بسم الله الرحمن الرحيم
 

أدلة اليوم الآخر

 في الكون

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فصلى الله وسلم عليه وعلى أله وصحبه وسلم قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾[ آل عمران:102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾[النساء :1﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيما[ الأحزاب70 - 71 ].

لقد خاطب المولى -جل وعلا- الإنسان بكل الحجج والبراهين العقلية والنقلية والمنطقية والكونية الدالة دلالة قطعية على اليوم الآخر.

ففي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الأدلة الكثيرة المتناثرة الدالة دلالة قطعية على وقوع اليوم الآخر، وما فيه من الأهوال العظيمة، والتحول العظيم لأجزاء هذا الكون الفسيح، وما يحصل فيه من التبديل والتغيير، والبعث والنشور، وقيام سوق الجنة والنار، فهو حق لا ريب فيه ولا شك

قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ* لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ* خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ* إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً* وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً* فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: 1-6]

قد أقسم المولى جل وعلا على وقوعه ومجيئه: ﴿ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً ﴾[النساء:87]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ﴾ [الذاريات:4-6]، وأخبر سبحانه عن قربه: ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً ﴾[المعارج:6-7].                           

وذم سبحانه وتعالى المنكرين والمكذبين باليوم الآخر فقال سبحانه: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾[يونس:45]، وقال سبحانه: ﴿ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾[الشورى:18].

وفوق هذا ذكر بعض شبه المنكرين لليوم الآخر ورد عليها وبين بطلانها بما لا يدع مجالاً للشك أو حتى مجرد التفكير في إنكاره.

ومن جملة هذه الأدلة الكثيرة التي نصبها الحق تبارك وتعالى في الدلالة على هذا اليوم ما تناثر في الكون من الآيات الباهرات الدالة على هذا اليوم، وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض منها كما سيأتي الحديث عن ذلك.

ففي الكون أدلة كثيرة دالة على اليوم الآخر، وأنه حق لا ريب فيه، فهناك ظواهر وقوانين في هذا الكون تدل على حصول اليوم الآخر، فهي من جملة الأدلة التي تَنْظم إلى الأدلة الكثيرة الدالة على هذا اليوم العظيم؛ لتدل مع غيرها دلالة قاطعة على وقوعه لا محالة.

ولذلك سنجعل الحديث عن هذه الأدلة على قسمين: القسم الأول الأدلة الكونية الدالة عليه

التي أشار إليها القرآن الكريم كلام رب العالمين، والقسم الثاني: لتلك الظواهر الكونية التي نشاهدها في هذا الكون، وهي من العلامات والأدلة التي يستدل بها على وقوع اليوم الآخر.

القسم الأول:

الأدلة الكونية الواردة في القرآن الكريم:

لقد عرض القرآن الكريم كثيرا من الأدلة الدالة على اليوم الآخر بطرق وأساليب مختلفة، فمن طرق القرآن الكريم في تقرير الإيمان باليوم الآخر في قلوب الناس لفت الأنظار إلى كثير من الآيات والظواهر الموجودة في الكون، والاستدلال بها على وقوع ذلك اليوم العظيم.

فهي أدلة كونية باعتبارها من الظواهر والآيات الموجودة فيه، وهي من أدلة القرآن الكريم لورودها فيه، ومن أمثلة هذه الأدلة:

1- دليل الإمكان:

وخلاصة هذا الدليل، أن أمكانية وقوع اليوم الآخر غير مستحيلة عقلاً، فهو ممكن الوقوع، فهو من الأدلة العقلية الدالة على اليوم الآخر، إلا أن القرآن الكريم يستخدم بعض الآيات المشاهدة، والظواهر الكونية التي يشاهدها الإنسان في تقرير هذا الدليل، وتقديم نماذج حية في الكون؛ لإثبات وتقرير هذا اليوم في قلوب الناس.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك: الاستدلال بحياة الإنسان وما فيها من دلالات واضحة على قدرة الله تعالى؛ ليستدل بهذه القدرة والآيات العجيبة المشاهدة في خلق الإنسان ومراحل خلقه على حصول البعث والجزاء قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً...﴾[الحج:5]

فمراحل خلق الإنسان من مرحلة الخلق الأول وما فيه من الأطوار، والبلوغ ، والكبر من الأمور المشاهدة لدى الناس، فالقرآن الكريم يستدل على القدرة الباهرة في مراحل خلق الإنسان، على إمكانية حصول البعث والجزاء.

جاء في تفسير ابن كثير: لما ذكر تعالى المخالف للبعث المنكر للمعاد ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد بما يشاهد من بدئه للخلق فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أي: في شك ﴿مِّنَ الْبَعْثِ﴾، وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة(1)

ويأتي بعدها مباشرة دليل آخر في تقرير الإيمان بإمكانية وقوع اليوم الآخر وحصوله: وهي ظاهرة إنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض بهذا الماء بعد إصابتها بالجفاف والموات.

قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾[الحج:5].

فهي ظاهرة كونية مشاهدة عند الناس جميعاً يشير بها القرآن الكريم إلى إمكانية وقوع اليوم الآخر، فهذه الآيات حجة أخرى على البعث فإنه سبحانه احتج بإحياء الأرض بإنزال الماء على إحياء الأموات(2)  وسيأتي الحديث عنها في المثال الثاني.

لذلك قال الحق سبحانه وتعالى بعدها: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [6-7].

فهذا الذي ذكرت لكم أيها الناس من بدء خلقكم في بطون أمهاتكم ووصف أحوالكم قبل الميلاد

وبعده طفلا وكهلا وشيخا هرما، وتنبيهكم على فعلنا بالأرض الهامدة بما ننزل عليها من الغيث؛ لتؤمنوا وتصدقوا بأن الذي فعل ذلك الله الذي هو الحق لا شك فيه، وأن من سواه من الأوثان والأصنام باطل؛ لأنها لا تقدر على فعل شيء من ذلك، وتعلموا أن القدرة التي جعل بها هذه الأشياء العجيبة لا يتعذر عليها أن يحيى بها الموتى بعد فنائها ودروسها في التراب، وأن فاعل ذلك على كل ما أراد و شاء من شيء قادر لا يمتنع عليه شيء أراده، ولتوقنوا بذلك أن الساعة التي وعدتكم أن أبعث فيها الموتى من قبورهم لا شك في مجيئها وحدوثها.(3)

فمن قدر على جعل التراب بشراً سوياً لا يعجزه سبحانه أن يعيده بشراً سوياً مرة أخرى بعد موته، ولو أصبح رماداً، ولو مر عليه مئات أو ألوف السنين، فالإعادة أهون من البداية.

 

 

2- خروج الزرع من الأرض:

خروج الزرع من الأرض بعد نزول الأمطار، من الأمور المشاهدة عند الناس، والقرآن الكريم يذكر هنا قياس المثلية، فالبعث من الموت سيحصل كخروج الزرع من الأرض، وإحياء الأجسام بعد الموت والبلى مثل إحياء الأرض بالماء بعد موتها قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾[فاطر:9].

فقد تضمنت هذه الآية الكريمة أن إحياءه تعالى الأرض بعد موتها من الأمور المشاهد في دار الدنيا فهي برهان قاطع على قدرته على البعث.

فقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي: كذلك يحيون بعد ما متم من نشر الإنسان نشورا فالكاف في محل الرفع أي: مثل إحياء الموت نشر الأموات.(4)

وقد جاء في الحديث النبوي عن أبي رزين العقيلي قال: "قلت يا رسول الله: كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه ؟ قال: أما مررت بوادي أهلك ممحلا ثم مررت به يهتر خضرا ؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: فكذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته في خلقه"(5)وقد يقال ما وجه التشبيه بقوله: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ؟ قد أجاب الإمام الرازي- رحمه الله- عن ذلك بقوله: الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل الحياة.

وثانيها: كما أن الريح يجمع القطع السحابية كذلك يجمع بين أجزاء الأعضاء وأبعاض الأشياء

وثالثها: كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت.(6)وكثيراً ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ *وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ *رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق:9- 11]

فمعنى الآية أن الله تبارك وتعالى يبين أن إحياء الأرض بعد موتها بإنبات النبات فيها بعد انعدامه واضمحلاله دليل على بعث الناس بعد الموت بعد كونهم ترابا وعظاما.

فقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ يعني أن خروج الناس أحياء من قبورهم بعد الموت كخروج النبات من الأرض بعد عدمه بجامع استواء الجميع في أنه جاء بعد عدم، وهذا أحد براهين البعث التي يكثر الاستدلال عليه بها في القرآن.(7)

ومنها قوله- عز وجل-: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت:39].

3- النشأة الآخرة قياساً على الأولى:

استدل القرآن الكريم على الخلق الثاني بالخلق الأول، فنحن نشاهد في هذا الكون وفي كل يوم حياة جديدة تخلق: من أطفال يولدون، وطيور تخرج من بيضها، وحيوانات تلدها أمهاتها، وأسماك تملأ البحر والأنهار، يرى الإنسان ذلك كله بأم عينه، ثم ينكر أن يقع مثل ذلك مرة أخرى بعد أن يبيد الله تعالى هذه الحياة، فالقادر على خلقهم قادر على إعادة خلقهم.(8)قال سبحانه وتعالى - وقد أمر عباده بالسير في الأرض؛ للنظر في بدأ الخلق؛ ليستدلوا بذلك على قدرته على الإعادة-: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[العنكبوت:20].

فتجدد الحياة، وإحداث الخلق كل يوم سواء كان ذلك في السماء أو في الأرض من الأمور المشاهدة في هذا الكون، أستدل بها القرآن الكريم وقدمها دليلا من زمرة الأدلة الدالة على هذا اليوم العظيم.

قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً* أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾ [مريم:67].

وقال -عز وجل-: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ ﴾[الواقعة:62]، وسيأتي مزيد حديث عن هذه الدليل في دليل البدء والإعادة على اليوم الآخر.

4- ظاهرة النوم:

من الأدلة التي يمكن الاستدلال بها على اليوم الآخر، وهي من الظواهر الكونية، التي يشاهدها الناس، بل تقع لهم كل يوم، هي ظاهرة النوم.

فالقرآن الكريم يشير بهذه الظاهرة، ويستدل بها على تقرير الإيمان بذلك اليوم العظيم، فالنوم الذي يحصل للإنسان والحيوان، والاستيقاظ الحاصل بعده، من الأمور المشاهدة الدالة على هذا اليوم العظيم، فالنوم هو موت مصغر، فهو أخو الموت، وكذلك الاستيقاظ بعده هي حياة مصغرة، فكما تتم عملية النوم للإنسان والحيوان، وعملية الاستيقاظ لهما تتم عملية الموت والحياة الكاملة لهما، هذا الاستدلال قد ورد في القرآن الكريم في قوله- عز وجل-: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [ الأنعام:60].(9)

وقال سبحانه: ﴿ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [ق:15].

فظاهرة الموت دليل كوني مشاهد يقرر بها القرآن الكريم الإيمان باليوم الآخر، والرجوع إلى المولى -جل وعلا- في ذلك اليوم العظيم.

وفي الخبر ما يقرر هذا ويؤكده، فقد روي عنه-صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" كما تنامون فكذلك تموتون وكما توقضون كذلك تبعثون."(10)5- إثبات البعث بالقدرة على ما هو أعظم منه:

ومن الأدلة الكونية الواردة في القرآن الكريم، والدالة على هذا اليوم، هو دليل القدرة العظيمة المشاهدة في هذا الكون الفسيح بمعنى أن الخالق سبحانه وتعالى القادر على كل شيء، والخالق للسموات وللأرض وما بينهما، قادر على ما هو أقل من ذلك، فعند مشاهدة عظيم القدرة التي ملأت أركان هذه الكون الفسيح من خلق للسماء، وما فيها من النجوم والمجرات، والأرض وما فيها من الآيات الباهرة، نعلم قدرة الخالق لهذا الكون على إعادة الخلق مرة أخر في يوم القيامة.

وقد قرر القرآن الكريم هذه القاعدة في مواطن فقال- عز وجل-: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً[الإسراء:99]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس:81].

وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[الروم:27].

فمن قدر على بناء قصر كبير، لا يعجزه الكوخ الصغير، ولله المثل الأعلى، فإن من مخلوقات الله ما هو أعظم من خلق الناس، فكيف يقال للذي خلق السموات والأرض لا تستطيع أن تخلق ما دونها؟!، وذلك بإنكارها البعث، وعدم القدرة على بعث الناس بعد موتهم، ولكن المنكرين قد غطى العمى على قلوبهم، قال سبحانه وتعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[غافر:57].

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: « فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم والقدرة عليه أبلغ وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك.»(11)

ومن أمثلة القدرة على ذلك إخراج النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من الماء، والحياة الطرية، فمن قدر على ذلك فهو على إعادة الحياة إلى ما كان غضاً طريا تم تحول إلى يابس أقدر.

وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في معرض رده على منكري البعث فقال سبحانه وتعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ [يس: 80-81]

 

القسم الثاني: الأدلة الكونية الموجودة في هذه الكون الفسيح.

والظواهر الكونية الموجودة في ثنايا هذا الكون الدالة على حدوث اليوم الآخر، وزوال هذه الدنيا كثيرة نعرج على بعضها.

وأول هذه الظواهر:

حدوث الكون: فالكون حادث وليس أزلياً أبداً، وبما أن الكون حادث فهو قابل للفناء، بل الفناء من صفاته اللازمة التي لا تنفك عنه بحال، وهذا الأمر مشاهد في هذه الحياة لا يحتاج إلى دليل.

منها تلك التغيرات والحوادث المستمرة والجارية في عوالم هذا الكون، الدالة عل حدوثه، وحدوثها دال على فنائها، وفنائها دال على فناء هذا الكون الفسيح.(12)

وهنا دليل أخر: وهو أن العالم كل له أجزاء، ونحن نشاهد الفناء يجري في أجزائه باستمرار، فالإنسان والحيوان والنبات تفنى أمامنا، وتحت سمعنا وبصرنا، ونفقد وجودها باستمرار دون انقطاع، وهي أجزاء من هذا العالم، كما أننا نرى الزلازل بين الفينة والأخرى تدمر أجزاء من هذا العالم، وتغير معالم الأرض في كثير من البلدان، فظاهرة الفناء لأجزاء العالم دالة على فناء العالم كله، إذ ما أمكن الفناء في أجزائه أمكن فناء كله، وعلى هذا فاليوم الآخر ممكن الوقوع، فهو اليوم المنتظر.(13)

قانون الطاقة المتاحة[ الديناميكا الحرارية]:

ومن الظواهر الكونية الموجودة في الكون الدالة على اليوم الآخر، وحصول الفناء والإزالة لهذا العالم، قانون الطاقة المتاحة

فحقيقة هذا القانون العلمي هي أن الحرارة تنتقل دائماً من وجود حراري إلى آخر غير حراري، واستمرار هذه العملية سيترتب عليها أن تتساوى حرارة جميع الموجودات، وحينئذ لا تبقى أي طاقة مفيدة للحياة والعمل، فتنتهي العمليات الكيميائية الطبيعية، وعندها تنتهي الحياة تلقائياً.(14)فقانون الديناميكا الحرارية يدل على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجياً، وأنها سائرة حتماً إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض هي الصفر المطلق، ويومئذ تنعدم الطاقة وتستحيل الحياة...(15)

النهايات المشاهدة للموجودات في الكون:

فقد لاحظ العلماء، ظاهرة الإحياء والإماتة في الفضاء فكثير من النجوم والمجرات تتكون ثم تضمحل وتموت تدريجياً، وفي هذا إشارة إلى زوال ونهاية هذا العالم في يوم من الأيام، فالزوال والنهاية الجزئية علامة على الزوال الكلي، والزوال الممكن في الجزئي غير مستحيل في الكلي.

وسنأخذ نماذج على هذه النهايات المشاهدة في هذا الكون، فمنها على سبيل المثال:

نهاية الشمس:

لقد أثبت العلم الحديث اليوم أن الشمس لها نهاية مثل باقي النجوم وذلك بسبب ما تفقده من حجمها ووزنها ما يقدر بخمس ملايين طن في الثانية، وقالوا بأن الشمس ستفقد وقودها النووي بعد ملايين السنين وينعدم ضوءها ثم يتضاعف حجمها فيبلغ 100 ضعف حجمها الحالي فتصبح العملاق الأحمر الذي يبتلع كوكب عطارد والزهرة، ويقولون بأن الشمس ما زالت في منتصف عمرها، وأنها ستنطفئ، ويحددون ذلك بملايين السنين، وأنها ستمر بثلاث مراحل قبل نهايتها.(16)والحاصل أن للشمس نهاية كسائر المخلوقات الموجودة في هذا العالم الكبير، وأنها لا بد لها من يوم يذهب فيه نورها.

ومنها نهاية النجوم:

يقول علماء الفلك أن لكل نجم دورة حياتية يمر بها وهي: ولادة، ثم نمو ونضوج، ثم احتضار وفناء، وبسبب التقدم العلمي الحاصل اليوم، ووجود العديد من المراصد العملاقة تبين للعلماء أن مئات النجوم تموت كل ساعة فبعضها قبل أن تنطفئ يزداد لمعانها فجأة ويصل إلى مائة ألف ضعف لمعان الشمس، ويتضاعف حجمها ألوف الكيلو مترات في الثانية ثم تنفجر انفجاراً شديداً.

وقد شاهد العلماء ظهور نجم عملاق في عام1987م اسمه سوبر نوفا وهو عبارة عن ضوء ناتج عن انفجار نجم عملاق اسمه سنديليك قبل 170000 سنة ضوئية.

ويقول العلماء بأن اشتعال النجوم بسبب عملية الاندماج النووي داخل أجسام النجوم، وإذا تحول لب النجم إلى حديد بالكامل، أما أن ينفجر النجم، أو يتكدس على ذاته، وتزداد كثافته، وينطفئ تدريجياً.(17)

ومنها الثقب الأسود:

الثقوب السوداء هي عبارة عن أجرام سماوية تمثل نجوماً ميتة توقف التفاعل النووي في باطنها فانهارت على نفسها بجذب هائل لتصبح ثقوباً سوداء، والثقب الأسود له مجال جذب هائل لدرجة أن كل شيء يقترب منه يدخل فوراً في باطنه، وكأنها مقبرة لا هروب منها.

حتى الضوء يقول العلماء لا يستطيع الهرب من هذا الثقب، ولهذا لا يمكن رصد هذه الثقوب السوداء بالعين، أو التلسكوب، ولكن من خلال سلوكها في الفضاء فهي كمكانس كبيرة جداً تبتلع وتشفط كل ما يقع في طريقها من مادة أو طاقة.

وأما عن كيفية تكونها فهو يرجع إلى التكثيف الشديد الذي يحصل لذرات النجوم، مع تضاؤل أحجامها مع ازدياد الجاذبية، ليختفي بعدها النجم ويبقى آثار جاذبيته.(18)

فهي تمتاز بقوة جذب شديدة لا يمكن معه للأشعة الضوئية أن تفلت منها كما ذكرنا، فإذا مر نجم تقوم بجذب الغاز منه فينجذب إليها مشكلاً قرصَ تنامٍ يُدَوِّم حول الثقب الأسود بسرعة كبيرة فترتفع درجة حرارته ويطلق طاقة إشعاعية، لتدخل بعدها المادة الغازية نحو الثقب الأسود وتختفي بذلك نهائياً من الكون المرئي.(19)

والحاصل أن هذه الثقوب تبتلع كل ما مرت به من كواكب ونجوم، فهي دليل وعلامة على زوال هذا الكون، والمصير الحتمي الذي يصير إليه، فالجزء دليل على الكل. والله أعلم.

وهناك ظواهر في الكون تؤكد زواله ونهايته الحتمية، كنظرية الانكماش العظيم، والثقوب البيضاء، وغيرها.

فالكون بما فيه من الآيات والظواهر العجيبة التي تدل على قرب زواله، دليل من أدلة وقوع اليوم الآخر قد قرر القرآن الكريم بعضا منها.

وهو يوم لازم لا شك ولا ريب فيه: ﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ ﴾ [هود:103-104].

وقد أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين، وليعلموا الناس ما سيقبلون عليه بعد الموت، والقرآن الكريم من الفاتحة إلى خاتمته يقرر في كثير من آياته المسطورة الإيمان باليوم الآخر، وتفاصيل ما فيه وتقرير ذلك بأصدق الأخبار، وضرب الأمثال للاعتبار والإرشاد، والفطر السليمة تشهد بوقوعه، وتهتدي إليها، والكون بما فيه من الآيات المنظورة يشهد بصدق الإخبار عنه.

فعلى الإنسان أن يمعن النظر في هذه الآيات الكونية؛ ليرسخ الإيمان في قلبه، حتى يكون من الفائزين في ذلك اليوم العظيم، والله نسأل أن يهدينا طرق الرشاد، وأن يلهمنا التوفيق والسداد إنه على ما يشاء قدير.

والحمد لله رب العالمين، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة، وصلى الله وسلم على إمام الموحدين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.                           

 

إعداد

خالد حسن محمد البعداني

بتاريخ:27/ ربيع أول /1429هـ،

الموافق: 5/4/2008م


(1) تفسير ابن كثير:3/ 277 ، وانظر فتح القدير: 3/ 624.

(2) انظر تفسير القرطبي: 12/ 9، وفتح القدير:3/624

(3) بتصرف يسير من تفسير الطبري:9/113.

(4) أنظر في تفسير الآية تفسير ابن كثير:3/723، وتفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 4/430، وأضواء البيان:6: 279.

(5) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند:4/11، برقم: 16238 ، وانظر مسند الطيالسي:1/ 147، برقم: 1089، وقال الألباني: حسن، انظر الجامع الصغير وزيادته:1/ 222، برقم: 2214.

(6) التفسير الكبير:26/ 7.

(7) أضواء البيان:7/424.

(8) بتصرف يسير من اليوم الآخر، القيامة الكبرى:ص:76، الأشقر.

(9) عقيدة المؤمن:ص:251.

(10) ذكره القرطبي:15/227، والسمعاني في تفسيره: 4/470.

(11) مجموع الفتاوى:3/ 299. 

(12) بتصرف من عقيدة المؤمن:ص:250.

(13) بتصرف من المصدر السابق:ص:250.

(14) المصدر السابق:ص:250.

(15) أنظر انظر كتاب الله جل جلاله سعيد حوى: ص/21.

(16) أنظر الموسوعة العلمية الشاملة في الإعجاز القرآني:ص:87.

 (17) بتصرف من الموسوعة العلمية الشاملة في الإعجاز القرآني:ص:60.

(18) بتصرف من الموسوعة العلمية الشاملة في الإعجاز القرآني:ص:57، وانظر للمزيد عن الثقوب السوداء: الكون والأرض والإنسان في القرآن العظيم:ص:69، وما بعدها.

(19) أنظر موسوعة المشاهدة العيانية الكون:ص:24.