الحلول
الشرعية للأزمة اليمنية
(الجزء
الثالث)
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين,
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. وبعد,,
دين الله عز وجل هو
الدين الكامل والشامل لكل جوانب الحياة, كما قال سبحانه: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا
فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام : 38], وما من قضية أو
مشكلة يواجهها المسلم في حياته إلا ويجد لها حلاً في هذه الشريعة العظيمة التي
تميزت بالثبات والمرونة وجمعت بين الأصالة والمعاصرة ، ففي اتباع هذه الشريعة
الشفاء الناجع لكل داء يعرض لهذه الأمة, قال تعالى:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى
وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾[النحل: 89], فإذا ما
استجد للمسلمين أمرٌ أو نزلت بهم نازلة أو تنازع المسلمون في أمرٍ من أمور دينهم
أو دنياهم كان المرجع في ذلك كتاب الله عز
وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فلم يترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
شيئاً يحتاج إلى بيان إلّا وجلّاه لنا, فعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: "تَرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي الْهَوَاءِ ، إِلا وَهُوَ يُذَكِّرُنَا
مِنْهُ عِلْمًا، قَالَ: فَقَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بَقِيَ
شَيْءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الْجَنَّةِ ، ويُبَاعِدُ مِنَ النَّارِ ، إِلا وَقَدْ
بُيِّنَ لَكُمْ"
(1).
ولقد جاء الإسلام
لينظم العلاقة بين العباد وخالقهم وبين العباد مع بعضهم البعض ومن ذلك تنظيم
العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وما ظهر النزاع بين الحاكم والمحكوم, في أي قطر
من أقطار الأرض إلّا بسبب مخالفة الشرع الحنيف من أحد الجانبين أو من كليهما.
وفي هذا البحث المختصر نحاول أن نضع بعض الحلول الشرعية المقترحة للخروج من الأزمة اليمنية الحالية.
وقد توصلنا في المباحث
السابقة إلى الحل الرابع ونواصل في شرح هذه الحلول الشرعية ومع الحل الخامس:
(الحل الخامس)
أداء الأمانة بتوسيد
الأمر إلى أهله، وتقديم أصحاب الكفاءة دون تمييز على أساس حزبي أو مناطقي أو ..
من الحلول لهذه الأزمة تسليم الأمر إلى
أهله بوضع الشخص المناسب في مكانه
المناسب, فهذا من الأمانة التي افترضها الله على عباده.
وحتى تسير سياسة البلاد على حكمة ودراية, لابد
من الاعتناء بهذا الجانب, فالمتخصص في أمرٍ ما لا يناسب أن يكلف بعملٍ آخر بعيد عن
تخصصه, لأن هذا من العبث في تسيير الأمور, وهذا ما نشكو منه اليوم, حيث يوسد
الأمر إلى غير أهله بناء على
مقاييس غير شرعية, كأن يكون من نفس القبيلة أو العشيرة, أو الجماعة, أو الحزب, أو
غير ذلك..
وهذا من خيانة الأمانة التي تبرأت منها
السماوات والأرض, وقد جاء التحذير من ذلك في كتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم,
ولنستعرض بعضاً من هذه الأدلة:
أولاً:
الأدلة من القرآن الكريم:
أمر
الله عز وجل عباده بأن يؤدوا الأمانات إلى أهلها, فأهلها هم القادرون على حملها,
وأهلها هم الذين يحملونها على أحسن وجه, فلا يجوز أن تؤدى إلى غيرهم, قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا
الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا
بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً
بَصِيراً﴾[النساء : 58].
قال
الإمام الشوكاني رحمه الله: «هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير
من أحكام الشرع لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات وقد روي عن
علي وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب أنها خطاب لولاة المسلمين والأول أظهر وورودها على
سبب كما سيأتي لا ينافي ما فيها من العموم فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
كما تقرر في الأصول ويدخل الولاة في هذا الخطاب دخولا أولياً فيجب عليهم تأدية ما
لديهم من الأمانات ورد الظلامات وتحري العدل في أحكامهم ويدخل غيرهم من الناس في
الخطاب فيجب عليهم رد ما لديهم من الأمانات والتحري في الشهادات والأخبار وممن قال
بعموم هذا الخطاب: البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب واختاره جمهور
المفسرين ومنهم ابن جرير وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها: الأبرار
منهم والفجار كما قال ابن المنذر والأمانات جمع أمانة وهي مصدر بمعنى المفعول»(2).
وحكاية
عن نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام, وطلبه بأن يجعله الملك على خزائن الأرض,
لأنه لا يوجد من هو أكفأ منه في حمل هذه الأمانة, لإخراج مصر من الأزمة التي حلت
بها, قال تعالى: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي
بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ
لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ*قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ
عَلِيمٌ ﴾[يوسف:54-55].
قال
الإمام الشوكاني رحمه الله في قوله تعالى: ﴿قال
اجعلني على خزائن الأرض﴾ «أي: ولني أمر الأرض التي أمرها إليك
وهي أرض مصر أو اجعلني على حفظ خزائن الأرض وهي الأمكنة التي تخزن فيها الأموال,
طلب يوسف عليه الصلاة والسلام منه ذلك ليتوصل به إلى نشر العدل ورفع الظلم ويتوسل
به إلى دعاء أهل مصر إلى الإيمان بالله وترك عبادة الأوثان وفيه دليل على أنه يجوز
لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه
من الباطل طلب ذلك لنفسه ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها ترغيبا فيما
يرومه وتنشيطا لمن يخاطبه من الملوك بإلقاء مقاليد الأمور إليه وجعلها منوطة به
ولكنه يعارض هذا الجواز ما ورد عن نبينا صلى الله عليه وسلم من النهي عن طلب
الولاية والمنع من تولية من طلبها أو حرص عليها»(3).
وفي
قصة نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام, وكيف تم اختياره, بناء على ما شاهدوا من
قوته وأمانته, كما قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا
يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾[القصص:26].
قال
الإمام السيوطي: «قال لها أبوها: ما رأيت من قوته وأمانته ؟ فأخبرته بالأمر
الذي كان قالت: أما قوته فانه قلب الحجر وحده وكان لا يقلبه إلا النفر وأما أمانته
فانه قال: امشي خلفي وأرشديني الطريق لأني امرؤ من عنصر إبراهيم عليه السلام لا يحل
لي منك ما حرم الله تعالى»(4). وقيل إنه
عليه السلام قال: «امشي خلفي وانعتي لي الطريق وأنا أمشي أمامك فإنا لا
ننظر إلى أدبار النساء»(5).
فالأمانة
شأنها عظيم, ولو أدرك الإنسان ذلك لما كان من المتسابقين, على الولايات والمناصب,
ولما وسد الأمر إلى غير أهله من قبل الحكام, فقد تبرأت من هذه الأمانة السماوات
والأرض, والجبال, وقبل الإنسان أن يتحملها, لظلمه لنفسه, ولجهله بحقيقة الأمر, كما
أخبرنا سبحانه في كتابه بقوله: ﴿إِنَّا
عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ
يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً
جَهُولًا ﴾[الأحزاب:72].
قال
الإمام أبو السعود في تفسيره: «لما بين عظم شأن طاعة الله ورسوله ببيان مآل
الخارجين عنها من العذاب الأليم ومنال المراعين لها من الفوز العظيم عقب ذلك ببيان
عظم شأن ما يوجبها من التكاليف الشرعية وصعوبة أمرها بطريق التمثيل مع الإيذان بأن
ما صدر عنهم من الطاعة وتركها صدر عنهم بعد القبول والالتزام وعبر عنها بالأمانة؛
تنبيها على إنها حقوق مرعية أودعها الله تعالى المكلفين وائتمنهم عليها واوجب
عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد وأمرهم بمراعاتها والمحافظة عليها وأدائها من
غير إخلال بشيء من حقوقها»(6).
وبين
رحمه الله تعالى معنى عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض فقال: «وعبر عن
اعتبارها بالنسبة إلى استعداد ما ذكر من السموات وغيرها بالعرض عليها لإظهار مزيد
الاعتناء بأمرها والرغبة في قبولهن لها وعن عدم استعدادهن لقبولها بالإباء
والإشفاق منها لتهويل أمرها وتربية فخامتها وعن قبولها بالحمل لتحقيق معنى الصعوبة
المعتبرة فيها بجعلها من قبيل الأجسام الثقيلة التي يستعمل فيها القوى الجسمانية
التي أشدها وأعظمها ما فيهن من القوة والشدة والمعنى أن تلك الأمانة في عظم الشأن
بحيث لو كلفت هاتيك الأجرام العظام التي هي مثل في القوة والشدة مراعاتها وكانت
ذات شعور وإدراك لأبين قبولها وأشفقن منها»(7).
ثم
بين رحمه الله تعالى معنى قبول الإنسان لحمل هذه الأمانة فقال: «﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾أي: عند
عرضها عليه إما باعتبارها بالإضافة إلى استعداده أو بتكليفه إياها يوم الميثاق أي
تكلفها والتزمها مع ما فيه من ضعف البنية ورخاوة القوة وهو إما عبارة عن قبوله لها
بموجب استعداده الفطري أو عن اعترافه بقوله بلى وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا﴾
اعتراض وسط بين الحمل وغايته للإيذان من أول الأمر بعدم وفائه بما عهده وتحمله أي إنه
كان مفرطا في الظلم مبالغا في الجهل أي بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب
فطرتهم السليمة أو اعترافهم السابق دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله
تبديلا»(8).
وقد
حذر الله تعالى عباده المؤمنين من خيانة هذه الأمانة, لأن ذلك من خيانة الله
ورسوله, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ
وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:27].
قال
الإمام
البغوي: «قال قتادة: اعلموا أن دين الله أمانة فأدوا إلى الله عز وجل ما
ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده ومن كانت عليه أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها»(9).
ثانياً:
الأدلة من السنة النبوية:
وفي
السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم الكثير من الأدلة التي تحث على
أداء الأمانة إلى أهلها, وتحذر من التفريط في ذلك, فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله
عنه قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم: "إذا
ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قال كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يا
رَسُولَ اللَّهِ قال: إذا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ
السَّاعَةَ"(10).
قال
الإمام بدر الدين العيني: «"إذا أسند
الأمر إلى غير أهله" والمراد من الأمر جنس الأمور التي تتعلق بالدين
كالخلافة والسلطنة والإمارة والقضاء والإفتاء وقال الكرماني "أسند الأمر" أي فوض المناصب إلى
غير مستحقيها كتفويض القضاء إلى غير العالم بالأحكام كما هو في زماننا»(11).
وانظر
إلى كلام الكرماني رحمه الله عندما قال: كما هو في زماننا فكيف لو رأى ما يجري في
زماننا اليوم من أمورٍ تحير العقلاء! كيف لو رأى الجاهل وهو يصبح سيداً للقوم!
وكيف لو رأى المناصب توزع على من عرفوا بخيانة الأمانة! وكيف لو رأى أهل المجون من
الفنانين والفنانات وهم يرشحون أنفسهم للمناصب العالية! كيف لو رأى الرويبضة ينطق
بين العامة بل ويسوس أمورهم! كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم: "قال تأتي على الناس
سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها
الأمين وينطق فيهم الرويبضة قيل يا رسول الله وما الرويبضة قال الرجل التافه يتكلم
في أمر العامة"(12).
جاء
في شرح سنن ابن ماجه: «قوله "سيأتي
على الناس سنوات خداعات" الخداع المكر والحيلة و إضافة الخداع إلى
السنوات مجازية والمراد أهل السنوات... أي يكثر فيها الأمطار ويقل الريع فذلك
خداعها لأنها تطمعهم في الخصب بالمطر ثم تخلف وقيل الخداعة القليلة المطر من خدع
الريق إذا جف...والرجل التافه الرذيل والحقير "والرويبضة"
تصغير رابضة وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور»(13).
أليس
ما جاء في هذا الحديث العظيم هو ما نشاهده في زماننا اليوم من تسليم زمام الأمور
إلى أناسٍ غير قادرين على القيام بها, كل ذلك على أساسٍ عنصري, أو طائفي, أو حزبي,
فنسأل الله العفو والعافية.
والنبي
صلى الله عليه وسلم أمّر أسامة بن زيد وهو من الموالي وقد أمّره على جيش فيه
أبوبكرٍ وعمر رضي الله عنهما؛ لأنه كان أهلاً لها, فعن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ رضي
الله عنهما قال: "بَعَثَ النبي صلى الله عليه وسلم بَعْثًا وَأَمَّرَ عليهم
أُسَامَةَ بن زَيْدٍ فَطَعَنَ بَعْضُ الناس في إِمَارَتِهِ فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: "إن
تَطْعُنُوا في إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ في إِمَارَةِ أبيه من
قَبْلُ وَأيْمُ اللَّهِ إن كان لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ وَإِنْ كان لَمِنْ
أَحَبِّ الناس إلي وَإِنَّ هذا لَمِنْ أَحَبِّ الناس إلي بَعْدَهُ"(14).
قال
الإمام ابن حجر رحمه الله: «وقوله: "إن
تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه" أي إن طعنتم فيه
فأخبركم بأنكم طعنتم من قبل في أبيه والتقدير إن تطعنوا في إمارته فقد أثمتم بذلك
لأن طعنكم بذلك ليس حقا كما كنتم تطعنون في إمارة أبيه وظهرت كفايته وصلاحيته
للإمارة وأنه كان مستحقا لها فلم يكن لطعنكم مستند فلذلك لا اعتبار بطعنكم في
إمارة ولده ولا التفات إليه وقد قيل إنما طعنوا فيه لكونه مولى»(15).
وقال
الإمام النووي رحمه الله: «"وإن كان
لخليقا للإمارة" أي حقيقاً بها, فيه جواز إمارة العتيق وجواز
تقديمه على العرب وجواز تولية الصغير على الكبار فقد كان أسامة صغيراً جداً توفي
النبي صلى الله عليه وسلم وهو بن ثمان عشرة سنة وقيل عشرين, وجواز تولية المفضول
على الفاضل للمصلحة»(16).
وقال
المباركفوري: «وفيه جواز إمارة المولى وتولية الصغار على الكبار
والمفضول على الفاضل لأنه كان في الجيش الذي كان عليهم أسامة أبو بكر وعمر»(17).
وحذر
النبي صلى الله عليه وسلم من طلب الإمارة والتطلع إليها, فعن عبد الرحمن بن سمرة
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا
تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت
إليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن
يمينك"(18).
قال الإمام بدر الدين العيني: «وفيه كراهة سؤال ما
يتعلق بالحكومة نحو القضاء والحسبة ونحوهما وأن من سأل لا يكون معه إعانة من الله
تعالى فلا يكون له كفاية لذلك العمل فينبغي أن لا يولى، قلت -والكلام للعيني- إذا كان عن مجرد السؤال
فما يكون حال من يسأل بالرشوة ويجتهد فيه خصوصا في غالب قضاة مصر فلا يتولون إلا
بالبراطيل والرشى ولا يخاف من استحقاق اللعنة من الله تعالى في ذلك»(19).
وبناء على
ما سبق فلا يجوز لولي الأمر أن يختار
للولاية من يحرص عليها كما ورد في الحديث عن أبي موسى قال: أقبلت إلى النبي صلى
الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ورسول
الله صلى الله عليه وسلم يستاك فكلاهما سأل فقال:
"يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس" قال قلت: والذي بعثك بالحق ما
أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل فكأني أنظر إلى سواكه تحت
شفته قلصت فقال "لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده ولكن اذهب أنت يا أبا
موسى أو يا عبد الله بن قيس إلى اليمن"(20).
قال الإمام ابن حجر رحمه الله: «قال
المهلب لما كان طلب العمالة دليلا على الحرص ابتغى أن يحترس من الحريص فلذلك قال صلى الله
عليه وسلم لا نستعمل على عملنا من أراده وظاهر الحديث منع تولية من يحرص على
الولاية إما على سبيل التحريم أو الكراهة وإلى التحريم جنح القرطبي ولكن يستثنى من
ذلك من تعين عليه»(21).
ولو
أدرك الناس حقيقة الولاية وعظم الأمانة التي يتحملونها لفروا منها؛ لأن من ولي
شيئاً وجب عليه أن يبذل كل ما في وسعه من أجل مصلحة رعيته, وإلا لكان غاشاً لهم, فعن
الحسن أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه فقال له معقل
إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت النبي صلى الله عليه
وسلم يقول: "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ
اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ
الْجَنَّةِ"(22).
وفي
صحيح مسلم عن معقل بن يسار المزني قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش
لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة"(23).
قال
الإمام ابن حجر رحمه الله: «وحاصل الروايتين أنه أثبت الغش في إحداهما
ونفى النصيحة في الأخرى فكأنه لا واسطة بينهما ويحصل ذلك بظلمه لهم بأخذ أموالهم
أو سفك دمائهم أو انتهاك أعراضهم وحبس حقوقهم وترك تعريفهم ما يجب عليهم في أمر
دينهم ودنياهم وبإهمال إقامة الحدود فيهم وردع المفسدين منهم وترك حمايتهم ونحو
ذلك... وقال بن بطال: هذا وعيد شديد على أئمة الجور فمن ضيع من استرعاه الله أو
خانهم أو ظلمهم فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة فكيف يقدر على
التحلل من ظلم أمة عظيمة ومعنى "حرم الله عليه
الجنة" أي أنفذ الله عليه الوعيد ولم يرض عنه المظلومين»»(24).
قال
الإمام ابن الأمير الصنعاني: «ومن ذلك توليته لمن لا يحوطهم ولا يراقب أمر الله
فيهم وتوليته من غيره أرضى لله عنه مع وجوده، والأحاديث دالة على تحريم الغش وأنه من
الكبائر لورود الوعيد عليه بعينه، فإن تحريم الجنة هو وعيد الكافرين في القرآن كما
قال تعالى: ﴿فقد حرم الله عليه الجنة﴾ [المائدة:72] وهو على رأي من يقول بخلود أهل الكبائر
في النار واضح، وقد حمله من لا يرى خلود أهل الكبائر في النار على الزجر والتغليظ،
قال ابن بطال: هذا وعيد شديد على أئمة الجور فمن ضيع من استرعاه الله أو خانهم أو ظلمهم،
فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة»(25).
وعن
عبد الله بن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ
الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ
وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا
وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ
أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ
رَعِيَّتِهِ"(26).
قال
الإمام المناوي: «"كلكم راعٍ"
أي حافظ ملتزم بإصلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره "وكل
راعٍ مسؤل عن رعيته" في الآخرة فهو مطلوب بالعدل فيه وإن وفّى ما عليه
من الرعاية حصل له الحظ الأوفر وإلا طالبه كل أحد منهم بحقه في الآخرة "فالإمام" الأعظم أو نائبه "راعٍ" فيمن ولي عليهم "وهو مسئول عن رعيته" هل راعى حقوقهم أو لا
"والرجل راعٍ في أهله" زوجته وغيرها
"وهو مسئول عن رعيته" هل وفاهم حقهم
من نحو نفقة وكسوة وحسن عشرة "والمرأة راعية في
بيت زوجها" بحسن تدبير المعيشة والنصح
له والشفقة والأمانة وحفظ نفسها وماله وأطفاله وأضيافه
"وهي مسؤلة عن رعيتها" هل قامت بما عليها أو لا فإذا أدخل الرجل
قُوْتَه بيته فالمرأة أمينة عليه »(27).
وحذر
النبي صلى الله عليه وسلم من تَوَلِّي القضاء, لما فيه من مسؤولية عظيمة, فعن أبي
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من جعل
قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين", وفي رواية أبي داود "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين"(28).
قال
صاحب عون المعبود: «قال بن الصلاح المراد ذبح من حيث المعنى لأنه بين عذاب
الدنيا إن رشد وبين عذاب الآخرة إن فسد, وقال الخطابي ومن تبعه: إنما عدل عن الذبح
بالسكين ليعلم أن المراد ما يخاف من هلاك دينه دون بدنه وهذا أحد الوجهين والثاني:
أن الذبح بالسكين فيه إراحة للمذبوح وبغير السكين كالخنق وغيره يكون الألم فيه
أكثر فذكر ليكون أبلغ في التحذير, قال الحافظ في التلخيص: ومن الناس من فتن بحب
القضاء فأخرجه عما يتبادر إليه الفهم من سياقه فقال إنما ذبح بغير سكين إشارة إلى
الرفق به ولو ذبح بالسكين لكان عليه أشق ولا يخفى فساده»(29).
وبغض النظر
عن تعدد الآراء في فهم اللفظ الذي دل عليه الحديث فالذي يهمنا في المسألة هو
التحذير الشديد من تولي القضاء والحرص عليه, فقد تابع صاحب عون المعبود
كلامه قائلاً: «دل الحديث على التحذير من ولاية القضاء والدخول فيه كأنه يقول من
تولى القضاء فقد تعرض لذبح نفسه فليحذره وليتوقه فإنه إن حكم بغير الحق مع علمه به
أو جهله له فهو في النار والمراد من ذبح نفسه إهلاكها أي فقد أهلكها بتوليه القضاء
وإنما قال: "بغير سكين" للإعلام
بأنه لم يرد بالذبح قطع الأوداج الذي يكون غالبا بالسكين بل أريد به إهلاك النفس
بالعذاب الأخروي»(30).
وقال المناوي رحمه الله تعالى: «"من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين" أي
فقد عرض نفسه لعذاب يجد فيه ألما كألم الذبح بغير سكين في صعوبته وشدته وامتداد
مدته شبه به التولية لما في الحكومة من الخطر والصعوبة أو ذبح بحيث لا يرى ذبحه أو
المراد أن التولية إهلاك لكن لا بآلة محسوسة فينبغي أن لا يتشوق إليه ولا يحرص
عليه قال التوربشتي: شتان ما بين الذبحين فإن الذبح بالسكين عناء ساعة والآخر عناء
عمره أو المراد أنه ينبغي أن تموت جميع دواعيه الخبيثة وشهواته الردية فهو مذبوح
بغير سكين فعلى هذا القضاء مرغب فيه وعلى ما قبله محذر منه قال المظهر: خطر القضاء
كثير وضرره عظيم لأن النفس مائلة لما تحبه ومن له منصب يتوقع جاهه أو يخاف سلطنته
ويميل إلى الرشوة وهما الداء العضال وما أحسن قول ابن الفضل:
ولمـا أن توليت القضـايا وفاض الجـور من كفيك فيضا
ذبحت
بغير سكين وإنـا لنرجو
الذبح بالسـكين أيضا»(31).
وبهذا نكون
قد وصلنا إلى نهاية المبحث الثالث من هذا الموضوع ويليه المبحث الرابع ..
والحمد
لله رب العالمين
وصلى
الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
إعداد: رياض عيدروس عبد الله
***
(1)
رواه الطبراني في المعجم الكبير 2/211, وصححه الألباني في
السلسلة الصحيحة 4/416, برقم 1803
(2) فتح القدير 1/ 725.
(3) فتح القدير 3/51.
(4) الدر المنثور 6/404.
(5) تفسير الطبري 10/58.
(6) تفسير أبي السعود 7/118.
(7) تفسير أبي السعود 7/118.
(8) تفسير أبي السعود 7/118.
(9) تفسير البغوي 1/247.
(10) صحيح البخاري 5/2382برقم: 6131.
(11) عمدة القاري 23/83.
(12) المستدرك على الصحيحين 4/512, وصححه
الألباني في الصحيحة 5/ 321 برقم: 2253.
(13) شرح سنن ابن ماجة,1/292
(14) صحيح البخاري 3/1365برقم: 3524.
(15) فتح الباري, 13/180.
(16) شرح النووي على مسلم 15/ 196.
(17) تحفة الأحوذي 10/217.
(18) صحيح البخاري6/2472, برقم: 6343.
(19) عمدة القاري 23/165.
(20) صحيح البخاري 6/2537, برقم: 6525.
(21) فتح الباري 4/440.
(22) صحيح البخاري 6/ 2614, برقم: 6731.
(23) صحيح مسلم 1/ 125.
(24) فتح الباري, 13/128.
(25) سبل السلام,7/ 158.
(26) صحيح البخاري 2/ 848, برقم: 2278.
(27) التيسير بشرح الجامع الصغير ـ للمناوي,2/ 429.
(28) أخرجه ابن ماجه,2/774,برقم:2308, وأبو
داود,2/322,برقم:3571, وصححه الألباني, انظر الجامع الصغير وزيادته,1/ 1114.
(29) عون المعبود شرح سنن أبي داود,9/352.
(30) نفس المرجع.
(31) فيض القدير 6/238.