صلة الأرحام
خالد حسن محمد البعداني
الجمعة 28 ديسمبر 2012

صلة الأرحام

الحمد لله رب العالمين، القائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1], والقائل سبحانه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22].

وأصلى وأسلم على المبعوث رحمه للعالمين سيد الأولين والآخرين، إمام المتقين وسيد الواصلين معلم البشرية لكل خير، البشير النذير القائل في الحديث الذي رواه أبو هريرة-رضي الله عنه-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه»(1).

فمن هدية -صلى الله عليه وسلم- الأمر بصلة الأرحام، فكان من أول ما أمر به بعد أخلاص العبادة للواحد سبحانه وعدم الإشراك به عدم قطع الأرحام فهذا أبو سفيان صخر بن حرب -رضي الله عنه- يجيب هرقل الروم بعد أن سأله بماذا يأمركم؟ يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: قلت يقول: «اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق والعفاف، والصلة»(2).

وكذلك كان جواب جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- عندما سأله ملك الحبشة عن الدين الذي جاء به النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم فقال له: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء.(3)

وهذا الهدى والنور الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- يقوم على أمرين هامين يجب المحافظة عليهما هما حق الله -تبارك وتعالى- وحق الخلق، يقول -صلى الله عليه وسلم: «أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان.»(4).

ومن أهم الحقوق التي على الخلق بعضهم على بعض هي صلة الأرحام من الزيارة لهم أو السلام عليهم، والعطف والمودة لهم، وبالإحسان إليهم بدفع مال لهم أو تقديم الخدمة، أو قضاء الحوائج، أو دفع ضر نزل بهم، والوقوف معهم في الشدائد أو الأفراح إلى غير ذلك مما يدخل في صلة الأرحام كما سيأتي في البحث إن شاء الله تعالى.

فصلة الأرحام من أهم الأعمال الصالحات التي يتقرب بها العبد لينال رضا ربه، ولا شك أن الأعمال الصالحات التي من جملتها صلة الرحم تزيد في الإيمان وتقويه فالإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والسيئات كما هو معلوم من مذهب أهل السنة والجماعة.

تعريف صلة الأرحام:

هذا المصطلح مكون من شقين الشق الأول: الصلة, والشق الثاني: الأرحام أو الرحم؛ ولذلك سنعرض لتعريف الصلة والرحم في اللغة.

الصلة في اللغة: مادة وصل تأتي لعدة معاني منها ضم الشيء ولامه يقال وَصَلَ الشيءَ بالشيءِ وَصْلاً وصُلَةً بالكسر والضم ووصَّلَهُ: لأَمّهُ.

وتأتي بمعنى بلوغ منتهى الشيء يقال ووصِلَكَ الشيءَ و إليه وُصولاً ووُصْلَةً وصِلَةً: بَلَغَهُ وانتهى إليه.

ومن المعاني عدم الانقطاع يقال أوْصَلَهُ واتَّصَلَ: لم يَنْقَطِعْ، والواصِلَةُ: المرأةُ تَصِلُ شَعَرَها بِشَعَر غيرِها،(5), والوُصْلَةُ بالضم: كلُّ شيءٍ اتَّصَلَ بشيءٍ فما بينَهما يقال وُصْلَةٌ.(6)

فصلة الأرحام هو التواصل معهم وعدم الانقطاع عنهم، والإبقاء على هذه العلاقة متصلة.

الرحم في اللغة: والرحم بالكسر بيت منبت الولد ووعاؤه في البطن فالرحم رحم الأنثى وهى مؤنثة, قال ابن برى: شاهد تأنيث الرحم؛ قولهم: الرحم معقومة, وقول ابن الرقاع:

حرف تشذر عن ريان منغمس *** مستحقب رزأته رحمها الجملا.

قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 6], والرحم القرابة تجمع بني أب وبنيهما رحم أي قرابة قريبة.

فالرحم القرابة وأصلها مكان منبت الولد الذي هو رحم الأنثى يقال جزاك الله خيرا والرحم، وفي الحديث: «إن الرحم شجنة معلقة بالعرش تقول اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني»(7), وفي الحديث من «ملك ذا رحم محرم فهو حر»(8), قال ابن الأثير: "ذو الرحم هم الأقارب، ويطلق على كل من يجمع بينك وبينه نسب، ويطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النساء يقال ذو رحم محرم ومحرم وهو من لا يحل نكاحه كالأم والبنت والأخت والعمة والخالة"(9).

وتجمع الرحم على أرحام لا يكسر على غير ذلك ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1]قال الأزهري: "من نصب أراد واتقوا الأرحام أن تقطعوها ومن خفض أراد تسألون به وبالأرحام وهو قولك نشدتك الله وبالرحم"(10).

ومادة ر ح م تدل على الرحمة والتعطف والرقة لذلك تكون الرحمة والمودة والتعطف بين من تجمعهم رحم واحدة، وجاء في مختار الصحاح: رحم: الرَّحْمَةُ الرقة والتعطف و المَرْحَمَةُ مثله وقد رَحِمَهُ بالكسر رَحْمَةً و مَرْحَمَةً أيضا و تَرَحَّمَ عليه و تَرَاحَمَ القوم رَحِمَ بعضهم بعضا والرَّحَمُوتُ من الرحمة يقال رهبوت خير من رحموت أي لأن تُرهَب خير من أن تُرحَم و الرَّحِمُ القرابة، والرَّحْمنُ الرَّحِيمُ اسمان مشتقان من الرحمة ونظيرهما نديم وندمان.(11)

في الاصطلاح:

والصلة في الاصطلاح كما يفهم من المعنى اللغوي هي: الرحمة والتعطف والترحم والإحسان بمن تجمعك معهم قرابة، فصلتهم هي الرحمة والرقة لهم، والإحسان إليهم، وهو يختلف بحسب حال الواصل والموصول يقول النووي -رحمه الله- وأما صلة الرحم فهي الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول فتارة تكون بالمال وتارة بالخدمة وتارة بالزيارة والسلام وغير ذلك.(12)

وفي الفتح: وصلة الرحم بالمال ونحو عون على حاجة ودفع ضرر وطلاقة وجه ودعاء والمعنى الجامع إيصال الممكن من الخير ودفع الممكن من شر وهذا إنما يطرد إن استقام أهل الرحم فإن كفروا وفخروا فقطيعتهم في الله صلتهم بشرط بذل الجهد في وعظهم ثم إعلامهم إذا أصروا أن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا إلى الطريق المثلى.(13)

وأما صلة الله -عز وجل- لمن وصل رحمه فهي كما يقول العلماء وحقيقة الصلة العطف والرحمة فصلة الله -سبحانه وتعالى- عبارة عن لطفه بهم ورحمته إياهم وعطفه بإحسانه ونعمه أوصلتهم بأهل ملكوته الأعلى وشرح صدورهم لمعرفته وطاعته؟. (14)

والرحم اصطلاحاً:

اختلف أهل العلم في حد الرحم التي تجب صلتها على قولين:

فقيل: هو كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرا والأخر أنثى حرمت مناكحتهما فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال، واستدل أصحاب هذا القول بما ورد من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه -: «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها»(15), وجواز ذلك في بنات الأعمام والأخوال.

وقال بعضهم: هو عام في كل رحم من ذوي الأرحام في الميراث يستوي المحرم وغيره، واستدل أصحاب هذا القول بقوله -صلى الله عليه وسلم- «ثم أدناك أدناك»(16).

وهذا ما رجحه الإمام النووي -رحمه الله- واستدل له بقوله -صلى الله عليه وسلم- في أهل مصر «فان لهم ذمة ورحما»(17)، وحديث: «إن أبر البر أن يصل أهل ود أبيه»(18), مع أنه لا محرمية بينهم.(19)

وهذا هو الظاهر لأنه أجمع وأمنع.يقول ابن حجر -رحمه الله-: "والرحم يطلق على الأقارب وهم من بينه وبين الآخر نسب سواء كان يرثه أم لا سواء كان ذا محرم أم لا، وقيل هم المحارم فقط والأول هو المرجح لأن الثاني يستلزم خروج أولاد الأعمام وأولاد الأخوال من ذوي الأرحام وليس كذلك"(20).

وخلاصة الأمر أن صلة الرحم كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم وكذلك إن بعدوا أو أساؤوا، وقطع الرحم ضد ذلك كله يقال وصل رحمه يصلها وصلا وصلة والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر.(21)

حكم صلة الرحم:

لا شك أن صلة الرحم واجبة بالجملة على المسلم، وقطع صلة الأرحام من الكبائر كما بينت الأحاديث النبوية الكثيرة الواردة في ذلك وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله في ثنايا هذا البحث.

قال القاضي عياض -رحمه الله-: "ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة قال والأحاديث في الباب تشهد لهذا ولكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب ومنها مستحب لووصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعا ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لا يسمى واصلا"(22).

والرحم عامة وخاصة, فالرحم العامة تشمل كل المسلمين وهي رحم الإسلام والدين، ورحم خاصة وهي رحم القرابة يقول العلامة القرطبي-رحمه الله-: والرحم عامة وخاصة فالعامة رحم الدين ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله ونصرتهم والنصيحة وترك مضارتهم والعدل بينهم والنصفة في معاملتهم والقيام بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى وحقوق الموتى من غسلهم والصلاة عليهم ودفنهم وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم، وأما الرحم الخاصة وهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة كالنفقة وتفقد أحوالهم وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب.(23)

فضل صلة الرحم:

فقد ورد في النصوص الشرعية ما يدل على أن قطعية الرحم معصية كبيرة، ومرتكبها مرتكب لأثم فضيع، فالوعيد فيها شديد في الدنيا والآخرة، وكذلك ورد من النصوص ما يدل على فضل صلة الأرحام وما له من الأجر والثواب فيعجل له الخير في الدنيا، وينال المكارم في اليوم الآخر وقد ورد من الفضائل لهذا العمل أحاديث كثيرة ولعل من أهم هذه الفضائل هي أن صلة الرحم من أسباب القرب من الجنة والبعد عن النار: مصداق ذلك ما رواه أبو أيوب -رضي الله عنه- أن أعرابيا عرض لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في سفر فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها ثم قال: يا رسول الله أو يا محمد أخبرني بما يقربني من الجنة وما يباعدني من النار قال فكف النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم نظر في أصحابه ثم قال: «لقد وفق أو لقد هدي, قال: كيف قلت»؟ قال: فأعاد, فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم دع الناقة.»(24).

فقوله: وتصل الرحم أي تحسن إلى أقاربك ذوى رحمك بما تيسر على حسب حالك وحالهم من إنفاق أو سلام أو زيادة أو طاعتهم أو غير ذلك.(25)

وفي هذا الحديث جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- صلة الأرحام من أسباب القرب من الجنة، وقد قرنها -صلى الله عليه وسلم- بعدم الإشراك بالله تعالى وقرنها بالصلاة والزكاة مما يدل على فضلها وأهميتها.

ولا شك أن كل عمل يقرب من الجنة ويباعد من النار أنه من الأعمال التي تقوي الإيمان وتزيده، فالإيمان يزيد بالطاعات والقربات كما هو معلوم.

وصله الأرحام من أحب الأعمال إلى الحق تبارك وتعالى فعن رجل من خثعم قال أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في نفر من أصحابه فقلت أنت الذي تزعم أنك رسول الله قال: نعم، قال قلت يا رسول الله أي الأعمال أحب إلى الله قال: «الإيمان بالله»، قال قلت يا رسول الله ثم مه قال «ثم صلة الرحم»، قال قلت يا رسول الله ثم مه قال «ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، قال قلت يا رسول الله أي الأعمال أبغض إلى الله قال «الإشراك بالله»، قال قلت يا رسول الله، ثم مه قال «ثم قطيعة الرحم...»(26).

وهذا عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال لقيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخذت بيده فقلت يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال فقال يا عقبة: «صل من قطعك وأعط من حرمك وأعرض عمن ظلمك»(27). وهذا يدل على أن صلة الرحم من أفضل الأعمال.

الرحم مشتقة من اسم الحق تبارك وتعالى "الرحمن":

ومما يدل على فضل الرحم وفضل واصلها ما ورد عن عائشة-رضي الله- عنها قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله»(28).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الرحم شجنة(29) من الرحمن فقال الله من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته»(30).

قوله: من الرحمن أي أخذ اسمها من هذا الاسم ويؤيد هذا ما ورد من حديث عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «قال الله أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشقت لها من اسمي فمن وصلها وصلتا ومن قطعتها بتته»(31).

والمعنى أنها أثر من آثار الرحمة مشتبكة بها فالقاطع لها منقطع من رحمة الله، وقال الإسماعيلى معنى الحديث أن الرحم اشتق اسمها من اسم الرحمن فلها به علقة وليس معناه أنها من ذات الله تعالى الله عن ذلك.(32)

عظيم إثم قاطع الرحم:

ومما يدل على عظم صلة الرحم وتعظيم أمرها وأن صلتها مرغب فيه، وأن قطعها من الكبائر لورود الوعيد الشديد في قطعها ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت بلى قال فذاك لك» ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «اقرؤا إن شئتم» ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 22- 24].(33)

قال القاضي عياض -رحمه الله-: الرحم التي توصل وتقطع وتبر إنما هي معنى من المعاني ليست بجسم وإنما هي قرابة ونسب تجمعه رحم والدة ويتصل بعضه ببعض فسمي ذلك الاتصال رحما والمعنى لا يتأتى منه القيام ولا الكلام فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها ضرب مثل وحسن استعارة على عادة العرب في استعمال ذلك والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصليها وعظيم أثم قاطعيها بعقوقهم لهذا سمي العقوق قطعا والعق الشق كأنه قطع ذلك السبب المتصل، قال: ويجوز أن يكون المراد قام ملك من الملائكة وتعلق بالعرش وتكلم على لسانها بهذا بأمر الله تعالى(34). قد يكون هذا من باب ضرب المثل، وقد يكون على الحقيقة والله على كل شيء قدير سبحانه.

والمقصود عظيم أثم قاطع الرحم يقول القرطبي: "وسواء قلنا إنه يعني -القول المنسوب إلى الرحم- على سبيل المجاز أو الحقيقة أو أنه على جهة التقدير والتمثيل كأن يكون المعنى لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت كذا فمقصود هذا الكلام الإخبار بتأكد أمر صلة الرحم وأنه تعالى أنزلها منزلة من استجار به فأجاره فأدخله في حمايته وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول"(35).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن للرحم لسانا يوم القيامة تحت العرش يقول يا رب قطعت ظلمت يا رب أسىء إلى فيجيبها ربها ألا ترضين أن أصل من وصلك واقطع من قطعك»(36).

قوله: أصل من وصلك وأقطع من قطعك قال بن أبي جمرة الوصل من الله كناية عن عظيم إحسانه وإنما خاطب الناس بما يفهمون ولما كان أعظم ما يعطيه المحبوب لمحبه الوصال وهو القرب منه وإسعافه بما يريد ومساعدته على ما يرضيه وكانت حقيقة ذلك مستحيلة في حق الله تعالى عرف أن ذلك كناية عن عظيم إحسانه لعبده قال وكذا القول في القطع هو كناية عن حرمان الإحسان.(37)

صلة الرحم من أسباب البركة:

أسباب حصول البركة كثيرة، ولعل من أهم ما ورد به النص من حصول البركة في العمر أو الرزق أو غير ذلك صلة الأرحام، فهي مما يكافئ الله -عز وجل- عليه الناس في الدنيا من بسط للرزق وإطالة العمر فصلة الأرحام من أسباب الزيادة في العمر مصداق ذلك ما رواه أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من سره أن يبسط عليه رزقه أو ينسأ في أثره فليصل»(38).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر»(39).

والنسء التأخير ويكون في العُمُرِ والدَّيْنِ فقوله يُنْسَأُ أَي يُؤَخَّر، فينسأ له في أثره أي في أجله فالأثر الأجل وسمي به لأَنه يتبع العمر قال زهير:

والمرءُ ما عاش ممدودٌ له أَمَلٌ *** لا يَنْتَهي العمْرُ حتى ينتهي الأَثَرُ

وأَصله من أَثَّرَ مَشْيُه في الأَرض فإِنَّ من مات لا يبقى له أَثَرٌ ولا يُرى لأَقدامه في الأَرض أَثر.(40)

ولأهل العلم في هذه الزيادة قولان فقيل المراد بهذه الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة وصيانته عن تضييعه في غير ذلك ومثل هذا ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من مضى من الأمم فأعطاه الله ليلة القدر، ومال إليه ابن التين, ويقول العلامة الطيبي وهو أظهر, ويقول: ويجوز أن يكون المعنى أن الله يبقي أثر واصل الرحم في الدنيا طويلا فلا يضمحل سريعا كما يضمحل أثر قاطع الرحم.

والقول الثاني: أن الزيادة على حقيقتها وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر وأما الأول الذي دلت عليه الآية فبالنسبة إلى علم الله تعالى كأن يقال للملك مثلا أن عمر فلان مائة مثلا أن وصل رحمه وستون إن قطعها وقد سبق في علم الله أنه يصل أو يقطع فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39] فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب فلا محو فيه البتة.(41)

فالظاهر والله أعلم أن الزيادة حقيقية لأن الله - عز وجل- على كل شيء قدير، يفعل ما يشاء لا يسأل عما يفعل سبحانه وتعالى.

ويقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله -: وقد ورد في تفسيره وجه ثالث أخرجه الطبراني(42) بسند ضعيف عن أبي الدرداء قال ذكر عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من وصل رحمه أنسيء له في أجله فقال إنه ليس زيادة في عمره قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34] ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة يدعون له من بعده، وفي الكبير من حديث أبي مشجعة الجهني رفعه: «إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها وإنما زيادة العمر ذرية صالحة»(43).

ويقول الإمام النووي -رحمه الله- بعد أن عرض الإشكال: وأجاب العلماء بأجوبة الصحيح منها أن هذه الزيادة بالبركة في عمره والتوفيق للطاعات وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، والثاني أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ ونحو ذلك فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه فان وصلها زيد له أربعون وقد علم الله سبحانه وتعالى ما سيقع له من ذلك، والثالث أن المراد بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت.(44)

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مكتوب في التوراة من أحب أن يزاد في عمره ويزاد في رزقه فليصل رحمه»(45).

ومما يدل كذلك على أن صلة الأرحام من أسباب حصول الخيرات والبركات ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضا لهم، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله قال بصلتهم أرحامهم»(46).

والأحاديث الواردة في زيادة العمر بصلة الأرحام كثيرة نذكر منها أيضا ما وري عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: «أنه من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من خير الدنيا والآخرة وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار»(47).

وعن أبي أمامة -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «إن صدقة السر تطفىء غضب الرب وإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء وأن صلة الرحم تزيد في العمر»(48).

وعن عبد الله بن أبى أوفى -رضي الله عنه- قال عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم»(49).

وقال العلامة الطيبي: يحتمل أن يراد بالقوم الذين يساعدونه على قطيعة الرحم ولا ينكرون عليه، ويحتمل أن يراد بالرحمة المطر وأنه يحبس عن الناس عموما بشؤم التقاطع.(50)

وعلى كلا القولين فالرحم وصلتها من أسباب حصول بركات رب السماء، وقطعها من أسباب انقطاع هذه البركات، والأحاديث في ذلك كثيرة.

معية الله -عز وجل-:

وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-: أن رجلا قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك»(51).

يقول الإمام النووي -رحمه الله-: المل بفتح الميم الرماد الحار، والظهير المعين والدافع لأذاهم، وقوله: ويجهلون أي يسيئون والجهل هنا القبيح من القول، ومعناه كأنما تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم ولا شيء على هذا المحسن بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه، وقيل معناه انك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف المل، وقيل ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالمل يحرق أحشاءهم(52)، والحاصل أن الواصل لأرحامه بالإحسان إليهم والعطف، مع الحلم عليهم وهم يقطعونه كان الله عز وجل معه يحفظه ويرعاه.

أهمية صلة الأرحام:

أنها من أسباب قبول الأعمال:

فصلة الأرحام والتواصل معهم ومساعدتهم وتفقد أحوالهم وإكرامهم من أهم أسباب قبول الأعمال مصداق ذلك ما رواه لنا الصحابي الجليل أبو هريرة -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم»(53).

قال في فيض القدير قوله: قاطع رحم أي قريب بنحو إساءة أو هجر فعمله لا ثواب فيه، وإن كان صحيحا وسبق أنه لا تلازم بين الصحة وعدم القبول وهذا وعيد شديد يفيد أن قطعها كبيرة أي إن كان بما ذكر بخلاف قطعها بترك الإحسان أو نحوه فليس بكبيرة بل ولا صغيرة.(54)

ويبين لنا الصحابي الجليل ابن مسعود -رضي الله عنه- أن قاطع الرحم تغلق دونه أبواب السماء, فعن الأعمش قال كان بن مسعود- رضي الله عنه- جالسا بعد الصبح في حلقة فقال أنشد الله قاطع رحم إلا ما قام عنا فإنا نريد أن ندعو ربنا وإن أبواب السماء مرتجة دون قاطع الرحم.(55)

وقطع الأرحام وعدم صلتها من موانع استجابة الدعاء التي ينبغي لما أراد أن يستجاب دعاه أن يصل الأرحام ولا يقطعها فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم...»(56).

أنها من صفات أهل الإيمان:

فقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان أهل الجنة بأنهم يصلون ما أمر الله به أن يوصل ومن ضمن ذلك صلتهم للأرحام قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: 21].

كما أن من صفات أهل دار البوار قطعهم لما أمر الله سبحانه وتعالى به أن يوصل الذي يدخل فيه صلة الأرحام دخولاً أولياً فقد أمر الله -عز وجل- به وهم يقطعونه قال سبحانه عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: 25].

أن عقوبة قطع الرحم في الدنيا والآخرة:

فصلة الأرحام يعاقب عليها في الدنيا والآخرة وكذلك يعجل لمن وصل رحمه ويكافئ في الدنيا وينال الثواب والأجر في الآخرة، فمن العقوبات التي يلقها قاطع الرحم الحرمان من دخول الجنة

فقطع الأرحام من الأسباب التي تؤدي إلى حرمان القاطع من دخول الجنة وكفى بها عقوبة فعن جبير بن مطعم -رضي الله عن- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يدخل الجنة(57) قاطع رحم»(58).

وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا مؤمن بسحر ولا قاطع»(59), أي ولا قاطع رحم، وكفى بها عقوبة.

وقد يعجل له العذاب في الدنيا مع ما يلقه في الآخرة من الوعيد ويدل على هذا ما رواه لنا أبو بكرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم»(60).

ففي هذا الحديث يدل على صلة الرحم وأهميته ذلك، وأن قاطعها مرتكب كبيرة لورود الوعيد الشديد في ذلك فالوعيد حاصل له في الدنيا والآخرة.

الوقاية من ميتة السوء:

سبق وذكرنا أن صلة الأرحام من موجبات الجنة، كذلك الصلة تقي الإنسان من ميتة السوء، فهي من الأسباب التي تؤدي بصاحبها إلى الخاتمة الحسنة بالحسنى فعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه»(61).

صلة الرحم مطلوبة ولو كانت غير مسلمة:

ومما يدل أهمية صلة الأرحام أن الإسلام أمر بها ولو كان الموصول غير مسلم بحيث لا تتعارض مع الإسلام وأحكامه، أو مصالح المسلمين، فقد تكون من أسباب الهدايه لهذا الموصول, وقد بين لنا سيد الأنبياء والمرسلين، إمام الواصلين محمد - صلى الله عليه وسلم- ذلك وضرب لنا أروع الأمثلة فعن عمرو بن العاص -رضي لله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- جهارا غير سر يقول: «إن آل أبي ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين» وزاد عنبسة بن عبد الواحد...: «ولكن لهم رحم أبلها ببلالها»(62). يعني أصلها بصلتها.

فقوله: «أبلها ببلالها» البل الندى والبلل والبلة الندوة يقال بل رحمه يبلها بلا وبلالا وصلها، قال ابن الأثير: وهم يطلقون النداوة على الصلة كما يطلقون اليبس على القطيعة لأنهم لما رأوا بعض الأشياء يتصل ويختلط بالنداوة ويحصل بينهما التجافي والتفرق باليبس استعاروا البل لمعنى الوصل واليبس لمعنى القطيعة ومنه الحديث: «فإن لكم رحما سأبلها ببلالها» أي أصلكم في الدنيا ولا أغني عنكم من الله شيئا والبلال جمع بلل وقيل هو كل ما بل الحلق من ماء أو لبن أو غيره.(63)

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال لما أنزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال: «يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها»(64).

ويستفاد مما سبق أن الإسلام بما يدعو له من الأخلاق الفاضلة التي من جملتها صلة الأرحام لهو دين الحق، فهو يدعو إلى تماسك المجتمع ووحدته وصلة الأرحام تؤكد هذا المعنى وتقويه، في نفوس أفراد المجتمع المسلم وتبقى على أواصر الصلة بين أفراد هذا المجتمع قوية ومتينة.

ولذلك كان من أول ما دعا إليه سيد البشرية محمد -صلى الله عليه وسلم- بعد التوحيد أن دعا إلى صلة الأرحام وعدم قطعها لأن في ذلك محافظة وتقوية لروابط المجتمع ويدل على هذا ما ورد في حديث عمرو بن عبسة السلمي -رضي الله عنه- الطويل قال دخلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- بمكة يعني في أول النبوة فقلت له: ما أنت؟ قال: نبي, فقلت: وما نبي؟ قال: «أرسلني الله تعالى, فقلت: بأي شيء أرسلك, قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء...»(65).

وقد سألت أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- عن صلة أمها المشركة قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستفتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك»(66).

الواصل الحقيقي:

الذي يصل من أرحامه من يصله ويقطع من يقطع صلته من أقاربه ليس هو الواصل الحقيقي بل الواصل الحقيقي هو من يصل رحمه سواء وصلوه أم قطعوه, فعن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها»(67).

فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس الواصل بالمكافئ» أي: الذي يعطي لغيره نظير ما أعطاه ذلك الغير،فهو بمعنى المجازي غيره بمثل فعله فإن وصله وصل وإن قطعه قطع، فليست حقيقة الواصل ومن يعتد بصلته من يكافئ صاحبه بمثل فعله ولكنه من يتفضل على صاحبه.(68)

قال في فيض القدير: والمعنى وصل قريبه الذي قاطعه نبه به على أن من كافأ من أحسن إليه لا يعد واصلا للرحم وإنما الواصل الذي يقطعه قريبه فيواصل هو وهذا إشارة إلى الرتبة العليا في ذلك وإلا فلو لم يقطعه أحد من قرابته واستمر هو على مواصلاتهم عد واصلا لكن رتبته دون من وصل من قطعه.(69)

وعن ابن عباس-رضي الله عنه- قال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ليس الوصل أن تصل من وصلك ذلك القصاص, ولكن الوصل أن تصل من قطعك.(70)

وهذا هو حقيقة الوصل الذي وعد الله عباده عليه بجزيل الأجر والثواب العظيم، وأثنى عليهم في كتابه العزيز كما سبق وذكرنا.

فضل الصدقة على الأرحام:

فالصدقة على المسكين تحسب بصدقة، أما الصدقة على الأقارب وذي الرحم فهي صلة وصدقه فعن سلمان بن عامر-رضي الله عنه-: يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة فإن لم يجد تمرا فالماء فإنه طهور، وقال الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة»(71).

ويدل على هذا أيضا حديث امرأة عبد الله بن مسعود -رضي الله عنهما- فقد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصدق على الأقارب فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نعم لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة»(72).

ففي هذا الحديث من الفوائد أن الصدقة على الأقارب أفضل من الصدقة على الأجانب وخاصة إذا كانوا محتاجين.

وصلة الرحم من الخصال التي تبقى عليك من بر الوالدين بعد موتهما فقد سأل - صلى الله عليه وسلم- عن ما يبقى من بر الوالدين بعد موتهما فقال: «خصال أربع الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما»(73).

بل من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه فهذا عبد الله بن دينار يروي لنا عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة فسلم عليه عبد الله بن عمر وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه فقال له ابن دينار أصلحك الله فإنهم الأعراب وهم يرضون باليسير فقال عبد الله بن عمر إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه»(74).

فصلة الأرحام، وإخلاص الدين لله، والتوكل على الله، والحب لله ورسوله، والرجاء لرحمة الله، والخوف من عقابه، والصبر لحكم الله،والشكر له، والتسليم لأمر الله ورسوله، وصدق الحديث والوفاء بالعهود وأداء الأمانات إلى أهلها، وبر الوالدين، والتعاون على البر والتقوى والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والزوجة وغير ذلك كثير من جملة الأعمال الصالحات التي أمر بها الله ورسوله، والتي تزيد في الإيمان وتقويه.

وصلة الرحم من أهم أعمال القلوب التي ينبغي للمسلم الاهتمام والعناية بها لمن أراد الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، وصلة الرحم من أعمال القلوب التي تزيد الإيمان في القلب وتجعله عامراً بالإيمان وعمل الصالحات فاحرص أخي رعاك الله على صلة رحمك تكن من الفائزين في الدنيا والآخرة،

والله نسأل أن يجعلنا من الواصلين، أنه على ما يشاء قدير، وأن يلهمنا الرشد والصواب والتوفيق والسداد أنه على ما يشاء قدير، والحمد لله رب العالمين، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة، وصلى الله وسلم على إمام الواصلين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

جمع وإعداد: خالد حسن محمد البعداني

بتاريخ: 2/ جماد ثاني/ 1428هـ, الموفق: 1/ 6/ 2007م.

مراجعة: علي عمر بلعجم. 19/ 69/ 2007م.

___________________________

(1) أخرجه البخاري: 5/ 2273، برقم: 5787.

(2) أخرجه البخاري: 1/ 7، برقم: 7، ومسلم: 3/ 1393, برقم: 1773.

(3) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند: 1/ 201, برقم: 1740، وابن خزيمة في صحيحه: 4/ 13، برقم: 2260، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.

(4) أخرجه مسلم: 1/ 569، برقم: 832

(5) بتصرف من القاموس المحيط: 1/ 1380.

(6) كتاب العين: 7/ 152.

(7) أخرجه البخاري: 5/ 2232، برقم: 5642.

(8) أخرجه أبو داود: 2/ 419، برقم: 3949، والترمذي: 3/ 646، برقم: 1365، وقال الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 1151، برقم: 11503، من حديث الحسن بن سمرة.

(9) باختصار من تاج العروس: 1/ 7726.

(10) المصدر السابق: 1/ 7727.

(11) مختار الصحاح: 1/ 267، وانظر لسان العرب: 12/ 230.

(12) شرح النووي على مسلم: 2/ 201.

(13) فتح الباري- ابن حجر: 10/ 418، وانظر فيض القدير: 2/ 233.

(14) شرح النووي على مسلم: 16/ 113.

(15) أخرجه البخاري: 5/ 1965، برقم: 4820، ومسلم: 2/ 1028، برقم: 1408.

(16) أخرجه مسلم: 4/ 1974، برقم: 2548. من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رجل يا رسول الله من أحق بحسن الصحبة؟ قال: «أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك أدناك».

(17) أخرجه مسلم: 4/ 1970، برقم: 2543، من حديث أبي ذر - رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فاخرج منها».

(18) أخرجه مسلم: 4/ 1979،برقم: 2552، من حديث ابن عمر-رضي الله عنهما-: أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة فسلم عليه عبد الله وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه فقال ابن دينار فقلنا له أصلحك الله إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير فقال عبدالله إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه».

(19) بتصرف من شرح النووي على مسلم: 16/ 113، وانظر تفسير القرطبي: 16/ 209.

(20) فتح الباري - ابن حجر: 10/ 414.

(21) النهاية في غريب الأثر: 5/ 425.

(22) شرح النووي على مسلم: 16/ 113.

(23) تفسير القرطبي: 16/ 209.

(24) أخرجه البخاري: 2/ 505، برقم: 1332، ومسلم: 1/ 42، برقم: 13، واللفظ له.

(25) شرح النووي على مسلم: 1/ 173.

(26) أخرجه أبو يعلى في المسند: 12/ 229، برقم: 6839، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 2/ 336، برقم: 2522

(27) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند: 4/ 148، برقم: 17372، ورواه الحاكم في المستدرك: 4/ 178برقم: 7285، وقال الألباني: صحيح لغيره أنظر صحيح الترغيب والترهيب: 2/ 339، برقم: 2536.

(28) صحيح مسلم: 4/ 1981، برقم: 2555.

(29) شجنة بكسر المعجمة وسكون الجيم بعدها نون، وأصل الشجنة عروق الشجر المشتبكة، وبيني وبينه شِجْنَةُ رحم أَي قرابة مُشتبكة، والشجن بالتحريك واحد الشجون وهي طرق الأودية ومنه قولهم الحديث ذو شجون أي يدخل بعضه في بعض، أنظر لسان العرب: 13/ 232، والقاموس المحيط: 1/ 1559.

(30) سبق تخريجه.

(31) أخرجه الترمذي: 4/ 315، برقم: 1907، وأحمد بن حنبل في المسند: 1/ 191، برقم: 1659، وقال الألباني: صحيح، أنظر السلسلة الصحيحة: 2/ 49، برقم: 520.

(32) فتح الباري - ابن حجر: 10/ 418.

(33) أخرجه البخاري: 5/ 2232، برقم: 5641، ومسلم: 4/ 1980، برقم: 2554، واللفظ له.

(34) شرح النووي على مسلم: 16/ 112.

(35) تفسير القرطبي: 16/ 209.

(36) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: 6/ 214، برقم: 7933، ومسند الطيالسي: 1/ 331، برقم: 2543.

(37) فتح الباري: 10/ 418.

(38) أخرجه البخاري: 5/ 2232، برقم: 5639، ومسلم: 4/ 1982، برقم: 2557، واللفظ له.

(39) أخرجه الترمذي: 4/ 351، برقم: 1979، وأحمد في المسند: 2/ 374، برقم: 8855، وقال الألباني: صحيح انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 528، برقم: 5276.

(40) لسان العرب: انظر،1/ 166، وانظر 4/ 5.

(41) بتصرف من فتح الباري - ابن حجر: 10/ 416.

(42) المعجم الأوسط: 1/ 15، برقم: 34.

(43) فتح الباري - ابن حجر: 10/ 416، لكن هذه الأحاديث ضعيفة جداً أنظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 360، برقم: 3594.

(44) شرح النووي على مسلم: 16/ 113.

(45) الحديث ذكره المنذري في الترغيب والترهيب: 3/ 227، ورواه الحاكم بلفظ: "مكتوب في التوراة من سره أن تطول حياته و يزاد في رزقه فليصل رحمه" وقال هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه بهذه السياقة، وتعليق الذهبي: صحيح، انظر المستدرك: 4/ 177، برقم: 7279، وقال الألباني: ضعيف، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 1206، برقم: 12051.

(46) أخرجه الحاكم في المستدرك: 4/ 177، برقم: 7282، وانظر حلية الأولياء: 4/ 331، وقال المنذري: رواه الطبراني بإسناد حسن والحاكم وقال تفرد به عمران بن موسى الرملي الزاهد عن أبي خالد فإن كان حفظه فهو صحيح، انظر الترغيب والترهيب: 3/ 227، وقال الألباني: ضعيف، أنظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 359، برقم: 3583.

(47) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند: 6/ 159، برقم: 25298، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 2/ 336، برقم: 2524.

(48) أخرجه الطبراني في الأوسط: 1/ 289، برقم: 943، وفي الكبير: 8/ 265، برقم: 8014، وقال الألباني: حسن انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 725، برقم: 7245.

(49) أخرجه البخاري في الأدب المفرد: 1/ 36، برقم: 63، والبيهقي في شعب الإيمان: 6/ 223، برقم: 7962، وقال الألباني: ضعيف، أنظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 339، برقم: 3387.

(50) فتح الباري 10/ 416.

(51) صحيح مسلم: 4/ 1982، برقم: 2558.

(52) شرح النووي على مسلم: 16/ 115.

(53) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند: 2/ 483، برقم 10277، والبخاري في الأدب المفرد: 1/ 35، برقم: 61، وقال الألباني: حسن، انظر صحيح الترغيب والترهيب: 2/ 339، برقم: 2538.

(54) فيض القدير: 2/ 426.

(55) مصنف عبد الرزاق: 11/ 174، برقم: 20242، والبيهقي في شعب الإيمان: 6/ 224، برقم: 7964.

(56) أخرجه مسلم: 4/ 2095، برقم: 2735.

(57) يقول الإمام النووي- رحمه الله-: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يدخل الجنة قاطع» هذا الحديث يتأول تأويلين سبقا في نظائره في كتاب الإيمان احدهما حمله على من يستحل القطيعة بلا سبب ولا شبهة مع علمه بتحريمها فهذا كافر يخلد في النار ولا يدخل الجنة أبدا، والثاني معناه ولا يدخلها في أول الأمر مع السابقين بل يعاقب بتأخره القدر الذي يريده الله تعالى. شرح النووي على مسلم: 16/ 112.

(58) أخرجه البخاري: 5/ 2231، برقم: 5638، ومسلم: 4/ 1981، برقم: 2556.

(59) أخرجه ابن حبان في صحيحه: 13/ 507، برقم: 6137، ومسند أبي يعلى: 13/ 181، وقال حسين سليم أسد: إسناده حسن، وقال الألباني حسن لغيرة، صحيح الترغيب والترهيب 2/ 298، برقم: 2362.

(60) أخرجه أبو داود في السنن: 2/ 693، برقم: 4902، والترمذي في السنن: 4/ 664، برقم: 2511، وقال الألباني: صحيح أنظر مشكاة المصابيح: 3/ 69.

(61) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند: 1/ 143، برقم: 1212، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي وجوده المنذري في الترغيب، والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط: 7/ 70، برقم: 6881، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب: 2/ 76، برقم: 1488.

(62) صحيح البخاري: 5/ 2233، برقم: 5644.

(63) لسان العرب: 11/ 63.

(64) أخرجه مسلم: 1/ 192، برقم: 204.

(65) أخرجه مسلم: 1/ 569، برقم: 832.

(66) أخرجه البخاري: 2/ 924، برقم: 2477، ومسلم: 2/ 696، برقم: 1003.

(67) أخرجه البخاري: 5/ 2233، برقم: 5645.

(68) فتح الباري - ابن حجر: 10/ 423.

(69) فيض القدير: 5/ 361.

(70) مصنف عبد الرزاق: 10/ 438.

(71) أخرجه الترمذي في السنن: 3/ 46، برقم: 658، والنسائي في سننه: 5/ 92، برقم: 2582، وقال الألباني: صحيح، انظر مشكاة المصابيح: 1/ 437،برقم: 1939

(72) أخرجه البخاري: 2/ 533، برقم: 1397، ومسلم: 2/ 694، برقم: 1000.

(73) أخرجه أبو داود في السنن: 2/ 758، برقم: 5142، وأحمد في المسند: 3/ 497، برقم: 16103، برقم: 35، ورواه الحاكم في المستدرك: 4/ 171، برقم: 7260، وقال الذهبي: صحيح، وقال الألباني: ضعيف، أنظر السلسلة الضعيفة: 2/ 62، برقم: 597.

(74) أخرجه مسلم: 4/ 1979، برقم: 2552.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: