تسخير
البحار والمحيطات للإنسان
المبحث
الأول
(ركوب
البحر)
مقدمة:
الحمد
لله المتفضل على عباده بالنعم التي لا تعد ولا تحصى, والصلاة والسلام على رسوله المصطفى
ونبيه المجتبى, خير داع إلى طريق النور والهدى, وعلى آله وصحبه ومن بسنته عمل
واقتفى, أما بعد:
فقد
سخر الله تعالى الكون كله لهذا الإنسان, يتصرف فيه
بما أتاح الله له من أدوات وحواس, قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ
لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الجاثية:13].
وأسبغ
عليه الخالق سبحانه بكل النعم التي يحتاج إليها, علّ هذا الإنسان الضعيف أن يشكر
نعم الله تعالى عليه, قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا
أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ
عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾[لقمان:20].
ومن
مظاهر هذا التسخير الكوني تسخير البحار العظيمة, والمحيطات الواسعة لهذا الإنسان
الضعيف, والتي تشكل 71% من مساحة كوكب الأرض الذي نعيش عليه, وهي مساحة تشكل أكثر
من ثلاثة أرباع الأرض التي نعيش على اليابسة منها, فهذا الإنسان يركب ظهر البحر ويتنقل على سطحه,
ويغوص في أعماقه ويستخرج كنوزه وثرواته, ويستمتع بركوبه ويأكل من صيده, ويمكن أن نقف على بعض هذه الفوائد التي يتمتع
بها الإنسان من البحار والمحيطات وسنأخذ في هذا البحث ركوب الإنسان للبحر
واستخدامه كوسيلة من وسائل النقل وفي هذا البحث مطلبان:
المطلب
الأول: البحر وسيلة من وسائل النقل:
منذ
القدم استخدم الإنسان هذا البحر كوسيلة من وسائل النقل, وقد ركب بعض الأنبياء
البحر كما أخبرنا القرآن الكريم عن ركوب نبي الله يونس عليه السلام في الفُلك, قال
تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ*
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾[الصافات:139, 140]. ونبي
الله موسى عليه السلام قال تعالى: ﴿فَانطَلَقَا
حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾[الكهف:71],
وقد صنع الفلك قبل ذلك أبو الأنبياء نوح عليه الصلاة والسلام عندما أمره الله بذلك, قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا
إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ
التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن
سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم
مُّغْرَقُونَ﴾[المؤمنون:27], فصنعها بيده عليه الصلاة
والسلام كما قال تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا
مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ﴾[هود:38],
إلا أنه استخدمها للنجاة من الطوفان الذي أرسله الله عذاباً للكافرين, قال تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى
نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ
الْكَافِرِينَ﴾[هود : 42].
ويقال
إن المصريين القدماء هم أول من ارتادوا البحار والمحيطات، وتلاهم الفينيقيون
والإغريق والرومان(1).
وكان
دور العرب المسلمين سباقاً في ركوب البحار، وبناء السفن من أجل نشر الديانة
الإسلامية وللتجارة, وقد ساعدهم في ذلك معرفتهم بعلم الفلك واستخدام البوصلة، ورسم
الخرائط، وكانت سفنهم تجوب البحر المتوسط والأحمر، والمحيط الهندي والأطلسي وبحر العرب(2).
إلّا أن هذا الأمر كان
على نطاق محدود, وبقدر المراكب البسيطة التي كان يصنعها الإنسان, والذي يبدو-والله
أعلم- أن ركوب البحر كان من الأمور النادرة في عهد البعثة النبوية على صاحبها أفضل
الصلاة والسلام, وقد عجب النبي صلى الله عليه وسلم مما رأى في منامه أن قوماً سيركبون
البحر غزاة في سبيل الله, ففي صحيح البخاري, عن أنس بن مالك رضي الله عنه: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت أم حرام تحت عبادة
بن الصامت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمته وجعلت تفلي رأسه فنام رسول
الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك قالت فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال:
"ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون
ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة". شك إسحاق
قالت فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها رسول الله صلى الله عليه
وسلم ثم وضع رأسه ثم استيقظ وهو يضحك فقلت وما يضحكك يا رسول الله ؟ قال "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله".
كما قال في الأول قالت فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: "أنت من الأولين", فرَكِبَت البحر في زمان
معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت(3).
ومعنى
قوله صلى الله عليه وسلم: "ثبج هذا البحر"
أي وسطه وقيل ظهره(4), وأما ضحكه صلى
الله عليه وسلم فهذا يشعر بأن ضحكه كان إعجابا بهم وفرحا لما رأى لهم من المنزلة الرفيعة,
والمراد أنهم يركبون السفن التي تجري على ظهره ولما كان جري السفن غالبا إنما يكون
في وسطه قيل المراد وسطه(5).
وقد كان ركوب البحر قديماً, تستخدم فيه السفن الشراعية البسيطة في ارتفاعاتها وقوتها, وصمودها أمام الرياح والأمواج البحرية, وقد كانت تعتمد أساساً على الشراع الذي يتحرك بحركة الريح, حيث سخر الله تعالى الرياح البحرية لهذاِ الأمر, ولو سكنت الريح لبقيت السفينة راكدة على سطح البحر, كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ* إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ*أَويُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾[ الشورى:32- 34].
قال سيد قطب رحمه الله: «والسفن الجواري في البحر
كالجبال آية أخرى من آيات الله, آية حاضرة مشهودة, آية تقوم على آيات كلها من صنع الله
دون جدال, هذا البحر من أنشأه؟ مَن مِن البشر أو غيرهم يدعي هذا الادعاء؟ ومن أودعه
خصائصه من كثافة وعمق وسعة حتى يحمل السفن الضخام؟ وهذه السفن من أنشأ مادتها وأودعها
خصائصها فجعلها تطفو على وجه الماء؟ وهذه الريح التي تدفع ذلك النوع من السفن التي
كانت معلومة وقتها للمخاطبين (وغير الريح من القوى التي سخرت للإنسان في هذا الزمان
من بخار أو ذرة أو ما يشاء الله بعد الآن) من جعلها قوة في هذا الكون تحرك الجواري
في البحر كالأعلام؟»(6).
وقد
تقدم الإنسان في صناعة السفن شيئاً فشيئاً, حتى صنع السفن الكبيرة لنقل عشرات
الآلاف من الركاب, وناقلات البترول الضخمة, والحاملات العملاقة, والتي وصل حجمها
في عصرنا الحديث إلى ما يزيد عن مائتي ألف
طن, وأصبحت السفن تسير بقوة
البترول
والغاز،
بل بعضها بقوة
الطاقة النووية.
ولعل في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ
الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾[ الرحمن:24], إشارة
إلى هذه السفن الضخمة التي يبنيها الإنسان بارتفاعات عالية, وبأحجام واسعة, فمعنى ﴿الْمُنْشَآَتُ﴾: المرفوعات التي رفع بعض خشبها على بعض وركب حتى ارتفعت
وطالت حتى صارت في البحر كالأعلام وهي الجبال, والعلم: الجبل الطويل(7)
قال الباحث أحمد جلال مرسي: «ولفظ ﴿الْمُنْشَآَتُ﴾ يدل على وجود تصميم
هندسي معين، ثم يأتي لفظ ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾
أي: كالجبال، ليؤكد على الضخامة والارتفاع وكبر الحجم، وهو ما نجده
حقاً الآن في الناقلات والسفن وحاملات الطائرات، والتي تجاوزت حمولتها ربع مليون
طن، ليدلنا على هتك القرآن لأسرار الكون، والكشف الحقيقي والواضح للمستقبل، في حين
أن القرآن قد نزل من ألف وأربعمائة سنة»(8).
وقد
جعل الله عز وجل هذا الأمر آية دالة على قدرته وعظمته ورحمته بهذا الإنسان, حيث
سخر له هذا البحر, وجعل جري السفن فيه ضمن آيات عديدة أمرنا أن نتفكر فيها ونتدبر,
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي
الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ
مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ
دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[البقرة:164].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «﴿والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس﴾ أي في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب
لمعايش الناس والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم ونقل هذا إلى هؤلاء»(9).
وقد امتن الله عز وجل على عباده بهذه النعمة العظيمة, فقال
تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ
لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾[ الجاثية:12].
قال الإمام الطبري رحمه الله: «يقول تعالى
ذكره: الله أيها القوم الذي لا تنبغي الألوهة إلا له الذي أنعم عليكم هذه النعم التي
بينها لكم في هذه الآيات وهو أنه ﴿سخر لكم البحر
لتجري﴾ السفن ﴿فيه بأمره﴾
لمعايشكم وتصرفكم في البلاد لطلب فضله فيها ولتشكروا ربكم على تسخيره ذلك
لكم فتعبدوه وتطيعوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه(10).
فالله
عز وجل هو الذي جعل للبحر القدرة على حمل هذه السفن, ذات الأحجام المختلفة جريا
بمصالح العباد,
والتي
يستخدمها الإنسان في المتاجر والمكاسب, والحصول على المنافع المجلوبة من قطر إلى
آخر, والسفر من بلد إلى بلد, وهذا من تكريم الله تعالى للإنسان, قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ
خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾[الإسراء:70].
فكما أن الإنسان بحاجة
إلى النقل البري عن طريق السيارات, والحافلات, والقطارات, فهو كذلك بحاجة إلى النقل
البحري, عن طريق القوارب, والسفن التي تنقل البضائع, والناقلات الضخمة للبترول
والمواد الخام, وعابرات القارات, التي تحمل السيارات والطائرات وغير ذلك من وسائل
النقل البحري.
فسخر الله تعالى لهذا
الإنسان ركوب البر والبحر, وعندما ذكّرنا الله تعالى في كتابه الكريم بنعمة ركوب
الأنعام, ذكر بعدها مباشرة نعمة ركوب
البحر, فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ
لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ
وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ* وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
[المؤمنون:21-22].
قال الإمام القرطبي: «قوله تعالى
﴿وعليها﴾ أي وعلى الأنعام في
البر ﴿وعلى الفلك﴾ في البحر ﴿تحملون﴾ وإنما يحمل في البر على الإبل
فيجوز أن ترجع الكناية إلى بعض الأنعام»
(11).
وقد تكرر ذكر هذه
النعمة, وهي تسخير ركوب البر والبحر, في سورة فاطر فقال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا
حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
[غافر:80].
قال الإمام الطبري
رحمه الله: «وقوله: ﴿وعليها﴾
يعني: وعلى هذه الإبل وما جانسها من الأنعام المركوبة ﴿وعلى
الفلك﴾ يعني: وعلى السفن ﴿تحملون﴾
يقول نحملكم على هذه في البر وعلى هذه في البحر»(12).

ومثل هذا قوله
تعالى: ﴿هُو الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾[يونس:22].
وهذا الترابط في ذكر
هاتين النعمتين, من ركوب البر والبحر, تتميما للنعمة وتكميلا للمنة
(13).
ويعد النقل البحري هو عصب
الحياة التجارية والاقتصادية؛ لما يتضمنه من خصائص ومميزات يمتاز بها عن وسائل
النقل الأخرى, ومن هذه الخصائص:
1-
زيادة الحمولة للسفينة
الواحدة حيث تصل في بعض السفن إلى عدة مئات الآلاف من الأطنان في المناطق ذات
الغاطس المائي الذي يزيد على (10) أمتار.
2-
انخفاض تكاليف النقل
البحري مقارنةً بوسائل النقل الأخرى(14).
3-
أن السفينة أقل تكلفة
في بنائها وصيانتها بالمقارنة بقطار له نفس الحمولة.
4-
أنه لا يحتاج
للإنشاءات إلا في بداية ونهاية الطرق الملاحية كالمواني والأرصفة البحرية.
5-
أن هذه الطرق الملاحية
لا تحتاج إلى صيانة مكلفة أو إصلاحات كالنقل البري أو النهري.
6-
أن أقل قوة محركة
كافية لنقل حمولة هائلة لا تقارن بمثيلاتها في طريق النقل الأخرى(15).
7-
وجود خطوط نقل بحري
رئيسية في
العالم.
8-
السرعة حيث زادت سرعة
السفن نتيجة التقنيات المستخدمة في بناء السفن إلى (50) ميلاً بحرياً.
9-
قيام شركات دولية
متخصصة في بناء السفن، وفي
الشحن البحري، وجميع خدمات
صناعة السفن وإصلاحها، من بناء أحواض للصيانة أو مخازن للتخزين، والتأمين البحري.
10- التخصص؛ إذ أصبح النقل بالسفن يقوم على نقل مادة معينة مثل: ناقلات النفط ، ناقلات الموز بين أمريكا الوسطى والولايات المتحدة، وناقلات عصير العنب بين الجزائر وفرنسا. وهناك سفن نقل الركاب(16).

المطلب الثاني: وصف القرآن لحالة الإنسان عند ركوبه للبحر
وصف القرآن الكريم الحالات
التي تمر بالإنسان عند ركوبه البحر, في عدة آيات في مواضع متعددة, شملت أربع حالات
نذكرها فيما يلي:
الحالة الأولى: حالة الإحباط واليأس
وصف الله عز وجل هذه الحالة بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ
آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ* إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ
الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ
لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾[الشورى:32, 33].
ففي هذه الحالة تتوقف
الرياح التي تعتبر السبب الرئيس في تحريك السفن الشراعية, فعند ذلك لا تظهر
الأمواج على سطح البحر, فتكون حالة البحر (السكون) بسبب سكون الريح ﴿إِنْ
يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ وتمر السفينة بحالة (الركود)
﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ وإذا توقفت السفينة عن الحركة أصيب راكبوها بالإحباط واليأس, وذلك لعدم تحقق
المراد من الركوب.
قال سيد قطب رحمه الله: «وإنها لتركد أحياناً
فتهمد هذه الجواري وتركد كما لو كانت قد فارقتها الحياة! ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾..في
إجرائهن وفي ركودهن على السواء آيات لكل صبار شكور, والصبر والشكر كثيراً ما يقترنان
في القرآن, الصبر على الابتلاء والشكر على النعماء, وهما قوام النفس المؤمنة في الضراء
والسراء.
﴿أو يوبقهن بما كسبوا﴾ فيحطمهن أو
يغرقهن بما كسب الناس من ذنب ومعصية ومخالفة عن الإيمان الذي تدين به الخلائق كلها،
فيما عدا بعض بني الإنسان! ﴿ويعف عن كثير﴾
فلا يؤاخذ الناس بكل ما يصدر منهم من آثام، بل يسمح ويعفو ويتجاوز منها عن كثير»(17).
فهذه
هي الحالة الأولى التي قد يواجهها راكب البحر, وهي توقف الرياح التي تؤدي إلى توقف
السفن في البحر, وهم في هذه الحالة في انتظار هبوب الرياح لتحريك السفينة, وهذا ما
سيكون في الحالة الثانية.
الحالة الثانية: حالة الفرح والسرور:
وفي هذه الحالة تأتي الرياح النافعة لتحريك
السفن, وإزجائها في البحر, بعد أن كانت راكدة في مكانها, فيفرح راكب السفينة بعد
أن كان محبطا, وذلك لتحقق المراد من ركوبها, قال تعالى: ﴿هُو الَّذِي
يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ
بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا﴾[يونس:22].
فهذه
الريح النافعة دفعت السفينة وحركتها من مكانها, ونقلتها من الركود إلى الحركة
وأصبحت تجري فوق الأمواج كما وصفها القرآن ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ ووصف نوع الريح ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ووصف راكب
السفينة بأنه في حالة فرح ﴿وَفَرِحُواْ بِهَا﴾.
قال الإمام النسفي رحمه الله: «﴿حَتَّى إِذَا
كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ أي السفن ﴿وَجَرَيْنَ
﴾ أي السفن ﴿بِهِم﴾ بمن فيها رجوع من الخطاب إلى الغيبة للمبالغة ﴿بِرِيحٍ
طَيِّبَةٍ﴾ لينة الهبوب لا عاصفة
ولا ضعيفة ﴿وَفَرِحُواْ بِهَا﴾ بتلك الريح للينها واستقامتها»(18).
ولأن
الغالب في القرآن الكريم أن لفظة (الريح) بالمفرد تدل على ريح العذاب كقوله تعالى:
﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[الأحقاف:24], وقوله: ﴿وَأَمَّا
عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾[الحاقة:6],
وقوله: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات:41],
وقوله: ﴿إِذْ
جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾[الأحزاب:9], وقوله: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾[إبراهيم :
18], وقوله: ﴿أَوْ
تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾[الحج:31], إلى غير
ذلك من الآيات التي تدل على هذا المعنى, على العكس من لفظة (الرياح) بالجمع, والتي
تدل على رياح الرحمة, ولقد جاءت في هذه الآية مفردة ﴿بِرِيحٍ﴾ ولكنها قيدت
بأنها ﴿طَيِّبَةٍ﴾ حتى تدل على النفع والفائدة لراكب البحر.
وقد
بين لنا القرآن الكريم نعمة هذه الرياح البحرية وسوقها للسفن, قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ
أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ
الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[الروم: 46].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «﴿ولتجري الفلك بأمره﴾ أي في البحر
وإنما سيرها بالريح ﴿ولتبتغوا من فضله﴾
أي في التجارات والمعايش والسير من إقليم إلى إقليم وقطر إلى قطر ﴿ولعلكم تشكرون﴾ أي تشكرون الله على ما
أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة التي لا تعد ولا تحصى»
(19).
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: «وإنما زاد
﴿بأمره﴾ لأن الرياح قد تهب ولا
تكون مواتية فلا بد من إرساء السفن والاحتيال بحبسها وربما عصفت فأغرقتها بأمره»(20).
فهذه
هي الحالة الثانية التي قد يواجهها راكب البحر, وهي الأصل من ركوب البحر, فالمراد
من ركوب البحر هو تحرك السفينة بهذا النوع من الريح التي لا ضرر فيها ولا خوف,
إلّا أن الركاب قد يواجهون خطراً قادماً وذلك باشتداد الريح وتحولها إلى النوع
الخطر الذي يهدد السفينة, وهذه هي الحالة الثالثة.
الحالة الثالثة: حالة الخوف واللجوء إلى الله
وهذه
الحالة-وهي حالة مواجهة الريح العاصف- وقد وصفها القرآن الكريم في نفس الآية التي
وصفت الحالة السابقة,
قال تعالى: ﴿هُو الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى
إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا
جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ
أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ
هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾[يونس:22].
فهنا
انتقلت حالة راكب السفينة من الفرح والسرور إلى حالة الخوف والهلع, والسبب هو مجيء
نوع آخر من الريح فقد ﴿جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ وهذا
النوع من الريح تحدث أمواجاً شديدة الارتفاع تحيط
بالسفينة من كل الاتجاهات ﴿وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ لأن قوة الريح تضغط على سطح البحر فتحدث شكلاً مقعراً يجعل الموج
يرتفع من كل مكان ويحيط بالسفينة من كل الجهات ويكون ارتفاع موج البحر عالياً جداً
قد يصل إلى (14متراً) أو أكثر كما بين ذلك الجدول الدولي الذي اعتمدته المنظمة
العالمية للأرصاد الجوية (World
Meteorological Organization)
(21), وتكون حالة الركاب حالة خوف شديد وعلى يقين بالهلاك ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ فقد تغرق السفينة في هذه الحالة, فلا يملكون عند ذلك إلا
اللجوء
إلى الله عز وجلّ, ﴿دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا
مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
وعندما نتدبر هذه الآية
الكريمة, فكأننا نشاهد أمام أعيننا أمواج البحر وهي تتلاطم مع بعضها البعض, وقد اضطربت
السفينة بمن فيها، وأصبحت الأمواج تتلاعب بها كالريشة في مهب الريح, ويتضح لنا
مشهد ركاب السفينة وهم في لحظات الخوف والهلع, وقد انقطعت بهم سبل النجاة, وأيقنوا
أن لا ملجأ من الله إلّا إليه, وقلوبهم يملؤها الإخلاص لله وحده لا شريك له, فعندها ﴿دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ متبرئين
من عبادة الأصنام والأوثان, فأخذوا يقطعون الوعود, ويكررون العهود
﴿ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
قال الإمام القرطبي رحمه الله: «﴿جَاءتْهَا
رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ الضمير في جاءتها للسفينة وقيل
للريح الطيبة, والعاصف الشديدة... ﴿وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ والموج ما ارتفع من الماء ﴿وَظَنُّواْ﴾ أي أيقنوا ﴿أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي أحاط بهم البلاء,
(22)يقال لمن وقع في بلية: قد أحيط به كأن البلاء قد أحاط به, وأصل هذا أن
العدو إذا أحاط بموضع فقد هلك أهله ﴿دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي دعوه
وحده وتركوا ما كانوا يعبدون, وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله
في الشدائد وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا لانقطاع الأسباب ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب»
(23).
ولكن يا ترى ماذا كان حالهم
عندما أنجاهم الله من الغرق ومن الموت المحقق؟! هل أنجزوا ما وعدوا به من ترك
الكفر والعناد؟! هل عادوا إلى طاعة الله كما عاهدوه سبحانه وهو الغني عن طاعتهم؟! هل
سيفردونه بالعبادة في البر كما أفردوه بالدعاء في البحر؟!
لقد حصل عكس ذلك تماما, ويظهر ذلك في الآية
بعدها, قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ
الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[يونس: 23].
قال الإمام ابن كثير: «قال الله تعالى: ﴿فلما أنجاهم﴾ أي من تلك الورطة ﴿إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق﴾ أي كأن لم يكن من ذلك شيء ﴿كأن لم يدعنا إلى ضر مسه﴾ ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم﴾ أي إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم ولا تضرون به أحدا غيركم كما
جاء في الحديث "ما من ذنب أجدر أن يعجل
الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر الله لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم"(24), وقوله: ﴿متاع الحياة الدنيا﴾ أي إنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة ﴿ثم إلينا مرجعكم﴾ أي مصيركم ومآلكم ﴿فننبئكم﴾ أي فنخبركم بجميع أعمالكم ونوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن
وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»(25).
فما أشد جحود هذا الإنسان, وما أشد غروره, ألم يقطع الوعود وهو في البحر ألّا
يعود إلى كفره وعناده؟!, فما أن وصل إلى شاطئ البحر حتى تنكر لكل ذلك كما قال
سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ
الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ
إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً﴾[الإسراء : 67], وكما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ
يُشْرِكُونَ﴾[العنكبوت:65], وكما قال أيضاً:
﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ
بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان:32].
وهذا هو حال الإنسان عند مواجهة الشدائد عموماً, لا يجد إلّا اللجوء إلى الله,
كما أخبرنا سبحانه في الآية التي قبل هاتين الآيتين, قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ
إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ
مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس:21].
قال سيد قطب رحمه الله: «عجيب هذا المخلوق الإنساني لا يذكر الله إلا في ساعة العسرة، ولا يثوب
إلى فطرته وينزع عنها ما غشاها من شوائب وانحرافات إلا في ساعة الكربة, فإذا أمن فإما
النسيان وإما الطغيان.. ذلك إلا من اهتدى فبقيت فطرته سليمة حية مستجيبة في كل آن،
مجلوة دائماً بجلاء الإيمان»(26).
ونجد هذا المعنى أيضاً في نفس
السورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَو قَاعِداً
أَوقَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى
ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [يونس : 12]
قال سيد قطب رحمه الله: «إنها صورة مبدعة لنموذج بشري مكرور.. وإن الإنسان ليظل مدفوعاً مع تيار
الحياة، يخطئ ويذنب ويطغى ويسرف، والصحة موفورة، والظروف مواتية, وليس - إلا من عصم
الله ورحم - من يتذكر في إبان قوته وقدرته أن هناك ضعفاً وأن هناك عجزاً, وساعات الرخاء
تُنسي, والإحساس بالغنى يُطغي.. ثم يمسه الضر فإذا هو جزوع هلوع، وإذا هو كثير الدعاء،
عريض الرجاء، ضيق بالشدة مستعجل للرخاء, فإذا استجيب الدعاء وكشف الضر انطلق لا يعقب
ولا يفكر ولا يتدبر, انطلق إلى ما كان فيه من قبل من اندفاع واستهتار»(27).
والآيات في هذا المعنى
كثيرة في كتاب الله تعالى ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ
الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾[النحل:53], وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم
بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل:54].
فهذه
هي الحالة الثالثة التي قد يواجهها راكب البحر, وهي حالة اللجوء إلى الله تعالى
وحده خوفاً من الغرق, وأملاً منهم بالنجاة, إلّا أن الركاب قد يواجهون نهاية
حتمية, يحصل فيها ما يخشى حدوثه, وذلك بمجيء نوع آخر من الريح وهو النوع الذي لا
أمل معه للنجاة, وهذا ما سنعرفه في الحالة
الرابعة.
الحالة الرابعة: حالة إغراق السفن بركابها
لما وصف الله عز وجل آية جريان السفن تذكيراً لعباده بهذه النعمة العظيمة, وذلك في قوله
تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي
الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾[الشورى:32],-وهذا ما عرفناه في الحالة الثانية- بين بعدها
أنه سبحانه القادر على إسكان الريح فتتوقف
السفن في مكانها, قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ
يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾[الشورى:33], وهذا
تهديد منه سبحانه, إذ لا ينتفع راكبوها عند
ذلك-وهذا ما عرفناه في الحالة الأولى- وبين أيضاً
أنه سبحانه القادر على إغراقها, إذا أراد العقوبة منهم, قال تعالى: ﴿أَو يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾[ الشورى:34] ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا
هُمْ يُنقَذُونَ* إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً
إِلَى حِينٍ﴾[يس:41-44]. فإغراق السفن لا يكون إلّا بأمره
سبحانه, وهذا ما نحن بصدده في هذه الحالة الرابعة- فكل هذه
الحالات تحت مشيئته, فهي تجري بأمره, أو تسكن بمشيئته, أو تغرق بقدرته.
قال الإمام الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره: أو يوبق هذه الجواري في البحر بما كسبت ركبانها من الذنوب،
واجترموا من الآثام، وجزم ﴿يوبقهنّ﴾ عطفا على ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ ومعنى الكلام إن يسكن الريح فيظللن رواكد
على ظهره، ﴿أَو يُوبِقْهُنَّ﴾ ويعني بقوله: أَو
يُوبِقْهُنَّ﴾ أو يهلكهنّ بالغرق»(28).
وهذه الحالة تشتد فيها الريح جاعلة سطح البحر كالوديان العميقة والجبال
الشاهقة, ويصاحب ذلك ظواهر غير عادية وتسمى هذه الريح بـ (الزوبعة أو الإعصار) وفي
هذه الحالة فإنها تدمر السفن وتغرقها, وخاصة ريح الإعصار المسماة (هاريكن Hurricane) فهذه الريح الشديدة إذا جاءت قضت
على السفينة ودمرتها؛ لأنها تسير بسرعة هائلة جداً تؤدي إلى تكسير سواري السفينة
وأعمدتها وقد يصل ارتفاع الموج فيها من (18– 20 متراً) فيرتفع هذا الموج الهائل رافعاً معه مقدمة السفينة إلى أعلى ثم ترتطم بشدة على
سطح البحر ثم ترتفع مؤخرتها لأعلى لترتطم بشدة على سطح البحر, بل إن الريح تحدث
فجوات تحت جسم السفينة وأثناء صعودها وهبوطها بهذه الشدة فإن السفينة تتخلخل
أجزاؤها بالإضافة إلى تحطيم الأعمدة والسواري ومهما كانت ضخامة السفينة ومتانتها
فإنها لا تصمد أمام هذا النوع من الريح(29),
والتي جاءت تسميتها في القرآن الكريم بـ(القاصف)
التي تقصف السفينة وتدمرها ولا أمل
معها للنجاة, وهي التي وصفها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ
فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى
الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً* أَفَأَمِنتُمْ
أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَو يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ
تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً * أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً
أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا
كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ [الإسراء:67-69].
ففي
هذه الآيات يخاطبهم الله عز وجل فيقول لهم: تذكروا الحالة التي كنتم عليها عند
مواجهتكم للريح العاصف-وهي الحالة الثالثة- عندما دب الرعب في قلوبكم, ولجئتم إلى
الله وحده ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن
تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾
ولكنكم بمجرد وصولكم إلى البر نسيتم كل ما كان منكم ﴿فَلَمَّا
نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ فأين الوعود التي وَعَدتُم بها, ولكن سرعان ما يتنكر هذا الإنسان
للمنعم ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً﴾ ثم يقول لهم سبحانه: إن الذي خشيتم أن يغرقكم في البحر هو القادر
على أن يغرقكم في البر فما
الذي يؤمنكم من ذلك؟! ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ
بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ بالخسف
أو بالزلازل كما أهلك من كانوا قبلكم
﴿أَو يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ من السماء كالشهب أو النيازك أو الحجارة ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ
وَكِيلاً﴾ فأنتم في كل هذه الحالات
تحت قبضته, ثم يقول لهم سبحانه: بل هو القادر على أن يعيدكم إلى البحر مرة أخرى بأن
يجعلكم تحتاجون إلى الركوب فيه ﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَن
يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ فعند ذلك سيرسل عليكم ريحا قاصفا مدمرة أشد من الريح العاصف
التي أنقذكم منها ﴿فَيُرْسِلَ
عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ﴾ تقصف السفينة فلا يكون معها أمل للنجاة فهي ترسل لإغراق السفن بمن
فيها ﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ
عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾.
فوصف الريح هنا بأنها قاصف
أي: تقصف السفينة وتدمرها ووصف حالة الركاب بأنهم قد أغرقوا بسبب كفرهم ولم يبق
هناك أمل للنجاة.
قال أبو السعود رحمه الله:
«﴿أَمْ
أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ في البحر ... ﴿تَارَةً أخرى﴾ إسنادُ الإعادة إليه تعالى مع أن العَوْدَ إليه باختيارهم باعتبار خلقِ
الدواعي الملجئةِ لهم إلى ذلك، وفيه إيماءٌ إلى كمال شدةِ هولِ ما لاقَوْه في التارة
الأولى بحيث لولا الإعادةُ لما عادوا ﴿فَيُرْسِلَ
عَلَيْكُمْ﴾ وأنتم في
البحر وقرئ بالنون ﴿قَاصِفًا مّنَ الريح﴾ وهي التي لا تمر بشيء إلا كسرَتْه وجعلتْه كالرميم، أو التي لها قصيفٌ
وهو الصوتُ الشديد كأنها تتقصّف أي تتكسر ﴿فَيُغْرِقَكُم﴾ بعد كسر فُلْكِكم كما ينبىء عنه عنوانُ القصفِ، وقرىء بالنون وبالتاء
على الإسناد إلى ضمير الريح ﴿بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ بسبب إشراكِكم أو كفرانِكم لنعمة الإنجاء ﴿ثُمَّ
لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ أي ثائراً يطالبنا بما فعلنا انتصاراً منا ودَرْكاً للثأر من جهتنا كقوله
سبحانه: ﴿وَلاَ يَخَافُ عقباها﴾»(30).
وهكذا يكون جزاء من أعرض عن منهج الله تعالى فتكبر على
خالقه, ونقض العهد مع ربه, فلقد أغرق الله عز وجل هؤلاء بسبب كفرهم وعنادهم, كما
أغرق آل فرعون وقوم نوح من قبلهم, وليس معنى ذلك أنهم إذا خرجوا من البحر أنهم في
مأمن من عقاب الله, فما يعلم جنود ربك إلا هو سبحانه, فأنواع العقوبة كثيرة
ومتنوعة, كما قال تعالى: ﴿قُلْ
هُو الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَو مِن تَحْتِ
أَرْجُلِكُمْ أَو يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ
نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:65], حتى
لو كانوا في البر فهو سبحانه القادر على أن يخسف بهم كما خسف بقارون, أو يرسل
عليهم حاصباً من السماء كما أرسلها على قوم لوط, أو يأخذهم بالصيحة كما فعل بثمود, وهذه سنة الله عز وجل في خلقه, كما قال سبحانه: ﴿فَكُلّاً
أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ
أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ
أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:40].
فهذه هي الحالة الرابعة من الحالات التي قد تواجه الإنسان
عند ركوب البحر, وهي حالة إغراق السفن بمن فيها عقوبة من الله تعالى القائل: ﴿وَمَا
أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾[الشورى:30].
إعداد:
رياض عيدروس عبد الله
15/12/2009م
مراجعة: د.
قسطاس إبراهيم النعيمي
***
(1) آيات البحار ومعانيها العلمية في القرآن
الكريم للباحث أحمد جلال مرسي, موسوعة الإعجاز العلمي في القلرآن والسنة, على
الرابط:
http://www.55a.net/firas/arabic/?page=show_det&id=774&select_page=10
(2) الموسوعة الحرة .
(3) صحيح البخاري,3/1027, برقم: 2636.
(4) انظر فتح الباري - ابن حجر,1/94.
(5) انظر فتح الباري - ابن حجر,11/73-74.
(6) في ظلال القرآن,6/326.
(7) انظر فتح القدير,5/190.
(8) آيات البحار ومعانيها العلمية في القرآن الكريم, موسوعة الإعجاز العلمي
في القلرآن والسنة, على الرابط:
http://www.55a.net/firas/arabic/?page=show_det&id=774&select_page=10
(9) تفسير ابن كثير,1/274.
(10) تفسير الطبري,11/255.
(11) تفسير القرطبي, 12/109.
(12) تفسير الطبري,11/80.
(13) انظر فتح القدير,3/687.
(14) الموسوعة الحرة, على الرابط.
(15) آيات البحار ومعانيها العلمية في القرآن الكريم, موسوعة
الإعجاز العلمي في القرآن والسنة, على الرابط:
http://www.55a.net/firas/arabic/?page=show_det&id=774&select_page=10
(16) الموسوعة الحرة.
(17) في ظلال القرآن,6/326.
(20) تفسير القرطبي,14/40.
(21) أنظر: الإعجاز العلمي في البحار والسحاب للشيخ عبد المجيد الزنداني.
(22) بل إن الإحاطة تكون على حقيقتها ففي هذا النوع من الريح يكون الضغط على
سطح البحر شديداً مما يحدث شكلاً مقعراً في سطحه فترتفع الأمواج من كل الاتجاهات
وتحيط بالسفينة من كل مكان, أنظر: الإعجاز العلمي في البحار والسحاب للشيخ عبد
المجيد الزنداني.
(23) تفسير القرطبي,8/293.
(24) سنن أبي داود,2/693, قال الألباني: (صحيح), السلسلة
الصحيحة,2/ 588, برقم:918.
(25) تفسير ابن كثير,2/542. .
(26) في ظلال القرآن,4/ 136.
(27) في ظلال القرآن,4/ 132.
(28) تفسير الطبري,21/542.
(29) انظر الإعجاز العلمي في البحار والسحاب
(30) تفسير أبي السعود,4/213.