بسم الله الرحمن الرحيم

من أعمال القلوب التي تزيد الإيمان[الأمانة]

إن الحمد لله نحمد ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾[ آل عمران :102]

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء :1 ]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيما[ الأحزاب70-71 ].

والكلام عن الموضوع على النحو الآتي:

1-              العمل الصالح يكون في القلب والجوارح.

2-              الإيمان يزيد وينقص.

3-              تعريف الأمانة.

4-               مكانة الأمانة.

5-              من الآثار والأشعار في الأمانة.

6-               الأمانة من خلق الرسل الكرام.

7-              من فوائد الأمانة.

نسأل الله التوفيق والسداد، وأن يلهمنا رشدنا، ويفقنا للهدى والصواب.

أولاً: العمل الصالح يكون في القلب والجوارح.

العمل كما يكون في الجوارح، فإن للقلوب أيضاً أعمال، يقول ابن القيم–رحمه الله-: «والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح»(1).

وقد ورد ما يدل على أن للقلوب أعمالاً في كتاب الله – عز وجل- ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾[الملك:2].

قال الألوسي- رحمه الله-: «والمراد بالعمل ما يشمل عمل القلب وعمل الجوارح»(2), ويدل على صحة ذلك ما قاله العلماء في تفسير العمل الصالح: بأنه أصوبُه وأخلصُه، قال ابن القيم: « قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً: لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة»(3), فإذا كان هذا هو المقصود بأحسن العمل، وهو أخلصُه وأصوبُه، فإن الإخلاص لا يكون إلا في القلب، وقد سماه الله عملاً، فدل ذلك على أن للقلوب أعمالاً، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾[الأعراف:53].

قال ابن عاشور- رحمه الله-: «والمراد بالعمل في قولهم: (فنعمل ) ما يشمل الاعتقاد وهو الأهم مثل اعتقاد الوحدانية والبعث وتصديق الرسول- صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الاعتقاد عمل القلب ولأنه تترتب عليه آثار عملية من أقوال وأفعال وامتثال»(4).

ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾[هود:46].

و«معنى العمل غير الصالح: الكفر، وأطلق على الكفر ( عمل )؛ لأنه عمل القلب، ولأنه يظهر أثره في عمل صاحبه كامتناع ابن نوح من الركوب الدال على تكذيبه بوعيد الطوفان»(5).

والمقصود بعمل القلب ما ذكره ابن القيم- رحمه الله- في مدارج السالكين وهو يتكلم عن التوكل وأنه من أعمال القلب قال: «التوكل عمل القلب ومعنى ذلك: أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح ولا هو من باب العلوم والإدراكات»(6).

ثانياً: الإيمان يزيد وينقص.

وكما أن الأمانة من أعمال القلوب فهي من الأعمال الصالحة التي يزيد بها الإيمان فالإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعصية، ومن أعظم الطاعات أداء الأمانات، قال ابن حجر- رحمه الله-: «فذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وأنكر ذلك أكثر المتكلمين وقالوا: متى قبل ذلك كان شكاً، قال الشيخ محيي الدين: وإلا ظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة؛ ولهذا كان إيمان الصديق أقوى من إيمان غيره بحيث لا يعتريه الشبهه، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى أنه يكون في بعض الأحيان الإيمان أعظم يقيناً وإخلاصاً وتوكلاً منه في بعضها وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها، وقد نقل محمد بن نصر المروزي في كتابه: تعظيم قدر الصلاة عن جماعة من الأئمة نحو ذلك وما نقل عن السلف صرح به عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وبن جريج ومعمر وغيرهم، وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم وكذا نقله أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم من الأئمة وروى بسنده الصحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وأطنب بن أبي حاتم واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمعٍ كثيرٍ من الصحابة والتابعين، وكل من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين، وحكاه فضيل بن عياض ووكيع عن أهل السنة والجماعة»(7).

ويذكر الشوكاني- رحمه الله- المراد بزيادة الإيمان فيقول: «قيل: والمراد بزيادة الإيمان هو زيادة انشراح الصدر وطمأنينة القلب وانثلاج الخاطر عند تلاوة الآيات وقيل: المراد بزيادة الإيمان زيادة العمل؛ لأن الإيمان شيءٌ واحدٌ لا يزيد ولا ينقص والآيات المتكاثرة والأحاديث المتواترة ترد ذلك وتدفعه»(8).

والآيات في كتاب الله عز وجل تؤيد وتدل على أن الإيمان يزيد وينقص، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾[آل عمران:173].

قال الشوكاني: «والمعنى: أنهم لم يفشلوا لما سمعوا ذلك ولا التفتوا إليه بل أخلصوا لله وازدادوا طمأنينة ويقينا وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص»(9).

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾[الأنفال:2].

قال القرطبي: «أي تصديقاً فإن إيمان هذه الساعة زيادة على إيمان أمس فمن صدق ثانياً وثالثاً فهو زيادة تصديق بالنسبة إلى ما تقدم وقيل: هو زيادة انشراح الصدر بكثرة الآيات والأدلة»(10) وانشراح الصدر دليل على زيادة الإيمان.

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾[التوبة:124], قال البغوي: «يقينا وتصديقا(11) وقال ابن كثيرٍ- رحمه الله-: «وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء بل قد حكى غير واحدٍ الإجماع على ذلك»(12)

وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾[مريم:76]

﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾[الأحزاب:22]

وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾[الكهف:13]

قال ابن كثيرٍ- رحمه الله-:«استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله وأنه يزيد وينقص»(13).

وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾[الفتح:4]

وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾[المدثر:31] فهذه الآيات الكريمة تدل على أن الإيمان يزداد وزيادته تكون بالطاعات ونقصه يكون بالمعاصي، ولذلك فإن أعمال البر والطاعات والقربات، يسميها الله ورسوله إيماناً، قال الله تعالى عن الصلاة: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾[البقرة:143]

قال ابن القيم: «وفيه قولان: أحدهما ما كان ليضيع صلاتكم إلى بيت المقدس بل يجازيكم عليها لأنها كانت بأمره ورضاه.

والثاني: ما كان ليضيع إيمانكم بالقبلة الأولى وتصديقكم بأن الله شرعها ورضيها، وأكثر السلف والخلف على القول الأول وهو مستلزم للقول الآخر»(14).

والقول الأول هو الراجح كما أوضح ابن تيمية- رحمه الله- فقال: «يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، لأن الصلاة تصدق عمله و قوله و تحصل طمأنينة القلب و استقراره إلى الحق، و لا يصح إن يكون المراد به مجرد تصديقهم بفرض الصلاة؛ لأن هذه الآية نزلت فيمن صلى إلى بيت المقدس ومات ولم يدرك الصلاة إلى الكعبة ولو كان مجرد التصديق لشركهم في ذلك كل الناس وفي يوم القيامة فإنهم مصدقون بأن الصلاة إلى بيت المقدس»(15).

وقال ابن كثير- رحمه الله-: «أي صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك ما كان يضيع ثوابها عند الله»(16) فالمقصود من الإيمان في الآية الكريمة: الصلاة.

ومن السنة النبوية: 

          قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن"(17) قال ابن تيمية:«وكان ابن المبارك يقول هو يتفاضل ويتزايد، ويمسك عن لفظ ينقص، وعن مالك في كونه لا ينقص روايتان، والقرآن قد نطق بالزيادة في غير موضع ودلت النصوص على نقصه، كقوله: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"(18)(19).

          وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم –قال: "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان"(20).

وفي رواية عند الإمام مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الإيمان بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"(21).

ولما كانت الأمانة من أعظم القربات إلى الله - عز وجل- ومما يزيد الإيمان كان له فضلٌ عظيمٌ يتبين من خلال التالي:

 

ثالثاً: تعريف الأمانة.

1- لغة:

قال ابن منظور: الأَمانُ والأَمانةُ بمعنى، وقد أَمِنْتُ فأَنا أَمِنٌ، وآمَنْتُ غيري من الأَمْن، والأَمان والأَمْنُ: ضدُّ الخوف، والأَمانةُ ضدُّ الخِيانة(22).

وقال ابن الأثير: والأَمَنة في هذا الحديث جمع أمين، وهو الحافظ(23)

وقال الراغب: والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارةً اسماً للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارةً اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى : ﴿وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ﴾[الأنفال:27] أي: ما ائتمنتم عليه وقوله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾[الأحزاب:27](24)

2- شرعاً:

قال الغزالي في كتابه الإحياء: الأمانة: هي الطهارة باطناً عن الفسق والكبائر والإصرار على الصغائر(25).

وقال القرطبي: الأمانة مصدر سمي به الشيء الذي في الذمة(26).

وقال المناوي: الأمانة: هي كل حق لزمك أداؤه وحفظه(27)

وقال أبو البقاء الكفومي: وكل ما افترض على العباد فهو أمانة كصلاة وزكاة وصيام وأداء دين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع: كتم الأسرار(28)

3- الأمانة في القرآن:

قال ابن الجوزي رحمه الله: وذكر بعض المفسرين أن الأمانة في القرآن على ثلاثة أوجه:

أحدها: الفرائض ومنه قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[الأنفال:27]أي تضيعوا فرائضكم،

وفي الأحزاب: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾[الأحزاب:72].

والثاني: الوديعة، ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:58]، وفي المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾[المؤمنون:8]

والثالث: العفة، منه قوله تعالى في القصص: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾[القصص:26].(29)

4- الفرق بين الأمانة والعهد:

والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولاً وفعلاً، وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك وغاية ذلك حفظه والقيام به والأمانة أعم من العهد وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد(30).

والأمانة ما يؤتمنون عليه والعهد ما يعاهدون عليه من جهة الله سبحانه أوجهة عباده، وقد جمع العهد والأمانة كل ما يتحمله الإنسان من أمر الدين والدنيا، والأمانة أعم من العهد فكل عهد أمانة (31).

5- الفرق بين الخيانة والنفاق:

لما كانت الخيانة هي ضد الأمانة، كان لابد من بيان الفرق بين النفاق والخيانة، إمعاناً في بيان معنى الأمانة، يقول الراغب مبيناً الفرق بينهما:

الخيانة والنفاق واحدٌ، إلا أن الخيانة تقال اعتباراً بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتباراً بالدين، ثم يتداخلان فالخيانة: مخالفة الحق بنقض العهد في السر، ونقيض الخيانة: الأمانة، يقال: خنت فلانا وخنت أمانة فلان وعلى ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:27] وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:10] وقوله: ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة:13] أي: على جماعة خائنة منهم، وقيل: على رجل خائن يقال: رجل خائن وخائنة نحو: رواية وداهية، وقيل: خائنة موضوعة موضع المصدر(32).

 

رابعاً: مكانة الأمانة

1- في القرآن .

ا- أمر الله بأداء الأمانة إلى أهلها، والأمر في كتاب الله يقتضي الوجوب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾[النساء:58].

ب- ونهى عن ضد الأمانة وهي الخيانة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[الأنفال:27].

قال البيضاوي- رحمه الله-: وأصل الخون: النقص كما أن أصل الوفاء التمام واستعماله في ضد الأمانة لتضمنه إياه (33).

ج-  الأمانة من أوصاف المؤمنين، الذين أفلحوا في الدنيا والدين، قال الله رب العالمين: ﴿َقدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾[المؤمنون:1-8].

د- وصف الله الإنسان بشدة الهلع وقوة الجزع، واستثنى من ذلك المصلين الذين من أبرز أوصافهم، وأسمى مزاياهم، مراعاة العهد وأداء الأمانة، فقال تعالى جل شأنه: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ* وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ* لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ* وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ* وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ* إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾[المعارج:19-32].

هـ- بأداء الأمانة يأمن الناس بعضهم بعضاً وتتيسر أمورهم في قضاء حوائجهم وإنجاز معاملاتهم، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾[البقرة:283].

و- قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾[آل عمران:103] قال الطيبي: الحبل: العهد والأمانة والذمة(34).

ز- قال تعالى:  ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الأحزاب:73]، ففي تفسير الجلالين: ﴿ِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ اللام متعلقة بعرضنا المترتب عليه حمل آدم ﴿الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ المضيعين الأمانة ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ المؤدين الأمانة ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً﴾ للمؤمنين ﴿رَّحِيماً﴾ بهم(35)

ح- قال تعالى: ﴿عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾[البقرة:187]

قال الشوكاني: وقوله : ﴿تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ قال الشوكاني: أي تخونونها بالمباشرة في ليالي الصوم يقال: خان واختان بمعنى، وهما من الخيانة قال القتيبي: أصل الخيانة: أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه انتهى، وإنما سماهم خائنين لأنفسهم؛ لأن ضرر ذلك عائدٌ عليهم(36)

2- في السنة.

أ‌-         الأمانة دليل الإيمان، والخيانة عنوان النفاق والخذلان، عن أنس بن مالك قال ما خطبنا نبي الله صلى الله عليه وسلم إلا قال : "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له"(37).

ب‌-    الخيانة آية المنافق ودليل نفاقه وعصيانه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلـم قال: "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خـان"(38).

الآية: العلامة، وأفراد الآية إما على إرادة الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث(39)

 وقوله: "إذا اؤتمن" بصيغة المجهول أي جعل أميناً، وفي رواية بتشديد التاء بقلب الهمزة الثانية واوا وإبدال تاء والإدغام "خان" في أمانته أي: تصرف فيها على خلاف الشرع ونقص ما ائتمن عليه ولم يؤده كما هو، وصح عطف الوعد على ما قبله؛ لأن إخلاف الوعد قد يكون بالفعل وهو غير الكذب الذي هو لازم التحديث فتغايرا، أو جعل الوعد حقيقة أخرى خارجة عن التحديث على وجه الادعاء؛ لزيادة قبحه كما في عطف جبريل على الملائكة بادعاء بأنه نوعٌ آخر لزيادة شرفه(40)

وهذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلاً من حيث أن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفرٍ ولا هو منافقٌ يخلد في النار(41)

ج- أمر الرسول بأداء الأمانة وحفظها ونهى عن الخيانة ولو مع الخصم الخائن، عن يوسف بن ماهك المكي قال: حدثني أبي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" (42)

قال في النيل ما محصله: فيه دليلٌ على أنه لا يجوز مكافأة الخائن بمثل فعله فيكون مخصصا لعموم قوله تعالى: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وقوله فمن اعتدى عليكم الآية(43)، وفي نحفة الأحوذي: "ولا تخن من خانك" أي لا تعامله بمعاملته ولا تقابل خيانته بخيانتك(44) وقال المناوي: "ولا تخن من خانك" أي لا تعامله بمعاملته، ولا تقابل خيانته بخيانتك فتكون مثله وليس منها ما يأخذه من مال من جحده حقه إذ لا تعدي فيه، أو المراد إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته وإن كان حسنا بل قابله بالأحسن الذي هو العفو وادفع بالتي هي أحسن(45)

د- ضياع الأمانة من أمارات قرب الساعة، عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذ قضى حديثه قال: "أين أراه - السائل عن الساعة؟ قال ها أنا يا رسول الله قال: "فإذا ضعيت الأمانة فانتظر الساعة" قال: كيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"(46).

هـ- الأمانة صفة عظيمة، وخصلة من خصال الخير الكريمة، وصاحبها محل اهتمام الناس، عن حذيفة قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا: "أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المحل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبراً وليس فيه شيء -ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله- فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولقد أتي علي زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه علي دينه، ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه، وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا"(47).

و- أداء الأمانة من علامات الإيمان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم"(48).

 "والمؤمن": أي الكامل، "من أمنه الناس" كعلمه أي ائتمنه يعني جعلوه أمينا وصاروا منه على أمن "على دمائهم وأموالهم" لكمال أمانته وديانته وعدم خيانته(49)

ز-بينت السنة النبوية جملة من أنواع الأمانات التي على المسلم أن يؤديها ومنها:

1- قال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها"(50)

2- عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال فضرب بيده على منكبي ثم قال: "يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها"(51)، قال النووي: هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية، وأما الخزي والندامة فهو في حق من لم يكن أهلاً لها أو كان أهلاً ولم يعدل فيها فيخزيه الله تعالى يوم القيامة ويفضحه ويندم على ما فرط وأما من كان أهلا للولاية وعدل فيها فله فضل عظيم تظاهرت به الأحاديث الصحيحة كحديث سبعة يظلهم الله والحديث المذكور هنا عقب هذا أن المقسطين على منابر من نور وغير ذلك وإجماع المسلمين منعقد عليه ومع هذا فلكثرة الخطر فيها حذره صلى الله عليه وسلم منها وكذا حذر العلماء وامتنع منها خلائق من السلف وصبروا على الأذى حين امتنعوا. (52)

3- عن قزعة قال: قال لي ابن عمر: هلم أودعك كما ودعني رسول الله صلى الله عليه وسلم"أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك"(53)

قاله في المجمع: "أستودع الله دينك" أي: أستحفظ وأطلب منه حفظ دينك "وأمانتك" قال الخطابي: الأمانة ها هنا أهله ومن يخلفه منهم وماله الذي يودعه ويستحفظه أمينه ووكيله ومن في معناهما، وجرى ذكر الدين مع الودائع؛ لأن السفر موضع خوف وخطر وقد يصيبه فيه المشقة والتعب فيكون سببا لإهمال بعض الأمور المتعلقة بالدين فدعا له بالمعونة والتوفيق فيهما انتهى

وقال في فتح الودود: قوله "أمانتك" أي: ما وضع عندك من الأمانات من الله، أو من أحد من خلقه، أو ما وضعت أنت عند أحدٍ، أو ما يتعلق بك من الأمانات "وخواتيم عملك" جمع خاتم أي ما يختم به عملك أي أخيره والجمع لإفادة عموم أعماله(54)

4- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين"(55)

أي: أمين على صلاة الناس وصيامهم وإفطارهم وسحورهم وعلى حرم الناس لإشرافه على دورهـم فعليه المحافظة على أداء هذه الأمانة "اللهم أرشد الأئمة" ليأتوا بالصلاة على أتم الأحوال "واغفر للمؤذنين" تقصيرهم في مراعـاة الوقت بتقدم عليه أو تأخر عنه واستدل بعضهم بهذا على تفضيل الأذان على الإمامـة لأن الأمين أفضل من الضمين(56)

5- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المستشار مؤتمن"(57)

قوله: "المستشار" من استشاره طلب رأيه فيما فيه المصلحة "مؤتمن" اسم مفعول من الأمن أو الأمانة ومعناه أن المستشار أمين فيما يسأل من الأمور فلا ينبغي أن يخون المستشير بكتمان مصلحته(58)


 

خامساً: من الآثار والأشعار في الأمانة

قال ابن عباس: القرآن: أمينٌ على كل كتاب قبله.(59)

وفي كتاب الأغاني للأصفهاني، قال: حدثني سائب راوية كثير قال: كان كثيرٌ مديوناً فقال لي يوماً ونحن بالمدينة اذهب بنا إلى ابن أبي عتيق نتحدث عنده قال فذهبت إليه معه فاستنشده ابن أبي عتيق فأنشده قوله: أبائنةٌ سُعْدَى نعم ستَبينُ ...

حتى بلغ إلى قوله: وأخلفْنَ ميعادي وخُنَّ أمانتي    وليس لمن خان الأمانةَ دِينُ(60)  

وقال النابغة:

إلى ابن مُحَرِّقٍ أعملتُ نفسي   وراحلتي وقد هَدَتِ العـيونُ

أتيتُك عاريـاً خَلَقاً ثِيـَابي     على خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنونُ

فألفيْتُ الأمـانة لم تَحُـنْها    كذلك كان نُوحٌ لا يخـون(61)

وقال المارتلي أبو عمران موسى:

اسمعْ أخيَّ نصيحتي          فالنصحَ من محضِ الديانهْ

لاتقربَنَّ من الشها           دةِ والوساطةِ والأمانةْ

تسلمْ من أن تعزى لزو     رٍ أو فضولٍ أو خِيانةْ

ومن قول علي بن أبي طالب:

أدِّ الأمانةَ والخيانةَ فاجتنبْ    واعدلْ ولا تظلمْ يطيبُ المكسبُ

وقال كعب المزني:

أَرْعى الأمانةَ لا أَخُونُ أمانتي     إِن الخَؤُونَ على الطريقِ الأنكبِ(62)

 

سادساً: الأمانة من خلق الرسل الكرام:

لما كانت خلق الأمانة من عظيم الخصال، وكريم الأخلاق، كانت صفة بارزة في أنبياء الله أفضل الخليقة عليهم السلام، وقد بين القرآن ذلك وسنذكر ذلك على النحو الآتي:

1-   نوح عليه السلام: قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ*إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾[الشعراء:105-110]

قال ابن عاشور: وجملة: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ تعليل للإنكار أو للتحضيض أي كيف تستمرون على الشرك وقد نهيتكم عنه وأنا رسول لكم أمين عنكم، وكان نوح موسوما بالأمانة لا يتهم في قومه كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يلقب الأمين في قريش، قال النابغة: كذلك كان نوح لا يخون" (63)

2-   هود عليه السلام: قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ* قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ* قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ* أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾[الأعراف:65-68]

3-   موسى عليه السلام: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ* أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* وَأَنْ لَّا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [ الدخان:17-19] وقال تعالى:  ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:26].

قال ابن زيد في قوله: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ فقال لها: وما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته فإنه كشف الصخرة التي على بئر آل فلان وكان لا يكشفها دون سبعة نفر، وأما أمانته فإني لما جئت أدعوه قال: كوني خلف ظهري وأشيري لي إلى منزلك فعرفت أن ذلك منه أمانة(64).

4-   يوسف عليه السلام: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ* قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ* وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:54-56].

5-   محمد صلى الله عليه وسلم: اشتهر بالصدق والأمانة وعرف بهما بين قومه، حتى صاروا يلقبونه بالصادق الأمين، قال الله رب العالمين عن حاتم الأنبياء والمرسلين: ﴿قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [يونس:16].

قوله تعالى : ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً﴾ ظرف، أي: مقدراً من الزمان وهو أربعون سنة ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾أي: من قبل القرآن تعرفونني بالصدق والأمانة لا أقرأ ولا أكتب ثم جئتكم بالمعجزات(65)

وقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون:69]

قال البيضاوي في تفسيره: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ بالأمانة والصدق وحسن الخلق وكمال العلم مع عدم التعلم إلى غيره(66)

ثامناً: من فوائد الأمانة

1-              الأمانة من كمال الإيمان وحسن الأخلاق.

2-              يقوم عليها أمر السماوات والأرض.

3-              هي محور الدين وامتحان رب العالمين.

4-              بالأمانة يحفظ الدين والأعراض والأموال والأجسام، والأرواح والمعارف والعلوم والولاية والوصاية والشهادة والقضاء والكتابة.

5-              الأمين يحبه الله ويحبه الناس.

6-              من أعظم الصفات الخلقية التي وصف الله بها عباده المؤمنين.

7-              مجتمعٌ تفشو فيه الأمانة مجتمعُ خيرٍ وبركة.(67)

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه الغر المحجلين.

 

إعداد: مرفق ناجي مصلح ناجي ياسين.


 

(1)- الصلاة وحكم تاركها، ابن قيم الجوزية، 71، الجفان والجابي، دار ابن حزم ، قبرص ،بيروت، الطبعة الأولى، 1416هـ - 1996م، تحقيق: بسام عبد الوهاب الجابي.

(2)- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، محمود الألوسي أبو الفضل، 29/5، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

(3)- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية، 2/89، دار الكتاب العربي، بيروت الطبعة الثانية، 1393هـ - 1973م، تحقيق: محمد حامد الفقي.

(4)- التحرير والتنوير، 1547.

(5)- المصدر السابق, 2114.

(6)- مدارج السالكين، 2/114. 

(7)- فتح الباري - ابن حجر، 1/ 46-47.

(8)- فتح القدير، 2/ 415.

(9)- المصدر السابق 1/602.

(10)- تفسير القرطبي، 7/ 321.

(11)- تفسير البغوي، 114ص.

(12)- تفسير ابن كثير، 2 / 530.

(13)- المصدر السابق  3/101 .

(14)- بدائع الفوائد، ابن القيم، 4/ 967، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، الطبعة الأولى ، 1416هـ - 1996م، تحقيق : هشام عبد العزيز عطا - عادل عبد الحميد العدوي - أشرف أحمد الج.

(15)- شرح العمدة، ابن تيمية، 4/ 87، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى ، 1413هـ، تحقيق : د. سعود صالح العطيشان.

(16)- تفسير ابن كثير، 1/ 258.

(17)- أخرجه البخاري، 5/ 2120، برقم: 5256، ومسلم، 1 / 76، برقم: 57

(18)- سبق تخريجه.

(19)- مجموع الفتاوى، 13/51. 

(20)- أخرجه البخاري،1/12، برقم:9، ومسلم، 1/63، برقم: 35.

(21)- أخرجه مسلم، 1/63، رقم: 35.

(22)- لسان العرب، 13/21.

(23)- النهاية في غريب الأثر، 1/166.

(24)- مفردات القرآن، 1/58.

(25)- إحياء علوم الدين، 1/175.

(26)- تفسير القرطبي، 3/386.

(27)- فيض القدير، 1/223.

(28)- الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية ، أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفومي، ص187، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1419هـ- 1998م، تحقيق: عدنان درويش - محمد المصري الكفومي.

(29)- نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، 1/105،  مؤسسة الرسالة - لبنان/ بيروت - 1404هـ - 1984م، الطبعة: الأولى، تحقيق: محمد عبد الكريم كاظم الراضي.

(30) تفسير القرطبي، 12/99.

(31) فتح القدير، 3/679.

(32)- مفردات القرآن، 1/451. 

(33)- تفسير البيضاوي، 1/102.

(34)- الأذكار للنووي، 1/362.

(35)- تفسير الجلالين،1/561. 

(36) فتح القدير،1/286.

(37) مسند أحمد بن حنبل، 3/135، برقم: 12406، تعليق شعيب الأرنؤوط : حديث حسن, وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي هلال فقد روى له أصحاب السنن،  قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر حديث رقم: 7179 في صحيح الجامع.

(38)- صحيح البخاري، 1/21، برقم: 33، صحيح مسلم، 1/ 78، برقم: 59.             

(39)- فتح الباري - ابن حجر، 1/89.

(40)- فيض القدير، 1/63.

(41)- شرح النووي على مسلم،2/46.

(42)- سنن أبي داود، 2/312، برقم: 3534، المعجم الكبير، 1/261، برقم: 760، وقال اليثمي: رواه الطبراني في الكبير والصغير ورجال الكبير ثقات، انظر: مجمع الزوائد، 4/256، وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: مشكاة المصابيح، 2/162، برقم: 2934، برقم: 2934.

(43)- عون المعبود، 9/327.

(44) تحفة الأحوذي، 4/400. 

(45)- فيض القدير، 1/223.

(46) صحيح البخاري، 1/33، برقم: 59.

(47)- صحيح مسلم، 1/ 126، برقم: 143.

(48) سنن الترمذي، 5/17، برقم: 2627، وقال: حسن صحيح.

(49) تحفة الأحوذي، 7 / 317.

(50) صحيح مسلم، 2/1060، برقم: 1437.

(51) صحيح مسلم، 3/1457، برقم: 1825.

(52)- شرح النووي على مسلم، 12/210.

(53)- سنن أبي داود، 2/39، برقم:2601. صحيح أبي داود، 2 /493.

(54)- عون المعبود، 7/187.

(55)- سنن أبي داود، 1/198، برقم: 517 قال الشيخ الألباني : صحيح، انظر حديث رقم : 6700 في صحيح الجامع.

(56) فيض القدير، 3/182.

(57)- سنن أبي داود، 2/755، برقم: 5128، قال الشيخ الألباني : صحيح، انظر حديث رقم: 6700 في صحيح الجامع.

(58) تحفة الأحوذي، 8/88.

(59) شرح صحيح البخاري، 4/1904.

(60)- الأغاني، 5/108.

(61)- الأغاني، 11/26. 

(62)- انظر: مجمع الأمثال والحكم، باب الهمزة، الأمانة.

(63) التحرير والتنوير، 1/3026. 

(64) تفسير الطبري، 10/60. 

(65) تفسير القرطبي، 8/289. 

(66)- تفسير البيضاوي، 1/161.

(67)- نضرة النعيم، 3/524.