الصدق
خالد حسن محمد البعداني
الجمعة 28 ديسمبر 2012

الصدق

الحمد لله نحمد ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فصلى الله وسلم عليه وعلى أله وصحبه وسلم قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102], وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1], وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيما﴾ [الأحزاب70 - 71].

أعلم رحمك الله أن الأعمال كثيرة منها عمل القلب كالمحبة لله تعالى، والتوكل عليه، والإنابة إليه والخوف منه والرجاء، وإخلاص الدين له، والصدق، ومنها عمل الجوارح كالصلاة والجهاد والإحسان إلى الخلق وغيرها. ولا شك أن عمل القلب هو روح العبودية ولبها فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح، لأن المقصود بالأعمال كلها ظاهرها وباطنها إنما هو صلاح القلب وكماله وقيامه بالعبودية بين يدي ربه(1).

وهناك ارتباط بين أعمال الجوارح وأعمال القلوب يعلم ذلك من تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم فهي واجبة في كل وقت فالإيمان واجب القلب على الدوام والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان(2).

وأصل أعمال القلوب كلها الصدق وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجبن والمهانة وغيرها أصلها الكذب فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه، ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا مفاسدها ومضارهما بمثل الكذب(3).

فمن خلال ما سبق يعلم المرء أن منزلة الصدق هي من أعظم منازل السائرين إلى الحق تبارك وتعالى، بل هي الأساس لهذه المنازل وهي عنوان للفوز والفلاح في الدنيا والآخرة فمن رام النجاة فعليه بالصدق في الأقوال والأحوال، وهو الذي يتميز به أهل الإيمان عن غيرهم من أهل النفاق.

يقول ابن القيم -رحمه الله- وهو يتحدث عن منزلة الصدق: "وهي منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه من صال به لم ترد صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته فهو روح الأعمال ومحك الأحوال والحامل على اقتحام الأهوال والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين..."(4).

وفي هذه البحث نتحدث إن شاء الله - تعالى- عن هذه المنزلة العظيمة وأهميتها، وما ورد فيها من الفضل، وحقيقة الصدق، والدواعي الداعية للتحلي بها، وكونها من أهم صفات أهل الإيمان والتقوى، وما فيه من الفوز والفلاح، والسعادة والنجاة، وعلامته، ودرجات الصدق، وأقوال من سلف الأمة وأهل العلم فيها عن الصدق، والفوائد والثمار التي يجنيها أهل الصدق في الدنيا والآخرة، مبتدئين الحديث كما هي العادة عن التعريف فنقول:

تعريف الصدق:

الصدق هو نقيض الكذب يقال صَدَقَ يَصْدُقُ صَدْقاً وصِدْقاً وتَصْداقاً وصَدَّقه قَبِل قولَه، وصدَقَه الحديث أَنبأَه بالصِّدْق. ورجل صَدُوقٌ أبلغ من الصادق, ورجل صِدْقٌ وامرأَة صِدْقٌ وُصِفا بالمصدر وصِدْقٌ صادِقٌ كقولهم شِعْرٌ شاعِرٌ يريدون المبالغة والإشارة.

والصديق: دائم التصديق وهو الذي يصدق قوله بالعمل.

والصديق المصدق أو المبالغ في الصِّدْق ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: 75] أي مبالغة في الصِّدْق والتَّصْديِقِ على النسب أي ذات تَصْدِيق وقوله تعالى ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33], روي عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه قال الذي جاء بالصِّدْق محمدٌ صلى الله عليه وسلم، والذي صَدَّقَ به أَبو بكر رضي الله عنه وهذا القول احد أقوال أهل التفسير في الآية(5).

وقال الليث: كل من صدق بكل أمر الله لا يتخالجه في شيء منه شك، وصدق بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو صديق وهو قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: 19](6). وقال الجرجاني: الصديق هو الذي لم يدع شيئا أظهره باللسان إلا حققه بقلبه وعمله(7), ويقول ابن القيم-رحمه الله- أعلى مراتب الصدق: مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل(8).

فالصدق يقابل الكذب وقد شاع في الأقوال خاصة(9)، فيكون الصدق هو الإبانة عما يخبر به على ما كان.وهو مطابقة الحكم للواقع.

وقال الماوردي: الصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، والصدق والكذب يدخلان الأخبار الماضية، كما أن الوفاء والخلف يدخلان المواعيد المستقبلة(10).

وفي اصطلاح أهل الحقيقة:

الصدق: هو قول الحق في مواطن الهلاك، وقيل أن تصدق في موضع لا ينجيك منه إلا الكذب. وقال القشيري: الصدق ألا يكون في أحوالك شوب ولا في اعتقادك ريب ولا في أعمالك عيب(11).

وقال صاحب المنازل: الصدق: اسم لحقيقة الشيء بعينه حصولا ووجودا، وقال ابن القيم: الصدق: هو حصول الشيء وتمامه وكمال قوته واجتماع أجزائه كما يقال: عزيمة صادقة إذا كانت قوية تامة وكذلك: محبة صادقة وإرادة صادقة...ومن هذا: وصفهم الرمح بأنه صادق الكعوب إذا كانت كعوبه صلبة قوية ممتلئة(12).

ويفرق بين الصدق والإخلاص: بأن الصدق أصل وهو الأول، والإخلاص فرع وهو تابع.

وفرق آخر وهو أن الإخلاص لا يكون إلا بعد الدخول في العمل(13).

والفرق بين الصواب والصدق والحق أن الصواب هو الأمر الثابت في نفس الأمر الذي يسوغ إنكاره، والصدق هو الذي يكون ما في الذهن مطابقا لما في الخارج، والحق هو الذي يكون ما في الخارج مطابقا لما في الذهن(14).

حقيقة الصدق:

قال الجنيد: حقيقة الصدق: أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب، وقيل: ثلاث لا تخطىء الصادق: الحلاوة والملاحة والهيبة(15).

وقال أبو بكر الوراق الصدق ثلاثة صدق التوحيد، وصدق الطاعة، وصدق المعرفة، فصدق التوحيد لعامة المؤمنين قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: 19] وصدق الطاعة لأهل العلم والورع، وصدق المعرفة لأهل الولاية الذين هم أوتاد الأرض.

وقال جعفر الصادق الصدق: هو المجاهدة وان لا تختار على الله غيره كما لم يختر عليك غيرك فقال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الحج: 78] (16).

ونقل العلامة ابن القيم -رحمه الله- في حقيقة الصدق عن عبد الواحد بن زيد قوله: الصدق الوفاء لله بالعمل، وقيل: موافقة السر النطق، وقيل: استواء السر والعلانية يعني أن الكاذب علانيته خير من سريرته كالمنافق الذي ظاهره خير من باطنه، وقيل: الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة، وقيل: كلمة الحق عند من تخافه وترجوه(17).

دواعي الصدق:

لخصها الماوردي -رحمه الله- في أدب الدين والدنيا فقال أما دواعي الصدق فمنها: العقل؛ لأنه موجب لقبح الكذب، لا سيما إذا لم يجلب نفعا ولم يدفع ضررا، والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسنا، ويمنع من إتيان ما كان مستقبحا.

ومنها: الدين الوارد بإتباع الصدق وحظر الكذب بل قد جاء الشرع زائدا على ما اقتضاه العقل من حظر الكذب؛ لأن الشرع ورد بحظر الكذب وإن جر نفعا أو دفع ضررا.

ومنها: المروءة فإنها مانعة من الكذب باعثة على الصدق؛ لأنها قد تمنع من فعل ما كان مستكرها، فأولى من فعل ما كان مستقبحا.

ومنها: حب الثناء والاشتهار بالصدق حتى لا يرد عليه قول ولا يلحقه ندم(18).

فضل الصدق:

فضائل الصدق كثيرة منها حسن رفقة أهل الصدق: فقد أمر الله تعالى عباده أن يكون مع الصادقين، وخصهم مع الذي أنعم عليهم من النبيين والشهداء والصالحين فرفقة الصادقين هم الأنبياء والشهداء وأهل الصلاح وكفى بها رفقه قال سبحانه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء: 69].

ويكفي الصدق فضلاً أنه من صفات الأنبياء -عليهم السلام- فقد وصفهم الله سبحانه وتعالى في معرض المدح والثناء في كثير من الآيات قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ [مريم: 41]، وقال-عز وجل-: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ [مريم: 56].

- الجزاء العظيم عليه بجنات تجري من تحتها الأنهار:

قال سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: 119].

فأخبر سبحانه أنه لا ينفع العبد وينجيه من العذاب في يوم القيامة إلا صدقه.

وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم»(19).

بل منازل أهل الصدق في الجنة من أعلى المنازل وأعظمها حتى ظن البعض أنها منازل الأنبياء عليهم السلام عندما سمعوها من سيد الصادقين وإمام المتقين محمد- صلى الله عليه وسلم- فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم» قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين»(20) فمنازل أهل الغرف وعلو درجاتهم أبعد عن باقي أهل الجنة كما في الحديث.

- من أسباب النجاة من العذاب:

قال سبحانه: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الأحزاب: 24].

فالناس على صنفين صنف أهل الصدق، وهم أهل الإيمان، وصنف من أصحاب الكذب وهم أهل النفاق فالصدق والكذب لا يجتمعان، فالصدق من أسباب النجاة والكذب من أسباب الهلاك والخسارة. وقال بعضهم: أجمع الفقهاء والعلماء على ثلاث خصال أنها إذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها إلا ببعض الإسلام الخالص عن البدعة والهوى، والصدق لله تعالى في الأعمال، وطيب المطعم(21).

- مغفرة الذنوب والأجر العظيم:

قال -عز وجل-: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: 35].

معية الله تعالى مع الصادقين والقرب منه:

قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128], فهذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ أي اتقوا المعاصي على اختلاف أنواعها ﴿وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ بتأدية الطاعات والقيام بما أمروا بها منها(22).

وقال سبحانه على لسان إمام الصادقين: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40].

ويقول ابن القيم: ولهم مرتبة المعية مع الله فإن الله مع الصادقين ولهم منزلة القرب منه إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين(23).

أهمية الصدق:

- فقد أمر الله -عز وجل- به وحث عليه، وأمر أن نكون مع أهل هذه المنزلة العظيمة, قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119], وهذا الأمر كان بعد قصة الثلاثة الذين خلفوا، وكيف نفعهم صدقهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول القرطبي- رحمه الله-: هذا الأمر بالكون مع أهل الصدق حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق وذهب بهم عن منازل المنافقين قال مطرف: سمعت مالك بن أنس يقول: قلما كان رجل صادقا لا يكذب إلا متع بعقله ولم يصبه ما يصيب غيره من الهرم والخرف(24).

وقال: حق من فهم عن الله وعقل عنه أن يلازم الصدق في الأقوال والإخلاص في الأعمال والصفاء في الأحوال فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى رضا الغفار(25).

ومعنى قوله: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ أي وكونوا في الدنيا من أهل ولاية الله وطاعته تكونوا في الآخرة ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ في الجنة يعني: مع من صدق الله الإيمان به فحقق قوله بفعله ولم يكن من أهل النفاق فيه الذين يكذب قولهم فعلهم.

وإنما معنى الكلام: وكونوا مع الصادقين في الآخرة باتقاء الله في الدنيا كما قال جل ثناؤه﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء: 69](26).

ويقول ابن كثير-رحمه الله-: وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ أي اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله وتنجوا من المهالك ويجعل لكم فرجا من أموركم ومخرجا(27).

- من صفات أهل الإيمان والتقوى:

قال -عز وجل-: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: 35]. والصادق والصادقة هما من يتكلم بالصدق ويتجنب الكذب ويفي بما عوهد عليه(28).

وقوله: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ هذا في الأقوال فإن الصدق خصلة محمودة ولهذا كان بعض الصحابة رضي الله عنهم لم تجرب عليهم كذبة لا في الجاهلية ولا في الإسلام وهو علامة على الإيمان كما أن الكذب أمارة على النفاق(29).

وقال سبحانه وهو يعدد صفات أهل الإيمان: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17], وقال -عز وجل-: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33].

فالذي جاء بالصدق: هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله،والصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها، والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص واستفراغ الوسع وبذل الطاقة فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به: تكون صديقيته، ولذلك كان لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ذروة سنام الصديقية سمي الصديق على الإطلاق، والصديق أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق(30).

فالصدق من صفات أهل الإيمان، كما أن الكذب من صفات أهل النفاق فقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم صفة الكذب الذي هو نقيض الصدق عن المؤمن فعن صفوان بن سليم: أنه قيل لرسول الله -صلى الله عليه و سلم- أيكون المؤمن جبانا؟ «قال: نعم قيل أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: نعم فقيل له أيكون المؤمن كذابا قال: لا»(31).

ومعنى الحديث أنه ليس من أخلاق المؤمن أن يكون كذابا يريد أنه لا يغلب عليه الكذب حتى لا يكاد يصدق لأن الكذب ليس من أخلاق المؤمنين(32).

والصدق من صفات أهل البر:

فقد أخبر تعالى عن أهل البر وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم: من الإيمان والإسلام والصدقة والصبر بأنهم أهل الصدق فقال: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177] وهذا صريح في أن الصدق بالأعمال الظاهرة والباطنة وأن الصدق هو مقام الإسلام والإيمان(33).

أتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم:

فهذا الخلق العظيم الالتزام به فيه امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يأمر بالصدق وينهى عن الكذب فقال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه ابن مسعود -رضي الله عنه-: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا»(34).

وفي حديث أبي سفيان بن حرب - رضي الله عنه- وحواره مع هرقل ملك الروم: "وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين"(35).

الصدق من أسباب الفلاح:

فمن أراد الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة فعليه بالصدق فقد جاء رجل كما في الحديث الذي رواه طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خمس صلوات في اليوم والليلة» فقال هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع» إلى أن قال: فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفلح إن صدق»(36).

والتاجر عندما يتحلى بالصدق يكون ذلك من أسباب الفلاح والفوز يوم القيامة فعن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده: أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال يا معشر التجار! فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق»(37).

وقال ابن عباس-رضي الله عنه-: أربع من كن فيه فقد ربح: الصدق، والحياء، وحسن الخلق، والشكر(38).

الصدق من أسباب حصول البركة:

فالصدق والالتزام به من أسباب السعادة وحصول البركات للإنسان، فنفع الصدق نفع عام دنيوي وأخروي كما سبق، ومن النفع الدنيوي حصول البركة لمن يتحلى بالصدق مصداق ذلك ما رواه حكيم بن حزام -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال حتى يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما»(39).

مدخل الصدق ومخرج الصدق ولسان الصدق وقدم الصدق ومقعد الصدق:

مدخل الصدق ومخرج الصدق: لقد أمر الله تعالى رسوله: أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً﴾ [الإسراء: 80] فمدخل الصدق ومخرج الصدق: أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا بالله وفي مرضاته بالظفر بالبغية وحصول المطلوب ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها ولا له ساق ثابتة يقوم عليها كمخرج أعدائه يوم بدر ومخرج الصدق كمخرجه هو وأصحابه في تلك الغزوة، وكذلك مدخله المدينة: كان مدخل صدق بالله ولله وابتغاء مرضاة الله فاتصل به التأييد والنصر، بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب فإنه لم يكن بالله ولا لله بل كان محادة لله ورسوله فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار(40).

لسان الصدق: وسأل الخليل -عليه السلام- ربه أن يجعل له لسان صدق قال سبحانه: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84].والمعنى واجعل لي في الناس ذكراً جميلاً وثناءً حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي(41).

فلسان الصدق: فهو الثناء الحسن عليه من سائر الأمم بالصدق ليس ثناء بالكذب كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّا﴾ [مريم: 50] والمراد باللسان ههنا: الثناء الحسن فلما كان الصدق باللسان وهو محله أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق جزاء وفاقا وعبر به عنه(42).

قدم صدق ومقعد صدق: وبشر الله عباده بأن لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ﴾ [يونس: 2], يقول ابن القيم -رحمه الله-: وأما قدم الصدق: ففسر بالجنة، وفسر بمحمد، وفسر بالأعمال الصالحة(43)، وحقيقة القدم ما قدموه وما يقدمون عليه يوم القيامة وهم قدموا الأعمال والإيمان بمحمد ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك، فالثلاثة قدم صدق.

مقعد الصدق: فهو الجنة عند الرب تبارك وتعالى. قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 55] قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: أي في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة دار كرامة الله ورضوانه وفضله وامتنانه وجوده وإحسانه(44).

ووصف ما سبق بالصدق مستلزم ثبوته واستقراره وأنه حق غير باطل ودائم غير زائل ونافع غير ضار وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل(45).

من علامات الصدق:

والصدق له علامات تدل عليه ولعل من أهمها ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم- فقد قيل للحسن بن علي: ما حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «دع ما يريبك إلى مالا يريبك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة»(46). فطمأنينة القلب إليه من العلامات الدالة على الصدق.

ومن العلامات صدق الرؤيا التي يراها المسلم، فصدق الرؤيا يدل على الصدق في الحديث فعن أبي هريرة- رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا، ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة»(47).

درجات الصدق:

وللصدق درجات ثلاث ذكرها صاحب المنازل الإمام الهروي:

الدرجة الأولى: صدق القصد قال ابن القيم-رحمه الله-: يعني بصدق القصد كمال العزم وقوة الإرادة بأن يكون في القلب داعية صادقة إلى السلوك وميل شديد يقهر السر على صحة التوجه فهو طلب لا يمازجه رياء ولا فتور ولا يكون فيه قسمة بحال ولا يصح الدخول في شأن السفر إلى الله والاستعداد للقائه إلا به(48).

الدرجة الثانية: أن لا يتمنى الحياة إلا للحق، ولا يشهد من نفسه إلا أثر النقصان، ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص، أي لا يحب أن يعيش إلا ليشبع من رضى محبوبه ويقوم بعبوديته ويستكثر من الأسباب التي تقر به إليه، وقوله: ولا يشهد من نفسه إلا أثر النقصان: يعني لا يرى نفسه إلا مقصرا والموجب له لهذه الرؤية: استعظام مطلوبه واستصغار نفسه ومعرفته بعيوبها وقلة زاده في عينه.

وأما قوله: ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص، فلأنه لكمال صدقه وقوة إرادته وطلبه للتقدم: يحمل نفسه على العزائم ولا يلتفت إلى الرفاهية التي في الرخص(49).

الدرجة الثالثة: الصدق في معرفة الصدق: فإن الصدق لا يستقيم في علم أهل الخصوص إلا على حرف واحد، وهو أن يتفق رضى الحق بعمل العبد أو حاله أو وقته، يقول ابن القيم: يعني أن الصدق المتحقق إنما يحصل لمن صدق في معرفة الصدق فكأنه قال: لا يحصل حال الصدق إلا بعد معرفة علم الصدق(50).

ويقسم الإمام الغزالى -رحمه الله- درجات الصدق إلى ست درجات نوجزها فيما يلي:

الصدق الأول: صدق اللسان وذلك لا يكون إلا في الإخبار أو فيما يتضمن الإخبار، والخبر إما أن يتعلق بالماضي أو بالمستقبل، وفيه يدخل الوفاء بالوعد والخلف فيه، ويقول-رحمه الله- وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه فلا يتكلم إلا بالصدق، وهذا هو أشهر أنواع الصدق، وأظهرها فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق.

الصدق الثاني: في النية والإرادة ويرجع ذلك إلى الإخلاص، وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى فإن مازجه شوب من حظوظ النفس بطل صدق النية.

الصدق الثالث: صدق العزم فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل فيقول في نفسه إن رزقني الله مالا تصدقت بجميعه أو بشطره، أو إن لقيت عدوا في سبيل الله تعالى قاتلت ولم أبال...، فهذه العزيمة قد يصادفها من نفسه وهى عزيمة جازمة صادقة، وقد يكون في عزمه نوع ميل وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة، والصادق والصديق هو الذي تصادف عزيمته في الخيرات كلها قوة تامة ليس فيها ميل ولا ضعف ولا تردد(51).

الصدق الرابع: في الوفاء بالعزم فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال إذ لا مشقة في الوعد والعزم

والمؤنة فيه خفيفة فإذا حقت الحقائق وحصل التمكن وهاجت الشهوات انحلت العزيمة وغلبت الشهوات، ولم يتفق الوفاء بالعزم وهذا يضاد الصدق فيه وقد ذكر له شواهد كثيرة- رحمه الله-.

الصدق الخامس: في الأعمال وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به لا بأن يترك الأعمال ولكن بأن يستجر الباطن إلى تصديق الظاهر.

الصدق السادس: وهو أعلى الدرجات وأعزها الصدق في مقامات الدين كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والحب وسائر هذه الأمور...

ويقول رحمه الله - بعد أن ذكر هذه الدرجات: ثم درجات الصدق لا نهاية لها وقد يكون للعبد صدق في بعض الأمور دون بعض فان كان صادقا في الجميع فهو الصديق حقا(52).

من أقوال السلف وأهل العلم في الصدق:

- قال نافع مولى ابن عمر -رضي الله عنه-: طاف ابن عمر سبعا، وصلى ركعتين فقال له رجل من قريش: ما أسرع ما طفت وصليت يا أبا عبد الرحمن،فقال: ابن عمر- رضي الله عنه- أنتم أكثر منا طوافا وصياما، ونحن خير منكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وإنجاز الوعد.

- وقيل للقمان الحكيم: ألست عبد بني فلان؟ قال: بلى, قيل: فما بلغ بك ما أرى قال: تقوى الله -عز وجل-، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني.

- وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: من كانت له عند الناس ثلاث وجبت له عليهم ثلاث من إذا حدثهم صدقهم، وإذا ائتمنوه لم يخنهم، وإذا وعدهم وفى لهم وجب له عليهم أن تحبه قلوبهم، وتنطق بالثناء عليه ألسنتهم، وتظهر له معونتهم(53).

- وقال أبو سليمان: اجعل الصدق مطيتك والحق سيفك والله تعالى غاية طلبتك.

- وعن محمد بن علي الكناني قال: وجدنا دين الله تعالى مبنيا على ثلاثة أركان على الحق، والصدق والعدل، فالحق على الجوارح، والعدل على القلوب، والصدق على العقول(54).

- وقال بعض الحكماء: الخرس خير من الكذب وصدق اللسان أول السعادة.

- وقال بعض البلغاء: الصادق مصان خليل، والكاذب مهان ذليل.

- وقال بعض الأدباء: لا سيف كالحق، ولا عون كالصدق(55).

- وقال الحسن البصري: لا تستقيم أمانة رجل حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه، وقال سعيد: كل الخصال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب (56).

- وقال بعضهم: من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقت قيل: وما الفرض الدائم قال: الصدق، وقيل: من طلب الله بالصدق أعطاه مرآة يبصر فيها الحق والباطل.

- وقيل: عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك، ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك(57).

فوائد وثمار الصدق:

- الصدق طريق الأبرار إلى الجنة.

- الصدق يرفع الأعمال ويعلي شأنها.

- الصدق دليل القوة والثقة بالنفس، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة»(58).

- الصادقون هم أحباب الله تعالى المقربون، ويحبهم الناس، ويثقون بهم، ويأتمنونهم في سائر معاملاتهم.

- الصدق من أعظم أسباب النجاة لمن تمسك به.

- رفقاء أهل الصدق هم النبيون والشهداء والصالحين وكفى بها رفقه(59).

فالصدق في الأقوال والأعمال، والصدق في الأحوال من أهم أعمال القلوب التي ينبغي للمسلم الاهتمام والعناية بها لمن أراد الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، فاحرص أخي رعاك الله على الصدق في الظاهر والباطن تكن من الفائزين، والله نسأل أن يجعلنا من الصادقين، وأن يلهمنا الرشد والصواب والتوفيق والسداد أنه على ما يشاء قدير، والحمد لله رب العالمين، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة، وصلى الله وسلم على إمام الموحدين الصادقين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

جمع وإعداد: خالد حسن محمد البعداني

بتاريخ: 11/ ربيع ثاني/ 1428هـ, الموفق: 28/ 4/ 2007م

مراجعة: علي عمر بلعجم 11/ 5/ 2007م.

________________________

(1) بدائع الفوائد: 3/ 710.

(2) المصدر السابق.

(3) الفوائد: 1/ 136.

(4) مدارج السالكين: 2/ 268.

(5) فقد اختلف أهل العلم في الذي جاء بالصدق وصدق به: فقيل الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: والصدق الذي جاء به: لا إله إلا الله والذي صدق به أيضا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: الذي جاء بالصدق: رسول الله صلى الله عليه وسلم والصدق: القرآن والمصدقون به: المؤمنون, وقيل: الذي جاء بالصدق, جبريل والصدق: القرآن الذي جاء به من عند الله وصدق به رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال مجاهد: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي صدق به علي بن أبي طالب وقال السدي: الذي جاء بالصدق جبريل والذي صدق به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال النخعي: الذي جاء بالصدق وصدق به هم المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة، وقيل إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله وأرشد إلى ما شرعه لعباده واختار هذا ابن جرير.أنظر تفسير الطبري: 11/ 4، وفتح القدير: 4/ 658.

(6) لسان العرب: 10/ 193، وانظر تاج العروس: 1/ 6418، وكتاب العين: 5/ 56.

(7) التعريفات: 1/ 174.

(8) مدارج السالكين: 2/ 270.

(9) أنيس الفقهاء: 1/ 216.

(10) أدب الدنيا والدين: 1/ 322.

(11) التعريفات 1/ 174.

(12) مدارج السالكين: 2/ 279.

(13) التعريفات: 1/ 28.

(14) المصدر السابق: 1/ 177.

(15) مدارج السالكين: 2/ 277.

(16) إحياء علوم الدين: 4/ 392.

(17) مدارج السالكين: 2/ 274.

(18) أدب الدين والدنيا: 1/ 323.

(19) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند: 5/ 323، برقم: 22809، وصحيح ابن حبان: 1/ 506، برقم: 271، وقال الألباني: صحيح لغيره أنظر صحيح الترغيب والترهيب: 2/ 189، برقم: 1901.

(20) أخرجه البخاري في صحيحه: 3/ 1188، برقم: 3083، ومسلم: 4/ 2177، برقم: 2831.

(21) إحياء علوم الدين: 4/ 387.

(22) فتح القدير: 3/ 292.

(23) مدارج السالكين: 2/ 269.

(24) تفسير القرطبي: 8/ 261.

(25) المصدر السابق.

(26) تفسير الطبري: 6/ 509.

(27) تفسير ابن كثير: 2/ 522.

(28) فتح القدير: 4/ 401.

(29) تفسير ابن كثير: 3/ 643.

(30) مدارج السالكين: 2/ 270.

(31) أخرجه مالك في الموطأ - رواية يحيى الليثي: 2/ 990، برقم: 1795، وشعب الإيمان: 4/ 207، 4812، وقال الألباني: ضعيف مرسل، ضعيف الترغيب والترهيب: 2/ 138، برقم: 1752، قال أبو عمر ابن عبد البر لا أحفظ هذا الحديث مسندا بهذا اللفظ من وجه ثابت وهو حديث حسن، التمهيد: 16/ 253.

(32) التمهيد: 16/ 253.

(33) مدارج السالكين: 2/ 269.

(34) صحيح البخاري: 5/ 2261، برقم: 5743، وصحيح مسلم: 4/ 2012، برقم: 2607، وهذا لفظ مسلم.

(35) صحيح البخاري: 1/ 7، برقم: 7.

(36) أخرجه البخاري: 1/ 25، برقم: 46، ومسلم: 1/ 40، برقم: 11

(37) أخرجه الترمذي: 3/ 515، برقم: 1210، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وسنن الدارمي: 2/ 322، برقم: 2538، وقال حسين سليم أسد: إسناده جيد، وقال الألباني: ضعيف، أنظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 1455، برقم: 14542.

(38) إحياء علوم الدين: 4/ 387.

(39) أخرجه البخاري في الصحيح: 2/ 732، برقم: 1973، ومسلم: 3/ 1164، برقم: 1532.

(40) باختصار من مدارج السالكين: 2/ 271.

(41) تفسير الطبري: 9/ 453. وانظر تفسير ابن كثير: 3/ 451، وفتح القدير: 4/ 152.

(42) مدارج السالكين: 2/ 271.

(43) اختلفوا في قوله قدم صدق: فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قدم صدق: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول، وقال العوفي عن ابن عباس: أجرا حسنا بما قدموا وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقيل: قدم صدق منزل صدق، وقيل: منزلة عالية، وقال مجاهد: الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم وكذا قال زيد بن أسلم ومقاتل بن حيان، واختاره ابن جرير،وقال قتادة سلف صدق عند ربهم، وقيل: دعوة الملائكة، وقيل: ولد صالح قدموه، وقيل غير ذلك، أنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري: 6/ 527، وتفسير ابن كثير: 2/ 534، وتفسير القرطبي: 8/ 278، وفتح القدير: 2/ 611، والوجيز للواحدي: 1/ 489.

(44) أنظر تفسير ابن كثير: 4/ 341، وفتح القدير: 5/ 183.

(45) بتصرف من مدارج السالكين: 2/ 272.

(46) أخرجه الترمذي: 4/ 668، برقم: 2518، مسند أحمد بن حنبل: 1/ 200، برقم: 1723 وقال الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 569، برقم: 5690.

(47) أخرجه مسلم: 4/ 1773، برقم: 2263.

(48) مدارج السالكين: 2/ 279.

(49) باختصار من المصدر السابق: 2/ 281.

(50) باختصار من المصدر السابق: 2/ 283.

(51) باختصار من إحياء علوم الدين: 4/ 389.

(52) باختصار من المصدر السابق: 4/ 392.

(53) أنظر هذه الأقوال في الآداب الشرعية: 1/ 53.

(54) إحياء علوم الدين: 4/ 387.

(55) أدب الدنيا والدين: 1/ 321.

(56) الآداب الشرعية: 1/ 53.

(57) مدارج السالكين: 2/ 279.

(58) أخرجه أحمد في المسند: 2/ 177، برقم: 6652، شعب الإيمان: 4/ 205، برقم: 4801، وقال الألباني: صحيح لغيره، انظر صحيح الترغيب والترهيب: 3/ 71، برقم: 2929.

(59) بتصرف يسير أنظر هذه الفوائد في نظرة النعيم: 6/ 2516.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: