الزهد
خالد حسن محمد البعداني
الجمعة 28 ديسمبر 2012

الزهد

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102], وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1], وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيما﴾ [الأحزاب70 - 71].

أعلم رحمك الله أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعات والأعمال الصالحات، وينقص بالمعاصي والسيئات، هذه الأعمال كثيرة ومتنوعة ولعل أهمها أعمال القلوب من خوف ورجاء، وتوكل وإنابة، ويقين وورع، والتوبة والإخبات، والإخلاص والمراقبة، وغيرها من أعمال القلوب ومن هذه الأعمال موضوع بحثنا هذا وهو الزهد وليس لي ولا لأمثالي الحديث عن الزهد وإنما هي ذكرى لعلنا ننتفع بها جميعاً، ففي هذه العجالة نتحدث إن شاء الله -تبارك وتعالى- عن تعريف الزهد وكلام السلف فيه، وعن درجاته وحقيقته، وما ورد في فضله من الآيات والأحاديث النبوية، ونقف فيه مع جملة من الأمثلة والنماذج الواردة عن سلف هذه الأمة، لعلها تكون لنا عبرة وعظة، فنستفيد منها ونسير على ما ساروا عليه.

ومما ينبغي أن يعلم قبل الحديث عن الزهد: أن باب الزهد من أنفع الأبواب لمن تدبره فإن الدنيا دار قلة وزوال ومنزل نقلة وارتحال، ومحل نائبة وامتحان ومتاع غرور وافتتان، فلا تيأس على ما فات منها ولا تفرح على ما وجد منها ولا تجزع على ولد أو نفس تموت ولا تحزن على أمر يفوت...(1).

تعريف الزهد:

الزهد في اللغة: الزهد ضد الرغبة، والتزهيد في الشيء وعن الشيء خلاف الترغيب فيه.

يقال: زَهَدَ فيه وعنه بمعنَى تَرَكَه وأَعرَض عنه، وقال الله تعالى: ﴿وكانُوا فيه منَ الزَّاهدينَ﴾ قال ثعلبٌ: اشتَرَوْه على زُهْد فيه.

ويأتي بمعنى القليل: فالزهد القلة في كل شيء, يقال عطاء زهيد أي قليل، وأَزْهَدَ الرجلُ إِزْهاداً إِذا كان مُزْهِداً لا يُرْغَبُ في ماله لقلته، وازْدَهَدَ العطاءَ استقلَّه، والمُزْهِدُ القليل المال.

وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفضل الناس مؤمن مُزْهِدٌ»(2)، المُزْهِد القليل الشيء ومنه حديث ساعة الجمعة «فجعل يُزَهِّدُها أَي يقللها»(3)، وفي حديث عليّ رضي الله عنه «إِنك لَزَهِيدٌ»(4).

والزَّهيدُ: القَليلُ والضَّيِّقُ الخُلُقِ كالزَّاهِدِ والقَليلُ الأَكْلِ والوادي الضَّيِّقُ، وازْدَهَدَهُ: عَدَّهُ قليلاً. وقال الأَزْهَريُّ: رجل زَهيدُ العَيْنِ إذا كَأن يُقْنِعه القَليلُ ورَغِيبُ العَيْنِ إذا كَأن لا يُقْنِعُه إلا الكَثيرُ(5).

ويأتي بمعنى التعبد: يقال فلان يتزهد أَي يتعبد والزُّهدُ في الدّين خاصةً, والزهادة في الأشياء كلها(6).

فالزهد في اللغة هو ترك الميل إلى الشيء، وقلة الرغبة فيه.

الزهد في الاصطلاح: اختلفت عبارات أهل العلم في تعريف الزهد مع تقارب المعاني فقد قيل في تعريفه: بغض الدنيا والإعراض عنها.

وقيل هو ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة، وقيل أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك(7).

ومن أصوب ما قيل فيه أنه: أخذ أقل الكفاية مما تُيقن حله، وترك الزائد على ذلك لله تبارك وتعالى(8).

وقد تنوعت عبارات السلف الصالح في كلامهم على الزهد ومعانيها متقاربه نذكر طرفاً منها فقد قال الإمام سفيان الثوري- رحمه الله-: الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء.

وقال ابن الجلاء: الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال فتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها.

وقال ابن خفيف- رحمه الله-: الزهد سلو القلب عن الأسباب ونفض الأيدي من الأملاك.

وقال الجنيد -رحمه الله-: الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد.

وقال عبد الواحد بن زيد الزهد: الزهد في الدينار والدرهم.

وقال عبد الله بن المبارك: هو الثقة بالله مع حب الفقر، وهذا قول شقيق ويوسف بن أسباط(9).

قلت: الزهد يكون مع الغنى كما كان حال بعض الأنبياء عليهم السلام وسيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، وبعض الأئمة الصالحين، ويكون مع الفقر.

ومن أجمع الكلام في الزهد ما قاله الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: الزهد على ثلاثة أوجه:

الأول: ترك الحرام وهو زهد العوام, والثاني: ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص, والثالث: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين.

يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- معلقاً على هذا الكلام: وهذا الكلام من الإمام أحمد يأتي على جميع ما تقدم من كلام المشايخ مع زيادة تفصيله وتبيين درجاته، وهو من أجمع الكلام وهو يدل على أنه -رضي الله عنه- من هذا العلم بالمحل الأعلى، وقد شهد الشافعي -رحمه الله- بإمامته في ثمانية أشياء أحدها الزهد(10).

ويقول الإمام الغزالي -رحمه الله- ومعنى الزهد أن يملك العبد شهوته وغضبه فينقادان لباعث الدين وإشارة الإيمان وهذا ملك بالاستحقاق إذ به يصير صاحبه حراً، وباستيلاء الشهوة عليه يصير عبدا لفرجه وبطنه وسائر أغراضه فيكون مسخرا مثل البهيمة... ومثل هذا هل يكون إلا معكوسا في الدنيا منكوسا في الآخرة(11).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: والزهد المشروع ترك ما لا ينفع في الدار الآخرة، وأما كل ما يستعين به العبد على طاعة الله فليس تركه من الزهد المشروع(12).

وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله- بعد أن ذكر طرفا من كلام أهل العلم في الزهد: والذي أجمع عليه العارفون: أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه في منازل الآخرة(13).

ويقول -رحمه الله-: "ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن أو غيره: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال؛ ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك فهذا من أجمع كلام في الزهد وأحسنه"(14).

فضل الزهد:

والزهد الذي هو من أهم أعمال القلوب، لا شك أن فضله عظيم قد وردت فيه آيات وأحاديث كثيرة.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: 78-80] ففي هذه الآية نسب الزهد إلى العلماء ووصف أهله بالعلم وهو غاية الثناء.

والزهد من صفات أهل الإيمان قال سبحانه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20], وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131].

قال الإمام الغزالي -رحمه الله-: "فوصف الكفار بذلك فمفهومه أن المؤمن هو الذي يتصف بنقيضه وهو أن يستحب الآخرة على الحياة الدنيا"(15).

حصول الراحة والاطمئنان لأهله قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 23].

وقد ورد في القرآن الكريم كثير من الآيات التي تبين حقارة الدنيا وحقيقتها التي يغتر بها كثير من الناس، ليزهد الإنسان في هذا الدنيا فهي دار فناء، ويعمل لدار البقاء والإقامة قال سبحانه وتعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14].

فالدنيا القليل منها والكفاف منها ينفع، والزائد منها مضر مهلك، فينبغي على الإنسان التقليل من الدنيا قال عز وجل: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 34].

وقد ضرب الله - عز وجل- كثير من الأمثلة التي تبين حقارة هذه الدنيا وأنها زائلة ليزهد فيها ويرغب بما عنده من الرضوان والنعيم المقيم قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: 45-46].

وقال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور﴾ [الحديد: 20].

ففي هذه الآية ضُرب لهم مثلُ الحياة الدنيا بحالٍ محقَّرةٍ على أنها زائلة تحقيراً لحاصلها وتزهيداً فيها لأن التعلق بها يعوق عن الفَلاَح(16).

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: 5], وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ [النساء: 77].

فالاستمتاع بالدنيا قليل والتمتع بها قليل من قليل، وثواب الآخرة خير وأفضل لمن اتقى المعاصي، وأقبل على الطاعات(17).

والآيات التي تتحدث عن الزهد في الدنيا والحث على التقليل منها كثيرة ومشهورة.

الهدي النبوي: وفي السنة النبوية الكثير من الهدي النبوي في التحذير من الدنيا، والانغماس فيها، وبيان حقيقتها الشيء الكثير نقف مع بعضها:

ففيه التحذير من الدنيا والتنافس فيها:

فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله فقال: «إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها»(18).

والمراد بزهرة الدنيا بهجتها ونضارتها وحسنها، والتنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشيء ومحبة الانفراد به والمغالبة عليه وأصلها من الشيء النفيس في نوعه.

وفي هذا الحديث أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها وشر فتنتها فلا يطمئن إلى زخرفها ولا ينافس غيره فيها(19)، فالزهد في الدنيا خير من التنافس فيها؛ لأن التنافس في الدنيا يؤدي إلى الهلاك كما ورد في الروايات الأخرى.

فعن عمرو بن عوف الأنصاري- رضي الله عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافت صلاة الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما صلى بهم الفجر انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم وقال: «أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء». قالوا أجل يا رسول الله قال: «فأبشروا وأملوا ما يسركم فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم»(20).

وعن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه-: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء»(21).

ففيه التحذير من الاغترار بالدنيا فالدنيا حلوة خضرة أي مشتهاة مونقة تعجب الناظرين فمن استكثر منها أهلكته كالبهيمة إذا أكثرت من رعي الزرع الأخضر أهلكها ففي تشبيه الدنيا بالخضرة التي ترعاها الأنعام إشارة إلى أن المستكثر منها كالبهائم فعلى العاقل القنع بما تدعو الحاجة منها، وتجنب الإفراط والتفريط في تناولها فهي حلوة المذاق صعبة الفراق(22).

ومن الهدي النبوي بيان حقيقة الدنيا:

عن المستورد بن شداد -رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار بالسبابة - في اليم فلينظر بم يرجع»(23).

يقول في الفتح: فالدنيا بالنسبة إلى الآخرة لا قدر لها وإنما أورد ذلك على سبيل التمثيل والتقريب وإلا فلا نسبة بين المتناهي وبين ما لا يتناهى والى ذلك الإشارة بقوله فلينظر بم يرجع ووجهه أن القدر الذي يتعلق بالأصبع من ماء البحر لا قدر له وكذلك الدنيا بالنسبة إلى الآخرة، والحاصل أن الدنيا كالماء الذي يعلق في الأصبع من البحر والآخرة كسائر البحر(24)، فالعاقل من يعلم قدرها فيزهد فيها.

والنبي صلى الله عليه وسلم يحب الخير لأمته فيرشدها إلى كل خير وهدى، ويستغل كل حدث ليقدم لها من الخير والنصح ما يحصل به لها السعادة، وكان صلى الله عليه وسلم يضرب لها الأمثلة المشاهدة التي تبين حقيقة الدنيا لتكون أبلغ وأنفع فعن جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق داخلا من بعض العالية والناس كنفته فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟» فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ «قال أتحبون أنه لكم؟» قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت؟ «فقال فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (25).

ويبين النبي صلى الله عليه وسلم حقارة الدنيا وقلتها في الحديث الذي رواه سهل بن سعد- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا من شربة ماء»(26).

والمعنى أنه لو كان لها أدنى قدر «ما سقى كافرا منها» أي من مياه الدنيا «شربة ماء» أي يمتع الكافر منها أدنى تمتع فإن الكافر عدو الله والعدو لا يعطي شيئا مما له قدر عند المعطي فمن حقارتها عنده لا يعطيها لأوليائه(27).

ومن النصائح النبوية:

فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وكان ابن عمر يقول إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك(28).

قال جماعة من العلماء في تفسير هذا الحديث: "لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنا ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا تغتر بها فإنها غرارة خداعة، ولا تتعلق إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها إلا بما يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله"(29).

ومن النصائح النبوية ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم»(30).

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة»(31).

نماذج عملية من إمام الزاهدين:

فعن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال: «ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه»(32)، والدقل هو التمر الرديء.

وعن عائشة-رضي الله عنها- قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر من شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني»(33).

وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لعروة: «ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نار، فقلت يا خالة ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان ـ التمر والماء ـ إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كانت لهم منائح وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فيسقينا»(34).

ففي هذا الحديث زهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والصبر على التقلل وأخذ البلغة من العيش وإيثار الآخرة على الدنيا(35).

وعن عمرو بن الحارث: ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخي جويرية بنت الحارث قال: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة.»(36).

فما أجمل هذه الصور من إمام الزاهدين وخير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم الذي لو أراد أن تكون جبال أحد ذهباً لكان ذلك، لكنه مات ولم يترك ديناراً ولا درهماً.

من وصايا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:

فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على التقلل من الدنيا والزهد فيها، وعدم التنافس فيها، وأن من أسباب المحبة الزهد فيها فعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك»(37).

فقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل إلى تركها بالزهد فيها ووعد على ذلك حب الله تعالى، وأرشده إلى الزهد فيما في أيدي الناس إن أراد محبة الناس له وترك حب الدنيا فإنه ليس في أيدي الناس شيء يتباغضون عليه ويتنافسون فيه إلا الدنيا(38).

وهذا الحديث عده أبو داود السختياني -رحمه الله- من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام(39).

وفي هذا الحديث يقول الإمام الغزالي-رحمه الله-: فجعل الزهد سببا للمحبة فمن أحبه الله تعالى فهو في أعلى الدرجات فينبغي أن يكون الزهد في الدنيا من أفضل المقامات ومفهومه أيضا أن من محب الدنيا متعرض لبغض الله تعالى(40).

والحديث عن زاهد ووصايا سيد الزاهدين محمد صلى الله عليه وسلم يطول فيها المقام والمقصود التمثيل لا الحصر والاستقصاء.

أقسام الزهد وحقيقته:

ويقسم أهل العلم الزهد إلى أقسام كثيرة يرجع في كثير منها إلى الموضوع الذي يرغب فيه الزهد فمن أقسام الزهد.

1- زهد في الحرام: وهذا الزهد فرض عين، وهو زهد العوام كما سبق وذكر عن الإمام أحمد في أول البحث.

2- زهد في الشبهات: وهو بحسب مراتب الشبهة فان قويت التحقت بالواجب، وإن ضعفت كان مستحبا، وهو زهد السلامة كما سيأتي عن إبراهيم بن ادهم.

3- زهد الفضول: وهو الزهد في ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص.

4- وزهد فيما لا يعنى من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره.

5- وزهد في الناس وزهد في النفس بحيث تهون عليه نفسه في الله.

6- والزهد الجامع لهذا كله هو الزهد فيما سوى الله وفى كل ما شغلك عنه، وهو زهد العارفين(41).

يقول الإمام إبراهيم بن أدهم الزهد ثلاثة أصناف فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة

قال فزهد الفرض الزهد في الحرام، والزهد الفضل الزهد في الحلال، والزهد السلامة الزهد في الشبهات(42).

وحقيقة الزهد:

كما يقول الإمام الغزالي -رحمه الله-: هي عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه فكل من عدل عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فإنما عدل عنه لرغبته عنه- يسمى زاهد-، وإنما عدل إلى غيره لرغبته في غيره -يسمى رغبة وحبا-... وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضا مرغوبا فيه بوجه من الوجوه فمن رغب عما ليس مطلوبا في نفسه لا يسمى زاهدا إذ تارك الحجر والتراب وما أشبهه لا يسمى زاهدا وإنما يسمى زاهدا من ترك الدراهم والدنانير لأن التراب والحجر ليسا في مظنة الرغبة، وشرط المرغوب فيه أن يكون عنده خيرا من المرغوب عنه فالبائع لا يقدم على البيع إلا والمشتري عنده خير من المبيع فيكون حاله بالإضافة إلى المبيع زهدا فيه(43).

فالزهد الحقيقي هو الزهد عن الدنيا عندما تنبسط لك، وتفتح لك أبوابها فالزاهد الحقيقي هو من أمثال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- جاءته الدنيا منقادة حتى صارت في يده فأعرض عنها، لذلك يقول مالك بن دينار: "يقولون عني: زاهد، وإنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها"(44).

فمتى يكون الإنسان من الزاهدين؟

يجيب عن هذا السؤال الإمام العلامة ابن القيم -رحمه الله- بقوله: لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها وهي المال والصور والرياسة والناس والنفس وكل ما دون الله، ولا يعني هذا رفض الدنيا، ورفض ما فيها من مال وملك ورياسة فقد كان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما ولهما من المال والملك والنساء ما لهما، وكان نبينا من أزهد البشر على الإطلاق وله تسع نسوة، وكان علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان رضي الله عنهم من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال، وكان الحسن بن علي رضي الله عنه من الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحا لهن وأغناهم وهكذا عبدالله بن المبارك وغيره من الأئمة الزهاد(45).

من كلام السلف في الزهد:

ومن أقوال السلف -رحمهم الله تعالى- في الزهد وبيان حقيقة الدنيا نذكر نماذج فهي من الزاد الذي يتزود به السائر في هذه الحياة الدنيا، وهي مصابيح يستنير بها الإنسان يقول سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الزهد في الدنيا راحة القلب والجسد(46).

وقال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات(47).

وقال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: لئن حلفتم لي على رجل أنه أزهدكم لأحلفن لكم أنه خيركم(48).

ويقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: ركعتين من زاهد قلبه خير له وأحب إلى الله من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا(49).

ويقول -رضي الله عنه- لأصحابه: أنتم أكثر صلاة وصوما وجهادا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيرا منكم قالوا كيف ذلك؟ قال كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة(50).

وقال إبراهيم ابن أدهم- رحمه الله-: قد حجبت قلوبنا بثلاثة أغطية فلن يكشف للعبد اليقين حتى ترفع هذه الحجب الفرح بالموجود والحزن على المفقود والسرور بالمدح فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط والساخط معذب وإذا سررت بالمدح فأنت معجب والعجب يحبط العمل(51).

وقال الحسن البصري -رحمه الله-: والذي نفسي بيده لقد أدركت أقواما كانت الدنيا عليهم أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه(52).

وقال رجل لسفيان: أشتهى أن أرى عالما زاهدا؟ فقال: ويحك تلك ضالة لا توجد.

وقال وهب بن منبه: إن للجنة ثمانية أبواب فإذا صار أهل الجنة إليها جعل البوابون يقولون وعزة ربنا لا يدخلها أحد قبل الزاهدين في الدنيا العاشقين للجنة.

وقال بلال بن سعد: كفى به ذنبا أن الله تعالى يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها.

وقالت امرأة أبي حازم لأبي حازم هذا الشتاء قد هجم علينا ولا بد لنا من الطعام والثياب والحطب فقال لها أبو حازم: من هذا كله بد ولكن لا بد لنا من الموت ثم البعث ثم الوقوف بين يدي الله تعالى ثم الجنة أو النار(53). والكلام في هذا الباب يطول جداً وفيما أشرنا إليه كفاية إن شاء الله تعالى.

أمثلة في الزهد:

وهذا بحر لا ساحل له والأمثلة فيه كثيرة لا يسع المقام لها وقد ذكرنا قريباً نماذج من زهد سيد الزاهدين محمد صلى الله عليه وسلم، ونذكر هنا بعض أمثلة الزهد من السلف الصالح مبتدئين الحديث عن الخليفة الراشد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- فعن رافع بن أبي رافع الطائي قال رافقت أبا بكر في غزوة ذات السلاسل وعليه كساء له فدكى يخله عليه إذا ركب ونلبسه أنا وهو إذا نزلنا(54).

وعن عبد الله اليمني مولى الزبير بن العوام قال لما احتضر أبو بكر رضي الله عنه تمثلت عائشة رضي الله عنها بهذا البيت:

أعاذل ما يغنى الحذار عن الفتى *** إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

فقال أبو بكر رضي الله عنه ليس كذلك يا بنية ولكن قولي: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19] فقال انظروا ثوبي هذين فاغسلوها ثم كفنوني فيهما فان الحي أحوج إلى الجديد من الميت(55).

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت والله ما ترك أبو بكر دينارا ولا درهما(56).

وكان لأبي بكر -رضي الله عنه- غلام فكان إذا جاء لغلته لم يأكل من غلته حتى يسأله فإن كان شيئا مما يحب أكل، وإن كان شيئا يكره لم يأكل قال ننسى ليلة فأكل ولم يسأله ثم سأله فاخبره أنه من شيء كرهه فأدخل يده فتقيأ(57).

وهذا الحسن يحدثنا عن عثمان -رضي الله عنه- قال رأيت عثمان نائما في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين(58).

وعن علي -رضي الله عنه- قال إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتين طول الأمل وإتباع الهوى فأما طول الأمل فينسى الآخرة، وأما إتباع الهوى فيصد عن الحق الأوان الدنيا قد ولت مدبرة والآخرة مقبله ولكل واحد منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا(59).

وكان عطاء سلمان -رضي الله عنه- خمسة آلاف درهم وكان أميراً على زهاء ثلاثين ألفا من المسلمين وكان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها فإذا خرج عطاؤه أمضاه ويأكل من سفيف يديه(60).

وبعث حبيب بن أبي سلمة إلى أبي ذر -رضي الله عنه- وهو أمير الشام بثلاثمائة دينار قال استعن بها على حاجتك فقال أبو ذر -رحمه الله- أرجع بها إليه أما وجد أحدا اغربا لله منا ما لنا إلا ظل نتوارى به، وثلة من غنم تروح علينا، ومولاة لنا تصدقت علينا بخدمتها ثم أنا أتخوف الفضل(61).

وروي أن محمد بن سليمان الهاشمي كان يملك من غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم فكتب إلى أهل البصرة وعلمائها في امرأة يتزوجها فأجمعوا كلهم على رابعة العدوية رحمها الله تعالى فكتب إليها بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله تعالى قد ملكني من غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم وليس تمضي الأيام والليالي حتى أتمها مائة ألف وأنا أصير لك مثلها ومثلها فأجيبيني فكتبت إليه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن والرغبة فيها تورث الهم والحزن فإذا أتاك كتابي هذا فهيئ زادك وقدم لمعادك وكن وصي نفسك...(62).

ونختم الحديث عن الزهد بذكر ثماره وفوائده التي يجنيها أهل الزهد:

1- القناعة, فالزهد يغرس في النفس القناعة.

2- قطع العلائق فالزهد يصرف المسلم عن التعلق بالملذات الفانية، والعمل من أجل النعيم المقيم، فيحب الإنفاق في سبيل الله، وعدم التعلق بالدنيا.

3- كبح جماح النفس إلى الشهوات والملذات.

4- محبة الله -عز وجل- فالزاهد يحبه الله ويقربه إليه.

5- محبة الناس لأن الزاهد لا يزحم الناس في دنياهم فيحبه الناس لذلك.

6- التأسي بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وبصحبه الكرام.

7- الراحة في الدنيا والسعادة في الآخرة(63).

فأنت أيها الإنسان في هذه الدار الفانية ضيف وما في يدك من المتاع والنعيم هو عارية، فالضيف مرتحل والعارية مردود فزهد في الدنيا لأن من أحب دنياه أضر بآخرته،وزهد في الدنيا يحبك الله والناس.

واعلم أنه ليس لك من الدنيا إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت فعن عبد الله بن الشخير-رضي الله عنه- قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: 1] قال: «يقول ابن آدم مالي مالي، قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟»(64).

والمعلوم أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، والزهد من أهم أعمال القلوب التي تزيد الإيمان في القلب وتجعل هذا القلب عامراً بالإيمان وعمل الصالحات، والحديث عن الزهد وتعريفه، وعن فضله والأمثلة عليه، وعن إمام الزاهدين ووصياه، والحديث عن حقيقة الزهد وأقسامه، وكلام السلف عنه، وثماره وفوائده التي يجنيها الزاهد في الدنيا والآخرة يطول فيها المقام, والمهم العمل فالكلام كثير والعمل قليل نسأل من المولى -عز وجل- أن يجعلنا من الزاهدين الفائزين في الدنيا والآخرة، وأن يلهمنا الرشد والصواب والتوفيق والسداد أنه على ما يشاء قدير والحمد لله رب العالمين, والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة، وصلى الله وسلم على إمام الزاهدين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

جمع وإعداد: خالد حسن محمد البعداني

بتاريخ: 12/ ربيع أول/ 1428هـ, الموفق: 30/ 3/ 2007م.

مراجعة: علي عمر بلعجم. 20/ 4/ 2007م.

_________________________

(1) تسلية أهل المصائب: 1/ 307.

(2) الحديث بهذه اللفظ ضعيف أنظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 297، برقم: 2968. وقوله مؤمن مزهد في صحيح مسلم: 3/ 1285، برقم: 1666، من كلام كعب -رضي الله عنه- ونصه: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أدى العبد حق الله وحق مواليه كان له أجران» قال فحدثتها كعبا فقال كعب ليس عليه حساب ولا على مؤمن مزهد" والمزهد قليل المال.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه: 5/ 2350، برقم: 6037، ومسلم في صحيحه: 2/ 583، برقم: 852، ونصه: عن أبي هريرة قال قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله خيرا إلا أعطاه إياه» وقال بيده يقللها يزهدها.

(4) جزء من حديث أخرجه الترمذي في سننه: 5/ 406، برقم: 3300، وابن حبان في صحيحه: 15/ 390، برقم: 6941، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف.

(5) تاج العروس: 1/ 2012.

(6) أنظر في معنى الزهد لسان العرب: 3/ 196، والقاموس المحيط: 1/ 365، وتاج العروس: 1/ 2011، وكتاب العين: 4/ 12.

(7) أنظر هذه التعاريف في التعريفات: 1/ 153، والتعاريف: 1/ 390.

(8) تاج العروس: 1/ 2011.

(9) أنظر مدارج السالكين: 2/ 10، وما بعدها.

(10) المصدر السابق: 2/ 12.

(11) باختصار من إحياء علوم الدين: 4/ 79.

(12) مجموع الفتاوى: 11/ 28.

(13) مدارج السالكين: 2/ 12.

(14) المصدر السابق: 2/ 13.

(15) إحياء علوم الدين: 4/ 219.

(16) التحرير والتنوير: 14/ 409.

(17) تسلية أهل المصائب: 1/ 307.

(18) أخرجه البخاري في صحيحه: 2/ 532، برقم: 1396، ومسلم في صحيحه: 2/ 727، برقم: 1052.

(19) فتح الباري - ابن حجر: 11/ 245.

(20) أخرجه مسلم في صحيحه: 4/ 2098، برقم: 2742.

(21) أخرجه البخاري في صحيحه: 3/ 1152، برقم: 2988، ومسلم: 4/ 2273، برقم: 2961.

(22) بتصرف من فيض القدير: 3/ 544.

(23) أخرجه مسلم في صحيحه: 4/ 2193، برقم: 2858.

(24) فتح الباري - ابن حجر: 11/ 232

(25) أخرجه مسلم في صحيحه: 4/ 2272، برقم: 2957، وقوله: كنفته: جانبه، وأسك: صغير الأذنين.

(26) أخرجه الترمذي: 4/ 560، برقم: 2320، وابن ماجه: 2/ 1376، برقم: 4110، وقال الألباني: صحيح، أنظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 943، برقم: 9423.

(27) تحفة الأحوذي: 6/ 503.

(28) أخرجه البخاري في صحيحه: 5/ 2358، برقم: 6053.

(29) تسلية أهل المصائب: 1/ 307.

(30) أخرجه الترمذي في السنن: 4/ 665، برقم: 2513، وابن ماجة في السنن: 2/ 1387، برقم: 4142.وقال الألباني: صحيح، أنظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 239، برقم: 2387.

(31) أخرجه ابن ماجه في السنن: 2/ 1375، برقم: 4105، وبنحوه عند الطبراني في المعجم الكبير: 11/ 266، برقم: 11690، وقال الشيخ الألباني: صحيح، أنظر صحيح ابن ماجة: 2/ 393، برقم: 3313.

(32) أخرجه مسلم في صحيحه: 4/ 2284، برقم: 2977.

(33) أخرجه البخاري في صحيحه: 3/ 1129، برقم: 2930، ومسلم في صحيحه: 4/ 2282، برقم: 2973.

(34) صحيح البخاري: 2/ 907، برقم: 2428، وصحيح مسلم: 4/ 2282، برقم: 2972.

(35) عمدة القاري: 13/ 127.

(36) صحيح البخاري: 3/ 1005، برقم: 2588.

(37) سنن ابن ماجه: 2/ 1373، برقم: 4102، المعجم الكبير: 6/ 193، برقم: 5972، وقال الألباني: صحيح، أنظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 93، برقم: 924.

(38) شرح الأربعين نووية ابن دقيق العيد: 1/ 80.

(39) شرح النووي على مسلم: 11/ 27.

(40) إحياء علوم الدين: 4/ 220.

(41) الفوائد: 1/ 118.

(42) الزهد وصفة الزاهدين: 1/ 22.

(43) تحفة العلماء بترتيب سير أعلام النبلاء: ص: 449.

(44) بتصرف يسير من: إحياء علوم الدين: 4/ 217.

(45) المصدر السابق.

(46) إحياء علوم الدين: 4/ 224.

(47) تسلية أهل المصائب: 1/ 314.

(48) جامع العلوم والحكم: 1/ 300.

(49) إحياء علوم الدين: 4/ 225.

(50) جامع العلوم والحكم: 1/ 300.

(51) إحياء علوم الدين: 4/ 225.

(52) تسلية أهل المصائب: 1/ 314.

(53) أنظر هذه الأقوال إحياء علوم الدين: 4/ 224.

(54) مدارج السالكين: 2/ 13.

(55) الزهد لابن حنبل: 1/ 109.

(56) سنن البيهقي الكبرى: 4/ 51، برقم: 6828.

(57) انظر معنى القصة في شعب الإيمان: 5/ 56.

(58) حلية الأولياء: 1/ 60.

(59) شعب الإيمان: 7/ 369.

(60) الزهد لابن حنبل: 1/ 150.

(61) المصدر السابق: 1/ 147.

(62) إحياء علوم الدين: 3/ 103.

(63) أنظر هذه الثمار في نظرة النعيم: 6/ 2234.

(64) أخرجه مسلم في صحيحه: 4/ 2273، برقم: 2958.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: