أدلة
اليوم الآخر
[ سنة
البدء والإعادة ]
الحمد لله رب
العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، الحمد القائل: ﴿ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ
وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾[المؤمنون79]:، والقائل سبحانه: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ
لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا
كُنَّا فَاعِلِينَ﴾[الأنبياء:104 ]
وأصلى وأسلم على
إمام الموحدين، وخير الخلق أجمعين محمد- صلى الله عليه وسلم- في الأولين والآخرين،
ومن أتبع هداه إلى يوم الدين.
لقد أمر الله تعالى
عباده بالسير في الأرض، والنظر في كيفية بدء الخلق فقال سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ
الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[العنكبوت:20] ففي هذه الآية أمر الله
تعالى الخلق بالسير في الأرض؛ لينظروا كيف بدأ الخلق لسائر هذه المخلوقات التي
نشاهدها؛ ليقرر بعدها مسألة هامة وعظمية وهي الإعادة والنشأة الآخرة، وهو على كل
شيء قدير، فهو قادر على الخلق الأول والبدء به، وهو القادر على الإعادة والنشأة.
وهذا الأمر أعنى
النشأة الأولى أمر قد تقرر في النفوس، معلوم عندها، لا يرتاب فيها أحد من البشر
فهي مشاهدة للناس جميعاً: ﴿ وَلَقَدْ
عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ﴾ [الواقعة:62]
غير أن موضوع
الإعادة والبعث والنشور بعد موت الأجسام وعودتها إلى التراب، وحصول البلى قد أنكره
بعض الناس من الكافرين بسبب الشبهات التي قذفها الشيطان في قلوبهم، فغطت على فطرهم فاستبعدوا البعث والنشور قال تعالى: ﴿ وَعُرِضُوا عَلَى
رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ
زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً﴾[ الكهف:48]، وقال
سبحانه: ﴿ فَسَيَقُولُونَ
مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ
رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾[ الإسراء:51]، وهذا أمر عجيب كيف ينكرون أحد
النشأتين مع مشاهدتهم لنظيرها!.
وموضوع سنة البدء
والإعادة من المواضيع التي قررها سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وأظهرها بأدل
العبارات وأخصرها.
وفي هذا البحث نعرض طرفاً من هذا التقرير
مبتدئين الحديث عن تأكيد القرآن الكريم لهذه السنة أعني سنة البدء والإعادة كدليل
من الأدلة الكثيرة الدالة على الإيمان باليوم الآخر.
تقرير سنة البدء والإعادة في القرآن
الكريم كدليل من أدلة اليوم الآخر:
فمن طرق القرآن
الكريم وأساليبه في تقرير الإيمان باليوم الآخر سنة البدء والإعادة، فالقرآن
الكريم يقرر كثيراً من قضايا الإيمان بأساليب وطرق مختلفة، ومتنوعة فتارة بالطرق
العقلية، وهي أيضا متنوعة ومختلفة، وتارة بلفت الأنظار إلى آيات القدرة والعظمة
التي يزخر بها هذا العالم، وتارة بضرب الأمثال والقصص، وتارة ببيان الحجج القاطعة
التي لا يجادل فيها أحد، وتارة بالقسم عليها، وتارة بعرض الشبهات التي يطرحها أهل
الكفر، مع الرد الموجز والحاسم عليها، وطرق أخرى كثيرة.
ومن قضايا الإيمان
الرئيسية قضايا الإيمان بالغيب كالإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث ونشور
وحساب...، فالقرآن الكريم يعرض الطرق المختلفة كدليل على هذا اليوم، ولعل من أهم
هذه الطرق ما نتعرض له من دليل سنة البدء والإعادة.
وهذه الطرق لهذا
الدليل تظهر من خلال جملة من الأمور تدل على أهميته، فالقرآن الكريم يؤكد على هذا
الدليل بأمور نوجز الحديث عنها من خلال:
- مدح الحق تبارك وتعالى نفسه بالقدرة
على إعادة الخلق الأول بعد الموت والبلى:
قال سبحانه وتعالى: ﴿
أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ
بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ* أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن
كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[النمل:63- 64 ]
وقال- عز وجل-: ﴿ وَهُوَ
الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ
الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[الروم:27]
فالله سبحانه وتعالى
هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، فمن صفاته سبحانه وتعالى أنه يبدأ الخلق من غير أصل
فينشئه ويوجده بعد أن لم يكن شيئا ثم يفنيه بعد ذلك ثم يعيده كما بدأه بعد فنائه
وهو أهون عليه.
وبدء الخلق بعلوقه
في الرحم قبل ولادته، وأما إعادته فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث فجعل
ما علم من ابتداء خلقه دليلا على ما يخفي من إعادته استدلالا بالشاهد على الغائب
ثم أكد ذلك بقوله وهو أهون عليه(1)
ومعنى الهوان هنا
اختلف فيه أهل التفسير فقال بعضهم معناه وهو هين عليه، فهي بمعنى الإعادة هين عليه
فما شيء عليه بعزيز، وقيل: أيسر عليه، وقيل معناه: وإعادة الخلق بعد فنائهم أهون
عليه من ابتداء خلقهم.
فهو الذي يبدأ الخلق
ثم يعيده وهو أهون عليه، فكل شيء عليه هين.(2)
جاء في التسهيل لعلوم التنزيل:
وهو أهون عليه أي: الإعادة يوم القيامة أهون عليه من الخلقة الأولى، وهذا تقريب
لفهم السامع، وتحقيق للبعث فإن من صنع صنعة أول مرة كانت أسهل عليه ثاني مرة ولكن
الأمور كلها متساوية عند الله فإن كل شيء على الله يسير.(3)
وقد ضرب هذا المثل لعباده
يقول إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على
البداية عندكم وفيما بينكم... أهون عليه: من الإنشاء.(4)وفي
الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " قال الله كذبني ابن آدم
ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذبيه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده
كما كان، وأما شتمه أياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا."(5)والمراد
بتكذيب بني آدم بعضهم من المنكرين للبعث من مشركي العرب وغيرهم من عباد الأصنام
والنصارى(6)
ومن سار على طريقتهم.
- الاستدلال بالنشأة الأولى على إعادة
النشأة الأخرى:
قال
سبحانه وتعالى: ﴿ وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ
حَيّاً* أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ
شَيْئاً* فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ
حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً ﴾[مريم:66-68].
ففي هذه الآية حكى
الحق تبارك وتعالى قول منكري البعث المستبعدين وقوعه كيف يعدهم سبحانه أحياء بعد
الموت، وبعد الرميم، فهذا في نظرهم الفاسد لا يكون ولا يتصور.
ولذلك ذكر سبحانه
وتعالى بعد حكاية هذا الإنكار البرهان القاطع والدليل الواضح على حصول البعث
والجزاء.
فقال سبحانه وتعالى:﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن
قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾
أي أو لا يلفت نظره
ويستذكر حالته الأولى، وأن الله خلقه أول مرة، ولم يك شيئاً قبل ذلك ، فمن قدر على
خلقه من العدم، ولم يك شيئاً مذكورا أليس بقادر على إنشائه بعد ما تمزق وجمعه بعد
ما تفرق؟!!(7)
ففي ذلك استدلال
بالبدء على الإعادة، فقد خلق الإنسان ولم يك شيئا أفلا يعيده وقد صار شيئاً.
والمراد بالذكر هنا
كما يقول الشوكاني-رحمه الله-: إعمال الفكر أي ألا يتفكر هذا الجاحد في أول خلقه
فيستدل بالابتداء على الإعادة والابتداء أعجب وأغرب من الإعادة؛ لأن النشأة الأولى
هي إخراج لهذه المخلوقات من العدم إلى الوجود ابتداعا واختراعا لم يتقدم عليه ما
يكون كالمثال له ، وأما النشأة الآخرة فقد تقدم عليها النشأة الأولى فكانت كالمثال
لها.(8)
فهذا الإنكار الحاصل
مبني على الغفلة عن الحالة الأولى فلو تذكرها في ذهنه لما كان له أن ينكر البعث،
قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ
النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ﴾[الواقعة:62]
وهذه الحجة حجة دلالة البدء على الإعادة
هي من أقوى الحجج التي أجمع عليها العقلاء في الدلالة على البعث، وأخصرها، وقد قال
بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار لما
قدروا عليها إذ لا شك أن الإعادة ثانيا أهون من الإيجاد أولاً.(9)ومن
الآيات في هذا السياق قوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَوَلَمْ
يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ*
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ
رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ
خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾[ يس77-79]، وسيأتي الحديث عنها.
الإخبار بكونه واقعا لا محالة:
فقد أخبر الحق سبحانه وتعالى بأن يوم
القيامة واقع لا محالة، فهو واجب الوقوع؛ لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف
الميعاد، ولا يبدل القول لديه، وهو القادر على كل شيء سبحانه، قال سبحانه وتعالى: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا
أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾
[الأنبياء:104]
يقول الزمخشري- رحمه
الله-: والمعنى نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيها للإعادة بالإبداء في تناول
القدرة لهما على السواء، فإن قلت وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه ؟ قلت: أوله
إيجاده عن العدم، فكما أوجده أولاً عن عدم يعيده ثانيا عن عدم.(10)
وفي السنة عن ابن عباس -رضي الله عنهما-
عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" إنكم محشورون
حفاة عراة غرلا" ثم قرأ: ﴿ كَمَا
بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ(11)والمقصود
كما في تفسير البيضاوي- رحمه الله-: بيان صحة الإعادة بالقياس على الإبداء؛ لشمول الإمكان الذاتي المصحح للمقدورية وتناول
القدرة لهما على السواء.(12)
-
الرد على المنكرين وبيان ضعف حججهم:
أخبر الحق تبارك
وتعالى عن الإنسان وتعجبه من الإعادة بعد الموت فقال سبحانه وتعالى:
﴿ وَإِن
تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ
جَدِيدٍ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ
فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ ﴾
[الرعد:5]
فأهل الضلال
المكذبين بالبعث يرون هلاك العباد، وتحلل الأجساد، وفنائها في التراب، فيظنون أن
إعادتهم بعد هذا التحلل والتحول إلى تراب مستحيلة غير مقدور عليها، وهذا بحسب زعمهم،
ولهذا اظهروا العجب من ذلك، بل قد صرحوا بذلك: ﴿
وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ
هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾[السجدة:10].
واظهروا الاستهزاء
والسخرية من الرسل المخبرين بذلك استبعاداً منهم لوقوعه: ﴿
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا
مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ:7]
وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَالُواْ
أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾[الإسراء:49].
فالاستفهام
للاستنكار والاستبعاد وتقرير الشبهة: أن الإنسان إذا مات جفت عظامه وتناثرت وتفرقت
في جوانب العالم واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها
بأعيانها ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع؟!!(13)
وقد بين الحق تبارك وتعالى في كثير من
المواضع الرد عليهم بدليل دلالة البدء على الإعادة
فقال سبحانه وتعالى:
﴿ أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ
الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ
وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾ [الإسراء:51].
يقول ابن جرير
الطبري- رحمه الله-: قل يا محمد للمكذبين بالبعث بعد الممات من قومك القائلين:
أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ؟ كونوا إن عجبتم من إنشاء الله
إياكم وإعادته أجسامكم خلقا جديدا بعد بلاكم في التراب ومصيركم رفاتا وأنكرتم ذلك
من قدرته حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم إن قدرتم على ذلك فإني أحييكم
وأبعثكم خلقا جديدا بعد مصيركم كذلك كما بدأتكم أول مرة.(14)
وبين سبحانه وتعالى
سهولة الأمر بقوله: ﴿ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ
الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾[ق:15].
فالذي فطركم أول مرة فخلقكم وأخترعكم عند
ابتداء خلقكم من غير مثال سابق ولا صورة متقدمة قادر على إعادة خلقكم من جديد، وما
ذلك عليه بعزيز سبحانه.
وهكذا بهذه الأمور وبغيرها من الأمور
يقرر القرآن الكريم الإيمان باليوم الآخر، ويدعو إلى الاستعداد له قبل فوات
الأوان، فهو يوم للحساب وليس للعمل.
وهذا الدليل الذي نتحدث عنه يعتبر من
الأدلة العقلية التي عرضها القرآن الكريم كما ذكرنا في كثير من المواضع، وهو دليل
يقوم على القياس.
-
دليل البدء والإعادة من الأدلة العقلية التي تقوم على القياس وهذا يظهر من
خلال:
1-
قياس
الإعادة على البدء:
فقياس الإعادة على
البدء من باب قياس الأولى، وهو من الأقيسة التي استخدمها القرآن الكريم في تقرير الإيمان
باليوم الآخر، فقد ورد في كثير من المواضع ذكرنا بعضاً منها كقوله تعالى:
﴿
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الروم:27]
وقال -عز وجل-: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ
الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ* عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ
وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ* وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ
الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ ﴾ [الواقعة:60-62].
2-
قياس
الإعادة على خلق السموات والأرض:
وهذا القياس أيضا من باب قياس الأولى،
وحاصل هذا الدليل أن من قدر على عظيم كخلق السموات والأرض قدر على ما هو دونه من
إعادة الأجسام بعد التحلل والفناء.
قال سبحانه وتعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ
خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[غافر:57].
وهذا الدليل أيضا من الأدلة التي
قررها القرآن الكريم فقال- عز وجل-: ﴿ أَوَلَمْ
يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن
يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى
الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً ﴾[الإسراء:99]، وقال سبحانه
وتعالى: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ
الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾[يس:81].
وقال تعالى: ﴿
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ﴾[الروم:27].
فهذه المصنوعات الكثيرة في هذا العالم
كما تدل على وجود الصانع الحكيم سبحانه، تدل أيضا على اليوم الآخر، وحصول البعث
والجزاء؛ لأن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها على عظمتها وكثرتها فهو على
الحشر والنشر من القبور أقدر وأولى.(15)
3-
قياس
الإعادة على إحياء الأرض الميتة:
وهذا الدليل من باب
الاستدلال على الشيء بنظيره، أي قياس المثلية، والقرآن الكريم يستدل على البعث
بنظيره في قدرة الله تعالى، وهو من أكثر الأدلة الواردة في القرآن الكريم؛ لتقرير الإيمان
باليوم الآخر في نفوس الناس، قال سبحانه وتعالى: ﴿
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى
بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ
النُّشُورُ﴾[فاطر:9].
ومثله قوله تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً
فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا
طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً
كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ [ق:9- 11]
ومنها قوله- عز وجل-: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ
خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ
الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[فصلت:39].
يقول العلامة ابن القيم- رحمه الله-: دل
سبحانه عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحققوه وشاهدوه على الإحياء الذي استبعدوه،
وذلك قياس إحياء على إحياء، واعتبار الشيء بنظيره، والعلة الموجبة هي عموم قدرته
سبحانه وكمال حكمته، وإحياء الأرض دليل العلة.(16)
وفي السنة النبوية ما ورد عن أبي رزين
قال: قلت: يا رسول الله كيف يحيى الله الموتى؟ فقال: " أما مررت بواد ممحل ثم مررت به خصيبا ثم تمر به خضرا قال قلت:
بلى قال كذلك يحيى الله الموتى(17)
4-
قياس
الإعادة على إخراج النار من الشجر الأخضر:
وهذا الدليل قد جمع بين الأمرين أعنى:
قياس المثلية، وقياس الأولى، فهو من باب قياس الإعادة على نظيرها في قدرة الله
تعالى، وهو من باب قياس الأولى، فمن قدر على ذلك فهو على ما دونها أقدر.
وقد ورد هذا الدليل في القرآن الكريم في
معرض الرد على منكري البعث، المستبعدين لإحياء العظام بعد الموت فقال سبحانه
وتعالى عنهم: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ
أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ* وَضَرَبَ لَنَا
مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾[
يس77-78].
فكان الجواب عليهم: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ* الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ
نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ* أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ
الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ [يس: 79-81]
فالمحيي لها هو المنشأ لها أول مرة، وهو
العالم بتفاصيل أجزاء المخلوقات الفانية المتبددة أصولها وفصولها ومواقعها وطريق
تمييزها، وضم بعضها إلى بعض على النمط السابق.
ثم قدم سبحانه أحد الأدلة الدالة على
هذه القدرة وهي إخراج النار من الشجر الأخضر، فالذي يخُرج النار من الشجر الأخضر لا
يمتنع عليه فعل ما أراد ولا يعجز عن إحياء العظام التي قد رمت-صارت رميما-
وإعادتها بشرا سوياً وخلقاً جديداً كما بدأها أول مرة.
ثم ذكر دليل آخر وهو خلق السموات والأرض
التي هي أعظم من خلق الإنسان، فمن لم يتعذر عليه خلق ما هو أعظم من خلقكم فكيف يتعذر
عليه إحياء العظام بعد ما قد رمت وبليت؟!!!
وقد سبق الحديث عن هذا الدليل.(18)
فقوله تعالى: ﴿
قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
﴾ الاستفهام فيها للإنكار؛ لأنه قاس قدرة الله على قدرة العبد
فأنكر أن الله يحيى العظام البالية حيث لم يكن ذلك في مقدور البشر.
ثم أجاب سبحانه عن الضارب لهذا المثل
فقال: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا
أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: ابتدأها وخلقها أول مرة من غير شيء ومن
قدر على النشأة الأولى قدر على النشأة الثانية، ففي هذا استدلال بالخلقة الأولى
على البعث.
والدليل على ذلك قوله: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ
نَاراً﴾ وفي هذا رجوع منه سبحانه إلى تقرير ما تقدم من دفع
استبعادهم فنبه سبحانه على وحدانيته ودل على قدرته على إحياء الموات بما يشاهدونه
من إخراج النار المحرقة من العود الندى الرطب وذلك أن الشجر المعروف بالمرخ والشجر
المعروف بالعفار إذا قطع منهما عودان وضرب أحدهما على الآخر انقدحت النار وهما
أخضران.(19)
والدراسات الحديثة اليوم تثبت أن أصل
مادة البترول هي من الأشجار والنباتات في العصور القديمة.
والحاصل: أن الله تعالى جعل لنا أصل
النار من الشجر الأخضر الرطب، وهو أمر يخالف طبيعة النار في الاجتماع مع الماء ،
وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ
أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ ﴾[
الواقعة:71-72].
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-
في حديثه عن هذا الدليل: في ذلك تنبيه لمنكري الإعادة مع إقرارهم بالابتداء على
جواز إعادته تعالى لهم حيث قال لهم لما استنكروها: ﴿
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ
عَلِيمٌ ﴾ ثم أوضح ذلك بقوله سبحانه: ﴿
الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ
نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ فدلهم بما يشاهدونه
من جعله النار من العفار والمرخ وهما شجرتان خضراوان إذا حكت إحداهما الأخرى
بتحريك الريح لها اشتعل النار فيهما على جواز إعادته الحياة في العظام النخرة
والجلود المتمزقة.(20)
فمن قدر على ما هو غير مألوف ومعروف عند
الناس، فهو على إعادة الأموات مرة أخرى أقدر.
جاء في التسهيل لعلوم التنزيل: هذا دليل
آخر على إمكان البعث، وذلك أن الذين أنكروه من الكفار والطبائعيين قالوا: طبع
الموت يضاد طبع الحياة فكيف تصير العظام حية فأقام الله عليهم الدليل من الشجر الأخضر
الممتلىء ماء مع مضادة طبع الماء للنار.(21)
5-
قياس
الإعادة على إحياء الأموات في الدنيا.
قياس الإعادة على إحياء الأموات في
الدنيا هو استدلال على إمكان الشيء بوقوعه فعلاً، وقد نبه سبحانه وتعالى على هذا
الدليل في مواضع كثيرة من كتابه الكريم، فقد تكرر ذكر هذا الدليل في سورة البقرة
وحدها ست مرة فقال سبحانه وتعالى:﴿ كَيْفَ
تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:28].
فالاستفهام في الآية
للإنكار عليهم، والتوبيخ لهم كيف تكفرون مع علمكم بحالكم المقتضية خلاف ذلك فقد كنتم
أمواتاً أجساماً لا حياة فيها، فأحياكم بخلق الأرواح ونفخها فيكم، ثم يميتكم عندما تنقضي آجالكم، ثم يحييكم بالنشور يوم
ينفخ في الصور.(22)
وقد أخبر سبحانه
وتعالى بوقوع الموت لبعض البشر في الدنيا، وحصول البعث لهم بعدها، كما حكى عن بني
إسرائيل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ
قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ* ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن
بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة:55-56].
وقال -عز وجل-: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا
وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ* فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا
كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
﴾[ البقرة:72-73].
وقال عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَرَ
إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ
فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ
عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾[
البقرة:243].
ومن القصص المذكورة في القرآن الكريم
والتي تثبت وتقرر الإيمان بالبعث والنشور ما حكاه المولى -جل وعلا- عن الرجل الذي
مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قد باد فيها أهلها، وسقطت حيطانها،فلم يبقى
فيها معلم للحياة، بل بقيت موحشة من أهلها مقفرة فوقف عليها ذلك الرجل متعجباً: أني
يحيى هذه الله بعد موتها؛ استبعادا لذلك وجهلا بقدرة الله تعالى، فأماته الله مئة
عام ثم بعثه؛ ليريه من آيات القدرة في نفسه وطعامه وشربه وحماره.(23)
قال سبحانه وتعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي
مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي
هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ
قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل
لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ
وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى
العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ
قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[
البقرة:259].
فإذا ثبت أن الإحياء
بعد الموت والبلى واقع فعلاً ولو مرة واحدة، فإن هذا كافٍ في الدلالة القاطعة على
إمكانه، وقدرة الرب تبارك وتعالى عليه؛ لأن من أحيا نفساً واحدة بعد موتها فهو
قادر على إحياء جميع النفوس وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿
مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ
سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾[ لقمان:28].(24)
ومن خلال ما سبق يتبين أن دليل سنة
البدء والإعادة من الأدلة العقلية، المستخدمة لإثبات وتقرير الإيمان باليوم الآخر،
فهو يقيس الإعادة على البدء، فقد خُلق الإنسان ولم يكن شيئاً، أفلا يعيده المولى -جل
وعلا- وقد صار شيئاً، ويقيس الإعادة على أمور أعظم من خلق الإنسان كخلق السماء
والأرض وما فيهما، وعلى إخراج النار من الشجر الأخضر، والقياس على إحياء الأرض،
وضرب الأمثال والقصص المؤكدة، فهو يقوم على أقيسه صحيحة تقر بها وتسلم كل العقول
الصحيحة، والفطر السلمية، فهي من أقوى الحجج وأجمعها، وقد بينها القرآن الكريم
بأوجز العبارات وأدلها، فكل من أنكر البعث فإنما أنكره لجهله بقدرة الله سبحانه
وتعالى، وما قدروا الله حق قدره، والله نسأل أن يهدينا طرق الرشاد في ذلك اليوم
العظيم، وأن يلهمنا التوفيق والسداد إنه على ما يشاء قدير، والحمد لله
رب العالمين، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة، وصلى الله وسلم على إمام
الموحدين، شفيع رب العالمين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم
بإحسان إلى يوم الدين.
خالد حسن
محمد البعداني
بتاريخ:11/
ربيع ثاني /1429هـ،
الموافق: 16/4/2008م.
(1)
تفسير القرطبي:14/ 20.
(2)
أنظر بتصرف تفسير
الطبري:21:ص35.
(3)
التسهيل لعلوم التنزيل:3:
122.
(4) أنظر في تفسير الآية: ابن كثير ج3:ص431، تفسير البيضاوي:4/334، فتح
القدير:4: 221، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز:4: 335، والكشاف:3/482، والتفسير
الكبير 25/102.
(5)
أخرجه البخاري:4/ 1629،
برقم: 4212.
(6)
عمدة القاري:20/9
(7)
تفسير السعدي:1/ 498.
(8)
فتح القدير:3/343.
(9)
فتح القدير:3/343،
التفسير الكبير:21/206، وأنظر في تفسير هذه الآية:تفسير السعدي:1/498، و تفسير ابن
كثير:3/132، والتفسير الكبير:21/206، وأضواء البيان: 3/472.
(10)
الكشاف:3/138، وأنظر في تفسير الآية: تفسير ابن كثير: 3/ 201.
وأنظر في تفسير الآية:
تفسير ابن كثير: 3/ 201.
(11)
أخرجه البخاري: 3/
1222، برقم: 3171.
(12)
تفسير البيضاوي:4/110.
(13)
فتح القدير:3/234.
(14)
تفسير الطبري:15/98.
(15)
بتصرف من التفسير
الكبير :18/187.
(16)
إعلام الموقعين:1/ 139.
(17) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند:4/11، برقم: 16238 ، وانظر مسند
الطيالسي:1/ 147، برقم: 1089، وقال الألباني: حسن، انظر الجامع الصغير وزيادته:1/
222، برقم: 2214.
(18)
بتصرف من تفسير الطبري:ج23/32.
(19)
فتح القدير:4/383.
(20)
بتصرف يسير من درء
التعارض:7/197.
(21)
التسهيل لعلوم التنزيل:3/167.
(22)
تفسير البيضاوي:1/268.
(23)
أنظر في تفسير الآية:
تفسير السعدي:1/112.
(24) أنظر في الحديث عن هذا الدليل: الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد: ص:572.