بسم الله الرحمن الرحيم
مخاطر التفرق
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه
وبعد
فنحن أمة واحدة نتوجه إلى قبلة واحدة والفروض الواجبة
علينا جميعاً واحدة ونسبنا واحد وقد أمرنا الله بالاجتماع ونهانا عن التفرق فإذا
ما تفرقنا لأسبابٍ داخليةٍ أو خارجيةٍ ماذا ستكون النتيجة؟ سنتعرض للمخاطر، وقد
نهانا الله عن التفرق في كثير من الآيات منها:
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ
مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا
نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ
فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
* وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ
تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ
عَذابٌ عَظِيمٌ﴾[آل عمران: 102-
105]
وقال تعالى﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا
تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]
وقال تعالى ﴿مُنِيبِينَ
إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ*مِنَ
الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾[الروم: 31-32]
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ
مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا
بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ
يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما
جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى
أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ
لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾[الشورى: 13-14]
وقد جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم النهي عن التفرق
والتحذير منه في أحاديث كثيرة ومنها ما يأتي:
حديث أبي هريرة- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى
اللّه عليه وسلّم: "إنّ اللّه يرضى لكم ثلاثا، ويكره
لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا
تفرّقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السّؤال وإضاعة المال"(1).
وعن حذيفة قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "من فارق الجماعة، واستذلّ الإمارة، لقي اللّه ولا وجه
له عنده"(2).
وعن عرفجة- رضي اللّه عنه- قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه
عليه وسلّم يقول: "إنّه ستكون هنات وهنات(3) فمن
أراد أن يفرّق أمر هذه الأمّة، وهي جميع، فاضربوه بالسّيف(4) كائنا
من كان
(5)".
وعن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: خطبنا عمر بالجابية فقال:
يا أيّها النّاس إنّي قمت فيكم كمقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فينا فقال: "أوصيكم بأصحابي، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم،
ثمّ يفشو الكذب حتّى يحلف الرّجل ولا يستحلف، ويشهد الشّاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلونّ
رجل بامرأة إلّا كان ثالثهما الشّيطان، عليكم بالجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشّيطان
مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنّة فليلزم الجماعة، من سرّته حسنته
وساءته سيّئته فذلك المؤمن"
(6).
وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه
وسلّم أنّه قال: "من خرج من الطّاعة، وفارق الجماعة،
فمات، مات ميتة جاهليّة(7). ومن قاتل تحت راية عمّيّة(8)، يغضب لعصبة(9)، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلة جاهليّة،
ومن خرج على أمّتي، يضرب برّها وفاجرها. ولا يتحاش(10) من مؤمنها،
ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منّي ولست منه"(11).
وعن جابر- رضي اللّه عنه- قال: سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه
وسلّم يقول: "إنّ الشّيطان قد أيس أن يعبده المصلّون
في جزيرة العرب، ولكن في التّحريش(12) بينهم(13)".
والتفرق يؤدي إلى الضعف وهو مأخوذ من مادّة (ض ع ف) الّتي تدلّ على خلاف القوّة، وقال تعالى محذراً
لنا: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ
رِيحُكُمْ ..﴾[الأنفال: 46]، وحذرهم
من أن يؤدي بهم الاختلاف إلى الفرقة كما حدث للذين من قبلهم: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ﴾[آل عمران: 105] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
يقول الأستاذ عبد القادر عودة رحمه الله: «لقد صنع الإسلام للوحدة الإسلامية كل ما يقتضيه التوحيد، وأقام الوحدة على
دعائم ثابتة لا يتطرق إليها الخلل ما دام المسلمون متمسكين بدينهم حريصين على طاعة
ربهم ، وحَّد الإسلام بين المسلمين جميعًا بما أوجب عليهم من الإيمان برب واحد، والخضوع
لإله واحد، وإتباع كتاب واحد، ومشرع واحد، وبما جعل للأمة الإسلامية على تعدد أفرادها
من هدف واحد وتفكير واحد ومنهج واحد، وبما طبع عليه المسلمين من آداب وأخلاق موحدة،
وبما جعل الأمة كلها من قبلة واحدة، وسياسة واحدة، وسلوك واحد، وأمر لا يختلف على أصوله
اثنان»(14)
والتفرق يؤدي
إلى تسلط الأعداء:
فقد جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يشير إلى ذلك
التسلط وسببه، فعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: قال رسول الله صلى
الله عليه و سلم: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم من
كل أفق كما تداعى الآكلة على قصعتها قال قلنا يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟ قال
أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في
قلوبكم الوهن قال قلنا وما الوهن؟ قال حب الحياة وكراهية الموت(15)".
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خمس بخمس ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم وما حكموا
بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ولا
طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر(16)".
وتسلط الأعداء يكون حسب ما نشاهده في الدول المتسلط
عليها بالآتي:
بأخذهم خيرات البلاد، ونهبهم لها، وتسلطهم عليها، وخنقهم
للأمة الإسلامية، واعتدائهم على أموالها وبلادها وأعراضها ودمائها وأنفسها، فيتحكمون
فيها، وفي اقتصادها كما يشاءون، ويفرضون فيها من النظم الاقتصادية الكافرة ما يشاءون،
أو في سياستها فيوجهونها وفق ما يخدم أغراضهم ومآربهم، أو في خيراتها وبترولها ومعادنها
ونفائس ما وضع الله تعالى فيها من خيرات، أو تسلطهم على أموال المسلمين، أو تسلطهم
على أنفس المسلمين، حيث يقتلونهم قتل عاد وإرم، كما نسمع مما يقع للمسلمين في بلاد
فلسطين أو في أفغانستان أو في إريتريا أو في الفلبين أو في غيرها من بلاد الشرق والغرب؛
حيث أصبح سيف الكفار مسلطاً على رقاب المسلمين في أكثر بقاع الأرض.
والتفرق يؤدي إلى الضعف وإلى الذلة وإلى التنازع
فمن مضار ومظاهر (الوهن)(17) والذل والتنازع على الفرد والدولة الإسلامية ككل ما يأتي:
-
يجلب بغض اللّه ورسوله.
-
يدخل العدوّ من كلّ جانب.
- يسهّل هتك الأعراض وسفك الدّماء واغتصاب الأموال.
- يضيّع الأمّة ويشرّد أبناءها.
- يملأ الأرض خرابا بعد أن كانت عامرة بأهلها.
- يورث الذّلّ والهوان على اللّه ثمّ على النّاس.
- دليل على ضعف الإيمان وقلّة اليقين.
- طريق يؤدّي إلى تفكّك المجتمعات وتفريق الجماعات.
- مظهر من مظاهر سوء الخلق.
- الذّليل غير مهيب فردا كان أو دولة.
- الذّليل ضعيف الهمّة لا عزيمة عنده يدفع بها الهوان عن
نفسه.
- الذّليل يمقته أفراد مجتمعه وينبذونه.
- من يتبع الباطل في الحياة الدّنيا يعرض على النّار ذليلا
في الآخرة.
- سبب الذّلّ ارتكاب المعاصي وعدم التّمسّك بأخلاق الإسلام.
- يؤدّي إلى الفشل وضعف القوّة وذهاب الرّيح
والهزيمة.
- يؤدّي إلى الكره والبغضاء بين النّاس.
- خسارة في الدّنيا وعذاب في الآخرة.
- التّنازع يضعف قوّة الأمّة ويمكّن منها
أعداءها.
- التّنازع على المناصب وأمور الدّنيا يؤدّي
إلى الفتن وإشعال الحروب الأهليّة.
- التّنازع يشغل أصحابه عمّا يفيدهم في دنياهم
وآخرتهم.
- التّنازع يفتّت قوّة المجتمع ويؤدّي إلى
الفرقة.
- التّنازع مدخل واسع من مداخل الشّيطان الّتي
يتمكّن بها من إفساد العقيدة وإشاعة
البغضاء بين الأخ وأخيه، بل بين الأب وابنه.ومما يأتي سنرى الدروس
والعبر لأسباب التفرق ومخاطره من احتلال بلد إسلامي في وقت من الأوقات فالنتائج
واحدة.
دروس وعبر من احتلال الإنجليز لبلاد مصر
:
العبرة الأولى: أن أعداء الأمة الإسلامية
من اليهود والنصارى وغيرهم لم ولن يفتروا عن محاربتها والكيد لها، ومحاولة تفريق شملها،
وبث التنازع داخل صفوفها، وإيجاد الثغرات التي يتمكنون من الولوج من خلالها، واحتلال
أراضيها، ونهب ثرواتها. قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ
يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 217] وكما نعلم فإن الحروب
المتواصلة من اليهود والنصارى والغارات المتواصلة على البلاد الإسلامية لم تتوقف
منذ القرن الأول الهجري والتاريخ يظهر ذلك.
العبرة الثانية: أن لا تأمن الدولة
المسلمة كيد عدوها لها، ومكره بها، بل تقدر أسوأ الاحتمالات نتيجة لهذا الكيد والمكر،
ولو كان احتلال أرضها، ولتكن كما قال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 71] وكما
قال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن
قُوَّةٍ﴾ [الأنفال : 60]. فتُعد القوة اللازمة الرادعة للعدو من
أسلحة متنوعة متعددة المصادر لردعه إذا ما فكر في الأمر السابق.
العبرة الثالثة: الحذر من الذين يقدمون إليها على هيئات مختلفة –إما
خبراء أو سياح أو باحثين..- فقد ثبت أن
الكثير منهم إنما يرصدون أحوالها تمهيداً لما ينوون التخطيط له تجاهها؛ إما غزواً ثقافياً
أو عسكرياً واليوم هنالك جامعات ومؤسسات مهمتها دراسة الشعوب المسلمة وجوانب الضعف
فيها تمهيدا لاستعمارها.
العبرة الرابعة: أن الأفكار العنصرية
الجاهلية التي يقع فيها بعض المسلمين؛ من تعصب لجنس أو أرض، تؤدي إلى تفريق الدولة
المسلمة وإضعافها؛ مما يسهل المهمة أمام العدو المتربص بها.
فلو لم تكن هناك فجوة عنصرية جاهلية بين الترك والعرب –مثلاً- لما
استطاع الغرب تفتيت العالم الإسلامي، مستغلاً هذا الأمر في إذكاء نار الفرقة بين الطائفتين.
فلتأخذ الدولة المسلمة على يد كل من يثير مثل هذه النعرات الجاهلية
بين أبنائها؛ ولو كان على سبيل المزاح فهذا وأمثاله يؤدي إلى التنازع والنتيجةَ ﴿فْتفشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾[الأنفال:
46]أي قوتكم.
العبرة الخامسة: أن مخالفة أوامر الله
بالركون إلى أعدائه من اليهود والنصارى والمنافقين وأهل البدع، وتوليتهم المناصب، وتقريبهم؛
يؤدي حتماً بالبلد المسلم إلى الهاوية، وتسليمه للعدو سياسياً أو فكرياً بأبخس الأثمان
كما حدث في مصر بجهود اليهود والنصارى الأرمن والمنافقين وغيرهم. والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً
مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾[آل عمران: 118]، وكم
في التاريخ من نماذج وأمثلة للخيانات التي قام بها الكفار والمنافقون لأمة الإسلام
. فلتحرص الدولة المسلمة على عدم تقريب هؤلاء من السلطات المؤثرة، واتخاذهم بطانة؛
فإنهم سرعان ما ينقلبون عليها ساعة العسرة، ولا يبقى لها إلا أهل الإيمان، وأصحاب العقيدة
السليمة.
العبرة السادسة: أن تبتعد الدولة المسلمة
عن الإسراف وتبذير الأموال فيما لا ينفع العباد والبلاد؛ مما يؤدي بها إلى الاستدانة
من أعدائها بفوائد ربوية تتراكم عليها، تكون نهايتها وقوع البلد في قبضتهم رويداً رويداً،
ثم يبدأ الابتزاز والضغط عليها لتنصاع لأهوائهم في شتى المجالات. فخير للبلد المسلم
أن يبتعد عن الترف والإسراف والتعامل بالربا الذي عاقبته المحق والهلاك وتسلط الأعداء.
قال تعالى: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ
إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[الأعراف: 31] وقال: ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾[البقرة:
276] .
العبرة السابعة: إذا اضُطرت الدولة
المسلمة إلى المال فليكن ذلك عن طريق التعاون مع أبنائها أو الدول المسلمة الأخرى عبر
صناديق تعاونية مشتركة تحميها من الربا والاستدانة من أعدائها. وإذا تأملنا حال
الدول الإسلامية نجد بعض الدول الإسلامية عندها فائض في الميزانية وأهل تلك الدولة
يسرفون المال في غير فائدة ويصابون بأمراض التخمة والسمن وغيرها ونجد في الوقت
نفسه شعوب مسلمة تموت من الجوع فأين الامتثال لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "المؤمن
للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"(18) .
العبرة الثامنة: أن تنظر الدولة المسلمة
في عاقبة أي مشروع ضخم يُقْترح عليها أو تقوم به، ومدى مصلحته للبلاد، وتوازن بين مصالحه
ومفاسده، وتستشير الخبراء من أهل الأمانة.
العبرة التاسعة: أن تحد الدولة المسلمة
من هجرة الأجانب (غير المسلمين) إليها، ممن يُكونون أرضية ممهدة لتدخل الأعداء، وفرض
الامتيازات لهم .. الخ . ولتتخذ الاحتياطات اللازمة حال الحاجة لبعضهم لتجنب شرورهم؛
كالتفريق بينهم ومراقبتهم أو تبني برامج لدعوتهم للإسلام.
العبرة العاشرة: أن تحذر الدولة المسلمة
من الشخصيات المشبوهة التي تحل أرضها سواءً ممن يدّعون الإسلام أم من غيرهم ويكون لها
نشاط مريب في بث الأفكار المنحرفة بين شباب البلاد؛ مما يكون عاقبته شراً؛ فإن معظم
النار من مستصغر الشرر.
العبرة الحادية عشرة: أن تعلم الدولة المسلمة
أن ما يسمى بـ"الحرية الإعلامية"سواء في الصحافة أم في غيرها التي تجعل مسائل
الشرع كلأً مباحاً لكل أحد، وتسمح بالجرأة على العلماء ورجال الدولة الشرفاء، هي فكرة
مخادعة ضارة بالبلاد؛ لأنها تؤدي إلى بث الاختلافات المتنوعة بين الناس وتغذية النزاعات
والخصومات، وشحن النفوس، وتهييجها وتحزيبها، وتمهد بتمزق البلاد فكرياً قبل تمزقه سياسياً.
فلتحد الدولة المسلمة من هذه الحرية المزعومة التي يروج لها الأعداء
بخُبث ؛ لأنهم يعلمون ما يجنونه منها، ولتوجه وسائل إعلامها إلى ما ينفع الناس ويجمعهم
على الحق الظاهر.
وخير ما تفعله الدولة في وسائل إعلامها: تقليل برامج ومقالات
الرأي التي تؤدي إلى ما سبق بيانه، والاستغناء عنها بالمقالات العلمية النافعة في الطب
أو الحاسب أو الهندسة أو الفيزياء... الخ. وبعث ذوي العقول والنوابغ الموجودين لديها
بدلا من عبث أهل الرأي وخوضهم بالباطل .
العبرة الثانية عشرة: أن تتيقن الدولة المسلمة
أن أعداء الإسلام يهودًا ونصارى ومنافقين وغيرهم سيقفون صفاً واحداً أمامها وقت الفتن
والأزمات مهما اختلفوا فيما بينهم، وقد رأينا كيف غضت فرنسا الطرف عن احتلال الإنجليز
لمصر رغم عداوتهما الظاهرة ولكن الكفر ملة واحدة.
العبرة الثالثة عشرة: أن أعداء الإسلام
يفتعلون الأحداث، ويستغلون الذرائع مهما كانت صغيرة ليتدخلوا في شؤون الدولة المسلمة،
ولو أدى ذلك إلى احتلالها، ومن هذه الذرائع: حماية الرعايا الأجانب، أو ضمان حقوق الأقليات!،
أو ضمان حقوق المرأة!، وهكذا ..
العبرة الرابعة عشرة: أن الأعداء يحرصون
جداً تجاه الدولة المسلمة التي يريدون الضغط عليها أو التحرش بها أن ينشروا بين أبنائها
بواسطة عملائهم فكرين خبيثين هما: فكر التهييج والثورة، وفكر العصرنة والتميع.
فبالفكر الأول تُتاح لهم فرصة التدخل في شؤون الدولة المسلمة.
وبالفكر الثاني: يضمنوا مسخ عقول أبناء المسلمين وترويضهم نفسياً
لقبول التغريب .
فعلى سبيل المثال: من يشكك في مبدأ الولاء والبراء لله ولرسوله
وللمؤمنين، كيف يرجى منه أن لا يتعاون مع الكافر أو يتخذه أخاً يحقق له مصالحه ولو
على حساب دينه وبلده، وهو قد أزال الحاجز الإيماني الذي يصونه عن ذلك ؟!
فلتحرص الدولة المسلمة على اجتثاث هذين الفكرين الخبيثين قبل أن
يتغلغلا في عقول بعض أبنائها ممن يكونون سلاحاً بيد عدوها ضدها.
العبرة الخامسة عشرة: أن الأعداء يفرحون
كثيراً بتلقي أبناء المسلمين العلوم عندهم، لاسيما أبناء الذوات ممن هم مهيئون لتولي
المناصب المهمة إذا ما عادوا إلى بلادهم؛ لأنها تعلم أنهم سيتأثرون عرضاً أو قصداً
بثقافتها، وسيكونون خير ناقل لها إلى بلاد المسلمين؛ كما رأينا ذلك واضحاً في حياة
سعيد باشا والخديو إسماعيل اللذين تربيا في بلاد الغرب، ثم أرادا محاكاتها
لما توليا الحكم. فلتحرص الدولة المسلمة على أن يكون تلقي أبنائها للعلوم داخل أرضها؛
دون حاجة إلى البعثات الدراسية الخارجية إلا في حالة اضطرارية محدودة؛ كما في التخصصات
الدنيوية النادرة مثلاً، مع تحصين المبتعث ضد الأفكار الغربية الضارة.
العبرة السادسة عشرة: أن الأعداء لن يعدموا
أن يجدوا من المسلمين أفراداً مغفلين أو طامحين يخدمونهم من حيث لا يشعرون، ممن يصدق
فيهم قول الشاعر :
إذا لم للمرء في دولة امرئ *** نصيب ولاحظٌ تمنى زوالها يكن
ولو كان ذلك على حساب دينهم وبلدهم كما فعل (عرابي) في مصر وسيلجأ الأعداء للاتصال بهم، والاهتمام بقضيتهم،
وتشجيعهم على المضي في معارضة الدولة المسلمة تحت مسمى "إصلاح الأوضاع!".
وهدفهم من هذا كله ليس حباً في هؤلاء الذين يدعون الحرص على إصلاح الأوضاع زعموا إنما
ضربهم بالدولة المسلمة، لتفريق أهلها، وزرع الفتن والشقاق بين الراعي والرعية؛ حتى
يلجأ كلٌ منهم خاضعاً مطيعاً إلى العدو لحمايته من الآخر!! وقد تقع البلاد بعدها لا
قدر الله في احتلال أجنبي بغيض بعد أن استغل هذا النزاع والتفرق كما حدث في مصر حيث
لجأ الخديو توفيق للإنجليز في الوقت الذي كانوا فيه يُهيجون عرابي ومن معه عليه
!
فلتأخذ الدولة المسلمة على أيدي هؤلاء المعارضين الطامحين أو المغفلين
من مدعي الإصلاح قبل أن يتعاظم شرهم فيوقعوا بلاد الإسلام فيما لا تُحمد عقباه؛ كما
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ
نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾
[إبراهيم: 28]وقال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ
رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾[النمل:
48].
العبرة السابعة عشرة: أن تبادر الدولة المسلمة
بالإصلاح الحقيقي النافع القائم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قبل أن
تجد غيرها قد سبقها إلى طرح إصلاح مزعوم لا يرضي الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.
بل يرضي أعداء الإسلام الذين ينفخون فيه وفي أهله لمآربهم.
والإصلاح الحقيقي هو
الذي يكون غايته وهدفه الأول تعبيد الناس لرب العالمين وتحقيق التوحيد؛ عن طريق كل
ما يساهم في ذلك من وسائل؛ كالاهتمام بأمر العقيدة والدعوة إليها، وإزالة ما يُخالفها.
وهو الإصلاح الذي ينشر الفضيلة بين المسلمين، ويدعم أسبابها ومنافذها.
ويُحارب الرذيلة ويُضيق على أهلها.
وهو الإصلاح الذي ينشر العدل بين الناس، ويباعد بين الدولة المسلمة
وبين ظلم الرعية، فيؤمن احتياجات المسلمين، ويوفر لهم أسباب العيش الكريم دون أن يحوجهم
إلى الآخرين. عن طريق إقامة المشاريع النافعة التي تتبناها الدولة؛ كإقامة المجمعات
السكنية لذوي الدخل المحدود، وتشغيل العاطلين، وإعطاء العاملين والموظفين الرواتب المجزية
التي تتناسب مع حال المعيشة ... الخ
وهو الإصلاح الذي يحقق للمرأة المسلمة بيئة العلم النافع، والعمل
الكريم إذا احتاجت إليه بعيدًا عن كل ما يخالف شرع الله.
وهو الإصلاح الذي ينهض بالبلاد دنيويًا في مجالات التقنية والصناعة
والزراعة .. وغيرها؛ عن طريق تشجيع العقول والنوابغ، وتسهيل أمورهم، وإعطائهم الثقة،
ووضعهم في المكان المناسب، وتنفيذ مخترعاتهم وأفكارهم ..الخ.
العبرة الثامنة عشرة: أن تعلم الدولة المسلمة
أن خير منجي لها من مكر الأعداء وفتنهم هو الاعتصام بالكتاب والسنة، والثبات على دين
الله، وعدم المساومة أو التنازل عنه ولو بالقليل، قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً
إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾[آل عمران: 120]، وقال محذرًا
من مداهنة الأعداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ
إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ
خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 149].(19)
أسأل الله العظيم أن يوفق بلاد المسلمين عامة وبلادنا خاصة للتنبه
لكيد أعدائها، ويثبتها على الحق، ويصرف عنها الشر وأسبابه، والله أعلم، وصلى الله وسلم
على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
إعداد: عبد الكريم
الفهدي
مراجعة : قسطاس إبراهيم
***
(1) أخرجه
مسلم في صحيحه، 3/1340، برقم: 1715 .
(2) أخرجه أحمد في مسنده، 5/ 378، برقم 23331،
والحاكم في المستدرك، 1/ 206، وصححه ووافقه الذهبي.
(3) هنات
وهنات: الهنات جمع هنة أي فتن وأمور حادثة، الديباج شرح مسلم،4/461.
(4) فاضربوه بالسيف
كائنا من كان: فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو
ذلك وينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل وإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل كان هدرا،
انظر: شرح النووي على مسلم،12/241.
(5) أخرجه مسلم
في صحيحة،3/1479،برقم: 1852 .
(6)
أخرجه الترمذي في
سننه، 4/465 برقم 2165وقال: هذا حديث حسن صحيح
غريب من هذا الوجه، وقد رواه ابن المبارك عن محمد بن سوقة وقد روي هذا الحديث من غير
وجه عن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.
(7) ميتة جاهلية: أي على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم،
انظر شرح النووي على مسلم،12/238.
(8) عمية: هي بضم
العين وكسرها. لغتان مشهورتان. والميم مكسورة مشددة والياء مشددة أيضا. قالوا: الأمر
الأعمى لا يستبين وجهه. كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور. قال إسحاق بن راهويه: هذا
كتقاتل القوم للعصبي انظر شرح النووي على مسلم،12/238.
(9) لعصبة: ومعناه
إنما يقاتل عصبية لقومه وهواه لا لنصرة الدين والحق، بتصرف شرح النووي على
مسلم،12/239.
(10) ولا يتحاش: وفي
بعض النسخ: يتحاشى، بالياء. ومعناه لا يكترث بما يفعله فيها، ولا يخاف وباله وعقوبته.انظر شرح السيوطي على مسلم،4/459.
(11) أخرجه مسلم
في صحيحه،3/1476، برقم: 1848.
(12)أخرجه مسلم في صحيحه، 4/2166، برقم:2812.
(13) ولكن في التحريش
بينهم: أي ولكنه يسعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن وغيرها.انظر:
شرح النووي على مسلم،17/156.
(14)
الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، عبد الله بن عمر بن سليمان
الدميجي، 1/104، الطبعة الأولى1407 هـ - 1987م.
(15) سنن
أبي داوود، 4/184، برقم: 4299،تعليق شعيب
الأرنؤوط،إسناده
حسن وصححه الألباني.
(16) أخرجه الطبراني
في المعجم الكبير،9/257 برقم:10830 وله شاهد عن ابن عمر مرفوعا
نحوه عند ابن إسحاق.
(17) بتصرف
نضرة النعيم مضار الوهن،11/5723، مضار الذل،10/4515، مضار التنازع،9/4279.
(18) أخرجه البخاري في صحيحه،2/863 برقم:2314.
(19) بتصرف من كتاب كيف احتل الإنجليز مصر بعنوان دروس وعبر؟، سليمان بن صالح الخراشي،1/27، نقلا من موقع : http://www.saaid.net/