الحلول
الشرعية للأزمة اليمنية
(الجزء الخامس)
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين,
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. وبعد,,
دين الله عز وجل هو
الدين الكامل والشامل لكل جوانب الحياة, كما قال سبحانه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾[الأنعام:38],
وما من قضية أو مشكلة يواجهها المسلم في حياته إلا ويجد لها حلاً في هذه الشريعة
العظيمة التي تميزت بالثبات والمرونة وجمعت بين الأصالة والمعاصرة ، ففي اتباع هذه
الشريعة الشفاء الناجع لكل داء يعرض لهذه
الأمة, قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ
شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾[النحل:
89], فإذا ما استجد للمسلمين أمرٌ أو نزلت بهم نازلة أو تنازع المسلمون في أمرٍ من
أمور دينهم أو دنياهم كان المرجع في ذلك
كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فلم يترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
شيئاً يحتاج إلى بيان إلّا وجلّاه لنا, فعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: "تَرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي الْهَوَاءِ ، إِلا وَهُوَ يُذَكِّرُنَا
مِنْهُ عِلْمًا، قَالَ: فَقَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بَقِيَ
شَيْءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الْجَنَّةِ ، ويُبَاعِدُ مِنَ النَّارِ ، إِلا وَقَدْ
بُيِّنَ لَكُمْ"
(1).
ولقد جاء الإسلام
لينظم العلاقة بين العباد وخالقهم وبين العباد مع بعضهم البعض ومن ذلك تنظيم
العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وما ظهر النزاع بين الحاكم والمحكوم, في أي قطر
من أقطار الأرض إلّا بسبب مخالفة الشرع الحنيف من أحد الجانبين أو من كليهما.
وفي هذا البحث المختصر نحاول أن نضع بعض الحلول الشرعية المقترحة للخروج من الأزمة اليمنية الحالية.
وقد تطرقنا في المباحث
السابقة إلى الحل السادس ونواصل في شرح هذه الحلول الشرعية ومع الحل السابع
والأخير:
(الحل السابع)
تعميق مبدأ الأخوة والحفاظ
على وحدة الأمة ونبذ العصبية الجاهلية ورفض الدعوة إلى الانقسام والتمزق
لقد جاء الإسلام ليزيل عن هذه الأمة كل الفوارق التي
كانت تمارس في الجاهلية, ودعا إلى التآلف والتآخي تحت سقف الإيمان بالله وحده,
وتحت شعار﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[الحجرات:10], وحرم
العصبية الجاهلية, ودعا إلى نبذ كل صورها وأشكالها, وأمر بتوحيد الصف وتآلف
القلوب, ويظهر ذلك من تواتر الأدلة في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنة رسوله صلى
الله عليه وسلم ونذكر بعضاً من هذه الأدلة:
أولاً: الأدلة من القرآن الكريم
أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالاعتصام بحبله المتين
وعدم التفرق لأن ذلك من أعظم النعم التي يتمتع بها المؤمنون, فالفرقة تورث العداوة
والاجتماع يورث المحبة والألفة, والأخوة بينهم تقتضي ذلك, قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ
وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ
فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
[آل
عمران: 103].
قال
الإمام النسفي: «قيل تمسكوا بإجماع الأمة دليله ﴿ولا
تفرقوا﴾
أي: ولا تتفرقوا يعنى ولا
تفعلوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع أو ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف
بينكم كما اختلف اليهود والنصارى أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضكم بعضاً
﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم
بنعمته إخوانا﴾ كانوا في الجاهلية بينهم العداوة والحرب فألف
بين قلوبهم بالإسلام وقذف في قلوبهم المحبة فتحابوا وصاروا إخوانا ﴿وكنتم
على شفا حفرة من النار﴾ وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم
عليه من الكفر فأنقذكم منها بالإسلام»(2).
وبين
سبحانه نعمة التأليف بين قلوب المؤمنين, ومَنَّ على عباده بهذه النعمة التي
يعز تحققها إلا بتوفيق الله وتسديدة, فقال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ
جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:63].
قال الإمام أبو السعود
رحمه الله:
«وألف بين قلوبهم مع ما كان بينهم قبل ذلك من العصبية والضغينة والتهالك على الانتقام
بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا بتوفيقه تعالى كنفس واحدة وهذا من أبهر معجزاته
﴿لو أنفقت ما في الأرض﴾ جميعا
أي لتأليف ما بينهم ما ألفت بين قلوبهم استئناف مقرر لما قبله ومبين لعزة المطلب وصعوبة
المأخذ أي تناهي التعادي فيما بينهم إلى حد لو أنفق منفق في إصلاح ذات البين جميع ما
في الأرض من الأموال والذخائر لم يقدر على التأليف والإصلاح وذكر القلوب للإشعار بأن
التأليف بينها لا يتسنى وإن أمكن التأليف ظاهراً»(3).
وقصر سبحانه الأخوة
على مبدأ الإيمان الذي يجمع كل المؤمنين دون تمييز طائفي, فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[الحجرات: 10].
قال القرطبي: «قوله تعالى:
﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ أي في الدين
والحرمة لا في النسب ولهذا قيل: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب فإن أخوة النسب تنقطع
بمخالفة الدين وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب»(4).
وبين سبحانه أن الناس
في أنسابهم يرجعون لأب وأم وهم آدم وحواء عليهما السلام, فلا يبقى بينهم
تمايز ولا يفضل أحدهم على أحد إلا بتقوى الله تعالى فهي الميزان
الذي جعله الله تعالى بين عباده, حتى لا يفخر أحدٌ من المسلمين على
أخيه فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
﴾[الحجرات: 13].
قال
الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره: «لما كان قوله تعالى: ﴿ إِنَّا
خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ يدل على استواء الناس في الأصل
لأن أباهم واحد وأمهم واحدة وكان في ذلك أكبر زاجر عن التفاخر بالأنساب وتطاول بعض
الناس على بعض بين تعالى أنه جعلهم شعوباً وقبائل لأجل أن يتعارفوا أي يعرف بعضهم
بعضاً ويتميز بعضهم عن بعض لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض ويتطاول عليه وذلك يدل
على أن كون بعضهم أفضل من بعض وأكرم منه إنما يكون بسبب آخر غير الأنساب وقد بين
الله ذلك هنا بقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾, فاتضح من هذا أن الفضل والكرم إنما هو
بتقوى الله لا بغيره من الانتساب إلى القبائل»(5).
فالإسلام
جاء ليحرر الناس من العصبية الجاهلية؛ لأنه الدين الذي جاء ليرفع لواء العدل بين
الناس, فجعل تقوى الله تعالى هو الميزان, فأكرم الناس عند الله تعالى هو أتقاهم
لله ولو كان عبداً حبشياً, وأهون الناس على الله تعالى أبعدهم عنه, ولو كان سيداً
قرشياً, قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيره للآية السابقة:
«وهذه الآيات القرآنية تدل على أن دين الإسلام سماوي صحيح لا نظر فيه إلى الألوان
ولا إلى العناصر ولا إلى الجهات وإنما المعتبر فيه تقوى الله جل وعلا وطاعته فأكرم
الناس وأفضلهم أتقاهم لله ولا كرم ولا فضل لغير المتقي ولو كان رفيع النسب»(6).
وقد
أبلغ الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال(7):
|
أَيُّها الفَاخرُ
جَهْلاً بِالنَّسَبْ |
إنما الناس
لأم ولأب |
|
هل تراهم
خلقوا من فضةٍ |
أم حديدٍ
أم نحاسٍ أم ذهب |
|
بل تراهم
خلقوا من طينةٍٍ |
هَلْ سِوَى
لَحْمٍ وعَظْمٍ وَعَصَبْ |
|
إنما الفخر
لعقلٍ ثابتٍ |
وَحَيَاءٍ
وَعَفَافٍ وَأَدَبْ |
وينسب له
كذلك رضي الله عنه الأبيات الآتية(8):
|
الناس من
جهة التمثيل أكفاءُ |
أبوهم آدمٌ
والأم حواءُ |
|
ما الفخر
إلاّ لأهل العلم إنهم |
على الهدى
لمن استهدى أدلاءُ |
|
وقدر كل امرئ
ما كان يحسنهُ |
و الجاهلون
لأهل العلم أعداءُ |
قال
الإمام ابن كثير رحمه الله: «فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء عليهما السلام سواء
وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية وهي طاعة الله تعالى ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم
ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضا منبها على تساويهم في
البشرية ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل
لتعارفوا﴾ أي
ليحصل التعارف بينهم كل يرجع إلى قبيلته»(9).
وأمر الله عز وجل المؤمنين بأن يوالي بعضهم
بعضاً
فقال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ
سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة: 71].
قال الإمام أبو السعود
رحمه الله:
«والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض بيان لحسن حال المؤمنين والمؤمنات حالا ومآلاً
إثر بيان قبح حال أضدادهم عاجلاً وآجلاً والتعبير عن نسبة هؤلاء بعضهم إلى بعض بالولاية
وعن نسبة أولئك بمن الاتصالية للإيذان بأن نسبة هؤلاء بطريق القرابة الدينية المبنية
على المعاقدة المستتبعة للآثار من المعونة والنصرة وغير ذلك ونسبة أولئك بمقتضى الطبيعة
والعادة»(10).
وعندما يتمسك المؤمنون
بهذه الصفات العظيمة المذكورة في الآية من الولاء فيما بينهم, والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر, وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة, وطاعة الله ورسوله, يكون ذلك
سبباً للفوز برحمة الله تعالى, ولذلك قال سبحانه: ﴿أُوْلَـئِكَ
سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ﴾, قال الإمام أبو السعود رحمه الله: «أولئك إشارة إلى المؤمنين والمؤمنات باعتبار اتصافهم
بما سلف من الصفات الفاضلة وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد درجتهم في الفضل أي
أولئك المنعوتون بما فصل من النعوت الجليلة سيرحمهم الله أي يفيض عليهم آثار رحمته
من التأييد والنصرة»(11).
ولأن الإيمان يقتضي أن
يعيش المؤمنون كنفس واحدة فقد وصف الله عز وجل
الصحابة رضوان الله عليهم كذلك فقال تعالى:
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ
خَيْراً﴾[النور: 12], ليدل على أن إخوانهم المؤمنين بمنزلة
أنفسهم, وهذا من أعلى مراتب الأخوة التي تقتضي الولاء والنصرة, قال الإمام
الشوكاني رحمه الله تعالى: «قال الحسن: معنى بأنفسهم بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة ألا ترى
إلى قوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾[النساء:29], قال الزجاج: ولذلك يقال للقوم الذي يقتل بعضهم بعضا
إنهم يقتلون أنفسهم قال المبرد ومثله قوله سبحانه: ﴿فاقتلوا
أنفسكم﴾[البقرة:54],
قال النحاس: بأنفسهم بإخوانهم»(12).
وكذلك جعل الله من يلمز أخاه المؤمن كمن يلمز نفسه فقال
تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:11],
قال الإمام القرطبي عليه رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: «وهذه الآية
مثل قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾[النساء:29],
أي لا يقتل بعضكم بعضاً لأن المؤمنين كنفس واحدة فكأنه بقتل أخيه قاتل نفسه وكقوله
تعالى: ﴿فسلموا على أنفسكم﴾[
النور:61] يعني يسلم بعضكم على بعض والمعنى: لا يعب بعضكم بعضاً وقال ابن عباس و مجاهد
و قتادة و سعيد بن جبير: لا يطعن بعضكم على بعض وقال الضحاك: لا يلعن بعضكم بعضاً وقرئ:
﴿ولا تلمزوا﴾ بالضم وفي قوله:
﴿أنفسكم﴾ تنبيه على أن العاقل
لا يعيب نفسه فلا ينبغي أن يعيب غيره لأنه كنفسه»(13).
وأخبر
الله تعالى أنه يحب عباده المؤمنين الذين يقاتلون صفاً واحداً كالبنيان المرصوص,
لأن وحدة الصف دليل وحدة القلوب, قال تعالى: ﴿إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ
مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف:4].
قال
الإمام ابن الجوزي: «ثم أعلم عز وجل ما الذي يحبه فقال تعالى﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ
صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف:4], أي بنيان لاصق
بعضه ببعض فأعلم أنه يحب من يثبت في الجهاد ويلزم مكانه كثبوت البنيان المرصوص ويجوز
أن يكون عنى أن يستوي ثباتهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص»(14).
وكما
أمر الله عباده المؤمنين بوحدة الصف, فقد نهاهم عن الفرقة والتنازع, لأن
ذلك يفقدهم هيبتهم أمام أعدائهم, قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ
اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ
إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[الأنفال: 46].
قال
الإمام ابن كثير رحمه الله: «فأمر تعالى بالثبات عند
قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا وأن يذكروا الله
في تلك الحال ولا ينسوه بل يستعينوا به ويتوكلوا عليه ويسألوه النصر على أعدائهم وأن
يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا وما نهاهم عنه انزجروا
ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضا فيختلفوا فيكون سببا لتخاذلهم وفشلهم ﴿وتذهب ريحكم﴾ أي قوتكم وحدتكم وما كنتم
فيه من الإقبال»(15).
قال
الإمام البغوي: «قوله تعالى: ﴿وأطيعوا
الله ورسوله ولا تنازعوا﴾لا تختلفوا ﴿فتفشلوا﴾أي: تجبنوا وتضعفوا ﴿وتذهب
ريحكم﴾ قال مجاهد: نصرتكم, وقال السدي: جراءتكم وجدكم,
وقال مقاتل بن حيان: حدتكم, وقال النضر بن شميل: قوتكم, وقال الأخفش: دولتكم, والريح
هاهنا كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد, تقول العرب: هبت ريح فلان إذا أقبل
أمره على ما يريد, قال قتادة و ابن زيد: هو ريح النصر لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها
الله عز وجل تضرب وجوه العدو»(16).
ونهى
الله عز وجل عن التفرق عموماً والأشد من كل ذلك التفرق في الدين لأنه يكون سبباً لكل
أنواع الفرقة, قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ
لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما
وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا
تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾[الشورى:13،14].
قال
الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: قوله تعالى: ﴿أَنْ
أَقِيمُواْ الدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ مشعر بأن حصول الموافقة أمر مطلوب في الشرع والعقل
وبيان منفعته من وجوه الأول أن للنفوس تأثيرات وإذا تطابقت النفوس وتوافقت على واحد
قوي التأثير الثاني: أنها إذا توافقت صار كل واحد منها معيناً للآخر
في ذلك المقصود المعين وكثرة الأعوان توجب حصول المقصود أما إذا تخالفت تنازعت وتجادلت
فضعفت فلا يحصل المقصود الثالث: أن حصول التنازع ضد مصلحة العالم لأن ذلك يفضي إلى
الهرج والمرج والقتل والنهب فلهذا السبب أمر الله تعالى في هذه الآية بإقامة الدين
على وجه لا يفضي إلى التفرق وقال في آية أخرى: ﴿وَلاَ
تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾[الأنفال:46]»(17).
وقال
تعالى: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم
بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[الأنعام:153].
قال
الإمام ابن كثير: «عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
[الأنعام:153]، وفي قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ
وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾[الشورى:13], قال: «أمر الله المؤمنين
بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء
والخصومات في دين الله »(18).
ثانياً:
الأدلة من السنة النبوية
وفي
السنة النبوية يظهر لنا أهمية هذا الأمر, وهو تعميق مبدأ الأخوة, وتقوية صف
المسلمين, والحفاظ عليه من التمزق والانقسام, ونبذ كل دعوة إلى العصبية الجاهلية,
فقد كان هذا الأمر من أول الأعمال التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
قدم المدينة, فبعد بناء المسجد الذي يجتمع فيه المسلمون, آخى رسول الله صلى الله عليه
وسلم بين المهاجرين والأنصار.
قال
ابن القيم رحمه الله: «ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين
والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار،
آخى بينهم على المواساة، ويتوارثون بعد الموت دون ذوى الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما
أنزل الله عز وجل: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾[الأنفال:75], رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة»(19).
ولأهمية
هذا المبدأ فقد كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم مليئة بالتوجيهات النبوية,
سواء التوجيهات القولية أو الفعلية, التي تحث المسلمين على التمسك بهذا المبدأ
العظيم, فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه
ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة
السؤال وإضاعة المال"(20)
قال
الإمام النووي رحمه الله: «وأما الاعتصام بحبل الله فهو التمسك بعهده
وهو اتباع كتابه العزيز وحدوده والتأدب بأدبه والحبل يطلق على العهد وعلى الأمان وعلى
الوصلة وعلى السبب وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبل
عند شدائد أمورهم ويوصلون بها المتفرق فاستعير إسم الحبل لهذه الأمور, وأما قوله صلى
الله عليه وسلم ولا تفرقوا, فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين وتألف بعضهم ببعض وهذه إحدى
قواعد الإسلام واعلم أن الثلاثة المرضية إحداها: أن يعبدوه, الثانية: أن لا يشركوا
به شيئاً, الثالثة: أن يعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا»(21).
وفي
الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد
إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"(22).
قال
الإمام بدر الدين العيني: «أما التراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضاً بأخوة
الإيمان لا بسبب شيء آخر وأما التوادد فالمراد به التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي
وأما التعاطف فالمراد به إعانة بعضهم بعضا كما يعطف طرف الثوب عليه ليقويه قوله كمثل الجسد أي بالنسبة إلى جميع أعضائه ووجه التشبيه
التوافق في التعب والراحة قوله تداعى أي دعا
بعضه بعضا إلى المشاركة في الألم ومنه قولهم تداعت الحيطان أي تساقطت أو كادت أن تتساقط
قوله بالسهر والحمى أما السهر فلأن الألم يمنع
النوم وأما الحمى فلأن فقد النوم يثيرها وقال الكرماني: الحمى حرارة غريبة تشتعل في
القلب وتنبث منه في جميع البدن فيشتعل اشتعالاً مضراً بالأفعال الطبيعية وفيه تعظيم
حقوق المسلمين والحض على معاونتهم وملاطفة بعضهم بعضا»(23).
ففي
هذا الحديث يشبه النبي صلى الله عليه وسلم
حال المؤمنين كمثل جسد واحد, إذا أصيب منه عضو من الأعضاء, تداعى له كل
الأعضاء الأخرى بالحمى والسهر, وفي هذا الحديث معجزة لنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم,
حيث يكشف لنا العلم الحديث أن الجسد إذا أصيب عضو من أعضائه بجرح, فإن حرارة الجسم
ترتفع, حتى تحد من انتشار الجراثيم في الدم, لأن درجة حرارة الجسم الطبيعية (37
ْم) تعتبر الجو الطبيعي لنمو وتكاثر الجراثيم, وتوفر البيئة المناسبة لانتشارها في
الجسم, فلذلك يقوم الجسم بأمر الله جل وعلا برفع درجة حرارته (الحمى), حتى تضيق
الجو على الجراثيم التي تغزو الجسم من أن تتوغل فيه, ثم إن ألأعضاء الأخرى غير
المصابة, لا تترك العضو المصاب يقاوم المرض لوحده, بل تبقى في حالة استنفار, فتضحي
ببعض الإمدادات التي تتلقاها من الدم لكي ترسلها إلى العضو المصاب, ويقوم الجهاز
المناعي بواسطة كريات الدم البيضاء بمحاصرة الجراثيم, وبناء خط دفاعي يحمي الجسم
من مهاجمة هذه الجراثيم, وعندها تجد ضربات القلب تزداد ويزداد التنفس في الرئتين
كي يزود العضو المصاب بما يحتاج إليه من الدم والأكسجين بما يساعده في مكافحة
المرض, وهكذا جميع أعضاء الجسم تتداعى مع هذا العضو المصاب, وتبذل كل ما تستطيع أن
تقدمه لهذا العضو في سبيل التخلص من هذا المرض الطارئ, حتى إذا نام الشخص المريض
فإن أعضاء جسمه لا تنام بل تبقى في حالة استنفار تقاوم المرض مع العضو المصاب, فيحس
المريض أنه كان مستيقظاً طوال الليل, وحقيقة الأمر أن أعضاء
جسمه ظلت طوال الليل في مقاومة مستمرة مع المرض الذي يشكو منه(24).
وبذلك نفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى",
ونفهم إلى أي درجة يجب أن يتعاطف ويتراحم ويتواد المؤمنون فيما بينهم, فالإيمان
يقتضي أن لا يقر للمؤمن قرار, ولا يهدئ له بال, ولا يكتحل بنوم, وهو يسمع بل ويرى
الجراح وهي تنكأ في جسد هذه الأمة, ويرى أهل الإيمان وهم يقتلون ويذبحون في الكثير
من الأقطار الإسلامية, فهل وصل المسلمون اليوم في تعاطفهم وتراحمهم وتوادهم إلى
هذا المستوى من التداعي الذي تقوم به أعضاء الجسد الواحد.
قال
الإمام المناوي رحمه الله: «ثم لفظ الحديث خبر ومعناه أمر أي كما أن
الرجل إذا تألم بعض جسده سرى ذلك الألم إلى جميع جسده فكذا المؤمنون ليكونوا كنفس واحدة
إذا أصاب أحدهم مصيبة يغتم جميعهم ويقصدوا إزالتها وفي هذا التشبيه تقريب للفهم وإظهار
المعاني في الصور المرئية»(25).
ويبين
ذلك أيضاً بعض الروايات الأخرى والتي يبين بعضها بعضاً في وصف حالة الجسد عند
إصابته عضو من أعضائه, منها ما جاء في رواية أخرى لمسلم عن النعمان بن بشير قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون
كرجل واحد إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"(26).
وفي
رواية ثالثة عند مسلم وكذلك في مسند الإمام أحمد بن حنبل عن النعمان بن بشير قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون كرجل واحد
إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله"
(27).
قال
الإمام المناوي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث: «أفاد تعظيم
حقوق المسلمين بعضهم على بعض وحثهم على التراحم والتعاضد في غير إثم ولا مكروه ونصرتهم
والذب عنهم وإفشاء السلام عليهم وعيادة مرضاهم وشهود جنائزهم وغير ذلك وفيه مراعاة
حق الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر وكل ما تعلق بهم بسبب»(28).
وفي
رواية لأحمد أيضاً عن سهل بن سعد الساعدي يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم
المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس"(29).
قال
الإمام المناوي رحمه الله: «"المؤمن
من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد" إشارة إلى أن المؤمن الكامل
في نعوت الإيمان الجامع لمكارمه من علم وعمل وتوكل وطمأنينة إلى ربه ومحبة المؤمنين
فيه وإقبالهم عليه في أهل الإيمان المتحققين بأخلاق الإيمان بمنزلة الرأس في الجسد
"يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في
الرأس" هذا بيان لوجه الشبه فمن آذى مؤمنا واحداً فكأنما آذى جميع
المؤمنين ومن قتل واحداً فكأنما أتلف من الجسد عضواً وآلم جميع أعضاء ذلك الجسد ففرض
على أهل الإيمان تعظيمه ورفع محله وحمل مؤونته وحفظ جانبه والتألم لألمه والسرور بسلامته
والاستضاءة بنوره إلى غير ذلك وأعضاؤه مع الرأس كالجسد»(30).
وكل
مؤمن يعتبر لبنة بناء في جسد هذه الأمة, فإذا لم يكن هذا البناء شديد التماسك,
وقوي الترابط بين لبناته, اختل هذا البناء, فأخوة الإيمان تقتضي أن يكون هذا
البناء متماسكاً, يشد بعضه بعضاً, ويتقوى كلٌ بالآخر, فالقوي يقف بجانب الضعيف,
والغني يسند الفقير, وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم حال المؤمنين كذلك, فعن أبي
موسى رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن
للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه"
(31).
قال
الإمام المناوي رحمه الله: «"المؤمن
للمؤمن" اللام فيه للجنس والمراد بعض المؤمنين لبعض "كالبنيان" أي الحائط لا يتقوى في أمر دينه
ودنياه إلا بمعرفة أخيه كما أن بعض البنيان يقوى ببعضه "يشد بعضه بعضا" بيان لوجه التشبيه... ثم شبك بين أصابعه
أي يشد بعضهم بعضاً مثل هذا الشد فوقع التشبيك تشبيها لتعاضد المؤمنين بعضهم ببعض كما
أن البنيان الممسك بعضه ببعض يشد بعضه بعضا وذلك لأن أقواهم لهم ركن وضعيفهم مستند
لذلك الركن القوي فإذا والاه قوي بما بباطنه ويعاتبه, ذكره الحرالي وفيه تفضيل الاجتماع
على الانفراد ومدح الاتصال على الانفصال فإن البنيان إذا تفاصل بطل وإذا اتصل ثبت الانتفاع
به بكل ما يراد منه»(32).
وإذا
قويت صلة المؤمنين فيما بينهم, وجد التناصح والتعاون حتى يصبح كل واحد منهم يرى
عيوب نفسه في وجه أخيه المؤمن, فعن أبي هريرة: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه
ضيعته ويحوطه من ورائه"(33).
قال
صاحب عون المعبود رحمه الله: «"المؤمن مرآة
المؤمن"... أي آلة لإراءة محاسن أخيه ومعائبه, لكن بينه وبينه, فإن
النصيحة في الملأ فضيحة, وأيضا هو يرى من أخيه ما لا يراه من نفسه كما يرسم في المرآة
ما هو مختف عن صاحبه فيراه فيها أي إنما يعلم الشخص عيب نفسه بإعلام أخيه كما يعلم
خلل وجهه بالنظر في المرآة "يكف عليه ضيعته"
أي يمنع تلفه وخسرانه فهو مرة من الضياع وقال في النهاية وضيعة الرجل ما يكون من معاشه
كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك أي يجمع إليه معيشته ويضمها له "ويحوطه من ورائه" أي يحفظه ويصونه ويذب عنه
بقدر الطاقة»(34).
وقال الإمام المناوي رحمه الله: «"المؤمن مرآة المؤمن" فأنت مرآة لأخيك يبصر
حاله فيك وهو مرآة لك تبصر حالك فيه... "والمؤمن
أخو المؤمن" أي بينه وبينه أخوةٌ ثابتة بسبب الإيمان ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[الحجرات:10] "يكف عليه ضيعته"
أي يجمع عليه معيشته ويضمها له وضيعة الرجل ما منه معاشه "ويحوطه من ورائه" أي يحفظه ويصونه ويذب عنه
ويدفع عنه من يغتابه أو يلحق به ضرراً ويعامله بالإحسان بقدر الطاقة والشفقة والنصيحة
وغير ذلك قال بعض العارفين: كن رداءا وقميصا لأخيك المؤمن وحطه من ورائه واحفظه في
نفسه وعرضه وأهله فإنك أخوه بالنص القرآني فاجعله مرآة ترى فيها نفسك فكما يزيل عنك
كل أذى تكشفه لك المرآة فأزل عنه كل أذى به عن نفسه»(35).
وعن
مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون
هينون لينون كالجمل الأنف إن قيد انقاد و ان أنيخ استناخ على صخرة"(36).
وقال
الإمام المناوي رحمه الله: «والمراد بالهين سهولته في أمر دنياه ومهمات
نفسه أما في أمر دينه فكما قال عمر فصرت في الدين أصلب من الحجر، وقال بعض السلف: الجبل
يمكن أن ينحت منه ولا ينحت من دين المؤمن شيء، واللين لين الجانب وسهولة الانقياد إلى
الخير والمسامحة في المعاملة "كالجمل"
أي كل واحد منهم... "الأنف" ...قال
ابن الكمال: مدحهم بالسهولة واللين لأنهما من الأخلاق الحسنة ... "إن قيد انقاد وإذا أنيخ على صخرة استناخ"
فإن البعير إذا كان أنفاً للوجع الذي به ذلول منقاد إلى طريق سُلِك به فيه أطاع، والمراد
أن المؤمن سهل يقضي حوائج الناس ويخدمهم وشديد الإنقياد للشارع في أوامره ونواهيه وخص
ضرب المثل بالجمل لأن الإبل أكثر أموالهم وآخرها»(37).
وكما
رأينا الأدلة الصريحة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي تحث على تعميق مبدأ
الأخوة بين المسلمين, فقد جاء كذلك تحريم واجتناب ما يدمر هذه العلاقة, ومن ذلك
تحريم البغي والتفاخر بين المسلمين, وحرمة دمائهم وأموالهم, فقد خطب رسول الله صلى
الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال: "يا
أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد إلا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي
على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى أبلغت قالوا
بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أي يوم هذا قالوا يوم حرام ثم قال أي شهر
هذا قالوا شهر حرام قال ثم قال أي بلد هذا قالوا بلد حرام قال فإن الله قد حرم بينكم
دماءكم وأموالكم قال ولا أدري قال أو أعراضكم أم لا كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في
بلدكم هذا أبلغت قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليبلغ الشاهد الغائب "(38).
وعن
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه
كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن
ستر مسلما ستره الله يوم القيامة"(39).
قال
الإمام ابن حجر رحمه الله: «قوله"المسلم
أخو المسلم" هذه إخوة الإسلام فإن كل اتفاق بين شيئين يطلق بينهما
اسم الأخوة ويشترك في ذلك الحر والعبد والبالغ والمميز قوله "لا يظلمه" هو خبر بمعنى الأمر فإن ظلم المسلم
للمسلم حرام وقوله "ولا يسلمه" أي
لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه بل ينصره ويدفع عنه وهذا أخص من ترك الظلم وقد
يكون ذلك واجبا وقد يكون مندوبا بحسب اختلاف الأحوال وزاد الطبراني من طريق أخرى عن
سالم "ولا يسلمه في مصيبة نزلت به"
وفي الحديث حض على التعاون وحسن التعاشر والألفة»(40).
قال
المباركفوري رحمه الله: «"المسلم أخو المسلم" أي فليتعامل المسلمون
فيما بينهم وليتعاشروا معاملة الأخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة
والتعاون في الخير ونحو ذلك مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال»(41).
وعن
أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا
تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد
الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ههنا ويشير إلى
صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه
وماله وعرضه"(42).
وهذا
الحديث العظيم الذي بين فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقوق المسلم على إخوانه
المسلمين, ومن ذلك حرمة التحاسد, والتناجش, والتباغض.
قال
الإمام ابن دقيق العيد: «قوله "لا تحاسدوا"
الحسد: تمني زوال النعمة وهو حرام... قوله "ولا تناجشوا"
أصل النجش الختل: وهو الخداع ومنه قيل للصائد (ناجش) لأنه يختل الصيد ويحتال له.
قوله "ولا تباغضوا" أي لا تتعاطوا أسباب التباغض: لأن الحب والبغض معان
قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها ولا يملك التصرف فيها ... والتدابر: المعاداة
وقيل المقاطعة لأن كل واحد يؤتي صاحبه دبره»(43).
وبين
رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث العظيم أن من حقوق المسلم على إخوانه
أن لا يُظلم, ولا يُخذل, ولا يُحتقر بين إخوانه المسلمين.
قال
الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: «قوله "المسلم
أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره" الخذلان: ترك الإعانة
والنصرة ومعناه: إذا استعان به في دفع ظالم أو نحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن
له عذر شرعي.
قوله
"ولا يحقره" هو بالحاء المهملة والقاف:
أي لا يتكبر عليه ويستصغره قال القاضي عياض: ورواه بعضهم بضم الياء وبالخاء المعجمة
وبالفاء: أي لا يغدر بعهده ولا ينقض أيمانه والصواب المعروف هو الأول»(44).
وبين
رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث العظيم الميزان الصحيح للتفاضل بين
الناس وأن العبد يرفع عند الله عز وجل بالتقوى, ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "التقوى ها هنا".
قال
الإمام المباركفوري رحمه الله: «"التقوى
ها هنا" زاد في رواية مسلم ويشير إلى صدره قال في مجمع البحار أي لا
يجوز تحقير المتقي من الشرك والمعاصي والتقوى محله القلب يكون مخفيا عن الأعين فلا
يحكم بعدمه لأحد حتى يحقره أو يقال محل التقوى هو القلب فمن كان في قلبه التقوى لا
يحقر مسلما لأن المتقي لا يحقر مسلما»(45).
ويوضح
ذلك الروايات الأخرى في صحيح مسلم, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم " إن
الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأشار بأصابعه إلى صدره(46).
وفي
رواية أخرى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم"(47).
قال
الإمام المناوي رحمه الله: «"إن الله لا
ينظر إلى صوركم" أي لا يجازيكم على ظاهرها "ولا إلى أموالكم" الخالية من الخيرات أي
لا يثيبكم عليها ولا يقربكم منه "ولكن إنما ينظر
إلى قلوبكم" التي هي محل التقوى وأوعية الجواهر وكنوز المعرفة»(48).
وقد أحسن شاعر الزهد أبو العتاهية حيث قال(49):
ألا إنّما التّقوَى هيَ العِزّ وَالكَرَمْ وحبـكَ
للدنـيَا هو الذلُّ والسـقمْ
وليـسَ على عبدٍ تقيٍّ نقيـصةٌ إذا حَقّقَ التّقوَى، وَإن حاكَ أوْ حجمْ
ثم
حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث العظيم من أمرٍ عظيم قد يقع فيه
السلم, وهو أن يحقر أخاه المسلم, فقال صلى الله عليه وسلم "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"
قال
الإمام المباركفوري رحمه الله: «أي حسبه وكافيه من خلال الشر ورذائل الأخلاق
احتقار أخيه المسلم»(50).
قال
الإمام ابن دقيق العيد: «قوله "بحسب
امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" فيه تحذير عظيم من ذلك لأن الله
تعالى لم يحقره إذ خلقه ورزقه ثم أحسن تقويم خلقه وسخر ما في السموات وما في الأرض
جميعاً لأجله وإن كان له ولغيره فله من ذلك حصة ثم إن الله سبحانه سماه مسلما ومؤمنا
وعبدا وبلغ من أمره إلى أن جعل الرسول منه إليه محمدا صلى الله عليه وسلم فمن حقر مسلما
من المسلمين فقد حقر ما عظم الله عز وجل وكافيه ذلك فإن من احتقار المسلم للمسلم: أن
لا يسلم عليه إذا مر ولا يرد عليه السلام إذا بدأه به ومنها: أن يراه دون أن يدخله
الله الجنة أو يبعده من النار وأما ما ينقمه العاقل على الجاهل والعدل على الفاسق فليس
ذلك احتقاراً يعنى المسلم بل لما اتصف به الجاهل من الجهل والفاسق من الفسق فمتى فارق
ذلك راجعه إلى احتفاله به ورفع قدره»(51).
وأمرنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن نلزم جماعة المسلمين, وأن نجتنب الفرقة والشقاق,
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خطبنا عمر بالجابية(52) فقال: يا
أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا فقال: "أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم
يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلون رجل
بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع
الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته
وساءته سيئته فذلك المؤمن"(53).
قال
الإمام المناوي رحمه الله في شرح الحديث: «"فعليكم بالجماعة" أي الزموها "فإنما يأكل الذئب" الشاة "القاصية" أي المنفردة عن القطيع فإن الشيطان
مسلط على مفارق الجماعة. قال الطيبي: هذا من الخطاب العام الذي لا يختص بسامع دون آخر
تفخيما للأمر شبه من فارق الجماعة التي يد الله عليهم ثم هلاكه في أودية الضلال المؤدية
إلى النار بسبب تسويل الشيطان بشاة منفردة عن القطيع بعيدة عن نظر الراعي ثم تسلط الذئب
عليها وجعلها فريسة له»(54).
من
لوازم الأخوة نبذ العصبية الجاهلية:
وحتى يحافظ المسلمون على وحدتهم, وتتعمق الأخوة
فيما بينهم, كان لابد من اجتناب أمرٍ عظيم, حذر النبي صلى الله عليه وسلم من
الوقوع فيه, ألا وهو الدعوة إلى كل عصبية جاهلية, فمن ذلك ما رواه جابر رضي الله عنه
إذ يقول: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى
كثروا وكان من المهاجرين رجل لعَّاب فكسع أنصاريا فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا
وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه
وسلم فقال: "ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ ثم قال ما
شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها
خبيثة"(55).
ومعنى
(رجل لعاب) أي: مَّزاح بصيغة مبالغة من اللعب(56), وقيل
بطال, وقيل كان يلعب بالحراب كما تصنع الحبشة وهذا الرجل هو جهجاه بن قيس الغفاري(57).
ومعنى
(فكَسَعَ): «من الكسع وهو أن تضرب بيدك أو برجلك دبر إنسان ويقال هو أن تضرب
عجز إنسان بقدمك وقيل هو ضربك بالسيف على مؤخره»(58).
وجاء
في رواية أخرى: "دعوها فإنها منتنة"(59), أي:
قبيحة كريهة مؤذية(60).
وتأمل
استنكار النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الدعوى: يا للمهاجرين.. يا للأنصار,
مع أن هذين الاسمين قد ذكرا في كتاب الله عز وجل في عدة مواضع كلها في مقام المدح
والثناء, ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ
الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ
رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا
الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[التوبة:100].
ومدحهم
سبحانه بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ
أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً
وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾[الحشر:8].
ولكن
عندما جاء النداء بهذين الاسمين: يا للمهاجرين.. يا للأنصار, ليستغيث كل
طرف بصاحبه ضد أخيه الآخر, كان ذلك النداء عصبية ممقوتة, وإن كانت بأحسن المسميات
التي أثنى عليها القرآن الكريم, فاستغاثة المسلم بقبيلته أو عصبته أو عشيرته ضد
أخيه المسلم تعتبر عصبية جاهلية, حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم, واعتبرها من
الجاهلية الممقوتة فقال: "ما بال دعوى أهل الجاهلية؟"
قال الإمام بدر الدين العيني: «"ما بال دعوى الجاهلية" يعني لا تداعوا بالقبائل,
بل تداعوا بدعوة واحدة بالإسلام, ثم قال ما شأنهم, أي ما جرى لهم وما الموجب في ذلك
قوله: دعوها أي دعوا هذه المقالة, أي اتركوها أو دعوا هذه الدعوى, ثم بين حكمة الترك
بقوله: "فإنها خبيثة" أي فإن هذه
الدعوة خبيثة أي قبيحة منكرة كريهة مؤذية لأنها تثير الغضب على غير الحق والتقاتل على
الباطل, وتؤدي إلى النار ... وتسميتها دعوى الجاهلية لأنها كانت من شعارهم وكانت تأخذ
حقها بالعصبية, فجاء الإسلام بإبطال ذلك وفصل القضاء بالأحكام الشرعية إذا تعدى إنسان
على آخر حكم الحاكم بينهما وألزم كلا ما لزمه»(61).
وأمرنا
النبي صلى الله عليه وسلم بتركها فقال: دعوها فإنها خبيثة"(62),
أو "دعوها فإنها منتنة"(63),
وقد سبق بيان ذلك في كلام الإمام بدر الدين العيني رحمه الله.
وقال
الإمام النووي رحمه الله: «وقوله فنادى المهاجر يا للمهاجرين ونادى الأنصاري
يا للأنصار... ومعناه أدعو المهاجرين وأستغيث
بهم وأما تسميته صلى الله عليه وسلم ذلك دعوى الجاهلية فهو كراهة منه لذلك فانه مما
كانت عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل في أمور الدنيا ومتعلقاتها, وكانت الجاهلية
تأخذ حقوقها بالعصبات والقبائل فجاء الإسلام بإبطال ذلك وفصل القضايا بالأحكام الشرعية,
فاذا اعتدى إنسان على آخر حكم القاضي بينهما وألزمه مقتضى عدوانه كما تقرر من قواعد
الإسلام»(64).
وقال
الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: «فقول هذا الأنصاري يا للأنصار وهذا
المهاجري يا للمهاجرين هو النداء بالقومية العصبية بعينه وقول النَّبي صلى الله عليه
وسلم: "دعوها فإنها منتنة" يقتضي وجوب ترك النداء بها لأن قوله "دعوها" أمر صريح بتركها والأمر المطلق يقتضي
الوجوب على التحقيق كما تقرر في الأصول... لا سيما وقد أكد النَّبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بالترك بقوله "فإنها منتنة", وحسبك بالنتن موجباً للتباعد
لدلالته على الخبث البالغ فدل هذا الحديث الصحيح على أن النداء برابطة القومية مخالف
لما أمر به النَّبي صلى الله عليه وسلم وأن فاعله يتعاطى المنتن ولا شك أن المنتن خبيث
والله تعالى يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾[النور:26],
ويقول: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف:157]»(65).
وإذا كان
هذا الأمر الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوى
الجاهلية", كاد أن يقع بين الصحابة رضوان الله عليهم, حتى كاد أن
يحدث فتنة عظيمة فيما بينهم, مع أنهم خير جيل في هذه الأمة, لولا أنهم استجابوا
لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فكان من الأجدر بمن جاء بعدهم, وأراد أن يتبع
هداهم, أن يكون من أشد الناس اجتناباً من الوقوع في هذه الدعوى الجاهلية.
ومن مظاهر هذه الدعوات الجاهلية التفاخر بالآباء
والأنساب, فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم
أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرء بأنفه إن الله قد أذهب عنكم عبية
الجاهلية إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب"(66).
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "عُبَّيَة الجاهلية" بضم العين المهملة
وكسر الموحدة المشددة وفتح المثناة التحتية المشددة أي: فخرها وتكبرها ونخوتها(67).
قال
الإمام المباركفوري رحمه الله: « قال الخطابي: معناه أن الناس رجلان مؤمن تقي
فهو الخير الفاضل وإن لم يكن حسيبا في قومه، وفاجر شقي فهو الدنيء وإن كان في أهله
شريفا رفيعا، انتهى.
وقيل معناه: إن المفتخر المتكبر إما مؤمن تقي فإذن
لا ينبغي له أن يتكبر على أحد أو فاجر شقي فهو ذليل عند الله والذليل لا يستحق التكبر،
فالتكبر منفي بكل حال "الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق
من تراب" أي: فلا يليق بمن أصله التراب النخوة والتجبر أو إذا كان
الأصل واحدا فالكل إخوة فلا وجه للتكبر لأن بقية الأمور عارضة لا أصل لها حقيقة، نعم
العاقبة للمتقين وهي مبهمة فالخوف أولى للسالك من الاشتغال بهذه المسالك»(68).
من مفسدات
الأخوة التحريش بين المؤمنين:
ولاشك
أن ما يظهر من دعوات جاهلية في زماننا, هو من تحريش الشيطان بين المسلمين, كما
أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم, فعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى
الله عليه وسلم يقول: "إن الشيطان قد أيس أن
يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم"(69).
وهذا
الإخبار عن الغيب الذي سيقع في المستقبل, يعتبر من معجزاته صلى الله عليه وسلم,
وهو ما نراه ونعانيه في زماننا اليوم, بل ما أكثر هذه الدعوات الجاهلية بين أبناء
الأمة الواحدة, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال الإمام النووي
رحمه الله:
«ومعناه أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب ولكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء
والحروب والفتن»(70).
وقال الإمام المناوي
رحمه الله:
«"إن الشيطان قد يئس" في رواية "أيس أن يعبده المصلون" أي من أن يعبده المؤمنون
يعني من أن تعبد الأصنام ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ
الشَّيْطَانَ﴾[مريم:44], قال البيضاوي رحمه الله تعالى: عبادة الشيطان
عبادة الصنم بدليل جعل عبادة الصنم عبادته لأنه الآمر به الداعي إليه وعبر عن المؤمنين
بالمصلين كما في حديث "نهيت عن قتل المصلين"(71)
لأن الصلاة هي الفارقة بين الإيمان والكفر وأظهر الأفعال الدالة على الإيمان فالمراد
أن الشيطان أيس أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم ويرتد إلى شركه في جزيرة العرب
وارتداد بعض لا ينافي يأسه فلا يرد نقضا أو لأنهم لم يعبدوا الصنم أو لأن المراد أن
بين المصلين لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان, "ولكن
في التحريش بينهم"... أي يسعى في التحريش أي في إغراء بعضهم على بعض
وحملهم على الفتن والحروب والشحناء ... قال بعض الأئمة: إنما خص جزيرة العرب لأنها
مهبط الوحي»(72).
وقد يؤدي الخلاف
والنزاع إلى الاقتتال تحت هذه الدعوات الجاهلية, ولذلك حذر النبي صلى الله عليه
وسلم من خطورة هذا الأمر, فعن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "من قتل تحت راية عمية يدعو
عصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية"(73).
وفي رواية أخرى عن أبي
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ومن
قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية ومن
خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاش من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني
ولست منه"(74).
قال الإمام النووي
رحمه الله:
«ومن قاتل تحت راية عمية" هي بضم العين
وكسرها لغتان مشهورتان والميم مكسورة مشددة والياء مشددة أيضا قالوا هي الأمر الأعمى
لا يستبين وجهه... قوله صلى الله عليه وسلم "يغضب
لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة"... ومعناها أنه يقاتل لشهوة
نفسه وغضبه لها ويؤيد الرواية الأولى الحديث المذكور بعدها يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة
ومعناه إنما يقاتل عصبية لقومه وهواه قوله صلى الله عليه وسلم "ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها"
وفي بعض النسخ "يتحاشي" بالياء ومعناه
لا يكترث بما يفعله فيها ولا يخاف وباله»(75).
وعن أنس رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما
أو مظلوما، فقال رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟
قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره"(76).
قال الإمام
المناوي رحمه الله: «"انصر أخاك"
في رواية أعن أخاك في الدين "ظالما"
بمنعه الظلم من تسمية الشيء بما يؤول إليه وهو من وجيز البلاغة "أو مظلوما" بإعانته على ظالمه وتخليصه منه
"قيل" يعني قال أنس: "كيف أنصره ظالما" يا رسول الله "قال: تحجزه عن الظلم" أي تمنعه منه وتحول
بينه وبينه "فإن ذلك" أي منعه منه
"نصرة" له أي منعك إياه من الظلم
نصرك إياه على شيطانه الذي يغويه وعلى نفسه الأمارة بالسوء لأنه لو ترك على ظلمه جره
إلى الاقتصاص منه فمنعه من وجوب القود نصرة له وهذا من قبيل الحكم للشيء وتسميته بما
يؤول إليه وهو من عجيب الفصاحة ووجيز البلاغة»(77).
وعن جرير بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في
حجة الوداع: "استنصت الناس، فقال: "لا ترجعوا
بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"(78).
قال الإمام
النووي رحمه الله: «"استنصت الناس"
معناه مرهم بالانصات ليسمعوا هذه الأمور المهمة والقواعد التي سأقررها لكم وأحملكموها
وقوله في حجة الوداع سميت بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها وعلمهم
في خطبته فيها أمر دينهم وأوصاهم بتبليغ الشرع فيها إلى من غاب عنها فقال صلى الله
عليه وسلم ليبلغ الشاهد منكم الغائب»(79).
وأما معنى الحديث فقد تعددت فيه أقوال العلماء إلى سبعة
أقوال ذكرها الإمام النووي رحمه الله عند شرحه لهذا الحديث, قال الإمام النووي
رحمه الله: «"لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم
رقاب بعض" قيل في معناه سبعة أقوال: أحدها: أن ذلك كفر في حق
المستحل بغير حق, والثاني: المراد كفر النعمة وحق الإسلام, والثالث:
أنه يقرب من الكفر ويؤدى إليه, والرابع: أنه فعل كفعل الكفار, والخامس:
المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين, والسادس: حكاه الخطابي
وغيره أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح يقال تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه قال الأزهري
في كتابه تهذيب اللغة يقال للابس السلاح كافر والسابع: قاله الخطابي معناه لا
يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا قتال بعضكم بعضا وأظهر الأقوال الرابع وهو اختيار
القاضي عياض رحمه الله»(80).
وأما العقوبة في الآخرة لأصحاب هذه الدعوات الجاهلية, فقد
بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "ومن
ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم فقال رجل يا رسول الله وإن صلى وصام؟ قال:
وإن صلى وصام، فدعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله"(81).
قال
الإمام المباركفوري رحمه الله: «والمعنى من نادى في الإسلام بنداء الجاهلية وهو
أن الرجل منهم إذا غلب عليه خصمه نادى بأعلى صوته قومه يا آل فلان فيبتدرون إلى نصره
ظالماً كان أو مظلوماً, جهلا منهم وعصبية, وحاصل هذا الوجه يرجع أيضا إلى الوجه السابق
"فإنه" أي الداعي المذكور "من جثى جهنم" بضم الجيم مقصور أي: من جماعاتها
جمع جثوة بالحركات الثلاث وهي الحجارة المجموعة وروى من جُثيّ بتشديد الياء وضم الجيم
جمع جاث من جثى على ركبتيه يجثو ويجثي ... "وإن صلى
وصام" أي ولو صلى وصام»(82).
خاتمة:
وبعد
أن عرفنا هذه الحلول الشرعية لهذه الأزمات التي تواجهها بلادنا, وجب على كل مسلم
أن يسعى جاهداً لتحقيق هذه الحلول الشرعية بقدر استطاعته, امتثالاً لأمر الله عز
وجل القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ
لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾[الأنفال:24].
فإذا
وجد الاستعداد الكامل من قِبَل الحاكم والمحكوم للالتزام بالحلول الشرعية ورد
الأمر إلى الله والرسول عند التنازع, وعمل ولاة الأمر على إقامة العدل والمساواة,
ورفع الظلم, ورد المظالم إلى أهلها.. وعملوا على تطبيق أحكام الشريعة وإقامة
الحدود دون تمييز بين شريف وضعيف, وأديت الأمانة كما أمر الله تعالى بتوسيد الأمر
إلى أهله، وتقديم أصحاب الكفاءة دون تمييز على أساس حزبي أو مناطقي أو غير ذلك,
وإذا قدمت النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم وقال الناس كلمة الحق وأمروا بالمعروف ونهوا
عن المنكر, وأقيم العدل مع الحاكم والمحكوم, وشاور الولاة أهل الحل والعقد, وعمل
الجميع على تعميق مبدأ الأخوة, والحفاظ على وحدة الأمة, ونبذ العصبية الجاهلية,
ورفض الدعوة إلى الانقسام والتمزق, عند ذلك سنجد وعد الله عز وجل يتحقق, ليعيش
الناس الحياة الطيبة كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ
صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[النحل:97].
ولنتذكر
تاريخنا الماضي, وكيف عاش أجدادنا في نعمة ورخاء أغدقها المولى سبحانه عليهم, فلما
خالفوا أمر الله تعالى أرسل عليهم سيل العرم الذي قلب عليهم النعمة إلى نقمة, كما
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ
آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا
لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ* فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ
الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ
وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾[سبأ:15-16].
وهذه
سنة الله عز وجل لا تزال جارية في كل وقت وحين, فإعراضنا عن منهج الله تعالى,
وإصرارنا على الذنوب والمعاصي, هي التي أوصلتنا إلى هذه الحال التي نشكو منها, وقد
قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ
فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى :
30].
وهذه
الحلول التي تطرقنا إليها تعتبر نقاطاً أساسية عامة, تندرج تحتها أمور تفصيلية,
ذكرها علماء اليمن في بياناتهم, وطالبوا بتنفيذها, ثم إنَّ ذكرنا لهذه الحلول ليس
على سبيل الحصر, وإنما هذا ما تيسر جمعه في هذا الموضوع, فإن أصبنا فمن الله وإن
أخطأنا فمن أنفسنا والشيطان, ونسأل الله تعالى أن يصلح العباد والبلاد, وأن يجنب
بلادنا الفتن, إنه ولي ذلك والقادر عليه..
والحمد
لله رب العالمين
وصلى
الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
إعداد: رياض عيدروس عبد الله
***
(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير 2/211,
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 4/416,
برقم 1803
(2) تفسير النسفي 1/170.
(3) تفسير أبي السعود,4/33.
(4) تفسير القرطبي,16/274
(5) أضواء البيان 1/406.
(6) أضواء البيان, 7/417.
(7) ديوان علي بن أبي طالب,1/ 30
(8)
انظر زهر الأكم في الأمثال و الحكم, 1/ 109.
(9) تفسير ابن كثير,4/277.
(10) تفسير أبي السعود 4/82.
(11) تفسير أبي السعود,4/82.
(12) فتح القدير,4/ 19.
(13) تفسير القرطبي,16/275.
(14) زاد المسير 8/ 251.
(15) تفسير ابن كثير,2/417.
(16) تفسير البغوي,1/ 364.
(17) التفسير الكبير,27/135.
(18)
تفسير ابن كثير، 2/ 255.
(19) زاد المعاد,3/56, وانظر الرحيق المختوم,1/ 144.
(20) صحيح مسلم,3/1340, برقم: 1715.
(21) شرح النووي على مسلم,12/11.
(22)
رواه مسلم، 4/1999 برقم: 2586.
(23) عمدة القاري,22/107.
(25) فيض القدير,5/ 514.
(26) صحيح مسلم,4/1999.برقم: 2586.
(27) صحيح مسلم,4/1999, برقم: 2586, واللفظ له, ومسند أحمد بن حنبل,4 / 271,
برقم: 18417, قال الألباني: (صحيح), السلسلة الصحيحة,6/66, برقم: 2526.
(28) فيض القدير,6/259.
(29) مسند أحمد بن حنبل,5/ 340, برقم:22928, قال الألباني: (صحيح), السلسلة الصحيحة,3/129,
برقم: 1137.
(30) فيض القدير,6/254.
(31) صحيح البخاري,2/863, برقم: 2314.
(32) فيض القدير,6/252.
(33) سنن أبي داود,2/697, برقم: 4918, قال الشيخ الألباني: (حسن), السلسلة الصحيحة,2/
596, برقم: 926.
(34) عون المعبود,13/178.
(35) فيض القدير, 6/ 252.
(36) شعب الإيمان للبيهقي,6/ 272, والحديث روي عن مكحول مرسلاً وعن ابن عمر
مرفوعاً، قال البيهقي عن رواية مكحول: أنه مع إرساله أصح, قال الشيخ الألباني: (حسن),
وزاد عبارة (وإن سيق انساق), السلسلة الصحيحة,2/ 609, برقم:936.
(37) فيض القدير, 6/258.
(38)
روه أحمد، 5/ 411برقم: 23536، قال شعيب
الأرنؤوط: «إسناده صحيح», وصححه الألباني في السلسلة,
6/203,برقم:2700.
(39) صحيح البخاري, 2/862, برقم:2310.
(40) فتح الباري, 5/97.
(41) تحفة الأحوذي,6/46.
(42)
أخرجه مسلم، 4/1986, برقم: 2564.
(45) تحفة الأحوذي ,6/ 46.
(46) صحيح مسلم,4/1986, برقم:2564.
(47) صحيح مسلم,4/1986, برقم:2564.
(48) فيض القدير,2/277.
(49) ديوان أبي العتاهية,1/170.
(50)
تحفة الأحوذي,6/46.
(51)
شرح الأربعين نووية,1/90.
(52) قرية بالشام, انظر فيض القدير, 1/232.
(53)
رواه الترمذي، 4/ 465 برقم: 2165،قال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 2546 في
صحيح الجامع، والجامع الصغير وزيادته،1/432 برقم: 4311.
(54) فيض القدير,5/476.
(55) صحيح البخاري،3/ 1296 برقم:
3330، و مسلم، 4/ 1998برقم: 2584.
(56)
انظر فتح الباري,1/183.
(57) انظر فتح الباري,6/547.
(58) عمدة القاري,16/88.
(59) صحيح البخاري,4/1861, برقم: 4622.
(60) شرح النووي على مسلم,16/138.
(61) عمدة القاري,16/88.
(62) صحيح البخاري،3/ 1296 برقم:
3330، و مسلم، 4/ 1998برقم: 2584.
(63) صحيح البخاري,4/1861, برقم: 4622.
(64)
شرح النووي على مسلم,16/137.
(65)
أضواء البيان,3/43.
(66) سنن الترمذي,5/734, برقم:3955, قال الألباني: (حسن صحيح), انظر صحيح الترغيب
والترهيب,3/69, برقم: 2922.
(67) عون المعبود,14/16.
(68)
تحفة الأحوذي,10/317.
(69)
أخرجه مسلم، 4/ 2166 برقم:2812.
(70) شرح النووي على مسلم, 17/156.
(71) سنن أبي داود,2/ 700, برقم:
4928,
قال الشيخ الألباني: (صحيح), انظر الجامع الصغير وزيادته,1/428.
(72) فيض القدير,2/356.
(73)
صحيح مسلم, 3/ 1478 برقم: 1850
(74)
صحيح مسلم,3/1476, برقم:1848.
(75)
شرح النووي على مسلم,12/238.
(76)
رواه البخاري، 6/2550 برقم: 6552.
(77) فيض القدير,3/58.
(78)
أخرجه البخاري، 1/ 56 برقم:121، ومسلم، 1/81 برقم:65.
(79)
شرح النووي على مسلم,2/56.
(80) شرح النووي على مسلم,2/55.
(81)
رواه الترمذي،5/ 148 برقم: 2863، قال الشيخ الألباني: (صحيح), انظر صحيح الترغيب
والترهيب, 1/133.
(82) تحفة الأحوذي,8/132.