بسم الله الرحمن الرحيم
شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إن
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات
أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ
الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ
إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]
﴿ياَ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[الحشر:18].
ثم
أما بعد:
فإن
الأمة الإسلامية إنما نالت الخيريةكونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر مع إيمانها
بالله عز وجل، قال تعالى:﴿كُنتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾[آل عمران:110] وعلق سبحانه الفلاح
للمؤمنين إذا كانوا قائمين بهذه المهمة العظيمة فقال: ﴿وَلْتَكُن
مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[آل عمران:104]وهذا
يدل على أنه لا تفلح الأمة ولا تنجح إذا ضيعت هذا الواجب ، وبين سبحانه أنه من صفات
المؤمنين والمؤمنات الرئيسية « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء
بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ
اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة:71] ويفهم من
هذا أن الإيمان الواجب لا يحصل إلا لمن هذه صفته، ويفهم منه أيضاً أن الرحمة لا تحصل
إلا لمن قام بهذه الأمور جميعاً، وتدل الآية الكريمة على أن واجب الحسبة والدعوة ليس
خاصاً بل هو عام للرجال والنساء كل حسب قدرته وعلمه.
وأخبر
سبحانه أن من أسباب لعن بني إسرائيل خاصة تركهم هذه الفريضة تحذيراً من الاتصاف بصفتهم
أو أن نفعل مثل فعلهم فنستحق مثل جزائهم فقال سبحانه وتعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى
لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ
* كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُون
* تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ
لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾[المائدة:78-80].
وموضوع «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أولى وأوجب ما ينبغي أن يتحدث عنه الدعاة والوعاظ والخطباء، فهو واجب من الواجبات التي شرعها الله تبارك وتعالى، بل هو واجب يترتب على تحقيقه واجبات كثيرة، بل كل الواجبات إذا تأملنا نجد أنها لا تتحقق، وكل المنهيات لا يُنتهى عنها إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»(1).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يقول الإمام
الغزالي«هو القطب الأعظم في الدين وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طُوي
بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلّت الديانة، وعمت الفترة وفشت
الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد،
ولم يشعروا بالهلاك إلاّ يوم التناد، وقد ظهر ذلك في كثير من البلاد، ومن أهم
أسباب ذلك ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاستهانة به، وممّا شجع الناس
على تركه ما يُثَار من شبهات حول شرعيته، ووجوبه، وجدواه، وما يُلقن الناس من
أعذار فاسدة للتهاون في شأنه(2).
ولذلك
حاولت جمع هذه الشبهات من هنا وهناك كما وحاولت جمع ما تيسر لي من أجوبة مختلفة مع
الاستفادة من أبحاث سبقت أو شبهات تم الرد عليها والغرض من ذلك معالجة هذه الشبه
من كل الأوجه المتاحة.
المقصود بالشبهة، الشبهة: الالتباس، وأمور مشتبهة ومشبهة: مشكلة يشبه بعضها بعضا، وشبه عليه: خلط عليه الأمر حتى اشتبه بغيره(3)، و(اشتبه) الأمر عليه اختلط وفي المسألة شك في صحتها(4).
المقصود
بالمعروف: «(العرف) المعروف وهو خلاف النكر، وما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم»(5).
شرعاً: اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات وهو من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه والمعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس والمنكر ضد ذلك جميعه(6)
ومن
تعاريف المعروف: هو ما عرف الناس بأنه محبوب للشارع مفروضا كان أو مسنونا أو مستحبا. والمنكر: هو ما ينكره الشارع محرما كان أو مكروها(7).
جمع
عدد من الشبهات المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرد عليها(8) ومن هذه الشبهات ما يلي:
أولاً: (وجوب ترك الاحتساب
لتعارضه مع الحرية الشخصية).
ثانياً: (ترك الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر حيث لا يضرنا ضلال الضالين)
ثالثاً: (ترك الحسبة بسبب وقوعنا
في الذنوب والتقصير والنقص).
رابعاً: (ترك الاحتساب لاعتقاد
أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اختصاص العلماء فقط)
خامساً: (ترك الاحتساب خشية
الوقوع في الفتنة).
سادساً: (ترك الاحتساب بسبب
عدم استجابة الناس).
سابعاً: (ترك الاحتساب لوجود
الخلاف في المسألة ولمقولة: لا إنكار في مسائل
الخلاف)
ثامناً: (ترك الاحتساب لا
لشبهة ولكن إرضاء لفئة)
الشبهة الأولى: (وجوب ترك الاحتساب بحجة
تعارضه مع الحرية الشخصية)
يقول
بعض الناس: «يجب علينا أن نترك
الناس وشأنهم ولا نتدخل في شؤونهم الخاصة بأمرهم بالمعروف الذي لا يرغبون في فعله،
ونهيهم عن المنكر الذي يرغبون فيه، لأن هذا يتعارض مع الحرية الشخصية الثابتة في
الإسلام».
ويستدلّ
هؤلاء على صحة رأيهم بقوله عز وجل: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾[البقرة:256].
سنبيّن
بعون الله تعالى حقيقة هذه الشبهة ضمن العناوين التالية:
هل
يوجد تعريف للحرية الشخصية مجمع عليه لا يوجد فالحرية الشخصية شيء نسبي(9) فهو يختلف باختلاف الأمم والديانات. ولنا أن نسأل أصحاب هذا القول: أين تلك (الحرية الشخصية) المزعومة ؟ أفي مشارق
الأرض أم في مغاربها ؟ هل وجدتموها في أنظمة شرقية أم في أنظمة غربية ؟ كلا، لا عند هؤلاء،
ولا عند أولئك، يُطالب المرء بالخضوع والامتثال لقواعد وأنظمة على رغم أنفه حيثما
حل وارتحل.
هل
يُسمح لأحد في الشرق أو الغرب أن يعبر التقاطع والإشارة حمراء ؟ هل يُعطى في الغرب
لأحد حق بناء بيت بماله الذي
اكتسبه بكد جبينه على الأرض التي اشتراها بخالص ماله كيفما شاء من غير مراعاة
الضوابط التي وضعتها أمانة تلك المدينة التي هو فيها ؟ لا يمكن هذا.
الحرية
الشخصية التي منحها الإسلام للعباد هي: أنه أخرج العباد من عبودية العباد، إلى عبودية رب
العباد، وما أحسن ما عبر القرآن الكريم عن هذا بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً
لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ﴾[الزمر:29].
فالمطلوب
في الإسلام أن يتحرر العبد من كل من عبادةسوى الله ويصير عبداً منقاداً مطيعاً
مستسلماً لله الواحد الخالق المالك المدبر، وهذا ما عبّر عنه ربعي بن عامر -رضي الله عنه- مجيباً على سؤال
رستم بقوله: «الله ابتعثنا لنخرج
من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله»(10).
ومن
النصوص التي تدلّ على أن المؤمنين مطالبون بالاستسلام لله تعالى والعمل بجميع
أوامره وترك جميع نواهيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾[البقرة:208].
يقول
الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: «يقول
الله تعالى آمراً عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام
وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك»(11).
وبيّن
المولى عز وجل أنه لا يبقى لمؤمن ولا مؤمنه أدنى خيار بعد مجيء أمر الله تعالى
وأمر رسوله، قال تعالى: ﴿وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب:36].
وصوّر
لنا السميع البصير مبادرة المؤمنين إلى امتثال أوامره وأوامر رسوله حيث يقول عز من
قائل ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا
دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[النور:51] فأين أصحاب (الحرية الشخصية) المزعومة من أولئك؟.
ليس
معنى الآية بأن للناس كلهم فعل ما يشاءون وترك ما يشاءون، وليس لأحد إلزامهم على
فعل الخير الذي تركوه أو اجتناب الشر الذي فعلوه، بل المراد بالآية – والله أعلم بالصواب – كما يقول الحافظ ابن
كثير: «أي لا تكر هوا أحدا على الدخول في دين الإسلام»(12).
وحتى
هذا ليس لغير المسلمين كلّهم بل رجّح كثير من المفسرين بأن هذا الحكم خاص بأهل
الكتاب ومن شابههم، وأما عبدة الأوثان من مشركي العرب ومن شابههم فلا يُقبَل منهم
إلاّ الإسلام أو القتال ، وفي هذا يقول الإمام ابن جرير الطبري بعد نقله أقوالاً
مختلفة في تفسير الآية: «وأولى هذه الأقوال
بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في
خاص من الناس، وقال: عني بقوله تعالى ذكره: ﴿لاَ
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾[البقرة:256] أهل الكتاب والمجوس وكل من جاء إقراره على دينه
المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه»(13).
ثم
يقول مبيّناً سبب ترجيح هذا القول: «وكان المسلمون جميعاً قد نقلوا عن نبيّهم: أنه أكره على
الإسلام قوماً فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم أن امتنعوا منه، وذلك
كعبدة الأوثان من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم،
وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه، وإقراره على دينه الباطل،
وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم»(14).
قد
آن لنا أن نسأل أصحاب هذه الشبهة: أيهود
أنتم أم نصارى، فيُكتُفى بقبول الجزية منكم، فلا يأمركم أحد بمعروف تتركونه ولا
ينهاكم عن منكر تفعلونه ؟.
إن
هؤلاء أخذوا آية واحدة وحاولوا تأويلها وفق أهوائهم وتجاهلوا تلك النصوص الكثيرة
الصريحة الواضحة التي لا تترك مجالاً للشك والتردد في فرضيّة الحسبة، أين هؤلاء من
تلك النصوص التي وردت فيها صيغ الأمر للقيام بالاحتساب، وصيغ النهي للمنع عن تركه
؟ وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن
مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[آل عمران:104] ومثل قوله صلى الله
عليه وسلم:"مروا
بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم"(15)، ومثل قوله: "لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بحق رآه أو عرفه"(16).
وكيف
يؤول هؤلاء النصوص التي قُرِن الإيمان فيها بالاحتساب، فحُكِم فيها بقوة الإيمان
وضعفه مع قوة الاحتساب وضعفه ؟ وذلك مثل قوله: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".(17)
وبماذا
يفسر هؤلاء تلك النصوص التي تجعل (التواصي
بالحق) من شروط نيل الفوز
والفلاح ؟ وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ* إِنَّ
الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[سورة العصر] وكيف يتجرأ هؤلاء على
تحريف النصوص التي وعد الله تعالى ورسوله فيهما بالعذاب على ترك الاحتساب ؟ وذلك
مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ
فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ
أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الأنفال:25]
ألا
يستحي هؤلاء من تكذيب ما أخبر به من هو أكبر شيء شهادة وأصدق قيلا عن نزول اللعنة
على ترك الاحتساب ؟ وذلك في قوله عز من قائل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ
بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ
لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾[المائدة: 78].
أليس
في هذا وذلك ما يمنع هؤلاء من القول: إن الاحتساب يتعارض مع الحرية الشخصية الثابتة في
الإسلام ؟ فما لهؤلاء القوم لا
يكادون يفقهون حديثاً ؟
لنا
أن نسأل أصحاب هذا القول: على من أنزلت الآية: ﴿لاَ
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾[البقرة:256]؟ أعليكم أنزلت أم على سيّد الأولين والآخرين إمام
الأنبياء وقائد المرسلين ؟ أأنتم أعلم بمرادها أم هو الذي أسند إليه أمر بيان المنزل
؟، يقول تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا
إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ﴾[النحل:44].
وهل
أمر عليه الصلاة والسلام الناس بالمعروف ونهاهم عن المنكر أم تركهم وشأنهم مراعياً
مبدأ الحرية الشخصية المخترعة ؟ لقد قام بالاحتساب في البيت والشارع، وفي المسجد
والسوق، وفي الحضر والسفر، وفي الحرب والسلم، ويغنينا في هذا المقام عن ذكر أمثلة
احتسابه وصف أصدق القائلين اللطيف الخبير له بقوله: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾[الأعراف:157]
ونستفسر
أصحاب هذه الشبهة أيضاً: أُمِرنا باقتداء من ؟
أ أُمِرنا باقتداء من اتخذ إلهه هواه أم أُمِرنا بالتأسي بمن كان آمراً بالمعروف
وناهياً عن المنكر، تعالوا فلنقرأ جميعاً قول الباري سبحانه وتعالى:﴿لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾[الأحزاب:21].
ماذا
سيكون موقف هؤلاء من الحدود والتعزيرات التي شُرِعت لمعاقبة مرتكبي بعض الجرائم؟
أيردون تلك النصوص الثابتة الصريحة التي جاء فيها بيانها ؟
ومن
تلك النصوص- على سبيل المثال – ما جاء فيها من عقوبة
الزاني: "البكر
بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثّيب بالثيب جلد مائة والرجم"(18).
وما
جاء فيها عمن تزوج امرأة أبيه عن عن عدي بن ثابت عن البراء قال لقيت خالي ومعه
الراية فقلت أين تريد قال: "أرسلني
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو
أقتله"(19)
وما
جاء عمن عَمِل عَمَل قوم لوط عليه السلام: "من
وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به"(20).
وما
بينه الناطق بالوحي الأمين الصادق المصدوق عن حكم من ارتد عن
الإسلام بقوله:"من بدّل
دينه فاقتلوه"(21).
ولو
كان لمبدأ الحرية الشخصية المختلفة أساس في الإسلام كما يدعي أولئك ما كان مرتكبو
هذه الجرائم ليُجْلَدُوا ويُغَرَّبوا أو يُجْلَدُوا ويُرْجمُوا، أو يُقتَلوا، وكان
لهم أن يحتجوا: هذا ما يخصنا نحن، وليس لأحد
حق التدخل في شؤوننا الخاصة.
بهذا
يتضح بعون الله تعالى بطلان رأي من قال بترك الاحتساب بحجة منافاته للحرية الشخصية.
يقول
بعض الناس: لا يجب علينا الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر حيث أمرنا الله تعالى بالاهتمام بأنفسنا وبّين أنه لا
يضرنا ضلال الآخرين واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾[المائدة:105].
سنحاول
بعون الله تعالى كشف النقاب عن حقيقة هذه الشبهة من جانبين:
لو
تدبر أصحاب هذه الشبهة في الآية نفسها لما نطقوا بها، اشترط الله تعالى لعدم إصابة
الضرر بسبب ضلال الآخرين أن يكون الشخص مهتدياً حيث قال تعالى: ﴿لاَ
يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾[المائدة:105]، ولا يصير الشخص
مهتدياً إلاّ إذا أدى ما أوجبه الله عليه، وممّا أوجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهي
عن المنكر، فالذي لا يقوم بهذا لا يكون مهتدياً لأن فوات الشرط يستلزم فوات
المشروط، وقد بيّن هذا بعض الصحابة والتابعين وكثير من المفسرين والعلماء القدامى
والمتأخرين.
فعلى
سبيل المثال فقد نقل الإمام ابن جرير الطبري عن حذيفة رضي الله عنه في تفسير هذه
الآية أنه قال: «إذا أمرتم ونهيتم»(22).
كما
نقل الإمام الطبري عن سعيد بن المسيب في تفسير الآية أنه قال: «إذا أمرت بالمعروف،
ونهيت عن المنكر، لا يضرك من ضل إذا اهتديت»(23).
ويقول
الإمام أبو بكر الجصاص في تفسيره الآية: «ومن الاهتداء اتباع أمر الله في أنفسنا وفي غيرنا،
فلا دلالة فيها إذا على سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»(24).
ويقول
الإمام النووي: «وأما قول الله عز وجل: ﴿عَلَيْكُمْ
أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فمعناه: أنكم إذا فعلتم ما
كُلِّفتم به فلا يضركم تقصير غيركم، إذا كان كذلك، فمِمّا كُلِّف به الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك على
الفاعل لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول. والله أعلم »(25).
ويقول
شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الصدد: «والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب، فإذا قام المسلم
بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم
يضره ضلال الضلال»(26).
إضافة
إلى ذلك بيّن بعض العلماء أن قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ في بداية الآية نفسها
يدل على وجوب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث أمر الله تعالى
المؤمنين بأن يهتموا بأنفسهم، ومن الاهتمام بالأنفس القيام بأداء الواجبات، ومن
الواجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي هذا يقول عبدالله بن المبارك: «هذه الآية آكد آية في
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿عَلَيْكُمْ
أَنفُسَكُمْ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً،
ويرغّبه في الخيرات، وينزه عن القبائح والسيئات»
(27).
وردت
نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تبيّن أنه مما يجب على الصالحين تجاه أعمال الآخرين
السيئة تذكيرهم ومنعهم عنها، وإن لم يفعلوا هذا يوشك أن ينزل عليهم غضب الله
فيدعونه فلا يستجيب لهم.
ومن
تلك النصوص قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى
يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ
تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَمَا
عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:68-69].
بيّن
الله تعالى أنه لا يجب على المتقين بسبب خوض من يخوض في آيات الله إلاّ شيء واحد،
وهو: تذكيرهم.
يقول القاضي البيضاوي: «وما يلزم المتقين من
قبائح أعمالهم وأقوالهم الذين يجالسونهم شيء مما يُحاسَبون عليه، ولكن عليهم أن
يذكروهم ذكرى ويمنعوهم من الخوض وغيره من القبائح ويظهروا كراهتها»(28).
وإذا
كان تذكير هؤلاء الأشرار يجب على المتقين فكيف يتصور مهتدياً عند تركه هذا الواجب،
ولذا يقول الشيخ ثناء الله الأمر تسري: «ومن جملة اهتدائكم تذكيرهم لقوله تعالى: ﴿وَمَا
عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[الأنعام : 69](29).
ومن
تلك النصوص أيضاً قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ
خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الأنفال:25] يقول الحافظ الكلبي الغرناطي في تفسير الآية: «أي لا تصيب الظالمين،
بل تصيب معهم من لم يغير المنكر، ولم ينه عن الظلم، وإن كان لم يظلم»(30).
وسبيل
الاتقاء من العذاب هو الإنكار على ظلم الظالمين كما قال عبدالله بن عباس رضي الله
عنهما في تفسير الآية: «أمر الله المؤمنين أن
لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعقاب»(31).
هذا
وقد بين أبو بكر الصديق رضي الله عنه خطأ المستدلين بهذه الآية على سقوط وجوب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما كان قد سمع من أُنزل عليه هذه الآية فقد روى
الإمام أبو داود عن قَيْسٍ قال: قال أبو بَكْرٍ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه: يا أَيُّهَا الناس إِنَّكُمْ تقرؤون هذه الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا على غَيْرِ موضعها ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ من ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال عن خَالِدٍ وَإِنَّا سَمِعْنَا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ الناس إذا رَأَوْا الظَّالِمَ فلم يَأْخُذُوا على يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ الله بِعِقَابٍ"(32).
ولا
يقف الأمر عند نزول العذاب بسبب ترك الناس الآخرين فيما هم فيه من المنكرات
والمعاصي بل إن الله تعالى لا يستجيب دعاءهم إذا دعوه لكشف العذاب عنهم فقد روى
الإمام الترمذي عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم"(33).
كل
هذا يؤكد أن قول: علينا أن نهتم
بأنفسنا لأنه لا يضرنا ضلال الآخرين، يخالف نصوص الكتاب والسنة فلا يبقى فيه حجه
بعد ذلك.
قد
يحتج محتج فيقول: إن ما فسرت به الآية: ﴿عَلَيْكُمْ
أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]. لا يتفق مع ما جاء في تفسيرها في حديث أبي ثعلبة
الخشني رضي الله عنه من سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فقد
روى الإمام أبو داود عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة – رضي الله عنه – فقلت: يا أبا ثعلبة ! كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ
أَنفُسَكُمْ﴾؟
قال: أما والله ! لقد سألت عنها خبيراً،
سألت عنها رسول صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "بل
ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، فإن
من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم أجر خمسين رجلاً
يعملون مثل عمله".
وزادني
غيره قال: يا رسول الله ! أجر خمسين منهم ؟ قال: "
أجر خمسين منكم "(34).
نرد
بعون الله تعالى على احتجاج هؤلاء بحديث أبي ثعلبة رضي الله عنه من وجهين:
أولاً: تحّدث الرسول الكريم
في هذا الحديث الشريف عن الأحوال الاستثنائية التي يؤجر العامل فيها أجر خمسين
رجلاً من الصحابة، وذلك لشدتها، ومن المعلوم أن للظروف والأحوال الطارئة أحكامها
ورخصها، ولا تثبت بها معارضة ما
ثبت لعامة الأحوال من الأحكام، وفي هذا الصدد يقول الإمام أبو بكر بن العربي بعد
ذكر حديث أبي ثعلبة رضي الله عنه:«وذلك
لعدم الاستطاعة على معارضة الخلق، والخوف على النفس أو المال من القيام بالحق وتلك
رخصة من الله عز وجل يسرها علينا، وفضله العميم آتانا»(35).
ثانياً: هذه الرخصة التي
نجدها في الحديث الشريف لا تدل على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى
في الظروف الاستثنائية، وذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر درجات،
فإذا تعذر للمسلم القيام به باليد واللسان فعليه أن يقوم به بالقلب، وهذا لا يسقط في حال من
الأحوال، وفي هذا يقول الإمام أبو بكر الجصاص: «وهذا لا دلالة فيه على سقوط فرض الأمر بالمعروف
إذا كانت الحال ما ذكر،
لأن ذكر تلك الحال تنبئ عن تعذّر تغيير المنكر باليد واللسان لشيوع الفساد وغلبته
على العامة، وفرض النهي عن المنكر في مثل هذه الحال إنكاره بالقلب كما قال عليه
السلام: "فليغيره
بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه"
(36).
فكذلك
إذا صارت الحال إلى ما ذكر كان فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب للتقية
ولتعذر تغييره. وقد يجوز إخفاء
الإيمان وترك إظهاره تقية بعد أن يكون مطمئن القلب بالإيمان، قال تعالى:﴿إِلاَّ
مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ فهذه منزلة الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر.
فخلاصة
الكلام أنه ليس في الآية: ﴿عَلَيْكُمْ
أَنفُسَكُمْ﴾ ولا في حديث أبي
ثعلبة رضي الله عنه ما يدل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل يجب على كل
مسلم أن يقوم به على قدر استطاعته.
يقول
بعض الناس: «حيث لا نقوم بكل ما
أُمِرنا به ولا نجتنب كل ما نُهينا عنه، لذا يجب علينا أن نهتم بأنفسنا بدل
أمر الآخرين بالمعروف ونهيهم عن المنكر».
واحتج
أصحاب هذا القول بالمنقول والمعقول.
أما
المنقول فقالوا: ذم الله تعالى من أمر
الناس بالمعروف ونسي نفسه، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ
بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ﴾[البقرة: 44].
وقوله
تعالى: ﴿ياأيها
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ
مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾[ الصف: 2،
3]
كما
بيّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوء عاقبة هؤلاء فعن أسامة رضي الله عنه
قال: سمعت من رسول الله يقول: "يُجاء
بالرجل فيُطرح في النار فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاه، فيطيف به(37) أهل
النار فيقولون: أي فلان !، ألست
كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول: إني
كنت آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله"(38).
وأما
المعقول فقالوا: فاقد الشيء لا يعطيه،
من يستجيب لمن يأمر بمعروف و لا يأتيه، وينهى عن منكر ويأتيه؟
هناك
واجبان:
1. الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر.
2. فعل المعروف وترك
المنكر.
و
إن النصوص التي احتج بها أصحاب هذه الشبهة ليس فيها ذم بسبب القيام بالواجب الأول
بل فيها ذم بسبب ترك القيام بالواجب الثاني، لم يُنكر فيها بسبب أمر الناس بالبر،
ونهيهم عن المنكر، والتلفظ بالقول الطيب، بل إنما أُنكر فيها بسبب نسيان الأنفس،
وترك المعروف وارتكاب المنكر، وعدم الفعل وفق القول الطيب.
فعلى
سبيل المثال هناك طالب نجح في مادة (التفسير) ورسب في مادة (الحديث) هل يُعقل توجيه اللوم بسبب النجاح في مادة التفسير
؟ إنما يُلام بسبب رسوبه في مادة الحديث.
هذا،
وقد صرّح كثير من المفسرين رحمهم الله تعالى أن التوبيخ في تلك النصوص بسبب ترك المعروف
وليس بسبب الأمر بالمعروف، فعلى سبيل المثال يقول الإمام القرطبي في تفسير قوله
تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ
النَّاسَ بِالْبِرِّ ….﴾ الآية: «اعلم وفقك الله أن
التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر»(39).
ويقول
الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: «وليس
المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له»
(40).
إن
الواجبين اللذين ذكرناهما ليس أحدهما شرطاً للثاني فيكون ترك أحدهما مبرراً لترك
الثاني، وهذا أمر واضح ندركه في كثير من الأمور، هل نقول لمن يحافظ على الصلوات
ولا يصوم أن تركه الصوم مبرر لتركه الصلوات ؟ وقد بيّن كثير من العلماء هذا الأمر،
فعلى سبيل المثال يقول الإمام أبو بكر الجصاص: «وجب أن لا يختلف في لزومه البر والفاجر، لأن ترك
الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضاً غيرها، ألا ترى أن تركه
للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات، فكذلك من لم يفعل سائر المعروف
ولم ينته عن سائر المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه»
(41).
وبيّنه
الإمام النووي بأسلوب آخر فقال: «قال
العلماء: ولا يُشترط في الآمر
والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به مجتنباً ما نهى عنه، بل عليه الأمر
وإن كان مخلاً بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبِّساً بما ينهى عنه فإنه يجب عليه
شيئان: أن يأمر نفسه
وينهاها، ويأمر غيره وينهاه فإذا أخلَّ بأحدهما كيف يُباح له الإخلال بالآخرة»(42).
لو
اشترطنا للآمر والناهي أن يكون فاعلاً لكل ما يأمر به ومجتنباً كل ما ينهى عنه لن
تجد من يقوم بالاحتساب، وبهذا يتعطّل هذا الواجب العظيم، وقد نّبه علماء الأمة – جزاهم الله تعالى
خيراً – إلى هذا الأمر، فقد
قال سعيد بن جبير: «لو كان المرء لا يأمر
بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن
منكر»
(43).
وقال
الإمام مالك تعليقاً على قوله: «وصدق،
ومن ذا الذي ليس فيه شيء ؟»
(44).
وذكر
القرطبي أن الحسن قال لمطرف بن عبدالله: «عظ أصحابك، فقال: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل، قال: يرحمك الله، وأيُّنا
يفعل ما يقول ؟ يّود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر بمعروف ولم ينه عن منكر»
(45).
وبيّن
هذا الإمام الطبري حيث يقول: «وأما
من قال: لا يأمر بالمعروف إلا
من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأولى فجيد، وإلاّ فيستلزم سدّ باب الأمر
بالمعروف إذا لم يكن هناك غيره»
(46).
لا
شك أن دعوة الكامل أشدّ وقعاً في النفوس وأكثر استجابة من دعوة غير الملتزم لكن
القول بأن دعوة غير الكامل أو احتسابه عديم الجدوى دائماً غير صحيح.
كم
من أنبياء الله الكاملين الملتزمين لم تؤثر دعوتهم في أقرب أقاربهم لم يستجب لنداء
رسول الله نوح عليه السلام ابنه، كما لم يستفد من دعوة خليل الله إبراهيم عليه
السلام أبوه، ولم تقبل قول نبي الله لوط عليه السلام زوجته، كما لم يحوِّل نصح
أكمل خلق الله تعالى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووعظه عمِّه أبا طالب إلى
الإسلام.
وكم
من أنبياء الله الكاملين دعوا أقوامهم فما آمن معهم إلا قليل، بل منهم من لم يؤمن
به أحد(47).
وعلى
العكس هذا كم من أصحاب الدعوات الفاسدة – المخالفين لأقوالهم بأفعالهم – نرى لهم أتباعاً
كثيرين وكم من دعاة حرمة الإنسان وحريته يجدون أنصاراً كثيرين مع أنهم من أشد
الناس انتهاكاً لحرمته وحريته وكم من حماة لحقوق العمال والشعوب – على حسب زعمهم – ولهم أتباع كثيرون
رغم كونهم من أكثر الناس هضماً لحقوقهم.
فخلاصة
القول ليس لأحد أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أن احتسابه لا يفيد
بسبب تقصيره فلربما يفيد المقصرّ حيث لا يفيد فيه من هو أحسن منه حالاً.
لا
يُفهم بما ذُكر بأننا لا نرى بأساً في ترك المعروف وفعل المنكر للآمر بالمعروف
والناهي عن المنكر، بل نؤكد أنه يجب عليه فعل المعروف وترك المنكر، و أنه يعرض
نفسه لغضب الله تعالى عند التساهل في هذا، ونقرر أيضاً بأنه ينبغي أن يكون أول
فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه كما كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.
غاية
ما في الأمر أن فعل المعروف وترك المنكر ليس شرطاً للأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، فلا يُقال لمن أمر بالمعروف ولم يفعله أو نهى عن المنكر وفعله: لا تأمر بالمعروف ولا
تنه عن المنكر، بل نقول له: استمر في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، واتق الله تعالى في نفسك فمرها بالمعروف وانهها عن
المنكر.
بعض
الناس يعتقد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو من اختصاص العلماء فقط
وأصحاب الولايات: كأهل الحسبة، وليس
لعموم الناس والرد على هذه الشبهة
الجواب
أقول
وبالله التوفيق إن أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
كحديث"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"(48)،لم تخصص أحداً ولم تستثني أحداً من
الناس، بل أوجبت ذلك عليهم كل حسب طاقته وعلمه؛ ولذا قال الإمام النووي رحمه الله: « قال العلماء ولا يختص الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بأصحاب الولايات،
بل ذلك جائز لآحاد المسلمين قال إمام الحرمين والدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير
الولاة في الصدر الأول، والعصر الذي يليه، كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن
المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهى
عن المنكر من غير ولاية، والله أعلم ثم أنه إنما يأمر وينهى من كان عالما بما يأمر
به وينهى عنه وذلك يختلف باختلاف الشيء ، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة
كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وان كان من دقائق الأفعال
والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء»(49)
يقول
بعض الناس: لا نقوم بالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر لأننا نخشى الوقوع في الفتنة بسبب ذلك.
لنا
أن نسأل أصحاب هذا القول: هل سلمتم من الفتنة
بترككم الاحتساب أم أنكم وقعتم فيها ؟
تؤكد
نصوص الكتاب والسنة أن ترك الاحتساب يعرض العبد للفتنة، ومن تلك النصوص قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ
فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ
أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25]
يقول
عبدالله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: «أمر الله عز وجل المؤمنين: أن لا يقروا المنكر
بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم»(50).
ومنها
ما رواه الإمام الطبراني عن العرس بن عميرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله:"إن
الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن
تغيره، ولا تغيره، فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة "(51).
ومنها
ما روى الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: سمعت رسول الله يقول: "إذا
رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك
أنت ظالم، فقد تُودَّع منهم"(52).
يقول
القاضي عياض في شرح الحديث: «أصله من التوديع، وهو
الترك، وحاصله أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمارة الخذلان وغضب الرحمن»
(53).
ولا
يمكن الوقاية من هذه الفتنة إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول
الشيخ جلال الدين المحلي في تفسير الآية: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً …﴾ الآية. «واتقاؤها بإنكار
موجبها من المنكر»
(54).
مما
يؤكد شناعة هذا التعليل لترك الاحتساب أنه عين التعليل الذي علل به الجد بن قيس
عند تخلفه عن غزوة تبوك، فكشف العليم الخبير حقيقة تعليله وذمه في آيات تتلى إلى
الأبد.
فقد
ذكر الإمام الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر ذات يوم وهو في
جهازه، للجد بن قيس أخي بني سلمه:" هل لك
يا جد العام في جلاد بني الأصفر ؟ فقال: يا
رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله، لقد عرف قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء
مني. وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر
أن لا أصبر عنهن. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقال: " قد أذنت ذلك ".
ففي
الجد بن قيس نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي
الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:49].
ثم
يقول الإمام الطبري في تفسير الآية: «أي: إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر وليس
ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والرغبة بنفسه عن
نفسه أعظم»
(55).
وهكذا
من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة طلب السلامة من فتنة لم تقع بعد، قد
وقع في فتنة كبرى، إلا وهي ترك ما أوجبه الله تعالى عليه من الاحتساب.
يتنافي
هذا القول مع ما أوصى به النبي الكريم أصحابه من قول الحق، وإن لا يخافوا في الله لومة
لائم، وأن لا يمنعهم خوف على النفس أو الرزق من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
ومن تلك الأحاديث – على سبيل المثال – ما روى الإمام أحمد
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "
لا يمنعنّ رجلاً منكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا
رآه أوعلمه"(56).
وفي
رواية أخرى عن أبي سَعِيدٍ الخدري قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ الناس ان يَقُولَ بِحَقٍّ إذا رَآهُ أو شَهِدَهُ فإنه لاَ يُقَرِّبُ من أَجَلٍ وَلاَ يُبَاعِدُ من رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أو يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ"(57).
فأين
أصحاب هذه الشبهة من هذا الحديث الشريف ومن الأحاديث الأخرى مثلها ؟.
أين
أصحاب هذه الشبهة من سير الأنبياء والمرسلين والصالحين الذين عُذِّبوا، وأُخرِجوا
من ديارهم، وقُوتلوا، وقُتِلوا بسبب قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟
أين هم من رجال هذه الأمة الذين تحققت فيهم – بفضل الله تعالى – بشرى رسول صلى الله عليه وسلم: "سيد
الشهداء حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله"
(58).
لا
يُفهم مما كتبنا أنه لا يُنظر إلى ما يترتب على القيام بالاحتساب ولا يُعبَأ به،
بل إن هذا سيُحسب له حسابه. فإن كانت المفسدة
المترتبة عليه أعظم من المصلحة المتوقعة لا يقوم المرء بالاحتساب آنذاك، وإن كانت
المصلحة المرجوة أعظم من
المفسدة يجب عليه أن يقوم بالاحتساب. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وإذا كان الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات لابد أن تكون المصلحة
فيها راجحة على المفسدة، فحيث كانت
مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به، وإن كانت قد تُرِك
واجب وفُعِل محرم.
لكن
اعتبار مقادير المصالح والمفاسد ليس بهوى الناس بل – كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – هو بميزان الشريعة.
ولا
يعني كلامنا أيضاً أن نفرط بأنفسنا في الاحتساب، وأن نلقي بأيدينا إلى التهلكة، إن
الذي نقصده أن لا يكون الخوف على النفس أو الرزق مانعاً من الاحتساب، ولكن أخذ
الحيطة والحذر أمر مطلوب مثل ما هو الحال في الجهاد بالسيف.
يقول
بعض الناس: ينبغي أن لا نضيع
جهودنا وأوقاتنا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر حيث إنهم لا يستجيبون.
سنبيّن
بعون الله تعالى حقيقة هذه الشبهة بإلفات عناية القارئ إلى النقاط التالية:
لم
يشترط الله تعالى ولا رسوله لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استجابة الناس،
بل أوجب الله تعالى على نبيه الكريم وعلى أمته تبليغ الناس أوامره ونواهيه سواء
استجابوا أم لم يستجيبوا، وقد وردت نصوص كثيرة تبيّن هذا، منها على سبيل المثال
قوله تعالى: ﴿فإن
تولوا فإنما عليه ما حُمّل وعليكم ما حُمّلتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول
إلا البلاغ المبين﴾[النور:54].
ومنها
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ
أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ
الْبَلاَغُ﴾[آل عمران:20].
ومنها
قوله تعالى: ﴿فَإِن
تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ
الْمُبِينُ﴾[المائدة:92]
ومنها
قوله تعالى: ﴿فإِن
تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾[النحل:82].
ومنها
قوله تعالى: ﴿فَإِن
تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾[التغابن:12].
ومنها
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ
عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾[النحل: 35].
ومنها
قوله تعالى: ﴿فَإِن
تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾[هود: 57]
ومنها
قوله تعالى: ﴿وَإِن
مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا
عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾[الرعد:40].
ومنها
قوله تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ
تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[المائدة: 67].
ومنها
قوله تعالى: ﴿ذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾[الغاشية: 21 – 22].
فمهمة
الرسول الكريم وهكذا مهمة أمته أن
يبلغوا الناس أوامر الله تعالى ونواهيه ويذكروهم سواء استجابوا أم لم يستجيبوا ولا
عذر لهم عند الله لترك هذه المهمة الجليلة بسبب إعراض الناس عنهم، وفي هذا الصدد
يقول الإمام النووي: «قال العلماء رضي الله
عنهم: ولا يسقط عن المكلف
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله فإن
الذكرى تنفع المؤمنين». وقد قدَّمنا أن الذي
عليه الأمر والنهي لا القبول، وكما قال تعالى: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ
الْبَلاَغُ﴾
(59).
ومما
يؤكد هذا ما قصّه الله تعالى عن أصحاب السبت حيث استمر الصالحون في نهي العصاة عن
التحايل للصيد يوم السبت، ولم يتركوا الاحتساب بسبب عدم استجابة العصاة، بل صرّحوا
أنهم يقصدون من وراء احتسابهم أمرين:
أن
يُقبل عذرهم عند الله تعالى.
لعل
العصاة يستجيبون فيتركون التحايل ويتوبون إلى الله تعالى.
يقول
سبحانه وتعالى عن قصتهم: ﴿وَإِذَ
قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ
مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[الأعراف: 164].
ويقول
الإمام ابن العربي في تفسير الآية:«لما فعلوا هذا نهاهم كبراؤهم، ووعظهم أحبارهم فلم
يقبلوا منهم فاستمروا في نهيهم لهم، ولم يمنع من التمادي على الوعظ والنهي عدم
قبولهم لأنه فرض قُبل أو لم يُقْبل، حتى قال لهم بعضهم: ﴿لِمَ
تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ يعني في الدنيا أو ﴿مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ قال
لهم الناهون: ﴿مَعْذِرَةً
إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي نقوم بفرضنا ليثبت عذرنا عند ربنا»
(60).
إن
الحكم على الناس بأنهم لا يستفيدون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور
الغيبية التي لا يعرفها إلا العليم الخبير، إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع رب
العباد، يقلّبها متى شاء وكيف ما شاء، وما أسهل على الله تعالى تقليبها.
فقد
روى الإمام مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: إنه سمع رسول الله
يقول: "إن
قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء"
(61).
وقد
شبّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهولة تصريف قلوب العباد بتقليب ريشة بأرض
فلاة.
فقد روى الإمام ابن
ماجه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " مثل
القلب مثل الريشة، تقلّبها الرياح بفلاة "(62).
وكم من أشخاص يراهم
الناس من أتقى الناس فيتحولّون إلى أفسق الناس، وكم من أفسق الناس يأتيهم الموت
وهم من أتقى الناس، هذه حقيقة نقرؤها في سير الناس، ونشاهدها في حياتنا اليومية،
وبيّنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم الناطق بالوحي بقوله: "إن الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى الناس عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى الناس عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وهو من أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا"
(63).
فإذا
كان الشخص يجهل خواتيم الآخرين فكيف يسوغ له أن يفترض أنهم لا يستجيبون، ويترك
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استناداً إلى هذا الافتراض؟
جعل
الله تعالى في رسوله الكريم أسوة لنا حيث يقول عز من قائل: ﴿لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾[الأحزاب:21].
فلنا
أن نسأل أصحاب هذه الشبهة: هل ترك الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر نظراً لعدم استجابة الناس ؟
كلا، بل استمر صلوات الله وسلامه عليه في ذلك في
أشد الأحوال وأصعبها راجياً من الله هداية المخاطبين، بل هداية أجيالهم القادمة إن
لم يستجب الجيل الموجود.
وسيرته
الطاهرة تدل على هذا، فقد روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لرسول
الله : يا رسول الله، هل أتى
عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟
فقال: "
لقد لقيت من قومي، وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة إذ
عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا
مهموم على وجهي
(64) فلم
استفق إلاّ وأنا بقرن الثعالب
(65)،
فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني.فنظرت
فإذا فيها جبريل فناداني فقال: " إن
الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره
بما شئت فيهم "
قال: " فناداني
ملك الجبال وسلّم عليّ، ثم قال: يا
محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك
لتأمرني،فما شئت(66) ؟ إن
شئت أن أطبق عليهم الأخشبين
(67) ".
فقال له رسول الله: " بل
أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك
به شيئاً"(68).
هل
يُتوقع بعد ذلك ممن ينتسب إلى هذا النبي الكريم _ الحريص على هداية الناس- أن يقول: ينبغي أن لا نضيع
جهودنا وأوقاتنا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر حيث إنهم لا يستجيبون ؟.
يحتجّ
أصحاب هذه الشبهة ببعض النصوص التي جاء فيها – على حسب زعمهم – الأمر بالتذكير مشروطاً بالنفع، أو مخصوصاً لمن
خاف الوعيد، أو خشي الرحمن بالغيب، واتبع الذكر، ومن النصوص:
قوله
تعالى: ﴿فَذَكِّرْ
إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾[الأعلى: 9]
وقوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا
تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾[فاطر: 18]
وقوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا
تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبٍِ﴾[يس: 11]
وقوله
تعالى: ﴿فَذَكِّرْ
بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾[قـ: 45].
قالوا: نجد في هذه الآيات
بأن الله تعالى اشترط لأمره بالتذكير ﴿إِن
نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ كما أرشد نبيه الكريم أن يقتصر في إنذاره
عل ﴿مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾
﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبٍِ﴾ ﴿مَنِ اتَّبَعَ
الذِّكْرَ﴾
لذا
لا داعي لبذل الجهود في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر وهم لا يستجيبون.
سنبيّن
بتوفيق الله تعالى حقيقة احتجاجهم بالآيات من وجهين:
أنزلت تلك الآيات على
محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي كان
يتلوها على المؤمنين، ويعلّمهم إياها، وإليه أسندت مهمة بيانها، وكان صلى الله عليه وسلم
صورة حية لما نزلت عليه الآيات ، لنا أن نسأل هؤلاء هل ترك الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر بسبب إعراض الناس ؟ كلا، فقد استمر في التذكير والإنذار رغم عناد الكفرة
وتمردهم، والفهم الصحيح للآيات هو فهمه وكل استنباط أو استدلال يعارض فهمه وعمله
باطل ومردود على صاحبه.
ثانياً: المراد بالآيات على
ضوء تفسير المفسرين:
بيّن
المفسرون المراد بتلك الآيات فأجادوا وأفادوا جزاهم الله تعالى عنا خير الجزاء
وسنذكر بعض ما ذكروا – بعون الله تعالى – في هذا المقام.
أما
قوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ
الذِّكْرَى﴾ فنترك مجال تفسيره للإمام الرازي حيث يقول مثيراً
بعض الأسئلة حوله:
السؤال
الأول: أنه عليه السلام كان
مبعوثاً إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم، فما
المراد من تعليقه على الشرط في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ
الذِّكْرَى﴾ ؟.
الجواب: أن المعلق بـ (أن) على الشيء لا يلزم أن
يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه الآيات، منها هذه الآية:
ومنها
قوله تعالى: ﴿وَلَا
تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾[النور: 33]
ومنها
قوله تعالى: ﴿واشْكُرُواْ
لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾[البقرة: 152]
ومنها
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾[النساء: 101] فإن القصر جائز وإن
لم يوجد الخوف.
ومنها
قوله: ﴿وَإِن
كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾[البقرة: 283] والرهن جائز مع
الكتابة.
ومنها
قوله: ﴿فَلاَ
جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ
اللّهِ﴾[البقرة:230] والمراجعة جائزة بدون
هذا الظن.
ويتابع الإمام الرازي كلامه ويقول: «إذا عرفت هذا ذكروا
لذكر هذا الشرط فوائد:
أحدهما: أن من باشر فعلاً لغرض فلا شك أن الصورة التي
عُلم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض،كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي
عُلم فيها عدم ذلك الإفضاء، فلذلك قال: ﴿إِن نَّفَعَتِ
الذِّكْرَى﴾
ثانيها: أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ونبّه على الأخرى
كقوله: ﴿سَرَابِيلَ
تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ والتقدير ﴿فَذَكِّرْ
إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾أو لم تنفع.
ثالثها: أن المراد به البعث على انتفاع بالذكرى كما يقول
المرء لغيره إذا بيّن له الحق: قد
أوضحت لك إن كنت تعقل فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع.
رابعها: أن هذا يجري مجرى تنبه الرسول أنه لا تنفعهم
الذكرى كما يقال للرجل: ادع فلانا إن أجابك
ما أراه يجيبك.
خامسها: أنه عليه السلام دعا إلى الله كثيراً، وكلما كانت
دعوته أكثر كان عتوهم أكثر، وكان عليه السلام يحترق حسرة عل ذلك، فقل له: ﴿وَمَا
أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [قـ: 45] إذ التذكير العام
واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا
المعنى قيّده بهذا الشرط
(69).
وأما
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر: 18] فبين المفسرون رحمهم
الله تعالى بأن المنتفعين بالإنذار هم أولئك، وليس المعنى: بأن غيرهم لا يُذَكر
ولا يُنذر، يقول أبو القاسم الغرناطي:« المعنى أن الإنذار لا ينفع إلا الذين يخشون ربهم،
وليس المعنى اختصاصهم بالإنذار»
(70).
وأما
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾
[فاطر: 18]
فالمراد به – كما بيّن المفسرون – مثل المقصود بالآية السابقة. يقول أبو القاسم الغرناطي في تفسيره: «معناه كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ