الحلول
الشرعية للأزمة اليمنية
(الجزء
الأول)
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين,
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. وبعد,,
دين الله عز وجل هو
الدين الكامل والشامل لكل جوانب الحياة, كما قال سبحانه: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا
فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾[الأنعام : 38], وما من قضية أو مشكلة
يواجهها المسلم في حياته إلا ويجد لها حلاً في هذه الشريعة العظيمة التي تميزت
بالثبات والمرونة وجمعت بين الأصالة والمعاصرة، ففي اتباع هذه الشريعة الشفاء
الناجع لكل داء يعرض لهذه الأمة, قال تعالى:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى
وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾[النحل: 89], فإذا ما
استجد للمسلمين أمرٌ أو نزلت بهم نازلة أو تنازع المسلمون في أمرٍ من أمور دينهم
أو دنياهم كان المرجع في ذلك كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فلم يترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
شيئاً يحتاج إلى بيان إلّا وجلّاه لنا, فعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: "تَرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي الْهَوَاءِ، إِلا وَهُوَ
يُذَكِّرُنَا مِنْهُ عِلْمًا، قَالَ: فَقَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
مَا بَقِيَ شَيْءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الْجَنَّةِ، ويُبَاعِدُ مِنَ النَّارِ، إِلا
وَقَدْ بُيِّنَ لَكُمْ"
(1).
ولقد جاء الإسلام
لينظم العلاقة بين العباد وخالقهم وبين العباد مع بعضهم البعض ومن ذلك تنظيم
العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وما ظهر النزاع بين الحاكم والمحكوم في أي قطر
من أقطار الأرض إلّا بسبب مخالفة الشرع الحنيف من أحد الجانبين أو من كليهما.
وفي هذا البحث المختصر نحاول أن نضع بعض الحلول الشرعية المقترحة للخروج من الأزمة اليمنية الحالية.
ولنقف مع هذه الحلول
الشرعية في النقاط الآتية:
1-
الاستعداد الكامل من
قِبَل الحاكم والمحكوم للالتزام بالحلول الشرعية ورد الأمر إلى الله والرسول عند
التنازع.
2-
إقامة العدل
والمساواة, ورفع الظلم , ورد المظالم إلى أهلها..
3-
تطبيق أحكام الشريعة
وإقامة الحدود دون تمييز بين شريف وضعيف.
4-
إقامة مبدأ الشورى.
5-
أداء الأمانة بتوسيد
الأمر إلى أهله، وتقديم أصحاب الكفاءة دون تمييز على أساس حزبي أو مناطقي أو ...
6-
النصيحة لأئمة
المسلمين وعامتهم وقول كلمة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعدل مع
الحاكم والمحكوم.
7-
تعميق مبدأ الأخوة,
والحفاظ على وحدة الأمة, ونبذ العصبية الجاهلية, ورفض الدعوة إلى الانقسام والتمزق.
وسوف
نفصل في شرح هذه الحلول الشرعية مستعينين بالله عز وجل فيما يلي:
(الحل الأول)
الاستعداد
الكامل من قِبَل الحاكم والمحكوم للالتزام بالحلول الشرعية ورد الأمر إلى الله
والرسول عند التنازع:
لابد
لكل مسلم أن يكون لديه الاستعداد الكامل لقبول حكم الله تعالى وحكم رسوله صلّى اللّه
عليه وسلّم
فهذا من مقتضى الإيمان بل لا يكفي قبول الحكم الشرعي في الظاهر إذا لم يلازمه
التسليم المطلق مع الرضا الكامل في القلب, فضلاً عن أن يرد
المسلم التنازع إلى غير حكم الله تعالى وحكم رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم, والأدلة على ذلك
كثيرة نسوق منها مايلي:
أولاً:
الأدلة من القرآن الكريم
قال تعالى:
﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾[النساء:65].
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: «يقسم
تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكّم الرسول صلى الله عليه وسلم
في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا ولهذا قال:
﴿ ثم لا
يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في
أنفسهم حرجا مما حكمت به وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا
من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة»(2).
ولما كان من لوازم الإيمان
بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم الانقياد والطاعة والتسليم لأمر الله
ورسوله, كانت المخالفة لهذا الأمر معصية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم, وكان
المخالف قد سلك طريق الضلال كما قال
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا
مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ
الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلَالاً مُّبِيناً﴾[الأحزاب : 36]
قال
الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: لم
يكن لمؤمن بالله ورسوله ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله في أنفسهم قضاء أن يتخيروا
من أمرهم غير الذي قضى فيهم ويخالفوا أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما فيعصوهما ومن
يعص الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا ﴿
فقد ضل ضلالا مبينا﴾ يقول: فقد جار
عن قصد السبيل وسلك غير سبيل الهدى والرشاد وذكر أن هذه الآية نزلت في زينب بنت
جحش حين خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتاه زيد بن حارثة فامتنعت من
إنكاحه نفسها»
(3).
وكل
من ادعى حب الله تعالى كان لزاماً عليه أن يثبت حبه لله بطاعة رسوله صلى الله
عليه وسلم, لأن طاعته من طاعة الله, فقد قال سبحانه:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ
اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[آل
عمران:31].
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: «هذه
الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه
كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله
وأفعاله وأحواله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"(4), ولهذا قال:
﴿ قل إن
كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾, أي يحصل لكم فوق ما
طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم وهو أعظم من الأول كما قال بعض العلماء
الحكماء: ليس الشأن أن تُحِب إنما الشأن أن تُحَب وقال الحسن البصري وغيره من
السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾»(5).
ومرجع
المسلمين عند التنازع فيما بينهم هو الاحتكام إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى
الله عليه وسلم, فذلك من مقتضيات الإيمان, كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء : 59].
قال
الإمام ابن كثير رحمه الله: «وهذا
أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع
في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وما اختلفتم
فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾
فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال
ولهذا قال تعالى: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم
الآخر﴾ أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا
إليهما فيما شجر بينكم ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم
الآخر﴾ فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة
ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر وقوله ﴿ ذلك خير﴾
أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرجوع إليهما في فصل النزاع خير ﴿وأحسن تأويلا﴾ أي وأحسن عاقبة ومآلاً»(6).
فلا
يجوز أن يحسم الخلاف إلا بالتحاكم
إلى الكتاب والسنة سواء كان هذا الخلاف بين المسلمين أنفسهم أم بين المسلمين
والكفار فنحن مأمورون باتباع شرع الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ
إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
أُنِيبُ﴾[الشورى:10].
قال
البيضاوي في تفسيره لهذه الآية: «﴿وما
اختلفتم﴾ أنتم والكفار ﴿فيه من
شيء﴾ من أمر من أمور الدنيا أو الدين ﴿فحكمه إلى الله﴾ مفوض إليه يميز المحق
من المبطل بالنصر أو بالإثابة والمعاقبة وقيل ﴿وما
اختلفتم فيه﴾ من تأويل متشابه فارجعوا فيه إلى المحكم من كتاب الله
﴿ذلكم الله ربي عليه توكلت﴾ في
مجامع الأمور ﴿وإليه أنيب﴾ إليه
أرجع في المعضلات»(7).
كما
أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم, أن يحكم بين الناس بما جاء في كتاب الله
تعالى, فهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وأمر الله تعالى
لرسوله صلى الله عليه وسلم هو أمر للأمة قال تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا
أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ
جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ
إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ
تَخْتَلِفُونَ﴾[المائدة:48].
قال
الإمام الشوكاني: «قوله: ﴿فاحكم بينهم بما
أنزل الله﴾ أي: بما أنزله إليك في القرآن لاشتماله على جميع ما شرعه
الله لعباده في جميع الكتب السابقة عليه ﴿ولا تتبع
أهواءهم﴾ أي: أهواء أهل الملل السابقة وقوله: ﴿عما جاءك من الحق﴾ متعلق بلا تتبع على
تضمينه معنى لا تعدل أو لا تنحرف ﴿عما جاءك من الحق﴾
متبعا لأهوائهم وقيل متعلق بمحذوف: أي لا تتبع أهواءهم عادلا أو منحرفا عن الحق وفيه
النهي له صلى الله عليه وسلم عن أن يتبع أهوية أهل الكتاب ويعدل عن الحق الذي أنزله
الله عليه فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون الأمر على ما هم عليه وما أدركوا عليه
سلفهم وإن كان باطلا منسوخا أو محرفا عن الحكم الذي أنزله الله على الأنبياء»(8).
وقال
تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ
اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ
مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ
أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ
لَفَاسِقُونَ﴾[المائدة : 49].
فمن
تحاكم إلى غير شرع الله تعالى, كأن يتحاكم إلى الأعراف المخالفة للشرع, أو إلى
القوانين الوضعية التي وضعتها العقول البشرية القاصرة, فقد عاد بنفسه إلى
الجاهلية, وعدل عن الحق الذي أنزل من عند الله, وقدم أراء الرجال على حكم الله
الشامل الكامل, فالله عز وجل أعلم بعباده, وبما ينفعهم أو يضرهم, قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ
مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة : 50].
قال
الإمام ابن كثير رحمه الله بعد ذكر هذه الآية: «ينكر تعالى على من خرج
عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء
والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية
يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار
من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن
كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية
وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه
على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فهو كافر
يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير»(9).
ثانياً:
الأدلة من السنة النبوية:
وكذلك
في سنة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم, فقد
جاءت الأدلة الكثيرة لهذه المسألة, وهي التسليم
المطلق لهذا الشرع الحنيف, والرضا بأحكامه, والطاعة الكاملة, لحكم الله تعالى وحكم
رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من قبل الحاكم والمحكوم, فالكل عبيد لله تعالى, فعن
أبي هريرة- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "من أطاعني فقد أطاع اللّه، ومن عصاني فقد عصى اللّه،
ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنّما الإمام جنّة يقاتل
من ورائه، ويتّقى به، فإن أمر بتقوى اللّه وعدل فإنّ له بذلك أجرا، وإن قال بغيره؛
فإنّ عليه منه"(10).
قال
الإمام ابن حجر رحمه الله: «ويحتمل أن يكون المعنى لأن الله أمر بطاعتي
فمن أطاعني فقد أطاع أمر الله له بطاعتي وفي المعصية كذلك والطاعة هي الإتيان
بالمأمور به والانتهاء عن المنهي عنه والعصيان بخلافه قوله ومن أطاع أميري فقد
أطاعني في رواية همام والأعرج وغيرهما عند مسلم: ومن أطاع الأمير ويمكن رد اللفظين
لمعنى واحد فان كل من يأمر بحق وكان عادلا فهو أمير الشارع لأنه تولى بأمره
وبشريعته ويؤيده توحيد الجواب في الأمرين وهو قوله فقد أطاعني أي عمل بما شرعته
وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر أنه المراد وقت الخطاب ولأنه سبب ورود الحديث وأما
الحكم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ووقع في رواية همام أيضا ومن يطع الأمير
فقد أطاعني بصيغة المضارعة وكذا ومن يعص الأمير فقد عصاني وهو أدخل في إرادة تعميم
من خوطب ومن جاء من بعد ذلك»(11).
وقال
الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: «"الإمام
جنة" أي كالستر لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين ويمنع الناس
بعضهم من بعض ويحمي بيضة الإسلام ويتقيه الناس ويخافون سطوته ومعنى يقاتل من ورائه
أي يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقا»(12).
فطاعة
الله تعالى وطاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم, سبب لدخول الجنة والفوز في الدنيا
والآخرة, فعن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إلا من أَبَى
قالوا يا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قال من أَطَاعَنِي دخل الْجَنَّةَ وَمَنْ
عَصَانِي فَقَدْ أَبَى"(13).
قال
الإمام بدر الدين العيني: «قوله إلا من أبى أي امتنع عن قبول الدعوة أو
عن امتثال الأمر فإن قلت العاصي يدخل الجنة أيضا إذ لا يبقى مخلدا في النار قلت
يعني لا يدخل في أول الحال أو المراد بالإباء الامتناع عن الإسلام»(14).
(الحل الثاني)
إقامة العدل والمساواة ورفع الظلم ورد المظالم إلى أهلها
خلق
الله تعالى السماوات والأرض بالعدل, وهو سبحانه العدل, وأمر عباده بإقامة العدل, وحرم
سبحانه الظلم, على نفسه وجعله محرماً بين عباده, وأرسل الله تعالى رسوله ليرفع
الظلم عن المظلومين من أبناء الأمة, وليقيم العدل بينهم, وعلى هذا النهج سار خلفاؤه
من بعده, فكانت للإسلام شوكة وغلبة, ودخل الناس في دين الله أفواجاً, ليحظوا
بعدالة هذا الدين العظيم, وقد أمر الله عز وجل في كتابه بإقامة هذا المبدأ العظيم,
ولنذكر بعضاً من هذه الأدلة, من كتاب الله, ثم نذكر ما جاء في سنة رسوله صلى الله
عليه وسلم.
أولاً:
الأدلة من القرآن الكريم:
قال
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:90].
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: «يخبر
تعالى أنه يأمر عباده بالعدل وهو القسط والموازنة ويندب إلى الإحسان كقوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو
خير للصابرين﴾[النحل: 126], وقوله: ﴿وجزاء
سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: 40] وقال: ﴿والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له﴾[المائدة:
45] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على شرعية العدل والندب إلى الفضل»(15).
وأمر
الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعدل بين الناس مع أنه صلى الله عليه وسلم أعدل
الناس, وأتقاهم لله, وأخشاهم له؛ ليكون أمراً له صلى الله عليه وسلم ولأمته من
بعده, قال تعالى: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ
وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما
أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا
وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا
وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾[الشورى:
15].
قال
الإمام ابن كثير رحمه الله: «وقوله ﴿وأمرت
لأعدل بينكم﴾ أي في الحكم كما أمرني الله»(16).
قال
الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: «وقوله: ﴿وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم﴾
يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب فأسير
فيكم جميعا بالحق الذي أمرني به وبعثني بالدعاء إليه, كالذي حدثنا بشر قال: حدثنا
يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿وأمرت
لأعدل بينكم﴾ قال: أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يعدل
فعدل حتى مات صلوات الله وسلامه عليه ، والعدل ميزان الله في الأرض به يأخذ
للمظلوم من الظالم وللضعيف من الشديد وبالعدل يصدق الله الصادق ويكذب الكاذب
وبالعدل يرد المعتدي ويوبخه»(17).
وأمر
الله تعلى عباده بإقامة العدل, وقول كلمة الحق, ولو كان ذلك على أنفسهم, أو على
أقرب الناس إليهم, فالحق فوق كل شيء, قال تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ
لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ
يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى
أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما
تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء: 135].
قال
الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: «يأمر تعالى عباده المؤمنين
أن يكونوا قوامين بالقسط أي بالعدل فلا يعدلوا عنه يمينا ولا شمالا ولا تأخذهم في
الله لومة لائم ولا يصرفهم عنه صارف وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين
متناصرين فيه وقوله: ﴿شهداء لله﴾ كما قال: ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ أي ليكن أداؤها
ابتغاء وجه الله فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقا خالية من التحريف والتبديل والكتمان
ولهذا قال ﴿ولو على أنفسكم﴾
أي اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه ولو عادت مضرته
عليك فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجا ومخرجا من كل أمر يضيق عليه وقوله: ﴿أو الوالدين والأقربين﴾, أي وإن كانت
الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم
فإن الحق حاكم على كل أحد»(18).
وقال
تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ
بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[المائدة:42].
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أي بالحق
والعدل وإن كانوا ظلمة خارجين»(19).
وقال
تعالى:
﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ
اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾[النساء
: 58].
قال
الإمام الشوكاني: «أي وإن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل
والعدل: هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
لا الحكم بالرأي المجرد فإن ذلك ليس من الحق في شيء إلا إذا لم يوجد دليل تلك
الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم
بحكم الله سبحانه وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص وأما الحاكم الذي لا
يدري بحكم الله ورسوله ولا بما هو أقرب إليهما فهو لا يدري ما هو العدل لأنه لا
يعقل الحجة إذا جاءته فضلا عن أن يحكم بها بين عباد الله»(20).
ثانياً:
الأدلة من السنة النبوية
وردت
الكثير من الأدلة في سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم, تحث الأمة على
إقامة العدل, وتحذر من تركه, فالعدل هو ميزان الله في الأرض, ولا تصلح
أحوال العباد إلا بإقامته, ولنقف مع بعضٍ من هذه الأدلة في سنة رسولنا صلى
الله عليه وسلم:
عن
أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سبعة
يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل...."(21).
فهذا
الثواب العظيم, الذي يحظى به الإمام العادل يوم القيامة, دليل على أهمية القيام
بهذا الواجب من قبل الأئمة, الذين يستخلفهم الله ويوليهم على عباده, حتى لا يغفل
الوالي عن رعيته, فبصلاح الراعي تصلح الرعية, وقد تكلم أئمة الحديث كثيراً, عن الإمام
العادل, من ذلك ما قاله الإمام ابن حجر رحمه الله حيث قال: «وأحسن ما فسر
به العادل أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط وقدمه
في الذكر لعموم النفع به»(22).
ويثيب
سبحانه وتعالى يوم القيامة, كل من أقام العدل, كما ورد في الحديث عن عبد اللّه بن
عمرو بن العاص- رضي اللّه عنهما- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّ المقسطين عند اللّه على منابر من نور عن يمين
الرّحمن- عزّ وجلّ- وكلتا يديه يمين، الّذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما
ولوا"
(23).
قال
الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: «وأما قوله صلى الله عليه وسلم الذين
يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا فمعناه أن هذا الفضل إنما هو لمن عدل فيما تقلده
من خلافة أو إمارة أو قضاء أو حسبة أو نظر على يتيم أو صدقة أو وقف وفيما يلزمه من
حقوق أهله وعياله ونحو ذلك والله أعلم»(24).
وبإقامة
العدل من قبل الإمام, تسود المحبة بينه وبين رعيته, وتتآلف القلوب, ويعيش المجتمع
على قلب واحد, وبعكس ذلك يظهر الخلاف, وتزداد المنازعات, ويعيش كل واحد على حساب
الآخر, وعندها تسوء العلاقة بين الراعي والرعية, ويحل بنا ما أخبر به النبي صلى
الله عليه وسلم في الحديث الصحيح, عن
عَوْفِ بن مَالِكٍ عن رسول اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم قال: "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ
وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عليهم وَشِرَارُ
أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ
وَيَلْعَنُونَكُمْ قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ
فقال لَا ما أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ وإذا رَأَيْتُمْ من وُلَاتِكُمْ شيئا
تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ ولا تَنْزِعُوا يَدًا من طَاعَةٍ"(25).
قال
المناوي رحمه الله: «"خيار
أئمتكم" أي أمرائكم "الذين
تحبونهم ويحبونكم" بأن يكونوا عدولا فإن التحابب من الجانبين أن
يكون ممدوحا عند استعمالهم للعدو كما سبق تقريره "وتصلون
عليهم ويصلون عليكم" أي يدعون لكم وتدعون لهم يعني تحبونهم ما
دمتم أحياء ويحبونكم ما داموا أحياء فإذا جاء الموت ترحم بعضكم على بعض وذكر البعض
بخير قال الأبي: يعني بالمحبة الدينية الذي سببها اتباع الحق من الإمام والرعية "وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم
ويلعنونكم" قال الماوردي: هذا صحيح فإن الإمام إذا كان ذا خير
أحبهم وأحبوه وإذا كان ذا شر أبغضهم وأبغضوه وأصل ذلك أن خشية الله تبعث على طاعته
في خلقه وطاعته فيهم تبعثهم على محبته فلذلك كانت محبته دليلا على خيره وبغضهم له دليلا على شره وقلة مراقبته»(26).
قال
الإمام ابن تيمية: «فان الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم
وخيمة, وعاقبة العدل كريمة, ولهذا يروى: أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت
كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة»(27).
وعن
أنس قال رضي الله عنه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إذا حكمتم فاعدلوا وإذا قتلتم فأحسنوا فإن الله عز وجل محسن
يحب الإحسان"(28).
ولما
كانت الإمارة مسؤولية عظيمة يسأل عنها الإنسان يوم القيامة, أأحسن فيها أم فرط فقد
حذر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من التصدر لها, والتطلع إليها, فعن عوف بن مالك-
رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة قالوا وما هي قال أولها ملامة
وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل(29).
والمقصود
بقوله صلى الله عليه وسلم: "أولها" أي:
الإمارة "ملامة وأوسطها ندامة" إشارة
إلى أن من يتصدى للولاية فالغالب كونه غرا غير مجرب للأمور فينظر إلى ملاذها فيجهد
في طلبها ثم إذا باشرها ولحقته تبعاتها واستشعر بوخامة عاقبتها ندم "وآخرها خزي يوم القيامة", لما يؤتى به
من الأصفاد والأغلال ويوقف على متن الصراط في أسوأ حال(30).
وسواءٌ
أكانت هذه الولاية على أناس كثير أم قليل, فهي أمانة عظيمة يسأل عنها العبد يوم
القيامة, هل أقام حكم الله تعالى فيها, وإلا فهي حسرة عليه في ذلك اليوم العظيم, ففي
الحديث, عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله عز
وجل مغلولا يوم القيامة يده إلى عنقه فكه بره أو أوبقه إثمه أولها ملامة وأوسطها
ندامة وآخرها خزي يوم القيامة"(31).
ولو
أدرك المتسابقون على الولايات أو المناصب حقيقة ما يتنافسون عليه لما سعوا إلى
ذلك, فالنفس تطمع وتتطلع إلى الرياسة, والتصدر, والتعالي على الناس, فمن اتبع هذه
الشهوة, وترك لنفسه زمامها, ولم يردعها عما تهفو إليه, تحسر يوم الحساب, ويتمنى
يومها أنه لم يلي أمراً, ولو كان صغيراً, فعن يزيد بن شريك أن الضحاك بن قيس أرسل
معه إلى مروان بكسوة فقال مروان: انظروا من ترون بالباب قال أبو هريرة فأذن له
فقال يا أبا هريرة حدثنا بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمعته
يقول: "ليتمنين
أقوام ولوا هذا الأمر أنهم خرّوا من الثريا وأنهم لم يلوا شيئا, قال: زدنا يا أبا
هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يجري هلاك هذه الأمة على يدي
أغيلمة من قريش"(32).
وفي رواية
أخرى في المسند: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ويل للأمراء ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أقوام يوم
القيامة أن ذوائبهم كانت معلقة بالثريا يتذبذبون بين السماء والأرض ولم يكونوا
عملوا على شيء"(33).
وفي صحيح ابن حبان: "وأنهم لم يكونوا ولوا شيئا
قط"(34)وفي المستدرك: "وأنهم لم يلوا عملا "(35).
ومعنى العرفاء كما قال الإمام ابن حجر رحمه الله:
«جمع عريف بوزن عظيم وهو القائم بأمر طائفة من الناس من عرفت بالضم وبالفتح على
القوم أعرف بالضم فأنا عارف وعريف أي وليت أمر سياستهم وحفظ أمورهم وسمي بذلك
لكونه يتعرف أمورهم حتى يعرف بها من فوقه عند الاحتياج وقيل العريف دون المنكب وهو
دون الأمير»(36).
ثم قال الإمام ابن حجر رحمه الله: «وفيه أن الخبر
الوارد في ذم العرفاء لا يمنع إقامة العرفاء لأنه محمول إن ثبت على أن الغالب على
العرفاء الاستطالة ومجاوزة الحد وترك الإنصاف المفضي إلى الوقوع في المعصية»(37).
وفي معنى هذا الحديث
قال المناوي رحمه الله: «"ليتمنين أقوام وُلُّوا"
بضم الواو وشد اللام "هذا الأمر"
يعني الخلافة أو الإمارة "أنهم خروا"
سقطوا على وجوههم "من الثريا"
النجم المعروف مبالغة وأنهم لم يلوا شيئا لما يحل بهم من الخزي والندامة يوم
القيامة إذ الإمارة أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها خزي يوم القيامة»(38).
ويكفي هؤلاء
المتسابقون على الإمارة, الذين يبذلون الغالي والنفيس في سبيل الوصول إليها, وربما
أرادوها غنيمة للتسلط وأخذ حقوق الغير, ولا يبالون أعدلوا فيها أم ظلموا, يكفيهم
ردعاً وزجراً عنها, ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حين دعا على كل من شق
على هذه الأمة, فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت من رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق
عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به"(39).
قال الإمام المناوي
رحمه الله:
«"اللهم من ولى من أمر أمتي" أمة الإجابة ولا مانع من إرادة الأعم هنا "شيئا" من الولاية كخلافة وسلطنة وقضاء
وإمارة ونظارة ووصاية وغير ذلك نكره مبالغة في الشيوع وإرادة للتعميم "فشق عليهم" أي حملهم على ما يشق
عليهم أو أوصل المشقة إليهم بقول أو فعل فهو من المشقة التي هي الإضرار لا من الشقاق
الذي هو الخلاف قال في العين: شق الأمر عليه مشقة أضر به "فأشقق عليه" أي أوقعه في المشقة جزاءاً
وفاقاً "ومن ولى من أمر أمتي شيئا فرفق
بهم" أي عاملهم باللين والإحسان والشفقة "فارفق به" أي
افعل به ما فيه الرفق له مجازاة له بمثل فعله وهذا دعاء مجاب وقضيته لا يشك في
حقيقتها عاقل ولا يرتاب فقلما ترى ذا ولاية عسف وجار وعامل عيال الله بالعتو
والاستكبار إلّا كان آخر أمره الوبال وانعكاس الأحوال فإن لم يعاقب بذلك في الدنيا
قصرت مدته وعجل بروحه إلى بئس المستقر سقر ولهذا قالوا: الظلم لا يدوم وإن دام دمر
والعدل لا يدوم وإن دام عمر وهذا كما ترى أبلغ زجر عن المشقة على الناس وأعظم حث
على الرفق بهم وقد تظاهرت على ذلك الآيات والأخبار»(40).
ومن لوازم العدل,
المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات, والملاحظ في أيامنا هذه وللأسف الشديد,
أن أقرباء الولاة هم المقدَّمون على غيرهم, ولو كان الحق مع غيرهم, بل هم الذين
يمسكون زمام الأمور, ولو كان هناك من هو أكفأ منهم, بل ربما يتصدرون لأعمال وليس
لهم أدنى معرفة لتسييرها, وإنما أوصلهم إلى ذلك قرابتهم من هؤلاء الولاة, وقد حذر
النبي صلى الله عليه وسلم من هذا التمايز بين المؤمنين, فمن ذلك أنه لو أعطى أحد
المؤمنين أماناً لعدو لزم أن يؤمنه ذلك الأمان كل المؤمنين, فالإيمان هو الذي
جعلهم متساوين فيما بينهم, متكافئين في دمائهم, فعن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا
والأشتر إلى علي عليه السلام فقلنا هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا
لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا إلا ما في كتابي هذا, قال مسدد قال: فأخرج كتابا
وقال أحمد كتاباً من قراب سيفه فإذا فيه: "المؤمنون
تكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا
ذو عهد في عهده من أحدث حدثا فعلى نفسه ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة
الله والملائكة والناس أجمعين"(41).
قال الإمام السيوطي: «"المسلمون تتكافأ دماؤهم" أي: تتساوى في
القصاص والديات, قوله "وهم يد على من سواهم"
أي: هم مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضا على جميع
الأديان والملل كأنه جعل أيديهم يدا واحدة وفعلهم فعلا واحدا, قوله: "يسعى بذمتهم أدناهم" أي: إذا أعطى أحدا
لجيش العدو أمانا جاز ذلك على المسلمين وليس لهم أن يخفروه ولا أن ينقضوا عليه
عهده, قوله: "ولا يرد عليهم أقصاهم"
أي: أبعدهم وذلك في الغزو»(42).
وإذا جار الإمام أو
القاضي في حكمه, أو أخطأ في ذلك الحكم, فحكم بحق أحد الخصمين للآخر, فلا يكون هذا
مبرراً لمن حُكم له بأن يأخذ حق أخيه المسلم, لأن هذا الإمام إنما حكم بحسب ما اتضح
لديه من الحجج والقرائن, فقد يكون لمن ليس له الحق, حجة أقوى, فيحكم له من حق
أخيه, فلا يحل له أخذه, ولا تبرأ ذمته حتى يعيد الحق إلى صاحبه, فعن أم سلمة رضي
الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما
أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو
ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار"(43).
قال الإمام بدر الدين
العيني:
«قوله فإنما أقطع له قطعة من النار دال على أن حكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم
حلالا وسواء في المال وغيره من الحقوق, وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك في الأموال
وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: حكمه في الطلاق والنكاح والنسب يحتمل الأمور
عما عليه في الباب بخلاف الأموال وفيه أن القاضي يحكم بعلمه فيما علمه بعد القضاء
من حقوق الآدميين ولا يحكم فيما علمه قبله وقال مالك: لا يحكم بعلمه مطلقا وفيه أن
الحاكم إنما يحكم بالظاهر وأن على من علم من الحاكم أنه قد أخطأ في الحكم فأعطاه
شيئا ليس له أن يأخذه»(44).
وتأمل معي عدل النبي صلى
الله عليه وسلم بين نسائه عندما كسرت إحداهن قصعة الأخرى رضي الله عنهن أجمعين, فعن
أنس رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام فضربت
بيدها فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام وقال (كلوا). وحبس الرسولَ والقصعةَ
حتى فرغوا فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة"(45).
قال الإمام بدر الدين
العيني:
«قوله "وحبس الرسول" أي أوقف الخادم
الذي هو رسول إحدى أمهات المؤمنين قوله: "والقصعة"
أي: حبس القصعة المكسورة أيضا عنده قوله: "حتى فرغوا"
أي: حتى فرغت الصحابة الذين كانوا معه من الأكل قوله: "فدفع"
أي: أمر بإحضار قصعة صحيحة من عند التي هو في بيتها فدفعها إلى الرسول وحبس القصعة
المكسورة عنده»
(46).
قال الإمام ابن حجر
رحمه الله: «وفي الحديث حسن خلقه صلى الله عليه وسلم وإنصافه وحلمه قال
بن العربي: وكأنه إنما لم يؤدب الكاسرة ولو بالكلام لما وقع منها من التعدي لما
فهم من أن التي أهدت أرادت بذلك أذى التي هو في بيتها والمظاهرة عليها فاقتصر على
تغريمها للقصعة قال: وإنما لم يغرمها الطعام لأنه كان مهدي فإتلافهم له قبول»(47).
فالواجب على الإنسان التحلل من المظالم في هذه
الدنيا, سواء كان حاكماً أم محكوماً, قبل أن يأتي اليوم الذي يكون فيه مفلساً, ولا
يملك شيئاً من حطام الدنيا الذي كان بحوزته, فيكون القصاص في ذلك اليوم بالحسنات
والسيئات, كما جاء في الحديث عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون من المفلس ؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا
متاع فقال إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا
وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته
فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في
النار"(48).
قال الإمام
المباركفوري: «"المفلس" أي
الحقيقي أو المفلس في الآخرة "من أمتي" أي أمة الإجابة ولو كان غنيا في الدنيا بالدرهم
والمتاع "من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة"
أي مقبولات والباء للتعدية أي مصحوبا بها "ويأتي"
أي ويحضر أيضا "قد شتم هذا" أي
حال كونه قد شتم هذا "وقذف هذا"
أي بالزنا ونحوه "وأكل مال هذا"
أي بالباطل "وسفك دم هذا" أراق دم هذا بغير حق "وضرب هذا" أي من غير استحقاق أو زيادة
على ما يستحقه والمعنى جمع بين تلك العبادات وهذه السيئات "فيقعد" أي المفلس "فيقتص هذا من حسناته" أي يأخذ هذا من
حسناته قصاصا»(49).
قال الإمام النووي: «معناه أن
هذا حقيقة المفلس وأما من ليس له مال ومن قل ماله فالناس يسمونه مفلساً وليس هو حقيقة
المفلس لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته وربما ينقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته
وإنما حقيقة المفلس هذا المذكور في الحديث فهو الهالك الهلاك التام والمعدوم
الإعدام المقطع فتؤخذ حسناته لغرمائه فإذا فرغت حسناته أخذ من سيئاتهم فوضع عليه
ثم ألقي في النار فتمت خسارته وهلاكه وإفلاسه»(50).
ففي ذلك اليوم -يوم
الفصل- يقضي الله تعالى بين العباد, فيقتص كل مظلوم ممن ظلمه, حتى البهائم لا تنجو
من ذلك القصاص, كما ورد في الحديث, عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى
يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء"(51).
قال المناوي رحمه الله: «"إلى أهلها يوم القيامة" على قسطاس العدل
المستقيم
"حتى يقاد للشاة الجلحاء" بالمد الجماء التي لا قرن
لها "من الشاة القرناء" التي
لها قرن "تنطحها"(52).
ولقد حرم الله عز وجل
الظلم على نفسه وجعله محرماً بين عباده, حتى يقام العدل, ويحكم الناس بالعدل, فعن أبي
ذر: عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا
تظالموا..."
(53).
قال
الإمام النووي رحمه الله: «قوله تعالى "إني
حرمت الظلم على نفسي" قال
العلماء معناه تقدست عنه وتعاليت والظلم مستحيل في حق الله سبحانه وتعالى كيف يجاوز
سبحانه حدا وليس فوقه من يطيعه وكيف يتصرف في غير ملك والعالم كله في ملكه وسلطانه
وأصل التحريم في اللغة المنع فسمي تقدسه عن الظلم تحريما لمشابهته للممنوع في أصل عدم
الشيء, قوله تعالى: "وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا"
هو بفتح التاء أي لا تتظالموا والمراد لا يظلم بعضكم بعضا وهذا توكيد لقوله تعالى يا
عبادي وجعلته بينكم محرما وزيادة تغليظ في تحريمه»(54).
وبهذا
نكون قد وصلنا إلى نهاية المبحث الأول من هذا الموضوع ويليه المبحث الثاني ..
والحمد
لله رب العالمين
وصلى
الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
إعداد: رياض عيدروس عبد الله
***
(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير 2/211,
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 4/416,
برقم 1803
(2)
تفسير ابن كثير 1/
691
(3)
تفسير الطبري10/ 300
(4)
أخرجه البخاري, 2/753, و مسلم, 3/ 1343, برقم: 1718.
(5)
تفسير ابن كثير,1/ 477.
(6) تفسير ابن كثير 1/687.
(7) تفسير البيضاوي, 1/123.
(8) فتح القدير 2/70.
(9) تفسير ابن كثير 2/90.
(10) صحيح البخاري, 10/ 114برقم: 2797.
(11)
فتح الباري, 13/ 112.
(12)
شرح النووي على مسلم 12/230.
(13)(13)
(14)
عمدة القاري 25/ 27.
(15)
تفسير ابن كثير, 2/769.
(16)
تفسير ابن كثير4/ 139
(17)
تفسير الطبري, 11/137.
(18)
تفسير ابن كثير, 1/ 752.
(19)
تفسير ابن كثير 2/80.
(20)-
فتح القدير,1/725.
(21)-
صحيح البخاري, 6/2496, برقم: 6421.
(22)-
فتح الباري - ابن حجر 2/145.
(23)- صحيح مسلم 3/1458, برقم: 1827, واللفظ له. والنسائي: 8/221،222, برقم: 5379, وقال الألباني في الصحيحة:
صحيح، حديث رقم (4972).
(24)- شرح النووي
على مسلم 12/212.
(25)-
صحيح مسلم, 3/1481برقم: 1855.
(26)-
فيض القدير, 3/ 463.
(27)- مجموع الفتاوى 28/63.
(28)- المعجم
الأوسط للطبراني,6/40, قال الشيخ الألباني: ( حسن ). انظر الجامع الصغير وزيادته,1/50.
(29)- المعجم الأوسط,7/ 26, برقم: 6747, قال الألباني: (حسن), انظر الجامع الصغير
وزيادته,1/230.
(30)-
انظر فيض القدير, 5/481.
(31)-
مسند أحمد بن حنبل 5/ 267, برقم: 22354, قال الشيخ الألباني:
(صحيح) انظر السلسلة الصحيحة 1/685, حديث رقم: 349.
(32)-
أخرجه أحمد,2/520, برقم:10748, قال الشيخ الألباني: (حسن), انظر الجامع الصغير
وزيادته, 1/950, حديث رقم: 9491.
(33)- أخرجه أحمد 2 /352,
برقم:8612.
قال شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن, و قال الشيخ الألباني: صحيح لغيره, انظر صحيح الترغيب والترهيب,
1/193.
(34)-
صحيح ابن حبان 10/335 برقم: 4483.
(35)-
المستدرك 4/102, برقم: 7016. والحديث بهذه الروايات جميعها قال عنه الشيخ
الألباني: (صحيح لغيره) انظر صحيح الترغيب والترهيب, 1/ 193, 2/ 254.
(36)- فتح الباري, 13/169.
(37)-
نفس المرجع.
(38)-
فيض القدير, 5/ 350.
(39)-
صحيح مسلم 3/1458, برقم: 1828.
(40)-
فيض القدير, 2/ 106.
(41)-
سنن أبي داود, 2/588, برقم: 4530, قال الشيخ الألباني: (صحيح), انظر صحيح
أبي داود, 2/ 525.
(42)- شرح سنن ابن ماجه 1/193.
(43)- صحيح البخاري 6/ 2622, برقم: 6748
(44)-
عمدة القاري 13/257.
(45)-
صحيح البخاري, 2/877, برقم: 2349.
(46)- عمدة القاري,13/37.
(47)- فتح الباري - ابن حجر 5/ 126.
(48)-
صحيح مسلم 4/ 1997, برقم: 2581.
(49)-
تحفة الأحوذي 7/86 .
(50)-
شرح النووي على مسلم 16/135.
(51)- صحيح مسلم, 4/1997, برقم: 2582.
(52)- فيض القدير 5/260.
(53)- صحيح مسلم,4/1994, برقم: 2577.
(54)-
شرح النووي على مسلم 16/132.