالف أي معتقد من المعتقدات الإسلامية القاطعة، كإنكار الخالق سبحانه، أو صفات الكمال فيه، أو القول بأنه ثالث ثلاثة، أو إنكار نبوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعاً، أو إنكار ركن من أركان الإيمان، أو الجنة والنار وغيرها من الأمور الثابتة بدليل قطعي، ومعلومة من الدين بالضرورة.

الأصل الثاني: المكفرات القولية:

وهي كل قول فيه اعتراف بعقيدة مكفرة، أو فيه جحود لعقيدة من عقائد الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، أو فيه استهزاء بالدين في عقائده أو أحكامه.

الأصل الثالث: المكفرات العملية:

وهي كل عمل يعتبر أمارة ظاهرة على عقيدة مكفرة،كتمزيق المصحف مع قرينة الإهانة، أو إلقائه في القاذورات، أو السجود لصنم، أو تعليق الصليب على الصدر وغير ذلك(16).

وهناك جملة من المسائل ينبغي التأكيد عليها قبل الخوض في غمار هذا الموضوع الهام والعظيم وخاصة في زماننا هذا الذي كثر فيه التكفير وإصدار الأحكام الكفرية جزاف دون بصيرة وعلم، ودون الرجوع إلى أهل العلم، ودون مراعاة للشروط والضوابط، والتأكد من انتفاء الموانع وأول هذه المسائل:

المسألة الأولى: الأمر بالتثبت قبل إصدار الأحكام:

ولخطورة هذه المسألة فقد أمر الله -عز وجل- بالتثبت فيها قبل إصدار الأحكام على الناس قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: 94].

فقد أمر الله -عز وجل- المجاهدين في سبيل الله التثبت فيمن أشكل عليهم أمره ولم يعلموا حقيقة إسلامه و لا كفره قال ابن جرير: "فتأنوا في قتل من أشكل عليكم أمره فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينا حربا لكم ولله ولرسوله"(17).

يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: "فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل"(18)، وهذا الحكم عام فلا يجوز للمسلم رمي الناس بالكفر حتى يتبين من ذلك ويتثبت، "فالحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار"(19).

المسألة الثانية: ما ورد من النهي عن التكفير وعواقب ذلك:

من هذه الأحاديث ما رواه ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما»(20)، وفي رواية: «أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه»(21).

قال ابن حجر -رحمه الله-: "والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم"(22).

وعن أبي ذر -رضي الله عنه- أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك»(23)، وعن ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لعن مؤمنا فهو كقتله ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله»(24)، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل»(25).

والأدلة المشتملة على الترهيب من تكفير المسلمين ووجوب صيانة أعراض المسلمين كثيرة، يقول العلامة الشوكاني -رحمه الله-: والأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه يدل بفحوى الخطاب على تجنب القدح في دينه بأي قادح فكيف إخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية فإن هذه جناية لا تعدلها جناية وجرأة لا تماثلها جرأة وأين هذا المجترىء على تكفير أخيه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه»(26)، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»(27)، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»(28)، وكم يعد العاد من الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنية والهداية بيد الله -عز وجل-(29).

المسألة الثالثة: التحرز من تكفير المعين إلا بعد قيام الحجة المعتبرة عليه:

فالتكفير المطلق لا يستلزم منه تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وان تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات -أي التكفير المطلق- لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه، وقال-رحمه الله- والدليل على هذا الأصل الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار(30).

ويقول في موطن أخر وهو يتحدث عن بعض الفرق: "وأما تكفيرهم وتخليدهم ففيه أيضا للعلماء قولان مشهوران وهم روايتان عن أحمد والقولان في الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضا وقد ذكرت دلائل ذلك في غير هذا الموضع لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وإنتفاء موانعه"(31).

فهناك فرق بين الحكم المطلق، والحكم على الفاعل، فرق بين أن تقول العمل أو القول الفلاني كفر، وبين أن تقول فلان كافر فقد فعل أو قال كذا من أعمال الكفر، فالحكم المطلق هو بيان للحكم الشرعي، أما المعين فلا بد فيه من الشروط والموانع.

والسلف الصالح كانوا يتحرزون من تكفير المعين إلا وفق ضوابط وقواعد معينة سيأتي الحديث عنها في هذا البحث إن شاء الله تعالى.

فهذا الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- في فتنة خلق القرآن الكريم لم يكفر أحدً من الجهمية بعينه رغم أنهم امتحنوه وحبسوه وجلدوه وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق؛ بل دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية.(32)

وهذه المسألة أعني تكفير المعين خطيرة لما يترتب عليها من أحكام فالمرء يكون به حلال الدم بعد أن كان معصوماً، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني دمه وماله إلا بحقه وحسابه على الله»(33)، وكذلك تنتفي ولايته على ذريته، وتحرم زوجته، وامتناع التوارث بينهم، وعدم جواز ذبيحته، والصلاة عليه إذا مات، والدفن في مقابر المسلمين، وعدم الاستغفار له، وغيرها من الأحكام.فالتحرز من تكفير المعين لابد منه في هذه المسألة الخطيرة.

يقول الإمام الغزالي -رحمه الله-: "والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد"(34).

المسألة الرابعة: لا يكون أمر التكفير إلا من كان من أهل العلم عالماً بالموانع والشروط، فهو حكم شرعي الأصل فيه الرجوع إلى الكتاب والسنة فما دل على كفره الكتاب والسنة فهو كفر، وما دل على أنه ليس بكفر فليس بكفر، فلا يكفر إنسان حتى يقوم دليل الكتاب والسنة على كفره، وليس ذلك إلا لمن كان من أهل العلم العالم بشروط وموانع التكفير، فالأمر جد خطير، قد تطاول فيه كل من هب ودب من المبتدئين من طلبة العلم الشرعي وغيرهم.

وبعد هذه المقدمة التي كان لابد منها قبل الشروع في المقصود نأتي للحديث عن ضوابط التكفير وشروطه التي لا بد منها قبل الحكم على شخص بالكفر والردة.

شروط التكفير:

1- ثبوت أن هذا القول أو الفعل أو الترك كفر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة، فإذا لم يثبت أن هذا القول، أو الفعل، أو الترك كفر فلا يحل أن يحكم بأنه كفر لأن ذلك من القول على الله بغير علم وقد قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

2- ثبوت قيامه بالمكلف، فلا يحل أن يرمى إنسان بالكفر لمجرد الظن قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: 36].

3- بلوغ الحجة قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115]، وقال عز وجل: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء: 165].

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "فليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن اخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة"(35).

4- انتفاء موانع التكفير في حقه وسيأتي الحديث عنها(36).

5- العلم فلا بد أن يكون عالماً بمخالفته التي وجب من خلالها أطلاق حكم الكفر عليه.

قال سبحانه: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ [النساء: 115].

ضوابط التكفير:

1. الإكراه: وهو أن يقع منه الكفر أو الفسق بغير إرادة منه، فمن يكره على الكفر، فيفعله لداعي الإكراه، لا اطمئناناً به، فلا يكفر لقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106].

فقوله: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرها لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله، فقد روي عن ابن عباس-رضي الله عنه-: أن هذه الآية نزلت في عمَّار بن ياسر، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فوافقهم على ذلك مُكرَها وجاء معتذرًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية (37).

يقول الإمام القرطبي -رحمه الله-: أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر هذا قول مالك والكوفيين و الشافعي غير محمد بن الحسن قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر وهو قول مردود بالكتاب والسنة(38).

2. الإغلاق على المرء من شدة الفرح أو الحزن: فقد يبلغ الفرح أو الحزن بالإنسان درجة لا يستطيع أن يميز فيها ما يقول فيصدر منه قول ظاهره الكفر، ويستدل العلماء على هذا بالحديث الصحيح الوارد عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح»(39).

فلم يؤاخذ بذلك بسبب الفرح الشديد الذي حصل له عند رؤية دابته، فلم يكفر وإن أتى بصريح الكفر لكونه لم يرده.

يقول ابن القيم-رحمه الله-: "وفي الحديث من قواعد العلم أن اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأ من فرح شديد أو غيظ شديد ونحوه لا يؤاخذ به، ولهذا لم يكن هذا كافراً بقوله أنت عبدي وأنا ربك"(40).

3. العذر بالجهل: وهذا أصل مجمع عليه فالجهل يعذر الإنسان به كمن نشأ في بادية أو بلاد بعيده، أو كان حديث عهد بالإسلام فإذا صدر منه أمر كفري فلا يحكم بكفره ويعذر بجهله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "المقالة تكون كفرا كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحليل الزنا والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب وكذا لا يكفر به جاحده كمن هو حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام فهذا لا يحكم بكفره بجحد شيء مما أنزل على الرسول إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول ومقالات الجهمية هي من هذا النوع"(41).

ويقول في موطن آخر: "هذا أصل مضطرد في مباني الإسلام الخمسة، وفي الأحكام الظاهرة المجمع عليها من مكلف إن كان الجاحد لذلك معذورا مثل إن يكون حديث عهد بالإسلام أو قد نشأ ببادية هي مظنة الجهل بذلك لم يكفر حتى يعرف أن هذا دين الإسلام لأن أحكام الكفر و التأديب لا تثبت إلا بعد بلوغ الرسالة"(42).

ويستدل العلماء على هذا الضابط بكثير من الأدلة من أشهرها ما ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه إذ أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحد فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعي ما فيك منه ففعلت فإذا هو قائم فقال ما حملك على ما صنعت؟ قال يا رب خشيتك فغفر له». وقال غيره: «مخافتك يا رب»(43).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى وإنكار معاد الأبدان وان تفرقت كفر لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلا بذلك ضالا في هذا الظن مخطئا فغفر الله له ذلك(44).

وقال ابن حجر -رحمه الله-: قد يستشكل هذا فيقال كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى والجواب أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله(45).

ويقول العلامة ابن القيم -رحمه الله-: وأما جحد ذلك جهلاً أو تأويلاً يعذر فيه صاحبه: فلا يكفر صاحبه به كحديث الذي جحد قدرة الله عليه وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح ومع هذا فقد غفر الله له ورحمه لجهله إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادا أو تكذيبا(46). وكلام أهل العلم في ذلك كثير والشاهد أنه عذر بجهلة، وقد غفر الله -عز وجل- ذنبه.

ومن الأدلة ما جاء عن أبي واقد الليثي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم فقالوا يا رسول الله أجعل لنا ذات أنوط كما لهم ذات أنواط فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم»(47)...وفي رواية: ونحن حديثو عهد بكفر(48).

فهذا الطلب من الصحابة الكرام يعتبر كفر لكنهم لم يكفروا بطلبهم لأنهم حديثو عهد بكفر وهم يجهلون أن هذا ينافي التوحيد، يقول العلامة الشوكاني: فلا بد من شرح الصدر بالكفر وطمأنينة القلب به وسكون النفس إليه فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر ولا اعتبار بلفظ تلفظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه(49).

ومنها حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: - لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه و سلم قال: «ما هذا يا معاذ؟» قال أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرا أحد أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»(50). ففي هذا الحديث دليل على أن من سجد جاهلاً لغير الله تعالى لم يكفر(51).

4. العذر بالخطأ: فالخطأ: ضد الصواب(52)، وهو من أراد شيئا واتفق منه غيره يقال أخطأ(53) فيعذر الإنسان إذا صدر منه بالخطأ أمر كفري، وقد روى ابن عباس -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»(54).

ومن الأدلة على هذا الضابط قصة الرجل من بني إسرائيل الذي أمر أهله عند موته بحرقه وطحنه، وقد سبق الحديث عنه في العذر بالجهل فينظر هناك، فالمخطئ حكمه حكم الجاهل والمتأول فلا يحكم عليه بكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، قال تعالى: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الأحزاب: 5].

والخطأ سواء كان بعد الاجتهاد في مسألة معينة، أو من قصد شيئاً فوقع غير ما قصده فهو معذور يقول شيخ الإسلام وهو يتحدث عمن أجتهد وقصد الحق فأخطأ: "وأما التكفير فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد وقصد الحق فاخطأ لم يكفر بل يغفر له خطأه، ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر، ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب ثم قد يكون فاسقا وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكون كافراً"(55).

ومن الأدلة قصة الرجل الذي قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح وقد سبق الحديث عنه.

5. التأويل: والمراد بالتأْويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأَصلي إِلى ما يَحتاج إِلى دليل لولاه ما تُرِك ظاهرُ اللفظ(56).

فإذا كان الرجل لم تبلغه النصوص لمعرفة الحق، أو لم تثبت عنده، أو عجز عن فهمها فهماً صحيحاً، أو عرضت له شبهة فقال متأولاً قولاً كفرياً، أو عمل عملاً يوجب الردة فإنه يعذر ولا يكفر، إلا بعد قيام الحجة عليه وإظهار خطئه في هذا التأويل، وإعلامه بالحق فإن تمادى فإنه يكون جاحداً ومعانداً فيحكم بكفره.

يقول شيخ الإسلام: "وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ فان الله يغفر له خطأه كائنا ما كان سواء كان في المسائل النظرية أو العملية هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام"(57).

ويقول ابن القيم-رحمه الله-: "والخاص المقيد: أن يجحد فرضا من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته أو صفة وصف الله بها نفسه أو خبرا أخبر الله به عمدا أو تقديما لقول من خالفه عليه لغرض من الأغراض، وأما جحد ذلك جهلا أو تأويلا يعذر فيه صاحبه: فلا يكفر صاحبه به كحديث الذي جحد قدرة الله عليه وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح ومع هذا فقد غفر الله له ورحمه لجهله إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادا أو تكذيبا"(58).

ويقول الإمام الشوكاني -رحمه الله-: "وأما قول بعض أهل العلم أن المتأول كالمرتد فهنا تسكب العبرات ويناح على الإسلام وأهله بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر لا بسنة ولا لقرآن ولا لبيان من الله ولا لبرهان"(59).

ومن أشهر ما يستدل به أهل العلم على الإعذار بالتأويل قصة حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- عندما أرسل كتاباً إلى مشركي مكة يخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم والقصة في الصحيح وقد جاء فيه" فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا حاطب ما هذا» قال يا رسول الله: لا تعجل علي إني كنت أمرأً ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي وما فعلت كفرا ولا ارتدادا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد صدقكم»، قال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: «إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»(60).

فحاطب -رضي الله عنه- كان مخطئاً وصنع ذلك متأولاً وظن عدم حصول الضرر،وقد عذر بذلك.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يتحدث عن مودة غير المسلمين "وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنبا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرا كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي وأنزل الله فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: 1]"(61)، وهو مذهب أهل السنة أعني عدم التكفير بالتأويل وقد سبق وذكرنا ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عن الإمام احمد بن حنبل-رحمه الله- من عدم تكفير الجهمية ومن نصر مذهبهم من ولاة الأمور بأعيانهم وأنهم متأولون مخطئون(62).

6. التكفير حكم شرعي: فهو يثبت بالشرع وليس بأقوال الرجال، يقول ابن القيم -رحمه الله-:

الكفر حق الله ثم رسوله *** بالشرع يثبت لا بقول فلان

من كان رب العالمين وعبده *** قد كفراه فذاك ذو الكفران(63)

فالكفر حكم شرعي متلقي عن صاحب الشريعة والعقل قد يعلم به صواب القول وخطؤه وليس كل ما كان خطأ في العقل يكون كفرا في الشرع(64).

يقول شيخ الإسلام: فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف يكفرهم لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه و تزني بأهله لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى وكذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله(65).

فهذه جملة من الضوابط التي يجب مراعتها والتنبه لها في هذه المسألة العظيمة التي أدت إلى تفريق كلمة المسلمين "والله تعالى نص على تحريم التفرق في كتابه الكريم وجاء ذلك بعبارات كثيرة في الكتاب والسنة ولا أفحش في التفرق من التوصل إل التكفير بأدلة محتملة تمكن معارضتها بمثلها ويمكن التوصل بها إلى عدم التكفير وإلى جمع الكلمة وإنما قلنا أنه لا أفحش من ذلك في التفرق المنهي عنه لما فيه من أعظم التعادي والتنافر والتباين"(66).

فينبغي التورع والتثبت في المسألة فقد تورع جمهور العلماء من تكفير من اقتضت النصوص كفره من الخوارج فقد امتناع كثير من الصحابة الكرام ومن جاء بعدهم من أهل العلم من تكفير الخوارج مع ورود النصوص التي تبين أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميه، ويبين الإمام النووي-رحمه الله- مذهب أهل السنة فيقول: "واعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الأهواء والبدع وأن من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته وكفره إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه فيعرف ذلك فان استمر حكم بكفره وكذا حكم من استحل الزنى أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يعلم تحريمها ضرورة"(67).

ولا بد من أدراك خطورة التوسع في هذه المسألة، فمذهب سلف الأمة في تكفير المعين والحكم عليه بالتخليد في النار، لا بد فيه من ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه وتحقق ضوابطه فهم لا يكفرون من قال كلمة الكفر جاهلاً، أو عرضت له شبهة، ولا يكفرون المعين إلا بعد قيام الحجة المعتبرة وتحقق الشروط وانتفاء الموانع، فلا يُقْدِمون على التكفير أو التفسيق إلا وفق ضوابط وقواعد.

والحمد لله رب العالمين الهادي إلى الصراط المستقيم وصلى الله وسلم على إمام الموحدين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

جمع وإعداد: خالد حسن محمد البعداني

بتاريخ: 28/ صفر/ 1428هـ،الموفق: 18/ 3/ 2007م.

مراجعة: علي عمر بلعجم 15/ 4/ 2007م.

_______________________

(1) أخرجه البخاري في صحيحه: 1/ 153، برقم: 384.

(2) المصدر السابق: 1/ 153، برقم: 385.

(3) شرح العقيدة الطحاوية: 1/ 316.

(4) أنظر في تعريف الكفر: تاج العروس: 1/ 3458، ولسان العرب: 5/ 144، والقاموس المحيط: 1/ 605، ومفردات القرآن: 1/ 1257.

(5) مفردات القرآن: 1/ 1257.

(6) أنظر النهاية في غريب الأثر: 4/ 340.

(7) أنظر أنيس الفقهاء: 1/ 174، التعريفات: 1/ 237.

(8) التوقيف على مهمات التعاريف: 1/ 606.

(9) العقيدة الإسلامية وأسسها ص: 615

(10) مدارج السالكين: 1/ 338.

(11) أنظر هذه الأنواع في تهذيب اللغة: 10/ 110، والزاهر: 1/ 380، وتاج العروس: 1/ 3458.

(12) أخرجه مسلم في صحيحه: 1/ 82، برقم: 67.

(13) أخرجه البخاري في صحيحه: 1/ 56، برقم: 121، ومسلم في صحيحه: 1/ 81، برقم: 65.

(14) أخرجه الترمذي في السنن: 1/ 242، برقم: 135،وابن ماجة في السنن: 1/ 209، برقم: 639، وقال الألباني: صحيح، أنظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 1089، برقم: 10883.

(15) مدارج السالكين: 1/ 335 وما بعدها.

(16) أنظر بتصرف العقيدة الإسلامية وأسسها: ص617، عبد الرحمن بن حبنكه الميداني.

(17) تفسير الطبري: 4/ 223.

(18) كشف الشبهات: 1/ 36.

(19) الشوكاني في السيل الجرار: 4/ 578.

(20) أخرجه مسلم: 1/ 79، برقم: 60

(21) أخرجه مسلم: 1/ 79، برقم: 60.

(22) فتح الباري: 10/ 466.

(23) أخرجه البخاري: 5/ 2247، برقم: 5698

(24) أخرجه البخاري: 5/ 2247، برقم: 5700.

(25) أخرجه أبو داود في السنن: 2/ 22، برقم: 2532، وسعيد بن منصور في السنن: 2/ 143، وقال الألباني: ضعيف، أنظر ضعيف أبي داود: 1/ 248، برقم 544.

(26) أخرجه البخاري: 2/ 862، برقم: 2310، ومسلم: 4/ 1996، برقم: 2580.

(27) أخرجه البخاري: 1/ 27، برقم: 48، ومسلم: 1/ 81، برقم: 61.

(28) أخرجه البخاري: 1/ 37، برقم: 67، ومسلم: 3/ 1305، برقم: 1679.

(29) مختصر من السيل الجرار: 4/ 585.

(30) مجموع الفتاوى: 12/ 488،489.

(31) المصدر السابق: 28/ 500.

(32) بتصرف من مجموع الفتاوى: 12/ 488.

(33) فتح الباري ابن حجر: 12/ 300

(34) المصدر السابق: 3/ 106.

(35) مجموع الفتاوى: 12/ 501.

(36) أنظر هذه الشروط في معجم ألفاظ العقيدة: ص99.

(37) تفسير ابن كثير: 4/ 605.

(38) تفسير القرطبي: 10/ 160.

(39) أخرجه مسلم: 4/ 2104، برقم: 2747.

(40) مدارج السالكين: 1/ 209.

(41) مجموع الفتاوى: 3/ 354.

(42) شرح العمدة: 4/ 51.

(43) أخرجه البخاري: 3/ 1283، برقم: 3294، ومسلم: 4/ 2109، برقم: 2756، وهذا لفظ البخاري.

(44) مجموع الفتاوى: 11/ 409.

(45) فتح الباري - ابن حجر: 6/ 522.

(46) مدارج السالكين: 1/ 338.

(47) أخرجه الترمذي في السنن: 4/ 475، برقم: 2180، وأحمد بن حنبل في المسند: 5/ 218، برقم: 21947، وقال الألباني: صحيح، أنظر مشكاة المصابيح: 3/ 174، برقم: 5408.

(48) أخرجه الطيالسي في المسند: 1/ 191،برقم: 1346

(49) السيل الجرار: 4/ 578.

(50) أخرجه ابن ماجة في السنن: 1/ 595، برقم: 1853،والطبراني في المعجم الكبير: 8/ 31، برقم: 7294، وقال الألباني: صحيح، أنظر صحيح ابن ماجة: 1/ 312، برقم: 1503.

(51) نيل الأوطار: 6/ 262.

(52) القاموس المحيط: 1/ 49.

(53) التعاريف: 1/ 318.

(54) أخرجه ابن ماجة في السنن: 1/ 659،برقم: 2045، وابن حبان في صحيحه: 16/ 202،برقم: 7219، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة: 1/ 348، برقم: 1664.

(55) مجموع الفتاوى: 12/ 180.

(56) لسان العرب: 11/ 32.

(57) مجموع الفتاوى: 23/ 346

(58) مدارج السالكين: 1/ 338.

(59) الروضة الندية: 2/ 287.

(60) أخرجه البخاري: 3/ 1095، برقم: 2845، ومسلم: 4/ 1941، برقم: 2494.

(61) مجموع الفتاوى: 7/ 522

(62) المصدر السابق: 23/ 349.

(63) شرح قصيدة ابن القيم: 2/ 412

(64) درء التعارض: 1/ 140.

(65) الرد على البكري: 2/ 492.

(66) إيثار الحق على الخلق: 1/ 400.

(67) شرح النووي على مسلم: 1/ 150.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: