بسم الله الرحمن الرحيم

أركان الايمان - الغيب

 أدلة المتكلمين على اليوم الآخر

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجهاد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.

أعلم رحمك الله أن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان كما ورد في حديث جبريل المشهور، وفيه:" قال: فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره."(1)

فهو من جملة الأمور الغيبية التي يلزم المسلم الإيمان والتصديق بها، حتى يكون صادقا في دعوى الإيمان، والإيمان باليوم الآخر يعنى الايمان بكثير من القضايا الإيمانية الغيبية من بعث ونشور، والنفح في الصور وصراط وصحف، وميزان وحساب، وجنة ونار، والشفاعة وغيرها، وتفاصيل ما فيها، وقد جاء كل هذا في الكتاب والسنة وأغلبها سمعي لا سبيل للعقل إلى معرفتها  إلا من جهة النقل وقد ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية كثير من الاستدلالات العقلية في الدلالة على اليوم الآخر.

والحاصل أن الأدلة الدالة على اليوم الآخر كثيرة، وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية.

وقد تنوعت طرق القرآن الكريم في تقرير المعاد بطرق وأساليب مختلفة، ليس هذا موضوع الحديث عنها، وقد حاول كثير من العلماء وبعض الطوائف حشد الأدلة الدالة على هذا اليوم، منهم أهل الكلام الذين حاولوا بناء هذه الاستدلالات على العقل،  إلى جانب ما ورد تقريره في الوحي من الأدلة الدالة على اليوم الآخر، فجعلوا العقل هو المستند في تقرير المعاد، وصاغوا كثيرا من الأدلة حول العقل ودلالته على اليوم الآخر.

        ولا تخلوا استدلالاتهم من مؤاخذات، وخاصة مع غوصهم في كثير من التفاصيل والجزئيات

ولذلك أعرضنا عنها؛ لعدم الفائدة الكبيرة من الخوض فيها أعنى هذه التفاصيل.

وقبل الحديث بشكل مختصر عن هذه الأدلة ناسب الحديث عن المقصود بأهل الكلام، ومن هم المتكلمون؟

المقصود بالمتكلمين:

قبل الخوض عن معنى المتكلمين، لا بد من تعريف علم الكلام، فعلم الكلام من العلوم التي تبحث في أمور العقائد والغيبيات، وتستند على العقل كدليل على صحة هذه العقائد.

يقول العلامة ابن خلدون في تعريف علم الكلام: هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية، بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة. (2)

وقال بعضهم: علم الكلام هو علم باحث عن الأعراض الذاتية للموجود من حيث هو على قاعدة الإسلام. (3)

وقال آخرون: علم الكلام هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية أي العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة من أدلتها اليقينية.

وعلى ضوء ما سبق يمكن القول أن المتكلمين هم من اشتغل بعلم الكلام، من الطوائف التي ارتضت بعلم الكلام وقواعده الفلسفية منهجاً في الاستدلال على مسائل الاعتقاد.

فالمتكلم يستخدم الأدلة العقلية في إثبات وتقرير العقيدة، ويكون ذلك بإيراد الحجج ودفع الشبهات.

 

أدلة المتكلمين على اليوم الآخر:

ومن خلال الحديث عن المقصود بالمتكلمين وبيان علم الكلام نعلم أن أهم الأدلة التي يستدل بها أهل الكلام على اليوم الآخر تدور حول العقل[ الأدلة العقلية].

فمن أهم الأدلة العقلية التي يستدل بها أهل الكلام في الدلالة على اليوم الآخر:

-   أن الأنبياء تأتي بما تدركه العقول، أو تتحير فيه، ولا تأتي بما تحيله العقول أبداً، والمعاد ممكن؛ لأنه إما إيجاد ما أنعدم، أو جمع ما تفرق، أو إحياؤه بعد ما أميت.

وهذا كلها ممكنة لا إحالة في ذلك، وإخبار الأنبياء به، والكتب السماوية وخاصة القرآن الكريم كثير جداً. (4)

يقول الحق -تبارك وتعالى-: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران:114]

وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾[النساء:59]

وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴾[النساء:136]، وقال عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[المائدة:69]

وغيرها كثير من الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر.

وإثبات المعاد لا يوجب تناقضاً عقلياً، وكل ما لا يوجب تصور وقوعه تناقضاً عقلياً، فهو من قبيل الجائز الممكن، فتصور وقوعه جائز عقلاً. (5)

 

-    دليل الإمكان: ومن الأدلة التي يستدل بها أهل الكلام في الدلالة على اليوم الآخر دليل الإمكان، وحاصل هذا الدليل أن الأصل فيما لا دليل على وجوبه ولا على امتناعه هو الإمكان كما يقول الحكماء والمتكلمون من أن كل ما قرع سمعك من الغرائب قدره في حيز الإمكان ما لم يردك عنه قائم البرهان، فمن زعم عدم إعادة المعدوم، ألزم بالمبدأ، فإن المبدأ مثل المعاد بل هو عينه أو أيسر كما هو معلوم وهو لا يخفى على العاقل الحصيف.

وعليه فإن المعاد الجسماني حق واقع فصانع الساعة إذا جزأها إلى أجزائها الصغيرة هو قادر على إعادتها إلى ما كانت عليه متقنة تضبط الوقت بدقة، ولا يستطيع أحد إنكار ذلك، فالشك في البعث هو شك في قدرة الله تعلى على الخلق الأول، وفي كونه علة الوجود.

لا سيما إذا علمنا أن جسم الكائن الحي يتجدد ما بين وقت وآخر، فجسم الإنسان يستهلك حوالي 125 مليون خلية في الثانية الواحدة، ويحيا مثل هذا القدر محلها، وهذا يعني أن جسم الإنسان في تجدد ودورة مستمرة من موت إلى حياة، وحياة إلى موت قال تعالى:  ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ [الروم:19] فجسم الإنسان يموت ويحيا في كل لحظة، فالقادر على إحيائه وإماتته على مرأى من العين في الدنيا قادر على إحيائه بعد موته في حياة أخرى. (6) 

يقول القاضي عبد الجبار في حديثه عن دليل الإمكان: إن  القادر إذا ثبت كونه قادراً على الشيء من غير تخصيص الوقت، فمتى صح وجود المقدور صح منه إعادته، كما أن الجسم إذا صح أن يتحرك من غير تخصيص بوقت صح من القادر أن يجعله كذلك..." (7)

والله عز وجل يقول في محكم التنزيل: ﴿ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً [النساء:87].

ويقول التفتازاني: فالأولى التمسك بدليل السمع وتقريره أن الحشر والإعادة أمر ممكن أخبر به الصادق فيكون واقعا أما الإمكان فلأن الكلام فيما عدم بعد الوجود أو تفرق بعد الاجتماع أو مات بعد الحياة فيكون قابلا لذلك، والفاعل هو الله القادر على كل الممكنات العالم بجميع الكليات والجزئيات.

ويقول الإمام الرازي: وقد ثبت في العقل أن كل من كان قادراً على شيء، وكانت قدرته باقية ممتنعة الزوال، وكان عالماً بجميع المعلومات فإنه يمكنه إعادته بعينه، فدل هذا الدليل على أنه تعالى قادر على إعادة الإنسان بعد موته. (8)

وجاء في معالم أصول الدين: إعادة المعدوم عندنا جائزة خلافا لجمهور الفلاسفة والكرامية وطائفة من المعتزلة، فالماهيات كانت قابلة للوجود وذلك القبول من لوازم تلك الماهية فوجب أن يبقى ذلك القبول ببقاء تلك الماهية. (9)

ويقرر الإمام فخر الدين الرازي بمقدمات ثلاث دليل الإمكان بقوله: والدليل عليه أن عود ذلك البدن في نفسه ممكن والله تعالى قادر على كل الممكنات عالم بكل المعلومات فكان القول بالحشر ممكنا فهذه مقدمات ثلاث.

المقدمة الأولى: قولنا إن عود ذلك البدن في نفسه ممكن، والدليل عليه أن إعادة المعدوم إما أن تكون ممكنة أو لا تكون ممكنة فإن كانت ممكنة فالمقصود حاصل، وإن لم تكن ممكنة فنقول الدليل العقلي دل على أن الأجسام تقبل العدم، ولم يدل على أنها تعدم لا محالة فلما ثبت بالنقل المتواتر من دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن القول بحشر الأجساد حق وثبت أن الأجسام لو عدمت لامتنع إعادتها كان ذلك دليلا قاطعا على أنه تعالى لا يعدم الأجساد بل يبقيها بأعيانها وإذا كانت باقية بأعيانها فهي قابلة للحياة والعقل والقدرة فحينئذ يصح أن عودة ذلك البدن بعينه ممكنة

وأما المقدمة الثانية: وهي قولنا إنه تعالى قادر على كل الممكنات فهي معلومة مقررة.

وأما المقدمة الثالثة: وهي قولنا إن الله تعالى عالم بجميع الجزئيات فالفائدة فيها أن يكون الله تعالى قادرا على تمييز أجزاء بدن هذا الإنسان عن أجزاء ذلك الإنسان الآخر فإذا ثبتت هذه المقدمات الثلاث فقد ثبت أن حشر الأجساد ممكن وإذا ثبت الإمكان فنقول إن الأنبياء عليهم السلام أخبروا عن وقوعه والصادق إذا أخبر عن وقوع شيء ممكن الوقوع وجب القطع بصحته فوجب القطع بصحة الحشر والنشر. (10)

 

 

ومن الأدلة التي يستدلون بها : الخلق أول مرة[ دليل الإعادة]:

فالإمام الأشعري يستدل على إمكان البعث بقدرة الله على خلق الإنسان أول مرة، وقد خلق الحق تبارك وتعالى الإنسان على غير مثال سابق، فإذا خلقه الله أولاً لم يعيه أن يخلقه خلقاً آخر.

ويستدل بقوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ *قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾[يس:78-79]

فجعل النشأة الأولى دليلا على جواز النشأة الآخرة؛ لأنها في معناها، وبعض العلماء يسمون هذا الدليل دليل المعارضة بالابتداء أي أن الشيء إذا لم يكن ثم كان وأعدم كانت إعادته أيسر وأهون على من بدأه أول مرة ثم أعدمه وأفناه. (11)

ويقول الإمام الرازي- رحمه الله-: مستدلاً على البعث بإمكانه في نفسه وإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عنه: لنا أنه في نفسه ممكن أي المعاد والصادق أخبر عنه فوجب القول به، وإنما قلنا إنه ممكن بالنظر إلى القابل أو الفاعل وهما حاصلان، أما بالنظر إلى القابل فلأن قبول الجسم الأعراض الفاعلية، فلأنه تعالى بدأ بأعيان جزء كل شخص؛ لكونه عالماً بالجزيئات، وقادراً على جمعها وخلق الحياة فيها، لكونه قادراً على كل الممكنات، وإذا كان كذلك كانت الإعادة ممكنة، وإنما قلنا إن الصادق أخبر عنه؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجمعوا على القول به، وإذا ظهر المقدمتان ظهر المطلوب. (12)

والإمام الجويني-رحمه الله- يستدل على البعث بقدرة الله عز وجل على خلق الإنسان أول مرة يقول: فإن سئلنا الدليل على جواز الإعادة استقرأناه من نص الكتاب وفحوى الخطاب، وشبهنا الإعادة بالنشأة الأولى كما قال سبحانه وتعالى رداً على منكري البعث: ﴿ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ وقد اختلف المتكلمون هل الإعادة تكون بإعادة الأجزاء بعد عدمها، أو جمع الأجزاء المتفرقة، اختار أمام الحرمين التوقف حيث قال: يجوز عقلا أن تعدم الجواهر ثم تعاد وأن تبقى وتزول أعراضها المعهودة ثم تعاد بنيتها ولم يدل قاطع سمعي على تعيين أحدهما فلا يبعد أن يغير أجسام العباد على صفة أجسام التراب ثم يعاد تركيبها إلى ما عهد ولا تحيل أن يعدم منها شيء ثم يعاد. (13)

 


دليل الإمكان الخارجي:

يستدل شيخ الإسلام ابن تيمية على اليوم الآخر بالإمكان الخارجي يقول -رحمه الله-: والإنسان يعلم الإمكان الخارجي تارة بعلمه بوجود الشيء وتارة بعلمه بوجود نظيره وتارة تعلمه بوجود ما الشيء أولي بالوجود منه فإن وجود الشيء دليل علي أن ما هو دونه أولي بالإمكان منه ثم إنه إذا تبين كون الشيء ممكنا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه إن لم يعلم قدرة الرب علي ذلك.

وهذه الاستدلال من طرق القرآن الكريم كما يقرر ذلك شيخ الإسلام، ثم أخذ يذكر بعض الأمثلة التي يقررها القرآن في إثبات المعاد منها خلق السموات والأرض أعظم من إعادة الإنسان : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً [الإسراء:99]، وقال سبحانه: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف:33 ]، وقوله: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[غافر:57].

فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق بني آدم والقدرة عليه أبلغ وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك.

وكذلك دليل النشأة الأولى في مثل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم:27]، وتارة بضرب الأمثال كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ[يس:78-79]،

﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:81] وغير ذلك مما يدل على أن إعادة الخلق أولى بالإمكان من ابتدائه، وخلق الصغير أولى بالإمكان من خلق العظيم، فالعلم بكون الشيء ممكنا في الخارج يكون العلم بوجوده أو بوجود ما ذلك الشيء أولى بالوجود منه. (14)

دليل العدل:

ومن الأدلة التي يستدلون بها ضرورة إثابة المحسنين ومعاقبة المجرمين، وهو أمرٌ معلومٌ بمقتضى خبر الأنبياء والمرسلين الكرام، وبمقتضى دلالة حكمة المولى جل وعلا وكمال عدله وتنزهه عن الظلم والعبث، وهذا كما هو معلوم بالسمع، نعلم ضرورته من طريق العقل.

وليس هذا من باب الإيجاب العقلي على الله وهو ما تقول به المعتزلة، وهو قول باطل، بل هو نحو قوله تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾[الأنعام:12].

وقوله في الحديث القدسي كما رواه أبو ذر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا." (15)

فضرورة الجزاء الأخروي وحصول الثواب والعقاب، ترجع إلى مقتضى صفتين عظيمتين من صفات الرب جل وعلا وهما:

- كمال الحكمة المستلزم تنزهه عن العبث واللعب.

- تنزهه عن الظلم المتضمن اتصافه بكمال العدل.

وهما صفتان متلازمتان؛ لأن الحكمة وضع الشيء في موضعه، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وكمال الحكمة يقتضي كمال العدل، و يستلزمه كما أن نفي الظلم عن الله عز وجل  يتضمن إثبات كمال العدل والحكمة. (16)

ويقرر الإمام الرازي في تفسيره هذا المعنى فيقول: هل يجوز أن يكون له أمر ونهي مع أنه لا يكون له وعد ووعيد؟ فحكم صريح العقل بأن ذلك غير جائز لأنه إن لم يقرن الأمر بالوعد بالثواب، ولم يقرن النهي بالوعيد بالعقاب لم يتأكد الأمر والنهي، ولم يحصل المقصود، فثبت أنه لا بد من وعد ووعيد، ثم تأملنا فقلنا: هل يجوز أن يكون له وعد ووعيد ثم إنه لا يفي بوعده لأهل الثواب، ولا بوعيده لأهل العقاب: فقلنا: إن ذلك لا يجوز، لأنه لو جاز ذلك لما حصل الوثوق بوعده ولا بوعيده، وهذا يوجب أن لا يبقى فائدة في الوعد والوعيد، فعلمنا أنه لا بد من تحقيق الثواب والعقاب، ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالحشر والبعث، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إلى أن يقول: فثبت أنه لا بد لهذه الأجساد البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة المتمزقة من البعث بعد الموت، ليصل المحسن إلى ثوابه والمسيء إلى عقابه. (17)

فاقتضاء العدل الإلهي للجزاء الأخروي أمر ظاهر ومعلوم، لأن من أعظم مظاهر العدل الإلهي عدم التسوية بين المحسن والمسيء قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ* وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية:21-22].

فهل يستوي في ميزان الله تعالى من كذب الرسل، وخالف أمر الله، وعبد غيره، مع الذين آمنوا بالله, وصدقوا رسله وعملوا الصالحات؟ لا يستوون.

فمعنى الآية: إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيا، وأن يستووا مماتاً؛ لافتراق أحوالهم أحياء . حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات، وأولئك على ركوب المعاصي، ومماتاً؛ حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه، وأولئك على اليأس من رحمة الله والوصول إلى هول ما أعدَّ لهم. (18)

ومن خلال ما سبق نعرف أن مدار الأدلة التي يستدلون بها تدور حول العقل ودلالته على اليوم الآخر، وأهم هذه الأدلة صدق المخبر- الأنبياء والمرسلين- بذلك اليوم، وتوافق ذلك مع العقل، فهم أخبروا بما تجيزه العقول، وكذلك دليل الإمكان وتحقق الوقوع لعدم الاستحالة العقلية.

ودليل الإعادة والقدرة على إعادة الخلق بعد الفناء، ودليل الإمكان الخارجي، فحصول ما دونه يدل على حصوله من باب أولى، ودليل ومقتضى العدل الإلهي، كلها أدلة عقلية تدل على اليوم الآخر، وبعض هذه الأدلة قد قررها القرآن الكريم في كثير من الآيات كدليل الإعادة بعد الفناء، فهو دليل عقلي وشرعي؛ لأن كل دليل موجود في القرآن يصبح دليلا شرعيا بإخبار القرآن الكريم عنه.

ونسأل الله- عز وجل-  التوفيق والهداية، والرشد والصواب، والتبصير في الدين إنه على ما يشاء قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. 

 

 

إعداد

خالد حسن محمد البعداني

بتاريخ:20 /6 /1429هـ

الموافق: 25/ 6/ 2008م


(1)- أخرجه مسلم:1/ 36، برقم:8. 

(2)- مقدمة ابن خلدون:1/264.

(3)- التعريفات:1/50.

(4)- موسوعة المسلم في التوبة والترقي في مدارج الإيمان: ص:171.

(5)- دراسات في العقيدة الإسلامية:ص:209.

(6)- موسوعة المسلم في التوبة والترقي في مدارج الإيمان: ص:171.

(7)- بواسطة: اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام:401.

(8)- تفسير الرازي:8/ 220.

(9)- بتصرف يسير من أصول الدين: 1/125.

(10)- بتصرف يسير المصدر السابق:1/126.

(11)- بواسطة: اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام:401، وانظر دراسات في العقيدة الإسلامية:212.

(12)- بواسطة اليوم الآخر عند اليهود والنصارى والمسلمين:ص:402.

(13)- شرح المقاصد في علم الكلام ج2/ص215

(14)- بتصرف من الفتاوى الكبرى: 1/ 127، وانظر درء التعارض:1/ 19. 

(15)- أخرجه مسلم:4/ 1994، برقم: 2577. 

(16)- الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد, سعود بن عبد العزيز العريفي, دار عالم الفوائد, ط1, ص 579.

(17)- باختصار من تفسير الرازي:8/ 216.

(18)- الكشاف:6/281.