بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد : فهذا الكتاب الثالث في علم التوحيد ، قد راعيت فيه أن يكون متمشياً مع أحوال زماننا، وحرصت على الإكثار من ضرب الأمثلة، حتى يتحقق الهدف المنشود الذي طالما حثنا القرآن عليه، وشدد العلماء عليه في الزمان، ذلك هو هدف ربط الحقائق الدينية بأدلتها المبثوثة في الكون كما قال تعالى : ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ صدق الله العظيم، أو كما قال سبحانه : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ صدق الله العظيم .

لذلك فقد يجد القارئ بعض حقائق علمية لم يكن قد عرفها من قبل في ميدان العلوم الكونية ، فلا يمنعه ذلك من معرفتها من المراجع الخاصة بها إن تيسر له ذلك ، أو بواسطة الرجوع إلى أساتذة هذه العلوم . ومن المفيد جداً للنجاح في دراسة هذا العلم: ضرب الأمثلة، واستخدام وسائل الإيضاح المختلفة، كما أن بساطة التعبير، ووضح الفكرة ، وسهولة البرهان ، أمور هامة جداً لتثبيت العقيدة في قلوب الناس، كما أن الانتفاع بما جاء في موضوع الدرس من الآيات القرآنية أمر نافع جداً ، فليس هناك ما يثبت المعنى العقلي كآيات القرآن ، ويستثير أحاسيس الوجدان .

أما أنت أيها الشاب المسلم ، فاعلم أن علم التوحيد هذا هو أصل دينك فإذا جهلت به فقد دخلت في نطاق العمي ، الذين يدينون بدين لا دليل لهم عليه ، وإذا فقهت هذا العلم كنت من أهل الدين الثابت الذين انتفعوا بعقولهم .

قال تعالى : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ صدق الله العظيم .

فإذا انتفعت بهذا العلم ، وبغيره من العلوم النافعة فإن عليك أن تعلم أهلك وأصحابك ، فتكون من الدعاة إلى الله الذين قال الله فيهم : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ صدق الله العظيم.

وبهذا أيها الشباب تكونون مصابيح مضيئة بين أهليكم وأمتكم ينتفع الناس بكم .

اسأل الله أن يجعل العمل خالصاً لوجهه ، وأن يجعله طريقاً موصلاً إلى رضوانه.


 

 

الفصل الأول

أخطار الكفر

 الكفر لغة :

هو التغطية ، أو الجحود.

الكفر شرعاً :

هو عدم التصديق بالله أو ملائكته ، أو كتبه ، أو رسله ، أو اليوم الآخر أو أي حكم من أحكام الله ، أو أي تقرير ديني يعلم أنه بالضرورة من الدين؛ فالكافر يغطي آيات الله الواضحة البينة .

 آثار الكفر في حياة الإنسان :

للكفر آثاره السيئة في حياة الإنسان المتعلقة بحياته الأخرى التي سيجازي فيها؛ وحياته الدنيا التي يعيشها

الكفر والحياة الأخرى:

س : ما هي الأضرار التي تصيب الكافر في حياته الأخرى؟

ج : إن الحياة الأخرى ، هي الحياة الأبدية ، وبها الجزاء الأوفى، والذي لا يؤمن بالله أو باليوم الآخر؛ سيلاقي جزاءه على كفره وتذهب كل أعماله في حياته الأولى سراباً . كما في قوله تعالى :

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:39].

والكافر مصيره إلى النار، بل يصبح هو وقوداً لها :

﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:24] .

والكفار يحاجهم خزنة النار عندما يساقون إليها:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:71، 72] .

وهكذا يكون مصيرهم ، وعندما يعذبون يتمنون لو أطاعوا الله والرسول:

﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [الأحزاب: 66] .

هؤلاء الذين كفروا أو خرجوا عن طاعة الخالق إلى طاعة العباد يقولون في جهنم:

﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 67، 68] . ولكن الله قد أعطى لكل إنسان عقلاً يفكر به، ويتدبر ، لكي لا يكون عبداً لغير خالقه، وإلا فهو الخسران. قال تعالى : ﴿فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 103: 104] .ويحاجهم الله : ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون : 105] . والكفار يتمنون لو أنهم يردون إلى الحياة الأولى فلا يكذبون بآيات الله:

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الأنعام: 27]

تلك صور واضحة لمصير كل كافر؛ كفر بالله ، وملائكته ، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. فنعوذ بالله أن نكون من الكافرين،

الكفر والحياة الدنيا:

س : ما هي أخطار الكفر وأضراره في حياة الإنسان الأولى؟

ج : هناك أضرار شخصية وأضرار اجتماعية:

أما بالنسبة للأضرار الشخصية فهي:-

1-الشعور بالضياع في حياته، وأثر ذلك على معيشته؛ فقد يقر أن وراء كل مخلوق أو مصنوع حكمة خلق من أجلها، بل إنه حين يتعلم ويتفكر يعرف أن كل جزء من أجزاء جسمه ما خلق إلا لحكمة ولم يخلق عبثاً؛ ولكن بكفره بالخالق الحكيم الذي خلق كل شيء لحكمة، كفره هذا : يؤدي به إلى الشعور بأن حياته كلها عبث وضياع، وأنه لا معنى للحياة التي يعيشها ولا نتيجة لوجوده.

فهو مخلوق ضائع لا يدري لماذا خلق؟ ولماذا يعيش؟ بل إنه يرى نهاية الرحلة التي قام بها عبر هذه الدنيا ماهي إلا عبث، والموت أيضاً عبث.

وأثر هذا الشعور بالضياع في معيشة الإنسان واضحة جلية: إذ أنه يعيش في قلق دائم ، وهو دائماً ساخط على الوجود، وكل من يعيش في الوجود، لأنه لا معنى لهذا الوجود وهذا العيش . وينظر إلى العام كله نظرة سوداء.

وهذا الاضطراب النفسي سبب مشكلة كبيرة يواجهها اليوم العلماء النفاسيون.

فكثرة الانتحارات والإدمان على المخدرات ، الصداع الدائم وغيرها من المشاكل التي يواجهها العلماء بالعلاج الوحيد: وهو الإيمان ، لا الكفر الذي هو داء وبيل.

فالباحث يجد أن حياة المؤمن هي الحياة الراضية المطمئنة. ولا يعني هذا التكاسل. بل المؤن مطالب بأن يعمل ، ويعمر ، ويبني .

وإنما الاطمئنان والرضا هنا ينطبق على أن الإنسان، يعلم بخالقه ويؤمن به، كما يؤمن بالحكمة من خلقه والحكمة من الحياة الأولى والأخرى فيطمئن إلى أعماله:﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:27-30] .

السلوك الضار :-

س: وما هو أثر الكفر في السلوك؟

ج : الكافر لا يؤمن بحياة أخرى فيها جزاء على كل عمل: خيراً أو شراً، فهو لا يتورع أن يرتكب كل الآثار في سبيل تحقيق مصالحه. ولما كان لا يؤمن بالجزاء في اليوم الآخر؛ فهو يرى أن مصلحته يجب أن تحقق في الحياة الدنيا، حتى ولو كان في ذلك إفساد في الأرض، وتدمير لحياة الناس ، ومهما كلف الأمر من ضحايا لأعماله السيئة فهو لا يتراجع عنها. فما الذي يخافه؟!.. لا شيء؛ لأنه لا يؤمن بالعقاب؛ لذلك نجد سلوكه مع غيره يقوم على المصلحة الشخصية فقط، فإذا وجد أن مصلحته الشخصية تتعارض مع الوفاء لأصدقائه ـ مثلاً ـ فسيفضل المصلحة الشخصية عن الوفاء.

لذلك تجد الكافر يغير مواقفه مع الناس حسب ما تقتضيه المصلحة الشخصية؛ وهو بهذا يسلك سلوكاً ضاراً كما يتبين لك.

س : كيف يكون سلوك المؤمن؟

ج : لا شك أن المؤمن يؤمن بالجزاء في الحياة الأخرى، فلا يسلك إلا طريق الخير، ولا يفضل مصلحته الشخصية إذا تعارضت مع هذا الطريق، لأنه يعلم علم اليقين أنه محاسب على ذلك.

بل إن المؤمن يتنازل عن مصلحته في الحياة الدنيا، رغبة في الجزاء الأوفى في حياته الأخرى.

 الأضرار الاجتماعية:

س : ما هي الأضرار الاجتماعية التي تنتج عن الكفر؟

ج : كما أن للكفر آثاره المضرة بالنسبة لشخص الكافر، فلا يمنعهم ضمير، ولا يوقفهم شيء.

ومن هذا ينشأ في المجتمع صراع مرير بين أفراده وجماعاته ، وطبقاته ، حتى لقد أصبح هذا الصراع فلسفة: لها أتباعاً وأنصارها.

وأما نتيجة ذلك:

فهو الدمار ، والخراب لكيان المجتمع الذي سريعاً ما ينهار عندما يتعرض لأية هزة من الهزات.

2 ـ فساد المجتمع وتفرقه:-

من المعروف أن عقول النساء تختلف في حل المشكلات، كما أن علومهم وإدراكهم لها يختلف من فرد إلى آخر ، وتجاربهم متنوعة مختلفة فأي منهج يسيرون تحت لوائه؟ وأي عقل من عقولهم يخضعون لحكمه؟ سنجد أن كل فرد في المجتمع ، وكل فئة ترى منهجها مخالفاً لغيرها، وترى دائماً أن منهجها هو الحق، وما عداه فهو الباطل. وينتج عن ذلك اختلاف نلمسه في المجتمعات الإنسانية، كما نجد حياة فاسدة تحياها تحياها تلك المجتمعات.

ولك أن تقوم بتجربة عملية:

افتح المذياع ـ الراديو ـ وحرك مؤشراته على محطات عالمية مختلفة؛ ستجد أن كل مجتمع يشكل أهدافاً ، ويضع مبادئ، ويرى نفسه على حق ، وغيره على باطل.

وإذا استطعت أن تدرس حالة أي مجتمع على حدة، لوجدت هذا الاختلاف داخل المجتمع نفسه أيضاً...!! ﴿كل حزب بما لديهم فرحون فما هو الحل؟

تعال معي ... لترى كيف وجد المجتمع المؤمن حل هذا الإشكال؟! فالمجتمع المؤمن يرى أفراده أن الذي خلق الإنسان هو أعلم به ، وأدرى بما يسعد حياته ويفسدها.

لأنه بالتجربة لا يعلم أي إنسان علاج الخلل الذي يصيب الساعة، أو المذياع إلا من أوجدها ، أو من تعلم منه. لذلك فالمؤمن يسير على منهج خالقه؛ المنهج الإلهي وبهذا نجد مجتمعه ، مجتمعاً سعيداً متماسكاً، لأن جميع أفراد هذا المجتمع يخضعون لمنهج الله الواحد، لا مناهج البشر المختلفة، العاجزة عن إسعاد الناس. قال تعالى:﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ﴾ [البقرة: 140] . وقال تعالى:﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل:64]

س: ولكن... كيف أصبحت مجتمعات الكفر بهذا التقدم. ومجتمع الإيمان بهذا التخلف؟

ج: تقدم المجتمع الكافر يراجع إلى أخذهم بالعلم والتصنيع، والاستفادة بما أودع الله في الأرض من خيرات، ولكن بالرغم من تقدمهم هذا؛ نجد أن الأمراض الاجتماعية: كالانتحار ، والإدمان على المخدرات ، والسرقات ، واليأس من الحياة، والزنا تتفشى فيهم بشكل مخيف.

أما بعض المجتمعات المؤمنة ، فتخلفها يعود إلى الجهل الذي منعهم من الأخذ بأسباب التقدم لاستثمار خيرات الأرض، وترجع أهم الأسباب، إلى مخالفتهم لأحكام دينهم الذي يأمرهم بالوحدة ، وإعداد القوة، وطلب العلم والتعاون، والعدل، والشورى وغيرها من الأصول الإسلامية.

بعض صفات الكافرين:

س : ما هي الصفات التي تعم الكافرين؟

ج : بالرغم من أن أسباب الكفر ودوافعه مختلفة إلا أن هناك صفات تكاد تعم الكافرين من أهمها:

1 ـ تعطيك الأسماع والأبصار والأفئدة عن معرفة الله وبينات الرسالة وأحكام دين الله . قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179] .

2 ـ حقدهم وحنقهم على رسل الله وأتباعهم المؤمنين . قال تعالى : ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: 72] .

3 ـ فرارهم من الدعوة إلى دين الله كما فعل قوم نوح ـ عليه السلام ـ قال تعالى : ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: 7] .

4 ـ جدالهم بالباطل وقتالهم في سبيل الشيطان . قال تعالى : ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: 3، 4] .

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76] .

 تكفير المسلم:

س : هل يجوز تكفير المسلم؟

ج : لا يجوز تكفير المسلم ما لم يأت بأمر ينقض إيمانه وإسلامه. روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله : (ثلاثة من أصول الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل...) رواه أبو داود.فمن أدى الشهادتين فقد دخل الإسلام ، وإن وقع في أمر من أمور الكفر أو الشرك ـ يجهل ـ كحديث العهد بالإسلام ، أو من يعيش في البوادي فيجب على المسلم العالم أن يبين له الأمر، ويسوق له الدليل كما كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعل ، وكما بين الله لنا ذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة:115] .وقد رفع الله عن هذه الأمة الخطأ. قال تعالى : ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 5] .

س : وما هي الأشياء التي تنقض الإيمان والإسلام؟

ج : كل ما يؤدي إلى نقض ما تقتضيه الشهادتان على جهة القطع فهو ناقض للإيمان والإسلام ومن أمثلة ذلك :

*اتخاذ مبدأ إلحادي يقوم على إنكار وجود الله وتكذيب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

*اتخاذ ند لله يعظمه كتعظيم الله، أو يصرف له شيئاً من العبادة التي لا يكون إلا لله.

*التكذيب بالقرآن أو بآية منه .

*الإيمان ببعض القرآن والكفر ببعض . قال تعالى:

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: 85] .

*الحكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن الحكم الذي جاء به خير من حكم الله أو مساوي له .

﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47] .

*الاستهزاء برسول الله أو بالمؤمنين لإيمانهم . قال تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾[المطففين : 29، 30] .وقال تعالى﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾[التوبة:65، 66] .

*موالاة النصارى واليهود. قال تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51] .

 الخلاصة :

*الكفر لغة: هو التغطية . وشرعاً: هو عدم التصديق بالحق الذي جاء من عند الله.

*أعمال الكافر تكون عند الله كالسراب، ويصلى الكافر نار جهنم ويتمنى العودة ليعمل صالحاً؛ ولكن الحجة قد قامت عليه في الحياة الدنيا ولا مفر من العذاب.

*حياة الكافر في نظره غير ذات معنى ، وشعور الضياع يملأ حسه، والقلق والحيرة يسيطران عليه، والانتحار والإدمان على المخدرات ، والصراع الدائم من علامات المجتمعات الكافرة.

*لا يهم الكافر إلا مصالحه الشخصية فتجده ساعياً لتحقيقها ولو دمر حياة المجتمع في سبيل تحقيقها . فسلوك الكافر هو السلوك الأناني الضار.

*يسوق الكفر إلى الصراع بين أبناء المجتمع الواحد والصراع يسوق إلى التفرق والاختلاف.

*إن النهضة الصناعية التي نجدها في بعض البلدان الكافرة سبها : أخذ هذه البلدان بوسائل البحث العلمي والاستفادة بما أودع الله من خيرات ولكن ذلك لا يعني أنهم لا يغرقون في بحار من الرذائل ، والجرائم ، والشذوذ والانحراف عن الفطرة.

*تأخر المسلمين يرجع إلى مخالفة أحكام دينهم.

*من صفات الكافرين العامة : تعطيل أدوات العلم عن معرفة دين الله، وحقدهم ونقهم على الرسل وأتباعهم المؤمنين، وقرارهم من الدين ودعاته، وجدالهم بالباطل، وقتالهم في سبيله.

*لا يجوز تكفير المسلم بالمعاصي، وإذا جهل بأمر دينه فيجب على المسلمين تعليمه، ولا يخرج من الإسلام إلا إذا جاء بما ينقض إسلامه.

*ينقض الإسلام بكل ما يقتضي نقض الشهادتين مثل: الإلحاد ، والشرك ، والتكذيب بالقرآن أو بآية منه ، والاستهزاء برسول الله وبالمؤمنين بسبب إيمانهم، والاعتراض على أحكام الله وشريعته ، وموالاة أعداء المسلمين.


 

 

الفصل الثاني

علم الإنسان ما لم يعلم

امتياز البشر:

س: بماذا يمتاز البشر على بقية الحيوانات؟

ج: يمتاز البشر بأمور كثيرة على سائر الحيوانات، لعل أهمها: هو العلم.

س : وكيف يصل الإنسان إلى العلم؟

ج : إن الذي أراد أن يميز هذا الإنسان بالعلم، خلق له أجهزة محكمة عظيمة الصنع، والإبداع تمكنه من التقاط العلوم، كما أمده بوسائل العلم المختلفة.

س : وما هي هذه الأجهزة؟

ج : 1 ـ العلم بالأذواق والطعوم المختلفة:

فلقد خلق الله للإنسان جهازاً دقيقاً في صنعه، هو ذلك اللسان الذي من وظائفه أنه يميز بين الحلو والمر والحامض والمالح ومختلف درجات تركيزها. وأمده سبحانه (بجسيمات الذوق) وهي أجزاء صغيرة من الجسم يخلق الخالق فيها مقدرة على إدراك الذوق وتمييز درجاته ولولا إرادة الخالق في خلق هذه الجسميات لما تمتعنا بأي طعم لذيذ، ولما أدركنا معنى للطعم.

 ومجال هذه الوسيلة للمعرفة محدود بما يصل إلى ألسنتنا ، ويذوب في لعابنا فندرك له طعماً .

2 ـ العلم بثقل الأشياء وكيفية أسطحها:

ولكي ينعم الإنسان بهذه النعمة خلق له ربه جهازاً دقيقاً محكم الصنع دقيق التركيب. ذلك هو الجلد الذي تنتشر فيه جسيمات حية يدرك الإنسان بواسطتها ثقل الجسم على الجلد، وشكل سطحه إن كان حاداً أو أملس أو خشناً أو صلباً أو ليناً أو سائلاً. وقد قدر الخالق لهذه الجسيمات أن تدرك ذلك ، كما قدر لجسيمات الذوق أن تدرك الطعوم المختلفة.

مع أن الجميع قد خلق من أصل واحد ، وطعام واحد.

 ولولا إرادة الخالق في خلق هذه الجسيمات لاحترقنا، ولتقطعت أوصالنا أو احترقت دون أن نشعر .

ومجال هذه الوسيلة للمعرفة محدود بنا يلامس الجلد، ويكون بثقل كاف للإحساس.

3 ـ العلم بالروائح:

ونعلم بروائح المواد المختلفة بواسطة جهاز دقيق محكم في صنعه، دقيق في تركيبه، هو جهاز إدراك الشم المنتشر على جدار الأنف من الداخل، والذي تنتشر فيه شبكة كبيرة من خلايا الشم، التي تدرك الروائح الجميلة والروائح الكريهة.

ولولا إرادة الخالق في هذه الخلايا الشمية ما علمنا قط أن هناك روائح طيبة، وروائح كريهة ، نعرف بها مختلف المواد، وأنواعها، ولما تمنعنا بلذة روائح الطعام المفتحة للشهية.

ومجال عمل هذه الوسيلة محدود بعشرات الأمتار، كما أنه مخصوص بالمواد التي لها روائح .

  4 ـ العلم بالأشكال والألوان والصور المختلفة:

ونعلم بالأشكال والألوان ، والصور المختلفة بواسطة جهاز بالغ الإحكام ، عظيم الإتقان ، دقيق والتركيب. ذلك هو الجهاز البصري الذي أهم أعضائه: العين، التي تتكون من عدة أجزاء محكمة الربط دقيقة الصنع، من أهمها الشبكية التي تتكون إحدى طبقاتها من ثلاثين مليون عوه بصري (عصا بصرية) وثلاثة ملايين مخروط بصري، تنطبع عليها الصور المختلفة .

 ولولا إرادة الخالق سبحانه في خلق هذه الأعواد والمخاريط لكنا عمياً ، لا نرى شيئاً.

وبالرغم من أن عيوننا صغيرة، إلا أن مجال عملها يصل إلى مئات الأمتار، ويصل إلى نجوم السماء بصورة مجملة غير دقيقة.

ومجال الرؤية محدود أيضاً بنوع من الأشعة ، فنحن لا نرى أمواج "المذياع" مثلاً، رغم أن الإنسان قد استخدم عقله لتقوية بصره باختراع أجهزة مكبرة فلا يزال مجال البصر محدوداً بحدود تلك الأجهزة . فلن تستطيع أن ترى من بالمكان المجاور بأي جهاز من الأجهزة، إلا أن تصنع فيه محطة إرسال تلفزيوني ترسل لك الصورة من هناك.

5 ـ معرفة ما غاب عن إحساسنا وإدراك الأصوات:

ونعرف الأصوات ودرجاتها ، وشدتها وقوتها، ونعرف بالأصوات ما غاب عن مشاهدة أبصارنا ، وإدراك حواسنا.

كل ذلك بواسطة جهاز أتقن ربه تصويره، وتكوينه ، وتنظيمه. ذلك هو عضو الأذن. ولولا إرادة الخالق في خلق هذه الآذان ما كلم الإنسان إنساناً آخر، ولا قامت بين الناس أية صورة من صور التعاون، ولما وجدت الدول، والمجتمعات.

وإن كانت الأذن لا تسمع الأصوات إلا لمسافات قريبة فإنها نافذة المعرفة البشرية إلى شتى الميادين الغائبة عن مشاهدة البصر ، وإدراك الحواس الأخرى.

 فبها نعرف ما يدور البلاد الأخرى، وما يصل إليه العلماء ، ونتعلم العلوم المختلفة التي نجهلها. ونطلع على عالم الغيب في السموات العلى، وعلى أحوال أهل الجنة والنار، وعلى كثير من الأمور التي تقع في نطاق عالم الغيب.

6 ـ قوة الفهم والتعقل:

والعقل هو الذي يفرق بين الحق والباطل، ويميز بين الضار والنافع، وهو الذي يفرق بين الإنسان والحيوان. وإذا كانت الحيوانات تشاركنا في الحواس الخمس. بل ربما يوجد في الحيوانات ما هو أقوى منا في إحساسه كالكلب في حاسة الشم، والصقر والرؤية.

 فإن الإنسان امتاز بعقل استثمر به ما في الأرض من خيرات، وطار به في الفضاء، وغاص به في أعماق الماء، وتعلم به الكثير من العلوم والمعارف، عن طريق ما يأتيه من الحواس، من إشارات ، وعلامات ومشاهدات ، ومسموعات.

س : وهل للعقل حدود؟

س : وهل للعقل حدود؟

ج : إن العقل محدود بالحواس ، وقوة التخيل، فلا يفكر إلا فيما يأتي عن طريقها.

فإذا تخيلنا شخصاً لا يملك سمعاً ولا بصراً ولا يحس شماً أو طعماً أو لمساً ، ولا يتخيل شيئاً، هل يمكن له أن يعرف شيئاً عما حوله أو يكتسب علماً واحداً من العلوم، أو معرفة واحدة من المعارف؟!

إنه عندئذ يكون هو والجماد سواء، وإن كان له عقل يدبر ويفكر لكنه عاجز عن العمل، معطل بإغلاق أبواب المعرفة ونوافذها: الحواس الخمس.

وإذا عرفنا أن الحواس الخمس محدودة في عملها ، عرفنا أن العقل أيضاً محدود في عمله.

فالعقل لا يعرف ما هي بداية وجوده ، ولماذا خلق على هذه الدنيا ، ولا يعرف ما الذي يرضي خالق الإنسان ، وما الذي يغضبه ، ولا يدري لماذا يموت الناس؟ وإلى أين يذهبون؟ كما أن العقل لا يدرك إدراكاً صحيحاً لطريق الهدى الذي يحقق للناس الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، لأن ما سبق كله يقع خارج نطاق عمل الحواس.

8 ـ الوحي:

وإذا كان العقل يعجز عن كل ذلك ؛ فإن الخالق أراد أن يتمم عمل الإنسان بما يهمه في أمر حياته ووجوده.

فأنزل إليه وحياً وبعث للعالمين الرسل يهونهم إلى طريق ربهم.

قال تعالى :

﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾[الملك:23] .

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ[1] مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام:46] .

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:151] .

﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 239] .

الخلاصة

*لقد ميز الله بني آدم على غيرهم من الحيوانات بنعم كثيرة أهمها: العلم.

*فخلق لهم الله تعالى أدوات العلم وأجهزة تحصيله مصنوعة أدق الصنع. مشتملة على الحواس الخمس . والعقل المميز بين الحق والباطل. والضار والنافع، والوحي المكمل لما خرج عن حدود عمل هذه الأدوات.

ولولا إرادة الله التي خلقت لهم تلك الأدوات، ما علم إنسان شيئاً .

*تشهد هذه الأدوات والأجهزة العلمية كما يشهد المسلم أنها من خلق الحكيم، العليم، الخبير. لا من صنع وثن لا يعلم ، أو طبيعة لا تعقل .

مناقشة

*فهل هذه الأجهزة الدقيقة المحكمة المقدرة لتعليم الإنسان من صنع صنم أو وثن يا يعلم شيئاً؟!

*أم أنها من خلق طبيعة لا تملك سمعاً ولا بصراً ولا عقلاً ولا حساً ولا شغوراً؟!

*أم أن هذه الأدوات والأجهزة العلمية تشهد ، كما يشهد المسلم أن ربها هو الحكيم العليم الخبير..


 

 

الفصل الثالث

هل الرؤية شرط للإيمان

البصر يعجز عن رؤية كل شيء:

س : هل يستطيع البصر أن يرى كل شيء؟

ج : لا ... فالبصر محدود في قدرته على الرؤية والمشاهدة.

إن البصر يعجز أن يشاهد ما يدور في المكان المجاور، والبصر لا يقدر على رؤية الهواء الذي يحيط بنا من كل مكان ، ولا ندرك الهواء إلا بأثره في الأغصان والملابس والأشجار، وما يحدثه من ضغط على أجسامنا (قوة الرياح).

أما الهواء فلا نعرف لونه ولا طوله أو عرضه بأعيننا، ونحن نؤمن بالجاذبية الأرضية رغم أننا نشاهدها ، ولم ندر ما طولها أو لونها أو حجمها أو عرضها.

وكذلك نؤمن بأن لنا عقولاً هي الفارق بيننا وبين المجانين، وبيننا وبين الحيوانات، ولكننا لم نشاهدها طولها أو عرضها، ولا نفهم ما لون العقل أو هيئته؟!

ونؤمن بالذرة رغم أننا لم نشاهدها ونؤمن بأمريكا وروسيا ، وبالحرب التي قامت بيننا وبين اليهود رغم أنا لم نشاهدها بل ولا أحسسنا شيئاً عن تلك الأمور بطعم أو شم أو لمس أو رؤية، إنما سمعنا عنها فقط.

الإيمان بغير المشاهد:

س : وكيف نصدق ونؤمن بما وقع خارج حدود بصرنا؟

ج : هناك طريقان؟

1 ـ إدراك الأثر يدل على المؤثر :

 س : وما معنى ذلك؟

ج : معنى ذلك : أننا نؤمن بالجاذبية لأننا شاهدنا أثارها ، وإن كنا لم نشاهدها، وآمنا بأن لنا عقولاً لأننا أدركنا آثار العقول مشاهدة . كما أدركنا آثار الجنون واضحة بينة، وآمنا بالهواء لأننا أدركنا آثاره ضغطاً على أجسامنا وتحريكاً لأغصان الشجر[2]، وهكذا دل الأثر دل على المؤثر دلالة عقلية بالتصديق.

2 ـ السماع من مصدر موثوق:

س : وما معنى ذلك؟

ج : معنى ذلك : أن نطاق مشاهداتك ضيق جداً .

وإن كثيراً من الحقائق الموجودة لا يحيط بصرك بها علماً . فأستاذ الجغرافيا يحدثك عن أمريكا وروسيا والهند واستراليا وغيرها وهو لم يشاهدها في الغالب؛ وأنت كذلك، فهل تكذبه؟ الجواب لا ... لأنك على ثقة أن مصدر هذا العلم قد جاء من مصادر موثوق بها. وذلك مما اطلعوا على هذه البلدان .

والطبيب يحدثك عن علاج مرضك فتصدقه رغم أنك ربما لم تشاهد الداء كما أنك لم تشاهد الدواء وقت وصف الطبيب له ، ولم تشاهد أن ذلك الدواء عالج ذلك المرض؛ لكنك تصدق أن ما وصف الطبيب من دواء ، هو علاج ذلك المرض، لأنك تثق أن الطبيب قد علم ما جهلت ، فأخبرك . فصدقت.

وهكذا: كل الخبراء والمتخصصين يخبروننا بما عرفوه وغاب من مشاهدتنا فنصدقهم على قدر ثقتنا بالمصدر الذي جاءنا منه الخبر.

الإيمان بالله :

س : وكيف آمن المؤمن بربه؟

ج : الإيمان بالله يتحقق بكلا الطريقين السابقين.

1 ـ فآثار الله ومخلوقاته التي هي كالمرأة لقدرة الله سبحانه قد ملأت الأرض والسماء.

2 ـ بواسطة رسالات الله التي ملأت التاريخ البشري عبر القرون ، والتي حملها إلينا رسل الله، الذين خصهم الله بالوحي والرسالة وجاء فيهم قوله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: 51] .

وبهذا يتم الإيمان بالله بواسطة مصادر موثوق بها هي مصادر المرسلين الذين أيدهم الله بالآيات والبينات والمعجزات الدالة على صدق رسالتهم.

اقتراح قديم:

س : وهل اشترط قوم لإيمانهم أن يروا الله؟

ج : نعم ... فبالرغم من أن مجال الرؤية محدود، والرغم من وجود الملايين من الحقائق خارج نطاق البصر. وبالرغم من أن ما يقارب 90% من معلوماتنا اليومية والعلمية لا نشترط في قبولها المشاهدة، وبالرغم من أننا نصدق كل يوم بالكثير من الأخبار، والعلوم بواسطة السماع فقط وبثقتنا في مصدر السمع ، وبالرغم من ذلك كله فقد اشترط الكفار السابقون لإيمانهم أن يريهم الرسول ربهم. قال تعالى :

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55] .

بل لقد جاء هذا الطلب من سيدنا موسى عليه السلام إلى الله عز وجل. وعجباً!! لعين لا تستطيع أن تحتمل رؤية الشمس دقيقة واحدة كيف تقدر على احتمال نور الله لو تجلى لها؟!!

س : وماذا كان جواب ربنا على سيدنا موسى؟

ج : قال تعالى :

﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الأعراف:143] .

إن الجبل الثابت الأشم لا يحتمل تجلي الله له، وموسى الرسول لا يحتمل آثار تجلي الله للجبل ويخر صعقاً .

فكيف لو تجلى الله علينا ونحن بهذا التركيب الضعيف الذي لا تحتمل فيه أبصارنا قوة الشمس، إن محاولة رؤية الله الذي ﴿وسع كرسيه السموات والأرض الذي هو ﴿نور السموات والأرض بعين صغيرة لا تتمكن من الرؤية إلا على مسافات قريبة ، هي محاولة من يريد أن يرى الأرض كاملة التفاصيل من ثقب في باب بيته، ولله المثل الأعلى.

الخلاصة

*هناك حقائق تقع خارج نطاق أبصارنا ونعلم عنها بطريقين:

1-بآثارها المشاهدة.      2-بالسماع عنها من مصدر موثوق.

*وإيماننا بالله يقوم على:

1-مشاهدة آيات وأثار قدرته وحكمته في مخلوقاته التي تملأ الأرض والسماء.

2-السماع لحديثه سبحانه الذي حمله إلينا المرسلون، وقامت البينات على صدقهم وعلى أن ما جاءوا به هو كلام رب العالمين.

*إن عدم رؤيتنا لله سبحانه ترجع إلى عجز في أبصارنا وضيق في حدود عملها، وما مثل من أراد رؤية الله الذي ﴿وسع كرسيه السموات والأرض بعينه الضيقة الصغيرة ـ إلا كمثل من أراد مشاهدة الأرض بأجمعها من ثقب باب بيته ولله المثل الأعلى.



الفصل الرابع:

جعل لكم الأرض مهاداً

أرض ممهدة:

س : ما معنى أن الله جعل الأرض مهاداً؟

ج : معنى ذلك : أن الله الذي خلق الأرض قد فرشها، وأعدها، وهيأها لحياة الإنسان عليها ، كما تعد منزلك بما يلزمه من الأثاث والأدوات والوسائل. قال تعالى:

﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات : 48] .

الماء:

س : وما هي الأدوات والوسائل التي أعدت بها الأرض؟

ج : 1 ـ الماء الذي يخلقه ربه أو يحوله من البحر ماء عذباً أو يسوقه إلينا ، أو ينزله نطفاً دقيقة أو يخزنه قريباً من سطح الأرض ولولاه ما كان للإنسان حياة على وجه الأرض. قال تعالى:

﴿﴾ [إبراهيم: 32] .

الطعام:

2 ـ وإذا كانت الأرض بغير مصدر للماء لا تصلح لوجودنا، فإنها بغير مصدر للطعام لا تصلح أيضاً

وقد أمدنا خالقنا ـ الذي خلق لنا بطوناً تجوع ـ بما يشبعنا ويسد حاجتنا من ألوان الطعام المختلفة.

فأمر التراب الصالح والبذور النابتة والرياح والمطر، والبحار والليل والنهار والهواء وغيرها: أن تتعاون جميعاً في نظام منسق لإعداد طعام الإنسان في هذا المطعم الأساسي الذي كونه ربه لتوفير طعام ساكني الأرض.قال تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:3] .

الهواء:

3 ـ أما الهواء فلا نستغني عنه لحظة : لذلك فقد وفره ربه وأحكم له نظاماً لا ينقصه تنفسنا واستهلاكنا منه؛ وجعله درعاً لنا يحرق الشهب والنيازك قبل أن تصل إلى الأرض، كما يسره سبحانه لكثير من حاجاتنا.قال تعالى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم:46] .

البناء الثابت:

4 ـ كل ما سبق وغيره إن لم يكن موجوداً على بناء ثابت مستقر فلا قيمة له ولا أهمية، لذلك؛ فقد أحكم خالق الإنسان بناء هذه الأرض، كما أحكم تمهيدها لتكون صالحة لحياته.

فبرغم أنها تدور والإنسان ومن عليها عرضة لأن يقذف بهم دورانها إلى الفراغ؛ إلا أن رب هذه الأرض جعلها قراراً لمن عليها ، بما أودع فيها حاذبية مناسبة.

كما أن خالق هذه الأرض منع اضطراب هذه الأرض بالجبال الرواسي التي تمنع وتقاوم الخلل والاضطراب.قال تعالى :﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: 61] .

الفرش والأثاث:

5 ـ وأمد الخالق سبحانه هذا الإنسان على هذه الأرض: بالنبات والحيوان ، وسخر الجميع لهذا الإنسان ليأخذ فراشة وأثاثه ، وملابسه مما تنبت الأرض ومن جلود الأنعام وأصوافها.

قال تعالى :﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾[النحل:80] .

 الموقع:

6 ـ وهذه الأرض واحدة من الكواكب السيارة حول الشمس (كعطارد، والمشتري، والمريخ، والزهرة...) وقد كان موقع أرضنا من الشمس في المكان المناسب لو قربت نصف المسافة بينها وبين الشمس وأماتت كل حي؛ ولو بعدت نصف المسافة بينها وبين الشمس لتجمدنا برداً وتجمد كل كائن حي.

ولو تغير موقع أرضنا لتغيرت أيامنا وليالينا وسنواتنا وأمطارنا، ولتغير الكثير من الأشياء ، والأرض تسير حول الشمس وهي مائلة بزاوية 23ْ ولميلها حكمة؛ فقد قدر الله بهذا الميل المحافظة على نظام الفصول الأربعة: (الصيف ، الخريف، الشتاء، الربيع) ومنع تحول وسط الأرض إلى صحراء تحترق دائم ومنع دفن شمالها وجنوبها تحت ركام من الثلج .

قال تعالى :﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190].﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾[يونس: 6]

إمكانيات العمل:

7 ـ ولقد أمد الله الإنسان بوسائل العلم وإمكانيات العمل وسخر له ما أودع في هذه الأرض من كنوز ومعادن وخيرات .قال تعالى :﴿أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: 65] .

التوقيت:

8 ـ ومن تمام التنظيم والتمهيد لحياة الإنسان في هذه الأرض تعاقب الليل والنهار؛ فليس الوقت ليلاً دائماً يعجز الناس فيه عن السعي والعمل، ولا نهاراً يحرق الحياة والأحياء. ولو شاء الله لجعله كذلك؛ فها هو ذا ... وجه من أوجهه : نهار دائم محرق، والوجه الآخر ليل شديد البرد.وانظر إلى هذه الساعة الأرضية التي يصنعها تعاقب الليل والنهار لا تختل ولا تتوقف أو تتغير .ثم انظر إلى مناسبة طول الليل والنهار لنومها وسعينا فلو كان طول الليل كطول عشر ليال لنمنا ليلة وانتظرنا طلوع الفجر تسع ليال.

ولو كان طول النهار كطول عشرة أيام لأحرقت الشمس زرعنا ونباتات الأرض.وها هو ذا يوم الزهرة يبلغ قدر طول يومنا ثلاثين مرة. أما عطارد فإن ليله دائم ونهاره دائم. فتأمل إلى رحمة ربك وتدبر.

قال تعالى :﴿ ﴾ [القصص: 71، 72] .

 مناقشة

لقد أعدت الأرض لحياة الإنسان وما عليها من كائنات حية أخرى فهيئت بالماء المناسب ، وبالهواء الكافي الذي لا ينفد رغم الاستهلاك، وبالطعام الذي يسد جوع الإنسان وجوع كل كائن حي؛ كما أعدت بجبال تمنع عنها الاضطراب، وجاذبية تمسك ما عليها من أن يلقى خارجها، وأعدت بالنباتات والحيوانات المختلفة التي انتفع منها الإنسان في ملابسه وفراشه وأثاثه وطعامه، كما أعدت بالرياح والأمطار والبحار وبالدفء المناسب للحياة، ووضعت في موقعها المناسب بميلها المناسب، وجرت بسرعتها الصحيحة. وبهذا أصبحت صالحة للحياة في حين لا يصلح غيرها من الكواكب السيارة للحياة.

فهل صنم عاجز. هو الذي خلق التدبير المحكم والتنظيم البديع:

أم أنها الطبيعة المسلوبة الإرادة والتدبير هي خالقة ذلك التدبير والتقدير؟‍

أم أن ذلك التدبير الحكيم والتنظيم : أنه من صنع البديع ، والخلق الهائل، والتكوين العظيم يشهد كما يشهد المسلم: أنه من صنع الحكيم، المريد، العليم، القادر، المهيمن، الرحيم ، العظيم سبحانه؟ نعم... إنه بذلك يشهد وأنا على ذلك من الشاهدين.

الخلاصة

*هيأ الله الأرض وأعدها لحياة الإنسان بالماء، والهواء، والطعام ، والجبال، والجاذبية،والأمطار، والرياح، والسحب، والبحار، والشمس، والدفء، والنباتات، والحيوانات.

*جعل الله الأرض تجري في مدار محكم دقيق على بعد من الشمس صالح لحياة الناس، بسرعة مناسبة وحجم مناسب، وكثافة مناسبة وميل محكم، وحدد توقيتاً دقيقاً في ليل ونهار؛ يتعاقبان في غاية النظام والإحكام.

*كل ذلك يشهد أنه من صنع الحكيم، المريد، العليم، القادر، المهيمن، الرحيم، العظيم سبحانه.


 

 

الفصل الخامس :

﴿أفلم ينظروا إلى السماء ؟

المجموعة الشمسية:

س : ما هي المجموعة الشمسية؟

ج : هي الشمس ، وما يدور حولها من كواكب: كعطارد والزهراء والأرض والمريخ، وغيرها؛ وكل منها يدور في فلك محدود وطريق مرسوم لا يميل عنه ولا ينحرف، ويسير فيه بسرعة مقدرة منظمة لا تزيد ثابتة ولا تنقص ثابتة.

 ميزان دقيق:

س: كيف لا تتصادم هذه الكواكب مع أنها جميعاً في حركة مستمرة؟

ج : إن الذي خلق هذه الكواكب حكيم عليم خبير، فهو قد وضع ميزاناً دقيقاً محكماً لبقاء هذا النظام فهو سبحانه عندما خلق كل كوكب ، لم يخلقه بغير تدبير أو إحكام أو تنظيم سبحانه. وإنما خلقه بحجم خاص ووزن معلوم، ومواد محددة ووضعه في فلكه الصحيح ومداره اللائق بذلك الوزن والحجم. كما أجراه سبحانه بسرعة محددة تتناسب مع مداره وبعده عن الشمس، وبقية الكواكب. وتتناسب أيضاً مع حجمه، ووزنه، فلم يكن الخلق إذاً خبطاً؛ إنما كان خلقاً مقدراً محكماً متقناً قام على ميزان دقيق. وباستخدام هذا الميزان تمكن الفلكيون من معرفة الكوكب المسمى "بلوتو" قبل مشاهدته بالمراصد الكبيرة وحددوا مكانه، وسرعته ووجهته وكثافته، فإذا بالنتيجة تأتي كما حددها الفلكيون قبل رؤيته وذلك بالحساب من الميزان الدقيق الذي وضعت عليه هذه المجموعة.

ومن هنا يجب أن نعلم أن تكوين مجموعتنا الشمسية لم يكن خبطاً أعمى ، وإنما كان بناء على خطة مرسومة، وميزان محكم، وتدبير دقيق، جعل كل كوكب في مكانه المناسب، وعلى البعد المناسب من الشمس ، ومن غيرها من الكواكب.

وكونه بحجمه الصحيح ، وكثافته الصحيحة. ورسم له المدار المناسب وأجراه بالسرعة المناسبة، ولو تغير شيء من هذا الميزان الدقيق لاختل نظام مجموعتنا وتصادمت الكواكب واندثرت. قال تعالى:

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7] .

﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:185] .

 المجرة:

س : وما هي المجرة؟

ج : المجرة هي مجموعة كبيرة جداً من النجوم.

س : وماهي النجوم؟

ج : هي هذه الأجسام الملتهبة المضيئة التي نراها بالليل تملأ السماء.

س : وأيهما أكبر: النجم أم الشمس؟

ج : أولاً : يجب أن تعلم أن الشمس أكبر من الأرض بمقدار (130.500] مرة. وعلى هذا فهناك من النجوم ما هو أصغر من الشمس ومنها ما هو أعظم من حجم شمسنا (بمائة مليون مرة) ، كما هو الحال في النجم المسمى (منكب الجوزاء).

وشمسنا عبارة عن نجم واحد في مدينة نجوم هائلة تشبه كثيراً المجرة اللولبية الكبيرة في المرأة المسلسلة. ويعتقد علماء الفلك أن في مجرتنا (المجرة اللولبية ذات القضبان حوالي مائة ألف مليون نجم في مدينتنا النجمية (المجرة) ولكي نعد هذه النجوم في كل دقيقة مائة نجم نحتاج أن نستمر ألفي سنة ليلاً ونهاراً حتى نتم العد.

س : وهل هناكخ مجرات أخرى؟

ج : نعم : هناك مجرات كثيرة جداً غير مجراتنا فقد يكون هناك بليون من المجرات الأخرى. ولا تزال تظهر للفلكيين مجرات جديدة كلما مرت الأيام وتقدم العلم البشري، ومنها جديد لا يزال يخلق.

قال تعالى :

﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: 6] .

 دوران وميزان:

ومن النجوم ما هو مزدوج أي كل اثنين معاً ، يدور كل منهما حول الآخر؛ وقد تكون النقطة التي تراها متلألئة في السماء أربعة نجوم أو ستة يدور كل منها حول الآخر.

وقد اكتشف الفلكيون أكثر من 17.000 نجم مزدوج وكل هذه النجوم تجري في أفلاكها . ولكنها مع ذلك لا يصدم بعضها بعضاً ، ولا ينحرف أحدها عن طريقه أو مساره ، وكل منها قد جرى في فلكه الصحيح، وبهذا اتزنت النجوم وسارت في أفلاكها . قال تعالى : ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40] .

مسافات خيالية:

س : كم من المسافات بيننا وبين الشمس وبيننا وبين النجوم؟

ج : إن المسافات هائلة لا يمكن قياسها بالأميال، فإن فعلنا ذلك كنا كمن يريد أن يعيش ما بين صعدة وعدن بالمليمتر؛ إنهم يقيسون المسافات بالسنة الضوئية وتساوي:

مسافة السنة الضوئية= ستة ملايين مليون من الأميال.

أي أن الضوء الذي يقطع ف الثانية الواحدة مسافة:

(186 ألف ميل) يقطع في السنة ستة بلايين مليون من الأميال. والمسافة بيننا وبين الشمس (93] مليون ميل يقطعها الضوء في ثمان دقائق ، وأقرب نجم إلى مجموعتنا الشمسية (رجل فتطورس) ؛ يبعد عنا مسافة يقطعها الضوء في 4.25 سنة ضوئية) ، وأما الشعري اليمانية هي ألمع نجم في السماء ؛ فيبعد عنا مسافة (9سنوات) وأما نجم (ذنب الجدي) فيبعد مسافة يقطعها الضوء في (465سنة ضوئية) ، وتبعد عنا المجرة اللولبية الكبيرة من كوكبة المرأة المسلسلة مسافة يقطعها الضوء في بليون سنة، وأقصى ضوء رصده العلماء وصل إلينا من مسافة تبعد عنا ستة بليون سنة ضوئية.

وكل تلك النجوم لا تزال في الفراغ بيننا وبين السماء الدنيا.

قال تعالى :﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: 5] .

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 75، 76] .

 مناقشة

*هل إذا قلت : إن ألف قمر صناعي صغير ، أو مائة ، أو عشرة، أو قمراً واحداً؛ قد خرج من الأرض وأخذ يسير في مدار مرسوم متزن حول أرضنا نتيجة لتفاعلات كيماوية بين الأسلاك والحديد وبقية المواد المختلفة. وإن مثل هذا العمل لا يحتاج إلى حكمة حكماء ، أو علم علماء ، أو قدرة فنيين، هل إذا قلت ذلك ستجد من يصدقك؟‌!

إن روسيا وأمريكا عندئذ قد تقدم طلباً بمحاكمتك أن تعلن سخريتها بقولك إن كان لقولك أهمية ، لأنك بهذا قد أنكرت علم علمائها وحكمة حكمائها ومهارتهم الفنية وقلت دعوى كاذبة.

*فعجباً إذاً لأولئك الكفار الجاحدين الذين لا يزال لهم وجود في زمن التقدم الذي زادهم معرفة بآيات الله وعظيم خلقه وحكمته وتدبيره وتقديره.

*إذا كان قمر صناعي صغير لا يمكن أن يطلقه إلا من له الحكمة والعلم، والخبرة والقدرة.

*أفلا تشهد إذاً هذه الملايين الملايين الملايين الملايين من الكواكب والنجوم والمجرات السابحة في مداراتها المنتظمة، المقدرة المحكمة في سرعتها أو أحجامها وأوزانها؛ ألا تشهد هذه المخلوقات في السماء، كما يشهد المسلم: إنها من خلق القوى القادر العزيز. العليم الخبير ، المهيمن سبحانه؟! وتشهد أنها ليست من خلق وثن عاجز أو طبيعة عمياء، لا تدبير لها ولا إرادة!! بل تشهد وأن على ذلك من الشاهدين.

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67] .

 الخلاصة

*لم تتكون مجموعتنا الشمسية بخبط أعمى ، إنما كان تكوينها وفق خطة محكمة قدرت أبعادها وأوزانها وأحجامها وسرعتها ومداراتها بميزان دقيق.

*المجرات:مجموعات كبيرة هائلة من النجوم محكمة التكوين والخلق تجري نجومها في أفلاكها المحددة المقدرة.

*إن هذه السماء وما فيها من آيات عظيمة يعجز الخيال عن تصورها لتزيدنا معرفة بخالقنا، وتشهد مع كل صاحب عقل: أن ربها هو الحكيم القوي، القادر ، العزيز، الخبير، المهيمن، سبحانه.!



الفصل السادس:

الواحد الأحد

خالق واحد، ومريد واحد:

س : ما هو الدليل على أن خالق هذه المخلوقات واحد؟

ج : إذا تأملت في هذا الكون ونظرت إليه نظرة شاملة ، وجدت أنه قد خلق بإرادة واحدة، لا بإرادتين، وربطت أجزاءه حكمة حكيم واحد، وأن هناك تصميماً شاملاً موحداً لكل مخلوق ضمن هذا التصميم والصنع الواحد. فتأمل:

إن فتحة البواب في معدتك مرتبة بالمعدة ، والمعدة مرتبطة بالجهاز الهضمي، والجهاز الهضمي مرتبط بالجهاز الدموي (الدوري) والجهاز الدوري مرتبط بالجهاز التنفسي ، والجهاز التنفسي مرتبط بالجهاز العصبي، والجهاز العصبي مرتبط بالجهاز العضلي، والعضلات مرتبطة بالعظام ، والعظام مرتبطة بالجسم بأكمله. وهكذا لا قيمة لأي جزء في الإنسان إلا برتباطه بباقي الأجزاء.

فإرادة واحدة هي التي خلقت الإنسان ، لا إرادتان.

ولكن هذا الإنسان مرتبط بالأرض وما فيه من تراب يزرع ونبات ينمو، وأمطار تمد الإنسان وزرعه وأنعامه بالماء اللازم للحياة، ورياح تحرك وتسوق السحب ، وبحار يتكون منها المطر ، وهواء يتنافس منه الإنسان ، وشمس تعمل على تكوين الطعام وإنضاج الثمر، وتيسير كثير من شئون الإنسان. وجاذبية أرضية تمسكه من أن يلقى به في الفراغ وغيرها. وغيرها.

فلا قيمة لوجود الإنسان بغير هذه المخلوقات.

ومن هذا الترابط بين الأرض وما عليها نعرف أن هذه الأرض قد صممت بإرادة واحدة، لا بإرادتين متعارضتين.

ولكن هذه الأرض لا قيمة لها بغير أن تكون مرتبطة بالشمس والقمر، وسائر أفراد مجموعتنا الشمسية لأن نظام سيرها واتزانها في مدار متوقف على علاقتها المقدرة المحكمة ببقية أفراد المجموعة وإلا فستصطدم بأي نجم أو كوكب يدمرها وما عليها .

وإذاً فخالق الأرض وما عليها هو خالق هذه المجموعة الشمسية، ومجموعتنا الشمسية مرتبطة بباقي النجوم في مجرتنا، وإلا فإن أي اختلال في الارتباط يسوقها إلى الاختراق في نجم عملاق، ويقضي عليها وعلى كل ما فيها. فبإرادة واحدة خلقت مجموعتنا الشمسية وارتبطت مع باقي النجوم في مجرتنا، وبالمثل ارتبطت ونسفت وأوجدت . قال تعالى:﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22].

 حاكم واحد:

س : وهل هناك دليل آخر؟

ج : نعم... الأدلة كثيرة، فإذا نظرنا إلى الأحكام والقوانين والسنن الإلهية التي يخضع لها كل ما في الكون وجدنا كثيراً منها قوانين واحدة.

فمثلاً نجد قانون الجاذبية يحكم لخالق به أجزاء الذرة، كما نجد نفس القانون يحكم أجزاء المجرة، وبالمثل القوانين الحرارية، والإشعاعية وغيرها.

فيشهد هذا النظام الموحد والقوانين الواحدة أنها قد صدرت بأمر حاكم واحد.

وحتى تلك القوانين المختلفة المتعددة فإنها جميعاً قد كمل بعضها بعضاً؛ لإيجاد نظام شامل وقانون موحد، سار الكون كله به في نظام محكم الأجزاء بتوازن دقيق.

فيشهد ذلك كما يشهد المسلم: أن هذه القوانين المحكمة المتوازنة المتعاونة قد صدرت بأمر حاكم واحد.

ولو كان مع الله آلهة أخرى لعملوا على سلب الحكم من يد الحاكم الواحد رب العرش، ولحاولوا أن يستأثروا بشيء من هذه المخلوقات ، وعندئذ يحدث الفساد ويتسرب الخلل إلى نظام هذا الكون بتلك المحاولات. قال تعالى :

﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:42].

رب واحد:

س : وهل هناك دليل ثالث؟

ج : إن قاعدة البناء في هذا الكون واحد. إنها الذرة ذات النظام والترتيب والتركيب الواحد على اختلاف في الأجزاء وأعدادها.

إن هذه الذرة إذا جرئت انطلقت إشعاعاً: ومن الإشعاع تتكون الأجساد الحية والجبال الراسية والأمطار النازلة والكواكب السابحة... أصل واحد لكل هذه المخلوقات وهي تشهد أنها من خلق صاحب ذلك الأصل الواحد الذي لا شريك له في ملكه.

ولو كان لأحد مشاركة في ملكه لاستحوذ على ما يملك وأخذ ما صنع؛ وعندئذ يحدث الفساد في الكون فكيف يكون الحال: ... إذا ذهب رب الشمس بشمسه، ورب الهواء بهوائه ، ورب المطر بمطره. ورب كل مخلوق بخلقه؛ وهم جميعاً لا شك فاعلون؛ ما لم يسر كل منهم بما صنعه تحت حكمه وإرادته[3] فكيف والكون يسير بإرادة واحدة ونظام واحد ونشأ من أصل واحد. قال تعالى:

﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91] .

إله واحد:

س : من الذي يستحق العبادة؟

ج : ومن غير الخالق الواحد، المالك الواحد، الرب المسيطر على هذا الملكوت؛ فيكف يشرك مع الله في العبادة، والله ربه ورب كل شيء في هذا الوجود. قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: 20] .﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:191] .

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: 40] .﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: 40، 41] .وقال تعالى آمراً عباده بعبادته وحده وعدم إشراك غيره في عبادته:- ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[4] لَهُ مَقَالِيدُ[5] السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: 62-64] .

﴿وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِي﴾ [يس: 22، 23] .﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ[6] [الزمر: 11-15] .

 الخلاصة

*نعلم من الارتباط المحكم بين أجزاء الكون ، وتكميل بعضه لبعض؛ أن هذا الكون وحدة صدرت عن إرادة واحدة لا إرادتين، هي إرادة الخالق سبحانه.

*ونعلم من النظام الواحد المتزن والقوانين المتكاملة، المتعاونة، المتناسقة، التي خضع لها ما في الكون، فانتظم سيره وقام بناؤه، وثبت كيانه واستقرت أحواله؛ نعلم أن تلك القوانين صدرت من حاكم واحد خضع كل مافي الكون لسلطانه ولو كان معه آلهة لتصارعوا وتنازعوا وفسدت السموات والأرض.

*نعمل من الأصل الذري والإشعاعي للكون أن هذا الكون صدر من خالق واحد ومالك واحد ورب واحد؛ ولو كان معه شركاء ﴿لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض .

*فيجب على العباد أن لا يشركوا مع خالقهم الواحد الأحد أحداً في عبادتهم؛ لأن غيره مخلوق له سبحانه لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ومن أشرك بربه وخالقه غيره فقط حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين.


 

 

 

الفصل السابع

إخلاص العبادة

معنى العبادة:

س : ما معنى العبادة؟

ج : معنى العبادة لغة : الخضوع والتذلل: أي استسلام المرء وانقياده لغيره انقياداً لا مقارنة معه ولا عدول عنه ولا عصيان له ؛ حتى يستخدمه هو حسب ما يرضى وكيف يشاء . أو هو : كل خضوع ليس فوقه خضوع.

وأما شرعاً : فقد وردت العبادة في القرآن بثلاثة معان:

أولاً : بمعنى العبودية:

﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون:45-47] .

قال الطبري في تفسير هذه الآية:

لنا عابدون : يعنون لهم مطيعون متذللون يأتمرون بأمرهم ويدينون لهم. والعرب تسمي كل من دان لملك عابداً له . وقال تعالى :﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي﴾[الزمر: 17] .

والمراد بالعبادة للطاغوت في هذه الآية هو : العبودية والطاعة له؛

ومعنى الطاغوت في اصطلاح القرآن: هو كل دولة أو سلطة، وكل إمامة أو قيادة، أو شخصية تبغي على الله وتتمرد على أحكامه سبحانه، ثم تنفذ حكمها في أرضه، وتحمل عباده على طاعتها بالإكراه أو الإغراء أو بالتعليم الفاسد.فاستسلام المرء لمثل تلك السلطة والإمامة أو الزعامة أو الشخصية وتعبده لها ثم طاعته إياها ، كل ذلك منه عبادة ـ ولا شك ـ للطاغوت .

ثانياً : العبادة بمعنى الطاعة:

قال تعالى :﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: 60] .

والمعروف أن الناس جميعاً يلعنون الشيطان في هذه الدنيا؛ ولكن العبادة للشيطان هنا بمعنى الطاعة لأمره واتباع حكمه. قال تعالى : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: 31] .والمراد باتخاذ العلماء والأحبار أرباباً من دون الله ثم عبادتهم في هذه الآية: هو الإيمان بكونهم مالكي الأمر والنهي، والاتباع لأحكامهم بدون سند من عند الله أو الرسول، وقد صرح بهذا المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه في الأحاديث الصحيحة، فلما قيل له : إننا نعبد علماءنا وأحبارنا، قال : (ألم تحلوا ما أحلوه ، وتحرموا ما حرموه؟) أي بدون هدى من الله . قال تعالى :﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة : 44] .

ثالثاً : العبادة بمعنى التأله:

قال تعالى :﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾[الفرقان:17، 18] .

ويتجلى من بيان هذه الآية أن المقصود بالمعبودين فيها هم الأولياء والأنبياء والصلحاء. والمراد بعبادتهم هو الاعتقاد بكونهم أجل وأرفع من خصائص البشر، والظن بكونهم متصفين بصفات الألوهية ، وقادرين على الإعانة الغيبية وكشف الضر والإغاثة، ثم القيام بين يديهم بشعائر التكريم والتعظيم مما يكون تألهاً وقنوتاً!.

 استحقاق الله للعبادة وحده:

س : لماذا استحق الله العبادة وحده؟

ج : لأن الله سبحانه هو الخالق وحده لكل ما في الكون ، المالك لكل مخلوق، الموجد لكل شيء من العدم .

فكيف يستحق العبادة غيره؟! وهو عبد مملوك لخالقه ومالكه سبحانه!!!.. ولا يملك شيئاً في الأرض ولا في السماء.قال تعالى : ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ : 22] .﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 13، 14] .﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: 191] .

 الدعاء مخ العبادة:

س: وهل الدعاء عبادة؟

ج : الدعاء مخ العبادة كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء بالغيب لمن تعتقد أنه يجيبك أينما كنت معناه: أنك تعتقد بحضور من تدعوه أينما كنت وقدرته على التصرف في الملكوت بقوة أنت لا تعرفها، وهذا الدعاء خلاصة الإيمان ومخ العبادة.﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60] .

س: وهل يجوز دعاء غير الله؟

ج : لا يجوز دعاء غير الله، لأنه لا تجوز العبادة إلا لله. قال تعالى:

﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 106، 107] .﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: 20، 21] .﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 56، 57] .

 الحكم بما أنزل الله عبادة:

س : وهل الحكم بما أنزل الله عبادة؟

ج : الحكم بما أنزل الله عبادة، لأنه طاعة لله . قال تعالى :

﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 40] .

وقال تعالى :﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

 لماذا نعبد الله؟

1 ـ نحن نعبد الله لأنه خالقنا الذي أوجدنا من العدم، وخلق هذه الأرض واستخلفنا فيها ، وأكرمنا بالنعم ظاهرة وباطنة، وهو الذي يملك كل شيء من أنفسنا ومما تتمتع به.

فتأمل: هل تملك من نفسك ذرة؟

هل تملك يديك؟ أو رجليك؟ أو عينيك؟ أو أي جزء من أجزاء جسمك؟ هل خلقت من نفسك شيئاً أو من هذه السماء؟ إنك لم تخلق شيئاً ! فكل ما تتمتع به وتعمل أعمالك به ليس ملكك؛ إنما هو ملك لخالقه وربه.

فالمالك لنا ولكل شيء في الوجود هو الذي تجب علينا طاعته وعبادته دون سواه، لذلك نحن نعبد الله.

2 ـ ونحن نعبد الله تقديساً له وحباً لكماله وجلاله وعظمته.

3 ـ ونحن نعبد الله طمعاً في جنته ونجاة من عذاب النار.

 الخلاصة

*العبادة لها ثلاثة معان في القرآن هي : العبودية ، والطاعة ، والتأليه.

*الطاغوت : هو كل طاغية يتجاوز حده ويرفع نفسه إلى درجة الألوهية ويطلب من الناس عبادته بنوع من أنواع العبادة.

*لا يستحق أحد العبادة إلا الله سبحانه لأنه الخالق المالك لكل شيء في الأرض والسماء.

*الدعاء عبادة ولا يكون إلا لله وكذلك الحكم عبادة من العبادات.

*نحن نعبد الله لأنه خالقنا ومالكنا ومالك كل شيء في الوجود، ونعبده سبحانه طمعاً في جنته وخوفاً من عذابه.


 

 

الفصل الثامن

الأسماء الحسنى

 

وسيلة أخرى لمعرفة الله:

س : هل هناك وسيلة نعرف بها ربنا غير وسيلة مشاهدة آياته في الكون؟

ج : نعم : الوسيلة الثانية هي : وسيلة الوحي ، ولقد عرفنا الوحي بما غاب عن علمنا من صفات الله وأسمائه الحسنى فمثلاً ـ ولله المثل الأعلى ـ :

نحن نشاهد من صنع السيارة أن الذي صنعها مهندس حكيم في صنعه عالم في فنه، خبير في صناعته ولكن لا نستطيع أن نعرف من مشاهدة السيارة إذا كان ذلك الصانع صادقاً أم كاذباً؟ ... جميلاً أم قبيحاً؟! رجلاً أم امرأة؟! يجيد علوماً وصناعات أخرى أم لا؟ ولكنا إذا أردنا أن نعرف ذلك بواسطة الصانع نفسه أو رسول من عنده ، وعلى قدر ثقتنا بالصانع ورسوله يكون تصديقاً أو تكذيبنا.

فإذا كان المتحدث عن نفسه هو الله الحق والمبلغ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم؟ وباقي المرسلين الذين أقاموا الحجة على صدق رسالتهم ونبوءتهم كان تصديقاً قوياً. ولقد تعرف الله إلى خلقه بأسمائه الحسنى التي جاء بها الكتاب والسنة، والتي هي النوافذ التي يطل منها القلب على الله مباشرة.

 أسماء متعلقة بذاته تعالى:

س : ما هي الأسماء المتعلقة بذاته سبحانه؟

ج : هي : الواحد . الأحد . القدوس[7] . الصمد[8] . الغني . الأول . القيوم[9].

 أسماء متعلقة بالتكوين:

س : وما هي الأسماء المتعلقة بالتكوين؟

ج : هي : الخالق . الباري[10]. المصور. البديع[11].

 أسماء متعلقة بصفتي الحب والرحمة :

س : وما هي الأسماء المتعلقة بصفتي الحب والرحمة؟

ج : هي : الرب . الرحمن . الرحيم . الرؤوف. الودود. اللطيف. الحليم. العفو[12]. الشكور[13]. المؤمن[14]. البر[15]. الرزاق. الوهاب. الواسع[16].

 أسماء متعلقة بعظمة الله وجلاله:

س: وما هي الأسماء المتعلقة بعظمة الله وجلاله؟

ج : هي : العظيم . العزيز. العلي[17]. المتعالي[18]. القوي. القهار. الجبار . المتكبر[19]. الكبير . الكريم. الحميد. المجيد. المتين[20]. الظاهر. ذو الجلال والإكرام رفيع الدرجات.

 أسماء متعلقة بعلمه تعالى:

س : وما هي الأسماء المتعلقة بعلمه تعالى؟

ج: هي: الحكيم.السميع.الخبير.البصير.الشهيد[21].الرقيب.الباطن[22].المهيمن[23].

أسماء متعلقة بقدرته تعالى وتدبيره للأمور:

س : ما هي الأسماء المتعلقة بقدرته تعالى وتدبيره الأمور!؟

ج: هي : القادر. الوكيل[24]. الولي[25]. الحافظ . الملك. المالك. الفتاح[26]. الحسيب[27]. المنتقم[28]. المقيت.

 أسماء مستمدة من صفاته وأفعاله:

س: ما هي الأسماء المستمدة من صفات الله وأفعاله الواردة في القرآن؟

ج : هل يجوز تسمية الله بغير أسمائه الحسنى؟

ج : لا يجوز ذلك . قال تعالى :

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180] .

﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:110] .

 الأسماء توقيفية:

س : ما معنى أن أسماء الله متوقفة على ما سمى به نفسه سبحانه، وبين ذلك رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

فإذا أردت أن تقول : إن الله "مهندس" لا يجوز ذلك؛ وإنما عليك أن تقول إن الله"حكيم" . وإذا أردت أن تقول : إن الله "قوة مسيطرة على الكون" لا يجوز ذلك، وإنما عليك أن تقول : إن الله " مسيطر على الكون" وإلا كنت من الذين يلحدون في أسماء الله. قال تعالى:

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ[29] فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180] .

الخلاصة

*تكتمل معرفتنا بالله لأسمائه. وتعتبر المعرفة بأسماء الله وسيلة للمعرفة بالله.

*وأسماء الله منها له ما يتعلق بذاته سبحانه، ومنها أسماء متعلقة بالتكوين وأسماء متعلقة بصفتي الحب، والرحمة، وأسماء متعلقة بعظمته سبحانه وجلاله،ومنها أسماء متعلقة بعلمه؛ وأسماء متعلقة بقدرته وتدبيره للأمور.

وأسماء أخرى مستمدة من صفاته وأفعاله. وأسماء أخرى؛ وأسماء الله الحسنى تسعة وتسعون اسماً: وهناك أسماء غيرها.

*لا يصح لمسلم أن يسمي الله بغير ما سمي به نفسه وإلا كان من الملحدين في أسماء الله.


 

الفصل التاسع:

شهادة علماء الكون في القرن العشرين

 العلم الحديث يدعو للإيمان:

س: ما هي العلاقة بين الإيمان والعلوم الحديثة؟

ج : لقد كان الناس يرون في مخلوقات الله حكمة ، وتدبيراً ، وتقديراً، وتنظيماً ، العلوم المنصفون.

س : وكيف ذلك؟

ج : لقد كان الناس يرون في مخلوقات الله حكمة ، وتدبيراً، وتقديراً وتنظيماً ، وتنسيقاً ، وإتقاناً، وعظمة؛ تشهد لكل صاحب عقل أنها من صنع الحكيم العليم المريد القادر البديع سبحانه؛ فلما جاء التقدم العلمي الحديث زاد الناس معرفة بعظيم الحكمة المشاهدة في المخلوقات، وجليل التدبير في هذه المخلوقات، وعظيم الإبداع في الصنع: فزاد الإنسان بذلك معرفة بآيات الله سبحانه في شتى الآفاق.

ثم جاءت بعض هذه الاكتشافات الحديثة؛ كاشفة لوحدة جديدة من أوجه الإعجاز القرآن الذي تضمن علوماً ومعارف كشف عن حقيقتها التقدم العلمي الحديث بعد مرور أربعة عشر قرناً من نزول القرآن.

قال تعالى : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53] .

سبب اقتران الإلحاد بالعلوم الحديثة:

س : ولماذا نجد أن الذين قادوا النهضة العلمية في أوربا قد قرنوها بالإلحاد؟

ج : يرجع ذلك إلى الظروف الخاصة التي مرت بها أوربا ، فلقد كانت الكنيسة تدين بدين محرف وينسبونه إلى الله باطلاً ، وكان القسس والبابوات في منزلة الله يحرمون على الناس ما يشاءون ، ويحلون لهم ما يشاءون ويفرضون عليهم من الآراء ما يريدون، ولا يقدر أحدهم على معارضتهم فأرسل الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لتصحيح ما حرفوا وبدلوا وناداهم القرآن قبل أن يصطدموا بألوهية الرهبان والأحبار والقسس والبابوات فقال تعالى : ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64] .

ولكن أغلبيتهم لم يستجيبوا لنداء الله وأصروا على تأليه (البابوات) والقسس وقدسوا كل ما كان يتحدث به الأحبار والرهبان (والبابوات) حتى بدأت النهضة العلمية فاصطدم الباحثون في العلوم الحديثة بكلام (البابوات) المقدس وأصر (البابوات) والكنيسة على باطلهم، وتكفير من خالقهم وأن البابا لا يخطئ. وحرضوا على التنكيل بمن خالفهم من رواد العلوم الحديثة ، غير أن الباطل لا يلبث أن يزول فأصر رواد العلوم الحديثة على الصدام مع القسس وكشف زيفهم، ونشبت معركة حامية اندفع فيها رواد العلوم الحديثة إلى درجة إنكار وجود الله عناداً للقسس (والبابوات). وهكذا نشروا الإلحاد في مدارسهم وجامعاتهم.

ولما قضى على خمصهم : (الكنيسة البابوات والقسس) عادوا يستدلون بعلومهم على إيمانهم بالله ويشهدون بصدق الإيمان بالله بل والوحدانية.

 شهادة رواد العلم الحديث:

س : ومن هم رواد العلم الحديث الذين تحدثوا عن الإيمان وماذا قالوا؟

ج : هم كثير ... ونذكر منهم البعض كمثال فقط:-

"إدوارد لو تركبل":

وهو أخصائي في علم الحيوان والحشرات ، حاصل على دكتوراه من جامعة كاليفورنيا ـ أستاذ علم الأحياء ورئيس القسم بجامعة سان فرانسيسكو ـ ومتخصص في دراسة أجنحة الحشرات والسلامندو "نوع من الحيوان" والحشرات ذوات الجناحين.

قال بعد أن سرد عدداً من الأدلة على إيمانه:

"... ولا يتسع المقام لسرد أدلة أخرى لبيان الحكمة والتصميم والإبداع في هذا الكون، ولكني وصلت إلى كثير من هذه الأدلة فيما قمت به من البحوث المحددة حول أجنحة الحشرات وتطورها، وكلما استرسلت في دراستي للطبيعة والكون وازداد اقتناعي وقوي إيماني بهذه الأدلة" .

فالعمليات، والظواهر التي تهتم العلوم بدراستها ، ليست إلا مظاهر وآيات بينات على وجود الخالق المبدع لهذا الكون. قال تعالى :

﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: 3-6] .

"فرانك أللن":

وهو عالم في الطبيعة البيولوجية ـ حصل على ماجستير ودكتوراه من جامعة كورنل ـ أستاذ الطبيعة الحيوية بجامعة "ماتيتوبا" بكندا من سنة 1904 ـ 1942م، وإخصائي أبصار الألوان والبصريات الفسيولوجية وإنتاج الهواء السائل، وحائز على وسام "توري الذهبي" للجمعية الملكية بكندا.

قال بعد أن فند مزاعم الكفر:

"... ولكن القوانين (الديناميكا الحرارية) تدل على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجياً وأنها سائرة حتماً إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض هي الصفر المطلق ويومئذ تنعدم الطاقة وتستحيل الحياة..، أما الشمس المستعرة والنجوم المتوهجة، والأرض الغنية بأنواع الحياة، فكلها دليل واضح على أن أصل الكون أو أساسه يرتبط بزمان بدأ في لحظة معينة فهو إذاً حدث من الأحداث، ومعنى ذلك أنه لا بد لأصل الكون من خالق أزلي ليس له بداية. عليم محيط بكل شيء، قوي ليس لقدرته حدود ، ولابد أن يكون هذا الكون من صنع يديه".

قال تعالى ذاكراً لهذه الحقيقة التي تحدث هذا العالم عن شيء منها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص]

"جون كليفلاند كونران" :

وهو من علماء الكيمياء والرياضة، حاصل على دكتوراه من جامعة كورنل، ورئيس قسم العلوم الطبيعية بجامعة دولث، إخصائي في تحضير النترازديل وفي تنقية التنجستن.

قال في آخر مقال كتبه تحت عنوان "النتيجة الحتمية":-

"... فإذا كان هذا العالم المادي عاجزاً عن أن يخلو نفسه، أو يحدد القوانين التي يخضع لها؛ فلا بد أن الخلق قد تم بقدرة كائن غير مادي، وتدل الشواهد جميعاً على أن هذا الخالق لا بد أن يكون متصفاً بالعقل والحكمة، إلا أن العقل لا يستطيع أن يعمل في العالم المادي كما في ممارسة الطب والعلاج السيكلوجي دون أن يكون هناك إرادة، ولا بد لمن يتصف بالإرادة أن يكون موجوداً ذاتياً، وعلى ذلك فإن النتيجة المنطقية الحتمية التي يفرضها علينا العقل ليست مقصورة على أن لهذا الكون خالقاً فحسب بل لابد أن يكون هذا الخالق دائم الوجود تتجلى آياته في كل مكان وعلى ذلك فإنه لا مفر من التسليم بوجود الله خالق هذا الكون وموجهه كما أشرنا إلى ذلك في بداية هذا المقال...".

"ماريت ستانلي كونجدن":

هو عالم طبيعي وفيلسوف حاصل على دكتوراه من جامعة بورتون، أستاذ سابق بكلية ترينيتي بفلوريدا، وعضو الجمعية الأمريكية الطبيعية وإخصائي الفيزياء وعلم النفس وفلسفة العلوم، قال:

"إن جميع ما في الكون يشهد على وجود الله سبحانه ويدل على قدرته وعظمته، وعندما نقوم نحن العلماء: بتحليل ظواهر الكون ودراستها حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية؛ فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمه، ذلك هو الله الذي لا نستطيع الوصول إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، ولكننا نرى آياته في أنفسنا وفي كل ذرة من ذرات هذا الوجود، وليست العلوم إلا دراسة خلق الله وآثار قدرته" . قال تعالى منبهاً وممتناً علينا بما سيكشفه لنا من آيات على يد أمثال هذا العالم:

﴿وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [النمل: 93] .

*أما هرشل : العالم الفلكي الإنجليزي فيقول: "كلما اتسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي لا حد لقدرته ولا نهاية ، فالجيولوجيون، والرياضيون، والفلكيون، والطبيعيون قد تعاونوا وتضامنوا على تشييد صرح العلم وهو صرح عظمة الله وحده" .

*ويقول الدكتور "روتر" الكيماوي الفرنسي: "إذا أحسست في حين من الأحيان أن عقيدتي بالله قد تزعزعت وجهت وجهي إلى أكاديمية العلوم لتثبيتها".

وغيرهم وغيرهم آلاف.قال تعالى:﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾[سبأ: 6]

 إيمان توحيد لا إيمان شرك:

وإذا تأملت إيمان هؤلاء العلماء وجدته قريباً جداً من إيمان المسلم بربه، كما أنه بعيد جداً عن إيمان المشركين الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، أو يظنون أن الله أو ابنه قد نزل إلى الأرض وعاش كأحد أفراد الناس، فما أقرب هؤلاء العلماء إلى إيمان المسلمين، ولو عرض عليهم الإسلام واضحاً بيناً لآمن به أكثرهم، كما قد سمعنا عن دخول بعضهم إلى دين الإسلام .

أمثلة :

ومن أمثلة العلماء والباحثين الذين أسلموا بعد دراستهم للإسلام:

الدكتور علي سليمان بنوا:

وهو طبيب فرنسي قال : "وإني مدين بالشيء الكثير للكتاب العظيم الذي ألفه مستر مالك بن نبي واسمه (الظاهرة القرآنية) فاقتنعت بأن القرآن كتاب وحي منزل من عند الله.

إن من بين آيات هذا القرآن الذي أوحى به منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً ما يجعل نفس النظريات التي كشفت عنها أحدث الأبحاث العلمية".

البوفوسور هارون مصطفى ليون:

مؤلف وعالم لغوي وجيولوجي حصل على الدكتوراه وعلى درجات علمية كبيرة وكان زميلاً وعضو شرف في كثير من الهيئات العلمية في أوربا وهو من(إنجلترا) قال : "من مفاخر الإسلام أنه مبني على العقل ولا يطالب معتنقيه أبداً بتجميد طاقاتهم الفكرية" .

الدكتور عمر ولف بارون أهرنظير:

أستاذ علم الأجناس البشرية وهو من النمسا قال بعد أن لخص كثيراً من أسباب إسلامه : "محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الرسول الذي جاء بالإسلام وبذلك يكون الحلقة الأخيرة في سلسلة الرسل الذين حملوا الرسالة الكبرى".

كولونيل دونالداس. روكويل:

وهو شاعر وناقد ومؤلف من الولايات المتحدة الأمريكية قال أثناء شرحه لأسباب إسلامه: "والتعاليم الأصلية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يغيرها المشرعون بتعديلات أو إضافات فها هو القرآن على حاله التي أنزل بها على محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهداية مشركي ذلك الزمان يبقى ثابتاً راسخاً رسوخا روح الإسلام ذاته".

والاعتداء والتوسط في كل شيء هما دعامتان أساسيتان في الإسلام استحوذتا على كل إعجابي وتقديري".

الدكتور ر.ل ملما:

وهو عالم في تاريخ الأجناس البشرية وكاتب وأديب من هولندا قال في سرده لأسباب إسلامه إن سبب إسلامه. "بساطة الإيمان في الإسلام، وعدم وجود كهنوت فيه، وحث الإسلام على التسامح ، وإن المسلم مطالب بالبحث عن الحق حيثما وجده، ومبدأ الأخوة والمساواة بين الناس، وتقدير الإسلام للعقل والمادة ولقيمة كلمنهما وتحريم الإسلام للخمور والمواد المخدرة".

عمرميتا عالم اقتصادي من اليابان:

وهو من رجال الاقتصاد وباحث اجتماعي قال في شرحه لأسباب إسلامه: "والرجل العادي يستطيع أن يفهم تعاليم الإسلام لبساطتها وسهولة تطبيقها؛ ولذلك لا نجدها حكراً على طائفة من رجال الدين أو القساوسة كما ترى ذلك في الأديان الأخرى.

وإني لأتوقع أن يكون للإسلام في اليابان شأن عظيم في المستقبل وربما صادفته بعض العقبات والصعوبات إلا أن التغلب عليها غير عسير".

أيها القارئ إن هذه الاستجابة لدين الله من قادة الفكر والعلماء في العالم لتحمل المسلمين مسئولية أكبر أمام ربهم في وجوب العمل المتواصل على تبليغ دين الله للناس في كل أنحاء الأرض.

الدكتور شوقي نوتاكي وثلاث مئة ياباني:

وهو طبيب ياباني مشهور تعلق بدراسة الإسلام مدة عشر سنوات دخل الإسلام عام 1975م وفي خلال أشهر دخل الإسلام على يديه 300 ياباني تقرياً قال : "لقد اكتشفت بعد تركي البوذية عالماً واسعاً فيه سمو لروح ، وشعرت لأول مرة بمعنى الحياة وحلاوتها" . وهو ينوي إصدار نشرة باللغة اليابانية تشرح أهم جوانب الإسلام وينوي العمل على إيصال هذه النشرة إلى كل عائلة يابانية.

المستقبل للإسلام إن شاء الله:

س : وما هو المستقبل الذي يتوقعه المراقبون لأحوال انتشار الإسلام في الدول الكافرة؟

ج : يقول الخبير الأمريكي في الجامعة الكويتية الأستاذ مارك مايني والذي أعلن إسلامه عام 1973م وأصبح اسمه : مصعب عبدالله: "ليس إسلام الأمريكان أمراً نستغربه ، والذي نستغربه ونستنكره أن لا يدخل الناس في دين الله أفواجاً" .

ويقول المطلعون على أحوال المسلمين في أمريكا : إن عدد الأمريكان الذين يدخلون في الإسلام كي يوم بنسبة 17 شخص كل يوم.

ويقول بعض الدارسين والمراقبين : إن الدين العالمي عام 2000م . سيكون هو الإسلام.

الخلاصة

*إن التقدم في العلوم في شتى مجالات الحياة يثبت الإيمان ويدعمه ويقويه بما يكشف من عظيم الحكمة والصنع والتدبير والتقدير، وبما يوضح من سبق القرآن بعلومه كل العلوم البشرية ، وقد حثنا القرآن على الاستزادة من علوم الكون.

*إن رواد العلوم الحديثة يقرون أنهم كلما ازداد علمهم واتسعت آفاقه ازداد إيمانهم بالله وقوي يقينهم.

*إيمان هؤلاء الرواد قريب جداً من إيمان المسلم الموحد وبعيد عن إيمان قومهم المشركين، ولقد أسلم منهم من وصلته دعوة الإسلام.



الفصل العاشر

القرآن يسبق العلوم الحديثة

معجزة متجددة:

س : هل جاء التقدم في ميادين العلم مؤيداً لما جاء في القرآن؟

ج : نعم . إن القرآن أثناء حديثه عما في الكون من آيات أو أثناء توجيهه وهديه، تعرض إلى حقائق لم يكن يعلمها إلا الله وحده؛ ولما شاء الله أن يقدم العلم البشري إذا بهذه العلوم الحديثة تكشف عن صدر ما جاء في القرآن من علوم وحقائق جهلها البشر قروناً طويلة، وذكرها الله في كتابه. فكان هذا وجهاً جديداً من أوجه إعجاز القرآن لم يظهر إلا في زمن التقدم في علوم الآفاق الكونية.

س : وهل أشار القرآن إلى هذه المعجزة الجديدة؟

ج : نعم، قال تعالى :

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53] .

وقال عليه الصلاة والسلام في وصف القرآن : "ولا تنقضي عجائبه".

من علم الفلك:

س : ما هي أمثلة ذلك؟

ج : هناك أمثلة كثيرة نذكر منها بعض أمثلة من مجالات علم الفلك:

1 ـ كشف التقدم العلمي في علمي الفلك والجيولوجيا أن الأرض كانت جزءاً مما في السماء في شمس أو نجوم، والاختلاف بين العلماء في تحديد أصلها: هل من الشمس أم من نجم؟ وإذا سألنا عن أصل الشمس والنجم وجدنا أصلاً واحد يسمونه (السديم) انفصلت منه النجوم والكواكب والشمس كما انفصلت الأرض. وهذا أمر صعب التصور على الإنسان . فمن العسير أن يصدق أن هذه الجبال والوديان والأمطار كانت جزءاً من السماء، لكن هذه هي الحقيقة التي أجمع عليها علماء الفلك والجيولوجيا وأخبرنا بها القرآن.

وهناك حقيقة أخرى عرفها علماء الحياة والكيمياء هي : أنه لا يوجد حياة بدون ماء، مع أنه قد توجد حياة بدون هواء كحياة بعض البكتيريا، كما وجدوا أن الماء هو المادة الوحيدة التي لها من الصفات الطبيعية والكيماوية ما يجعلها وسطاً صالحاً لاستمرار الحياة.

كما وجدوا أنه إذا سلب الماء من أي كائن حي مات، وليست هذه الحقيقة مختصة ببعض الكائنات بل تشمل كل كائنات الحياة ولقد ذكر القرآن الحقيقة الثابتة في علم الفلك، والحقيقة الثابتة في علم الحياة في آية واحدة ، قال تعالى:﴿أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30] .

ومن العجيب أن النداء موجه للذين كفروا، ولقد جاء هذا العلم من لديهم والله أعلم.

2 ـ وكشف التقدم العلمي أن انفصال النجوم والكواكب لم يكن انفصالاً فيه خبط أو خلل، إنما كان انفصالاً محكماً منظماً موزوناً مقدوراً بحيث وضع كل نجم وكوكب في مكانه الصحيح، بوزنه الصحيح، وسرعته الصحيحة ، فقام اتزان بين الجميع محكم دقيق، وبواسطة الميزان الدقيق لما في السماء من نجوم وكواكب استقر النظام وامتنع الصدام وعرف علماء الفلك موقع (نبتون) قبل أن يشاهدوه، وذلك من حساب بهذا الميزان. ولقد ذكر القرآن ذلك الميزان في السماء قبل علماء الفلك بثلاثة عشر قرناً من الزمان.﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:7] .

فإذا عرفت ـ والله أعلم ـ أن التقدم العلمي في ميدان الفلك والجيولوجيا قد كشفت عن معجزات كتاب الله كانت مجهولة ، فاعلم أن القرآن نفسه يحضنا على التفكير في هذه العلوم ويأخذ بأفكارنا إلى أبوابها. قال تعالى :﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101] .﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: 19، 20] .

3 ـ وقد كشف التقدم العلمي أن الكون في تمدد مستمر وذلك باستمرار تباعد المجرات عنا كما كشف أيضاً أن مدنا نجومية لا تزال تتكون من سدم في السماء... ألا نفهم بهذا معنى قوله تعالى :﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47] .والله أعلم.

4 ـ وكشف التقدم العلمي أن للنجوم مواقع قاصية جداً وليست كما تشاهد العين قريباً من رؤوس الجبال، بل تبعد عنا مسافات لا تحسب بالأميال وإنما تحسب بالسنين الضوئية[30] فمنها ما يبعد عنا مسافة أربع سنوات ضوئية وهو أقربها. ومن النجوم ما يبعد عنا مسافة خمسين سنة ضوئية ، ومنها ما يبعد عنا مسافة مائة سنة ضوئية، ومنها ما يبعد عنا مسافة ألف سنة ضوئية، وسبعين ألف سنة ضوئية، ومليون سنة ضوئية، ومائتين وأربعين مليون سنة ضوئية وستة بلايين سنة ضوئية.أليست هذه الحقائق جزءاً من العلم لقوله تعالى:﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾[الواقعة:75، 76] .

5 ـ وكشف التقدم العلمي أن الشمس تجري وقد كان يظن بعض الناس قبل سبعين عاماً أنها ثابتة ، وللشمس حركتان:

أ ـ حركة مغزلية حول نفسها.

فالشمس بذلك تجري وهي ثابتة في مكانها.

ب ـ حركة من المجرة حول نفسها كما تدور الرحى (المطحن) حول نفسها.

فإذا الشمس تجري لمستقر لها كما تدور المطحن مع المطحن ، وهي مستمرة في نفس الوقت.

وكشف التقدم العلمي أن سبب رؤيتنا للقمر هلالاً ثم بدراً هو تنقل القمر في منازل مختلفة بالنسبة لنا على الأرض؛ وذكر القرآن هاتين الحقيقتين في قوله تعالى :﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 38-40] .

 من علم النبات:

6 ـ وكشف التقدم العلمي أن أصل أجرام السماء من النجوم والكواكب مادة دخانية يسمونها سديماً ، ولا تزال النجوم تتكون إلى يومنا هذا من هذه المادة الدخانية.

ويتكون هذا السديم من غازات خفيفة يتعلق بها حبيبات صغيرة من مادة صلبة وهو معتم ، وهذا الصف هو وصف الدخان ، لأن الدخان مكون من غازات خفيفة يتعلق بها حبيبات صغيرة وهو معتم.

 فمن كان يتصور أن أصل السماء دخان؟ ولكن القرآن ذكر هذه الحقيقة منذ قرون. قال تعالى :﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]

من علم الجيولوجيا:

س : وهل هناك مثال من علم تركيب الأرض (الجيولوجيا)؟

ج : إن الذي أزل القرآن هو الذي يعلم السر في السموات والأرض فإذا كنا قد ضربنا أمثلة من أسرار السماء التي سبق بها القرآن فنضرب مثلاً لبعض أسرار الأرض. فقد تأكد الباحثون عام 1956م ، أن تحت كل جبل عرق لهذا الجبل وامتداد له قد غرس في الطبقة العجينية أو اللزجة التي تحت طبقة الصخور وقد جعل الله هذا الامتداد تحت كل جبل ماسكاً للقارات من أن تطوف أثناء دوران الأرض فهذه الأوتاد المغروسة في الطبقة اللزجة التي تحت القارات يثبت الوتد الخيمة إذا غرس بين التراب.

 ولكن هذا السر الذي لم يتأكد منه الباحثون إلا عام 1956 كما ذكر ذلك الدكتور فاروق الباز المختص في علم الجيولوجيا والفضاء ومدير معهد "سميس سونيان" لعلوم الأرض والفضاء؛ إن هذا السر قد ذكره القرآن قبل ألف وأربع مئة عام فقال تعالى : ﴿والجبال أوتاداً أي جعلها أوتاداً في هذه الأرض وقال تعالى:﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾[النازعات:30-31]

﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] .أي : لقد جعل الله هذه الجبال مثبتة للأرض حتى لا تضطرب تحت أقدامكم وتزلزل. فمن أخبر محمداً النبي الأمي بهذا السر الغائب تحت القارات والذي لم يعرف الإنسان إلى في هذا الزمان؟

لا شك أن القرآن وحي من عند الذي يعلم السر في السموات والأرض:

 من علم النبات:

1 ـ وكشف التقدم العلمي أن في النبات تزاوجاً كما هو الحال في الحيوانات، وأن الزهرة هي مكان ظهور هذه الزوجية فيوجد فيها السداة التي يكون الله منها حبوب اللقاح (الذكرية) والتي تنقل بواسطة الرياح أو غيرها لتعلق في المتاع وتنزل إلى عنقه حتى تصل إلى البويضة حيث يتم التزاوج.

ولم يكن أحد يعلم من قبل عن وجود هذا التزاوج في النبات أو أن هناك ذكر أو أنثى، حتى إذا تقدم علم النبات كشف عن أن الزوجية ليست في نبات واحد، بل هي حقيقة. في جميع النباتات : أليس ذلك هو ما قاله القرآن قبل أربعة عشرة قرناً من الزمان ، قال تعالى :﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾[يس: 23] . 

2 ـ وكشف التقدم العلمي أن أصل المواد التي تتكون منها جميع النباتات واحدة، أهمها: الأكسجين، والأيدروجين، والكربون؛ البيتروجين، وقليل من الكبريت، ولكن مع ذلك فهي مختلفة في الأشكال والأحجام، والألوان والثمار والرائحة والطعم وسبب ذلك اختلاف أوزانها.

فالوزن أساس التركيبات المختلفة في جمعي النباتات ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة فقال تعالى :﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] .

 الخلاصة

*من أوجه الإعجاز القرآن الجديدة أنه اشتمل على حقائق جهلها البشر قروناً طويلة وكشف عنها أخيراً التقدم العلمي في شتى المجالات.

*فكشف التقدم في علم الفلك أن الأرض كانت متصلة بما في السماء، وكشف علم الحياة أن الماء أصل كل حياة، كما كشف علم الفلك أن في السماء ميزاناً محكماً يربط النجوم البعيدة كما كشف عن جريان الشمس، ومنازل القمر التي تجعل القمر يبدو هلالاً ثم يكون بدراً كما كشف العلم أن أصل أجرام السماء دخان، وأن الجبال أوتاد لإرساء الأرض وكل ذلك قد أخبرنا به القرآن من قبل .

*وكشف التقدم في علم النبات أو النباتات ذكورة وأنوثة، وأن أصل المواد النباتية واحد ولكنها تختلف في الموازين، وذلك قد أخبرنا به القرآن.

*كل ما سبق يشهد أن هذا القرآن من قول الحكيم العليم الخالق المحيط علماً بكل شيء، وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم الأمي رسول من عند ربه يبلغ ما أوحى إليه .


 

 

الفصل الحادي عشر

من بينات الرسالة: البشارات

 س: ما هي البشارات؟

ج : البشارات هي تلك البشائر التي حملها رسل الله السابقون لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والتي تبشر بمجيء محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وتتحدث عن صفات زمانه وبلاده .

س : وهل لا تزال البشارات موجودة في كتب الرسل السابقين؟

ج : إن الكتب السابقة التي أنزلها الله قد حرفت وبدلت ولا يوجد أصلها الصحيح، ومع ذلك فقد كتب الأتباع فميا يسمونه الآن كتباً مقدسة، كالتوراة والإنجيل، كتبوا فيها بعض المعاني التي سمعوها من الرسل أو ممن سمع الرسل مع تخليط وتحريف ، ومما لا يزال موجوداً في هذه الكتب من آثار الرسالات السابقة بعض بشارات تعتبر دليلاً للمؤمنين بهذه الكتب ولغيرهم بأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله قد بشر بمجيئه الأنبياء السابقون. قال تعالى :﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [الأنعام: 20] .

1 ـ من أسفار التوراة:

( أ ) وصف الرسول الذي سيأتي في سفر التثنية بالآتي:

*( وجعل كلام الرب في فمه) . وقد كان القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

( ب ) ووصف في سفر أشعيا بالآتي:

*(إن البرية ترفع صوتها بذكره وهي الديار التي يسكنها قيدار) وهو أحد أجداد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، في سلسلة النسب الذي بينه وبين إسماعيل السلام وهي العرب كما تحكي ذلك التوراة نفسها في سفر التكوين.

*ووصف في سفر أشعيا (إن علامة سلطانه على كتفه بقدر بيضه الحمام) وقد روى مسلم في صحيحه حديثاً يخبر عن هذه العلامة.

*كما وصف بأنه (راكب الجمل) وفي هذا إشارة إلى أنه من الصحراء وهكذا كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

*ووصف أتباعه في نفس السفر بأنهم(هرب أعداؤهم أمام سيوفهم وقسيهم وشدة حربهم) ومعلوم أنه لم يأت نبي بهذه الصفات في زمن القسي والسيوف يحارب ويجاهدأعداءه إلامحمداً r

( ج ) ووصف في المزامير بأنه:

*"ملوك اليمن تأتيه بالقرابين" وقد انتهى ملوك اليمن ولم يظهر نبي دان له ملوك اليمن إلا محمداً r

*" وأنه يبارك عليه في كل يوم " وهكذا أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالمسلمون يباركون عليه كل يوم عدة مرات في صلاتهم.

*"وأنه متقلد سيفاً" ولم يظهر نبي متقلد سيفاً بعد موسى إلا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم : وبالرغم من تحريف اليهود للتوراة واستمرار التغيير فيها إلا أنه لا يزال موجوداً فيها أمثال العلامات السابقة .

ولقد كان اليهود قبل بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينتظرون ظهوره كما هو حال رهبان النصارى، وكان اليهود يعتقدون أنه سيكون يهودياً، وكانوا يتهددون أهل الدينة عند أي خلاف بالنبي القادم فيقولون للمشركين: قد آن زمان نبي يظهر نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

وأنزل قرآن يحاج اليهود بما كانوايبشرون ويخبرون بمجيء نبي جديد.

قال تعالى :﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ  عَلَى الْكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: 89، 90] .ولقد كان لتبشير اليهود بقدوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأثر الكبير في إسلام أهل المدينة قبل أهل مكة؛ ولقد كان ما قاله أول وفد أسلم من المدينة عندما شاهدوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم : " إنه والله للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه".

2 ـ من الأناجيل:

 س : هل هناك إنجيل واحد أم أناجيل؟

ج : الإنجيل الذي نزل على عيسى عليه السلام إنجيل واحد هو :إنجيل عيسى وليس له وجود لدى النصارى، بل لديهم أناجيل أربعة معتمدة هي : إنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، وإنجيل مرقس ،وإنجيل متى

وهذه الأناجيل تشبه السير . كتبها لوقا . ويوحنا ، ومرقس ، ومتى ، وهي مختصرة من سبعين إنجيلاً ألغيت جميعاً . وأحرقت في أحد المؤتمرات النصرانية زمن الإمبراطور قسطنطين ، قبل البعثة النبوية، وقد ظهر من الأناجيل التي أحرقت إنجيل برنابا وفيه موافقة كبيرة لما جاء في القرآن من بيان وهدى .

س : وما هي البشارات الموجودة في هذه الأناجيل؟

ج : أخبر إنجيل متى بأن الهداية الإلهية تنزع من بني إسرائيل وتعطى لأمة أخرى، ومعلوم أن سيدنا عيسى رسول من بني إسرائيل. قال إنجيل متى على لسان يسوع[31] المسيح: (لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطي لأمة تعمل أثماره) ولقد نزعت الهداية من بني إسرائيل وأعطيت لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

أخبر إنجيل يوحنا بمقدم الرسول الذي يتمم رسالة يسوع:

(إن لي أموراً كثيرة . أيضاً لا أقول لكم لا تستطيعون الآن أن تحتملوا وأما متى جاء ذاك ـ روح الحق ـ فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه يا يتلكم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم ويخبركم بأمور آتية) وقد انطبق هذا على سيدنا محمد؛ فهو يتمم الرسالات السابقة، وهو المتكلم بكلام الله: القرآن، وهو الذي أخبر الناس بما سيكون في المستقبل من أحداث؛ كان مرور الأيام مصدقاً لقوله.

كما أخبر إنجيل يوحنا بأنه ستحول القبلة من بيت المقدس ولا يكون ذلك إلا على يد رسول من الله، ولم تحول القبلة إلا على يد محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فيذكر إنجيل يوحنا حواراً دار بين امرأة سامرية وبين عيسى عليه السلام يتبين منه أنه ستحول القبلة وقد عبر قسيس[32] هداه الله إلى الإسلام عن هذه الحقيقة في كتابه: محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة، والإنجيل والقرآن في ص105 بقوله :" يا أهل الكتاب كفاكم دوراناً حول هذا الجبل، واتجهوا إلى الصراط المستقيم، أما جاءت تلك المرأة السامرية وأخذت تحاور المسيح ابن مريم حتى قالت له : (آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون أن في أورشليم[33] الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه. قال لها يسوع : يا امرأة : صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون لله ... الله روح والذين يسجدوه له ، فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا) يوحنا 4: 20-24) ويقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله وصدق الله العظيم القائل:﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:144] . وإنجيل برنابا الذي يقول عنه القسس الدكتور "تشالس فرنسيس بوتو" في كتابه "السنون المفقودة من عيسى تكشف" : "إن إنجيلاً يدعى إنجيل برنابا استبعدته الكنيسة في عهدها الأول والمخطوطات التي اكتشفت حديثاً في منطقة البحر الميت جاءت مؤيدة لهذا الإنجيل".

جاء في إنجيل برنابا على لسان عيسى عليه السلام ما يأتي:( فلما كان الناس قد دعوني الله ، وابن الله، على أني كنت بريئاً في العالم أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة ، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله) . (إنجيل برنابا : الباب 220) .

وأما مخطوطات البحر الميت التي يقول عنها القس "أ. باول ديفز" رئيس كنيسة كل القديسين في واشنطن في كتابه "مخطوطات البحر الميت" في الصحيفة الأولى: "إن مخطوطات البحر الميت التي يقول عنها القس "أ. باول ديفز" رئيس كنيسة كل القديسين في واشنطن في كتابه "مخطوطات البحر الميت" في الصحيفة الأولى: "إن مخطوطات البحر الميت ـ وهي من أعظم الاكتشافات منذ قرون عديدة ـ قد تغير الفهم التقليدي للإنجيل".

وجاء في مخطوطات البحر الميت ما يلي:

(إن عيسى كان مسيا المسيحين وأن هناك مسيا آخر) .

وكلمة مسيا أرامية وتعني : رسول .

من زبر : الأولين:

س : وهل جاءت بشارات أخرى في غير التوراة والإنجيل؟

ج : نعم ، البشارات بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتب السابقين وتوجد في بعض الكتب التي تقدسها الديانات الأخرى، إشارات بمقدمه عليه الصلاة والسلام ولكن كهنة السوء يحرفون الكلام عن مواضعه ، ويختلقون له تأويلات فاسدة.

س : وما هو مثال البشارات الموجودة في غير التوراة والإنجيل؟

ج : مثال ذلك ما جاء في أحد الكتب المقدسة لدى البراهمة وهو كتاب "الساما فيدا"، فقد جاء في الفقرة السادسة والثامنة في الجزء الثاني ما نصه:

*"أحمد تلقى الشريعة من ربه، وهي مملوءة بالحكمة وقد قبست من النور كما يقبس من الشمس".

*وجاء في أحد كتب المجوس المقدسة وهو كتاب "ندا أفستا" بشارة عن رسول يوصف بأنه "رحمة للعالمين" "سوشيانت" ويتصدى له عدو يسمى بالفارسية القديمة: أبا لهب ويدعو إلى إله واحد لم يكن له كفواً أحد (هيج جيزباونمار). وليس له أول ولا آخر ولا ضريع ولا فريق ولا صاحب ولا أب ولا أم ولد ولا مسكن ولا جسد ولا شكل ولا لون ولو رائحة : (جز أخاز وانجام وابناز ودشمن والمنند ويار ويدر ومادر وزن وفرزند وحاى سوى ومن آسيا وتنافى ورنك وبواست) .. وأغلب هذه الأوصاف هي الصفات الإلهية التي دعا إليها محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الكلام لا ينطبق إلا عليه.

وأما الكتب الزرداشتيه ففيها بشارات كثيرة هذا نص ما ترجمه الأستاذ عبدالحق صاحب كتاب "محمد في السفارة العالمية":

*"إن أمة زرادشت حين ينبذون دينهم يتضعضعون وينهض رجل في بلاد العرب يهزم أتباعه فارس ويخضع الفرس المتكبرين وبعد عبادة النار في هياكلهم يولون وجوههم نحو كعبة إبراهيم التي تطهرت من الأصنام، ويومئذ يصبحون وهم أتباع للنبي رحمة للعالمين، وسادة لفارس ومديان وطوس وبلخ وهي الأماكن المقدسة للزرادشتيين ومن جاورهم وإن نبيهم ليكونن فصيحاً يتحدث بالمعجزات" ص47 .

*وجاء في كتاب : أدروا فيدم (ادهرم ويدم) ـ وهو كتاب مقدس عند الهندوس ـ وصف للرسول الذي سيأتي وذكره باسمه:

"أيها الناس اسمعوا وعو يبعث المحمد[34] بين أظهر الناس... وعظمته تحمد حتى في الجنة ويجعلها خاضعة له وهو المحامد[35]".(الجزء : 20- فصل 127 – فقرة 70 عبارات 1-3) .

*وجاء في كتاب هندوسي من كتبهم المقدسة هو : بفوشيا برانم (بهوشي برانم) "في ذلك الحين يبعث أجنبي مع أصحابه باسم (محامد)[36] الملقب بأستاذ العالم[37] والملك يطهره بالخمس المطهرة.."[38].(الجزء : 2- فصل3 – عبارات 3 وما بعدها) .

*وجاء في نفس الكتاب السابق: بفوشيا برانم، وصفاً لأصحاب محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

"هم الذين يختتنون، ولا يربون القزع ، ويربون اللحى، وهم مجاهدون وينادون الناس للدعاء[39] بصوت عال، ويأكلون أكثر الحيوانات إلا الخنزير، ولا يستعملون الدرباء[40] للتطهير بل الشهداء هم المتطهرون، ويسمون "بمسلي"[41] بسبب أنهم يقاتلون من يلبس الحق بالباطل، ودينهم هذا يخرج مني وأنا الخالق" .(الجزء: 3- فصل : 3 عبارات 27-28)

ولقد سن المسلمون بهم سنة أهل الكتاب عند فتح بلادهم وربما يرجع إسلام الكثير من الفرس والهنود إلى:

*حمل الرسل السابقون لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارات تخبر بمقدمه صلى الله عليه وآله وسلم أتت بصفاته وصفات زمانه وبلاده وأتباعه.

*رغم تحريف الكتب السابقة فقد بقي فيها آثار تدل على ذلك كما جاء في أسفار اليهود وأناجيل النصارى وكتب البراهمة والمجوس الزرادشتيين.

ولقد أسلم الكثير من هذه الأمم بسهولة ويسر .

 الخلاصة

*لقد بشر الرسل السابقون والكتب الإلهية السابقة بمقدم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته وبينت ما يتعلق به.

*وبالرغم أن هذه الكتب قد حرفت فلا يزال فيها قبس من النور يدل على صدق نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما هو مبين في أسفار التوراة والأناجيل وخاصة إنجيل (برنابا) ومخطوطات البحر الميت وبعض الكتب المقدسة لدى الهنود والفرس الذين عاملهم المسلمون معاملة أهل الكتاب.

لقد أعانت هذه البشارات على إسلام الكثير من أهل هذه الكتب.


 

الفصل الثاني عشر

التأييد الإلهي

معنى التأييد:

س : هل في تأييد الله لرسله شهادة بأنهم حقاً مرسلون من عنده؟

ج : نعم. فمثلاً : إن الحكومة إذا أرسلت مندوباً عنها إلى منطقة من المناطق يحمل أوامرها، ثم اعترضته بعض العقبات فاتصل بالحكومة لطلب العون فجاءته النجدة الحكومية والقوة المساندة... ألا يثبت ذلك أنه حقاً مرسل من طرف الحكومة..؟!... إن أي عاقل لا يشك في ذلك .

س : وما هو التأييد الذي أيد الله به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؟

ج : تأييد الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم كثير جداً، نذكر منه بعض الأمثلة:

آيات في الهجرة

عزم كفار قريش على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن رأوا عدم جدوى حبسه أو نفيه فأرسلوا له شاباً من كل بطن من بطون قريش أحاطوا بمنزله ليقتلوه. قال تعالى:

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ[42] [الأنفال: 30] .فاطلع الله نبيه وأذن له بالهجرة من مكة إلى المدينة، فعزم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الخروج من مكة وهو يردد قول ربه:﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء: 80].فنصره الله أولاً على أعدائه ـ فتيان قريش ـ الذين أحاطوا بمنزله يمنعونه من الفرار طوال الليل فأغشى الله أبصارهم . قال تعالى : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:9].

وتوجه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وصاحبه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ إلى غار ثور ليختبئا من مطاردة المطاردين ، وانطلق مشركو مكة في آثار المهاجرين يرصدون الطريق، ويفتشون كل مهرب، حتى وقف المطاردون على باب الغار الذي يختبئ فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه، فأخذ أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ الخوف وهمس يحدث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا" فأجابه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الواثق من ربه ونصره قائلاً: " يا أبا بكر ما ظنك باثنين؛ الله ثالثهما" .

وأنزل الله جنوداً[43] صرفت الكفار من فم الغار وردتهم خائبين وما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا خطوات وفي ذلك نزل قوله تعالى : ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:40] .

واستأنف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رحلته وصاحبه إلى المدينة، ولكن سراقة بن مالك أحد فرسان قريش لحق بهما، ولما قرب هوت به فرسه من فوقها مرتين وهو الفارس المدرب، فوقع في نفسه أنه يطارد نبياً، فقام معفراً ينادي بالأمان واعتذر إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعرض عليهما الزاد والمتاع؛ فقالا : "لا حاجة لنا، ولكن عم عنا الطلب" .وهكذا أصبح سراقة أول النهار جاهداً عليهما، وأمسى آخره حارساً لهما. أليس ذلك من تأييد الله ونصره؛ الذي سجله القرآن والسنة الصحيحة في وقته وحفظه الله لنا حتى اليوم عبرة وآية؟!

آيات في عبرة وآية؟!

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123].

خرج المسلمون على سبعين بعيراً، وكان عددهم قريباً من ثلثمائة، ليأخذوا قافلة لقريش، فاستنجدت القافلة بقريش، فأخرجت قريش أفلاذ أكبادهما فيما بين التسعمائة والألف في مائتي فارس، وأخذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المشورة من أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ في قتال الجيش القادم ، ففوضوا الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن جماعة كرهت الحرب لأنها لم تستعد لها ولأن العدو يتفوق عليهم كثيراً بكثرة العدد والعدة، ورأوا أن الحرب ليست إلا موتاً محققاً، وفيهم نزل قوله تعالى : ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال: 5، 6].ولكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عزم على الحرب ، وقال لأصحابه: "سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم..."وفي ذلك نزل قوله تعالى:﴿وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾[الأنفال: 7] .

وبدأت بشائر التأييد الإلهي تنزل على المسلمين: نعاس فيه أمن ، ومطر يرطب الجو من حولهم ويجعل الرمل الدهس يتماسك تحت أقدامهم فلا تغور فيه فيتبعهم السير إلى العدو ، وتبديل ذلك الخوف ثقة وثباتاً وقوة كل ذلك نزل على جند المسلمين في ليلة المعركة، وسجله الله تعالى في كتابه:

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11] .

*ألا ترى أن في إنزال النعاس يغشى الخائفين الذين يظنون أنهم يساقون إلى الموت غداً ، ألا ترى أن ذلك عمل إلهي.

*ألا ترى أن إبدال الخوف أمناً تأييد إلهي.

*ألا ترى أن في نزول المطر ليثبت به الأقدام ويطهر الأبدان؛ نصر إلهي، تلك هي أول بشائر النصر وتأييد الله.

ويأتي النصر الثاني ، أو التدبير الإلهي في المرحلة التالية ، مرحلة التقاء الفريقين؛ ذلك هو؛ تقليل الكافرين في أعين المؤمنين ، وتقليل المؤمنين في أعين الكافرين ، ليتم اللقاء وتكون المعركة التي هيأ الله أسبابها.

قال تعالى :﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال: 44] .

قال عبدالله بن مسعود:وقد رأينا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ثم رأينا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً وذلك قوله تعالى:﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ .

ومن نصر الله تكثير المسلمين في نظر المشركين أثناء المعركة ، كما فسر بعض العلماء ذلك في قوله تعالى :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾[آل عمران: 13] .

ولكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا ينسى أن يستغيث بربه ويلح في الدعاء قائلاً : "اللهم إن تلك هذه العصابة لا تبعد بعدها في الأرض".

"اللهم؛ انجز لي ما وعدتني ؛ اللهم نصرك" وخفق النبي عليه الصلاة والسلام خفقة... ثم انتبه فقال : "أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله, هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقود الملائكة على ثنايا النقع" وامتن الله بنصره هذا على المؤمنين في وقته وسجله في كتابه:﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 9، 10] .

واشترك الملائكة في تسديد ضربات المسلمين إلى رقاب الكفار وفوق بناتهم . وسجل القرآن ذلك:

﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ [الأنفال: 12-14] .

ولم تلبث قريش أن ولت هاربة من المعركة ، تاركة وراءها سبعين قتيلاً وسبعين أسيراً من صناديد قريش ورؤؤس الكفر بمكة ، واستشهد من المسلمين أربعة عشر شهيداً .

آية غزوة الأحزاب:

س : وهل هناك مثال آخر؟

ج : نعم ..، الأمثلة كثيرة منها : الرياح وجنود الله التي أرسلها الله على الأحزاب، وسجلها الله في كتابه في سورة سميت باسم: الأحزاب، فقد أخذ اليهود يجمعون كل أعداء الإسلام لينقضوا عليه مرة واحدة ، ونجح اليهود في جمع الأحزاب الذين ملأوا السهل الجبل، وما عاق هجومهم بخيولهم إلا خندق حفره المسلمين لهذا الغرض. قال تعالى في وصف جيوش الأحزاب؛ وما أصاب المسلمين من خوف وهلع منهم:﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:10، 11] .

أما المنافقون فقد أخرج ما في صدورهم فأخذوا يتندرون بأحاديث الفتح التي كان يخبرهم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وظنوها أماني المغرورين.

فقد كان عليه الصلاة والسلام يقول: "والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة! وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمناً، وأن يدفع الله إلي مفاتيح الكعبة، وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله" ولكن المنافقين كانوا من هذا يسخرون، ويحاولون الفرار إلى منازلهم وسجل الله ذلك في قوله تعالى:﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:12،13].ولكن الله صدق وعده وأرسل جنده لهزيمة الكفار، ونصر المؤمنين المحاط بهم من كل مكان . ولنترك حذيفة بن اليمان الذي أرسله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليشاهد ما سيكون في القوم ليلة نزول جند الله.

قال حذيفة: "فذهبت؛ فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدراً ولا ناراً ولا بناء؛ فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش: لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جانبي، فقلت من أنت قال: فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع "الخيل" والخف وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون[44]. ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل؛ ثم قام إلى جملة وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب على ثلاث فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم. وهرعت جموع الأحزاب فارة مطاردة بالليل من الريح وجنود الله، وخرج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في الصباح ليروا نعمة الله عليهم حامدين ربهم وشاكرين: "الحمد لله وحده، صدق وعده ، ونصر عبده ، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده".

ونزل قرآن يذكر المسلمين بنعمة الله عليهم، ويسجل هذه الآية في الكتاب الذي أنزله الله وحفظه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 9] .

 مناقشة

ألا ترى :

·  أن خروج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من بيته سالماً من بين عشرات الشبان المحيطين ببيته المتربصين به لقتله آية وتأييد من الله لرسوله، شاهدة بأن الله صدق محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأيده.

·  أن عودة الكفار المطاردين ـ للرسول ـ من فم الغار الذي يختبئ فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه ـ خائبين بعد أن طمس الله على أعينهم ـ نصر من الله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

·  أن رمي الفارس المدرب سراقة بن مالك، المطارد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تأييد من الله لرسوله ، مما جعل سراقة يعود مخفياً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومعمياً على الكفار.

·  أن نزول النعاس تغشيته للمسلمين الخائفين، وتحويله لخوفهم أمناً، تأييد من الله ونصر وتصديق لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

·       أن نزول المطر لتثبيت أقدام المؤمنين وتطهرهم في غزوة بدر نصر من الله.

·  أن تقليل الكفار في نظر المسلمين ، ثم تكثير المسلمين في نظر الكافرين أثناء المعركة نصر من الله لجنده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

·  أن نزول الملائكة لتسديد ضربات المؤمنين فوق الرقاب والبنات تأييد إلهي من الله للقلة المسلمة مما جعلهم يهزمون عدوهم هزيمة نكراء ويقتلون سبعين ويأسرون سبعين من كبار الكفار رغم الفرق الهائل في العدد والعدة.

·  أن الرياح وجنود الله لتشتيت جموع الأحزاب وردهم خائبين رغم تكبدهم لمشقات السفر والحصار أسابيع طويلة، نصر من الله وتأييد لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وتصديق له أنه مرسل من عنده عز وجل .

  القرآن سجل صادق:

س : وكيف يقتنع الذي لا يؤمن بالقرآن بهذه البينات والآيات المصدقة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه رسول من عند الله أيده الله، مع العلم بأن هذه الأحداث لم نشاهدها في هذا الزمان؟

ج : إن تسجيل هذه الأحداث في القرآن يكفي وحده دليلاً .

س : وكيف ذلك؟

ج: لأن القرآن قد حفظ ولم يبدل منه حرف واحد بإجماع المسلمين والكافرين، فما هو موجود في الآية التاسعة في سورة الأحزاب في مصحفك، هو نفس الموجود من الأحرف والكلمات في المصحف الموجود في آية مكتبة ، في أمريكا أو في روسيا، أو في الصين أو في الهند أو في أدغال أفريقيا ، وهو نفس ما يذيعه "مذياع" لندن وإسرائيل أو القاهرة أو صنعاء ، وكذلك كل آية من كتاب الله.

س : وإذا شك الكافر فقال : إنه لا يصدق ما سجل في القرآن من أخبار وأحداث فما هو الرد عليه؟

ج : لقد كان كفار قريش، وكفار العرب، ويهود المدينة أشد حرصاً على تكذيب محمد بأدنى شيء ليبطلوا نبوته ويظهروا كذبه، فلو أن القرآن قال : إن الرياح وجنود الله هبت على الأحزاب وطردتهم ولم يحدث هذا؟ لقال الكافرون: انظروا إلى محمد كيف كذب ، إنه يقول : إن رياحاً طردتنا وجنوداً شردتنا ولم يحدث شيء من ذلك، إنه كذاب وليس برسول، فالله لا يكذب. ولكان المنافقون أشاعوا هذا في صفوف المسلمين فيفتر حماسهم ويتراجعون عن دينهم الذي ظهر كذبه، وبان باطله ولتكاسلوا في أداء الصلوات ، وصوم رمضان ، وحج البيت وإيتاء الزكاة، وأحجموا عن مقاتلة الناس، لأجل دين يعرفون كذبه.

ولكن شيئاً من هذا لم يحدث ، لأن القرآن لم يقل إلا حقاً جعل الكفار يتركون كفرهم وعنادهم ويدخلون في دين الله أفواجاً، وزاد المؤمنين إيماناً فكلما كرروا قراءته ذكروا ما شاهدوا من تأييد الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ونصره للمؤمنين، وطالما الحادث قد سجل في وقته في كتاب الله وسمعه الكافرون فما كذبوه ، وسمعه المؤمنون فازدادوا إيماناً فلا مجال لمن يحترم عقله أن يتشكك فيه، بل إن العاقل في التصديق به كمن شاهده بعينه.

 الخلاصة

*الأحداث التي لا يقدر على فعلها إلا الله والتي يحدثها الخالق سبحانه نصراً وتأييدً لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم هي بينة من بينات الرسول وشهادة له بأنه رسول الله .

*أيد الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته بطمس أعين المحاصرين وتضليل أعين المطاردين الواقفين أمام غار الرسول، وقذف سراقة الفارس المدرس من فوق فرسه مرتين لأنه يطارد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل الله ماء من السماء مطهراً مثبتاً لأقدام المجاهدين، وأيد الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بتقليل الكفار في عيون المسلمين وتكثير المسلمين أثناء المعركة في عيون المشركين ونزول الملائكة لتطمئن قلوب المؤمنين، وتسديد ضربات سيوفهم فوق رقاب الكافرين وبنانهم.

*أيد الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ونصر جنده في غزوة الأحزاب بإرسال جنود ورياح شتت جموع الكافرين، وردتهم على أعقابهم خائبين.

*ما سجله الله في كتابه من أحداث وقعت أثناء نزول القرآن حق لا يرتاب فيه عاقل مسلم أو كافر لأن ما ينزل من قرآن كان ينشر بين الناس مسلمين وكفاراً، ولو كان فيه شيء من الباطل لشهره الكافر الحريصون على تكذيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولوجدوا فيه ما يعينهم عن القتال والمعارك ولكنهم ما لبثوا أن دخلوا في دين الله[45].


 

 

الفصل الثالث عشر

شبهات باطلة

الطبيعة والتفاعل الكيمياوي والصدفة:

س : وماذا يعتقد كفار اليوم في خالقهم؟

ج : يعتقد الكفار اليوم أن خالقهم هو الوثن الجديد المسمى . "طبيعة".

س : وما هي الطبيعية؟

ج : الطبيعة هي هذه المخلوقات بما أودع الله فيها من خصائص وصفات، كالشمس والقمر والكواكب والنجوم والأشجار والأحجار والبحار والناس والحيوانات، وغيرها وإذا دققت النظر تبين لك أن الطبيعة هي جملة الأوثان السابقة التي عبدتها الوثنيات الأولى، مضافاً إليها بعض مخلوقات أخرى، فليست الطبيعة إذاً إلا وثناً جديداً جمع الأوثان السابقة.

س : وكيف تم خلقهم بواسطة الطبيعة؟

ج : يقولون إن خلق الإنسان جاء نتيجة لتفاعلات كيماوية بين المواد المختلفة، وإن التفاعلات الكيماوية التي جاء منها الإنسان قد حدثت صدفة (!!) وهكذا خلق كل شيء من الطبيعة وبالتفاعلات الكيماوية والمصادفة!!

س : وما هو الرد عليهم؟

ج : الأدلة متوافرة متضافرة كثيرة على بطلان هذا القول الوثني الجديد منها:

1 ـ إن الطبيعة والمصادفة والتفاعلات الكيماوية لا تملك عقلاً ولا تدبيراً ولا إرادة ولا حكمة ولا علماً. ونحن نجد أن للإنسان عقلاً وتدبيراً وإرادة وحكمة وعلماً. فكيف وهبت الطبيعة ، والتفاعلات الكيماوية والصدفة للإنسان ما لا تملك؟!... إننا لا نصدق بذلك ونجد أنه لا فرق بين من يؤمن بهذا ومن يؤمن بأن هبل أو اللات قد خلقت الإنسان وأوجدته . قال تعالى :

﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: 191-193] .

2 ـ إن الطبيعة قد سخرت للإنسان فأصبح سيداً على ما في الأرض يبني ويهدم ويتصرف بأجزاء الطبيعة كيفما شاء. والطبيعة لا تقاوم سيطرة الإنسان، ولا تتمرد عليه، ولا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً . قال تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: 20] .

3 ـ إن التفاعل الكيماوي محدد النتائج ، محدد أيضاً في الزمن، فإذا كان التفاعل الكيماوي هو الذي جاء بالإنسان إلى الوجود أو هل أصل الإنسان ـ كما يقول بعض الكفار ـ فمعنى ذلك مسخ الإنسانية.

لأنك إذا عملت خيراً أو شراً فلا تقدير لك ولا عقوبة، لأن ما عملته ليس إلا تفاعلات كيماوية أوجدت ما عملت من خير أو شر.

ولنزداد بينة على بطلان هذه الضلالة نقول: إذا كان الإنسان تفاعلات كيماوية في أصله ووجوده فمعنى ذلك : أنه يتكلم عندما يكون التفاعل الكيماوي قد تم لإحداث ذلك الكلام ، ثم يصمت بدون إرادة نتيجة لنهاية التفاعل، ويقوم بتأثير التفاعل الكيماوي للقيام ويجلس فجأة عنده نهاية التفاعل الكيماوي قد تم لإحداث ذلك الكلام، ثم يصمت بدون إرادة نتيجة لنهاية التفاعل، ويقوم بتأثير التفاعل الكيماوي للقيام ويجلس فجأة عند نهاية التفاعل الكيماوي .

والخلاصة : فأعمال الإنسان تبدأ عند بداية التفاعل وتنتهي بانتهائه، وذلك أمر واضح البطلان.

4 ـ إذا سلمنا جدلاً ـ مع أنه مستحيل ـ أن الصدفة قد خلقت عدداً من الذكور فإنه من أكبر المستحيلات أن نقول إن هذه الصدفة قد خلقت عدداً آخر كافياً من الإناث ليكمل وجود أحدهما وجود الآخر، وهكذا إذا سلمنا أن الصدفة قد خلقت عيناً ـ مع أنه مستحيل ـ فإنه من المستحيلات أن نصدق أن الصدفة قد خلقة العين الثانية المطابقة في كل شيء للعين الأخرى. قال تعالى : ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:49] .

 سنة الله في الهداية والإضلال:

س : من الناس من يقول : يقول الله : ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء فلماذا يعذبني الله وهو الذي أضلني؟! فما هو الجواب على هذه الشبهة؟

ج : إن التأمل في الآيات القرآنية التي تتحدث عن سنة الله في الهداية والإضلال مجتمعة يزيل هذه الشبهة ويبين الحق.

فإذا قلنا : الحكومة الفلانية حرة تحبس من تشاء وتكافؤ من تشاء، وقلنا أيضاً: الحكومة نفسها لا تحبس إلا من يستحق الحبس، ولا تكافؤ إلا من يستحق المكافأة، فهل بين القولين تعارض؟ ... والجواب : لا ، فالقول الأول يدل على أن الحكومة مستقلة وقوية ولا يستطيع أحد التدخل في شئونها ، والقول الثاني يبين أن هذه الحكومة المستقلة القوية عادلة لا تظلم .

فإذا تأملنا في آيات القرآن وجدناها تنقسم إلى قسمين رئيسيين:

الأول : آيات تبين أن لله مطلق المشيئة لا يقيد مشيئته قيد، وأنه لا سلطان ولا نفوذ لأحد عليه سبحانه، وأنه المالك الأوحد لمخلوقاته، وأنه يفعل ما يشاء . ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 93] .﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر : 8] .

والثاني : آيات تبين أن مشيئة الله ـ التي لا سلطان لأحد عليها ـ مشيئة عادلة لا تظلم أحداً . منها قوله تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُنْ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[النساء: 40] .

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44] .﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29] . وأن الله لا يهدي إلا من استحق الهدى وطلبه وحرص عليه وأخذ نفسه إلى طريق الهدى. قال تعالى :﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: 17] . ولا يظل إلا من يستحق الإضلال وساق نفسه إلى طريق الضلال وأحبه. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5] .

﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: 30] .

وبين الله بعض أوصاف من حقت عليهم الضلالة . قال تعالى : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 146] .

ويتعجب القرآن ممن يريد من الله هداية لقوم ظالمين كافرين .

﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران : 86] .وأما الذين استحقوا الهداية فيقول فيهم تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: 9] .

فالأمر واضح جلي:

*مشيئة الله حرة مطلقة لا سلطان لأحد عليها فهو سبحانه يهدي من يشاء ويضل من يشاء.

*وقد شاء الله أن يخلق للإنسان إرادة حرة يسلك بها طريق الهدى أو طريق الضلال.

*وإذا كان الله يفعل ما يشاء فإن مشيئته عادلة لا تهدي إلا من استحق الهدى، ولا تضل إلا من استحق الضلال.

العذاب على ما كتب في اللوح المحفوظ:

س : وما هو الرد على من يسأل قائلاً: لماذا يعذبنا الله على أمور قد كتبت علينا ولا مفر لنا منها ؟

ج : لو أن الأستاذ الذي أحسن مراقبة تلاميذه، وعرف أحوالهم من الناحية العلمية، وعرف الأسئلة التي ستأتي في الامتحان ، ثم أخذ ورقة وكتب فيها أسماء من يعلم أنه سينجح من طلابه ومن يعلم أنه سيفشل في الامتحان. ثم جاء الامتحان فنجح من كان يقدر الأستاذ نجاحه وفشل من كان يقدر الأستاذ فشله. فهل من الصواب أن يأتي الذي فشل في الامتحان فيقول: لقد كتب الأستاذ على أني سأفشل قبل الامتحان ففشلت بتقدير أستاذي.

سيقول له الأستاذ : هل جعلت خبرتي الدقيقة بطلابي، ومهارتي في تقدير الأمور عذراً لبلادتك وإهمالك . إن علمي بما سيؤول إليه حالك كان سابقاً وما كان سائقاً لك.

فما كتبته لم يخرج من الورقة لإرغامك على الإجابة التي تجعلك فاشلاً، ولكنك أحببت بمحض إدراتك.

ولله المثل الأعلى، فقد علم بحال عباده ، وكتب ما سيكون من أمرهم، والناس في هذه الدنيا يقضون فترة امتحان، ولإحاطة علم الله بخلقه فقد كتب نتيجة هذا الامتحان.

قال تعالى :﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك : 14] .

وليس من الصواب أن يأتي المجرم والمفسد فيعتذر عن إجرامه وفساده بكمال الله وإحاطة علمه بشأن مخلوقاته.

إن علم الله سابق لا سائق.

وكما أن علم الأستاذ السابق بأحوال طلابه لم يجر بهم على إجابة معينة في الامتحان المدرسي، فكذلك ـ ولله المثل الأعلى ـ فإن علم الله السابق لم يجبر النسا على سلوك معين في امتحان الحياة الدنيا. ولو أجبر الله على فعل الخير عندئذ لا يبقى معنى للامتحان الذي خلقت هذه الدنيا من أجله ولا معنى بعد ذلك لثواب أو عقاب.

 كثرة الفاسدين

س : ما هو الرد على من يقول : إن أكثر من في الأرض كافرون أو منافقون وسأكون معهم وما أصاب هؤلاء الناس جميعاً رضيت به. بل كيف رضي الله أن تعصيه الأغلبية من الناس ولا يطيعه إلا الأقل؟

ج : أولاً : من الخطأ اعتقاد أن للأرض مركزاً رئيسياً هاماً في هذا الملكوت الإلهي المشاهد وغير المشاهد، ونعرف هذا جيداً عندما نسمع علماً الفلك يقولون: ليست الأرض بأكملها بين النجوم إلا كنقطة في ماء المحيط. وقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر فيها شربة ماء)... أي لولا هوان الأرض على الله ما أوجد عليها كافراً به. فأي شيء ينقص من ملك الخالق إذا وجد الكافرون على هذه النقطة الصغيرة الحقيرة. ولو كان من عليها كفاراً. ولا شيء يزيد في ملك الله لو كان من على هذه الأرض الصغيرة الحقيرة مؤمنين مسلمين. وإن أردت المزيد فتأمل في الأجيال السابقة من قبلنا. لقد كانت تملأ الأرض ثم خرجت منها . فهل نقص من ملك الله شيء؟! وهذه الملايين من البشر التي تملأ الأرض اليوم ستنتهي وتخرج من الأرض جميعاً فيما يقرب من مائة عام فهل سينقص من ملك الله شيء؟

لقد ولى الأولون وساروا وخرجوا من الأرض وسيلحق بهم الآخرون. قال تعالى:

﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: 29] .

وما نقص من ملك الله شيء.

إذاً ليس شأن الكثرة أو القلة من الناس في هذه الدنيا ذا معنى أو وزن في زيادة ملك الله أو نقصه، إنما هذه الدنيا ابتلاء وامتحان للطاعة أو المعصية والآخرة دار الجزاء فمن عمل الصالحات في الدنيا نجا، ومن تكبر على الله ورسوله هلك. يستوي في ذلك القليل والكثير. قال تعالى :﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: 8] .

ولقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأن بعث الناس "999" من بين كل ألف. كما أخبرنا عليه الصلاة والسلام : أن الله يخرج من في النار إلى الجنة بعد أن يعذب على قدر ذنبه ، فلا يبقى فيها من كان بقلبه مثقال ذرة من إيمان.

أما هذا المستهزئ بعذاب الله، والذي يعلن رضاه بالنار من الآن فما قوله في جمرة يجلس عليها خمس دقائق الآن هي سيرضى؟ فكيف يعلن رضاه بالخلود في نار:﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24] .﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56] .

والواقع أن الذي دفعه إلى هذا هو عدم تعجيل الله له بالعذاب.

أفبعذابنا يستعجلون

 س : وما هو الرد على من يقول : إذا كان ما توعدنا الله به حقاً فلماذا لا ينزله الآن؟! لماذا يترك الكافرين دون عذاب؟! ... لماذا يترك المؤمنين دون ثواب؟!

ج : هذه الشبهة كغيرها من الشبهات ليست جديدة قد قالها كفار الأمس كما يقولها كفار اليوم. وقد أنزل الله فيها بياناً شافياً في كتابه، يرد الله على هؤلاء المستعجلين بالعذاب بقوله:

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: 45] .

أي : إن ذنوب الناس تستوجب عليهم عقاباً أليماً يستأصلهم ولكن الله قد جعل مهلة كافية وموعداً للحساب هو آت، ويومئذ يأتيهم ما يستعجلونه اليوم. ويقول تعالى:﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء: 204-209] ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمْ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ يَوْمَ يَغْشَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت : 53-55] .

وعجباً لأمر الكفار ...! هم اليوم يستكثرون على أنفسهم المهلة ويستعجلون ربهم بالعذاب ويوم يرون ما يوعدون ينكرون ما أعطوا من مهلة. قال تعالى:﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: 35] .

ويسألون غداً عن رأيهم في المدة التي كانوا يستكثرونها:﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون : 112-114] .

ولو تفكر الإنسان في ما مضى من عمره لشاهد في الدنيا صدق آيات ربه ولكن الكافرين في ضلالهم لا يؤمنون إلا عندما لا يكون معنى للإيمان وفرصة للنجاة بعد أن يقعوا في سوء عملهم وعذاب ربهم. قال تعالى :﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ أَالْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: 51] .

الإسلام لكل زمان ومكان

س : وما هو الرد على من يقول : إن الإسلام إنما نزل لزمن قد انقضى، وعهد قد ولى ، ونحن الآن في عصر التقدم والرقي ، وهو عصر آخر لا يلائمه الإسلام ولا يناسبه؟

ج : إن أي صانع هو صاحب الحق وحده في بيان الحكمة مما صنع، وهو وحده الذي يبين: لماذا صنع صنعته وكيف تعمل؟ وما الذي يصلحها وما الذي يفسدها، وكيف تصلح إذا حدث خلل أو فساد؟ وهذه الأحكام والإرشادات التي يضعها الصانع لا تزال صالحة مالم يتغير المصنوع أو يعدل إلى شكل آخر.

والناس جميعاً يسلمون بهذا الحق ، ويعترفون بهذه الحقيقة لكل صاحب صنعة ولا يأبى الكافرون التسليم ـ لكل صاحب صنعة ـ إلا للصانع الحكيم خالقهم من العدم.

وهذا السؤال شبهة من شبهاتهم، لأنه يقوم على أساس أن الإنسان قد تغير وتبدل، ولا يصلح له اليوم ما كان يصلح له بالأمس. فهل هذا صحيح؟!

هل الحكمة اليوم من أنفك غير الحكمة من أنف عمر بن الخطاب غير الحكمة من أنف فرعون غير الحكمة من أنف نوح عليه السلام؟!

وهكذا إذا أخذت أي جزء من أجزاء الكيان الإنساني اليوم وجدتها لم تغيير ولم تستبدل عما كانت عليه قبل آلاف السنين.

إذاً

*لم تتغير الخلقة البشرية ولا الفطرة الإنسانية أبداً .

وكما أن الخلقة لم تتغير فما يصلحها بالأمس هو عين ما يصلحها اليوم. فمثلاً: معصية الله، والكذب والخيانة والبطش والظلم والغدر وشهادة الزور وعصيان الوالدين. والكبر والنميمة والاستبداد والدناءة وشرب الخمر والزنا والسرقة، وغيرها من القبائح. كل هذه قبائح مرذولة جاء الإسلام لتطهير الفرد والمجتمع منها، فهل قد أصبحت اليوم من الفضائل؟ وهل المقاييس قد انعكست؟ الجواب: لا.

لم تنعكس وإنما هو تلوث الفطرة البشرية عند بعض من يقول: بأن الموازين قد تغيرت عما كانت عليه قبل:

عدوا المكارم والعفاف تأخراً              وخساسة الأنذال وضعاً جيداً

والعكس بالعكس.

*إن الحسد هو الحسد غير أنه قد كان بالأمس على نخلة، واليوم قد يكون على سيارة.

*إن التعاون هو التعاون وإذا كان بالأمس لزراعة أرض بالمحراث فقد يكون اليوم لزراعة أرض بالحراثة.

*إن الحقائق ثابتة لكن صورها متغيرة ، ولكن الصور لا تغير شيئاً من الأحكام الأصلية على تلك الحقائق.

إذاً

*بما أن فطرة الإنسان لم تتغير فما أصحلها بالأمس هو عين ما يصلحها اليوم مع تغير في الأشكال والصور دون مساس بالأصول الثابتة.

*إن الذي خلق الإنسان ـ الذي لم يتغير خلقه ـ قد وضع له منهاجاً وأنزل له هدى يصلح أمره ويقيم حياته على خير وجه. قال تعالى :﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30] .

ومن الناحية العملية فالواقع شاهد لا يكذبه أحد فقال كانت الدولة الإسلامية في عصورها الذهبية ممتدة رقعتها من بلاد الصين شرقاً إلى جبال أسبانيا غرباً، وكان البحر المتوسط بحيرة إسلامية تخفق الراية الإسلامية على ممالكه، وكانت هذه الولايات المختلفة تضم أمماً متباينة الأجناس والعادات والأديان والمصالح من عرب وفرس وروم وغيرهم؛ وقد نظمت الدولة الإسلامية شئون هذه الأمم والشعوب بقوانين من شريعتها، ولم يحدثنا التاريخ أن المسلمين في عصر من تلك العصور استمدوا قانوناً من تشريع غيرهم أو استقدموا مستشاراً قانونياً أجنبياً لتشريع قوانينهم؛ بل كلما فتح الله لقواد الجيوش ولايات ، فتح الله بالعلماء للتشريع أبواباً من الاجتهاد والاستنباط، وما ضاقت الشريعة الإسلامية عن حاجة ولا قصرت عن مصلحة، ولا اصطدمت مع مصالح مسلم أو يهودي أو نصراني، بل عاشوا في ظل عدالتها وتسامحها عيشة راضية؛ هذا ولقد نشأت الشريعة في بيئة صحراوية بدائية. لكن ربها هو رب الإنسان الذي يعلم ما يصلح عباده في مختلف الأزمنة والأمكنة، كما يشهد بذلك التاريخ والواقع وينطق به كثير من المنصفين من غير أبناء الإسلام.

يقول العلامة "سانتيلانا " في كتابه[46]: "إن الفقه الإسلامي ما يكفي المسلمين في تشريعهم المدني إن لم نقل: إن فيه ما يكفي الإنسانية كلها".. أما البحاثة الأمريكي "هوكنج" أستاذ الفلسفة بجامعة هارفرد، فقد قال في كتابه "روح السياسة العالمية": "إن سبيل تقدم الممالك الإسلامية ليس في اتخاذ الأساليب الغربية التي تدعي أن الدين ليس له أن يقول شيئاً عن حياة الفرد اليومية وعن القانون والنظم السماوية وإنما يجب أن يجد المرء في الدين مصدراً للنمو والتقدم.

وأحياناً يتساءل البعض عما إذا كان نظام الإسلام يستطيع توليد أفكار جديدة، وإصدار أحكام مستقلة تتفق وما تتطلبه الحياة العصرية.

فالجواب على هذه المسألة هو أن في نظام الإسلام كل استعداد داخلي للنمو، لا بل إنه من حيث قابليته للتطور يفضل كثيراً النظم المماثلة، الصعوبة لم تكن في انعدام وسائل النمو والنهضة في الشرع الإسلامي وإنما في انعدام الميل إلى استخدامها، وإني أشعر بكوني على حق حين أقدر أن الشريعة الإسلامية تحتوي بوفرة على جميع المبادئ اللازمة للنهوض".

وهذا هو الدكتور "ايزيكو انسابا توحين" يقول : "إن الإسلام يتمشى مع مقتضيات الحاجات الظاهرة، فهو يستطيع أن يتطور دون أن يتضاءل في خلال القرون ويبقى محتفظاً بكامل ما له من قوة الحياة والمرونة... فهو الذي أعطى للعالم أرسخ الشرائع ثباتاً، وشريعته تفوق في كثير الشرائع الأوربية" .

ولا عجب في ذلك.. لأنها شريعة الله العليم الحكيم الخبير.

ولامتياز الشريعة الإسلامية فقد قرر المؤتمر الدولي المنعقد في (لاهاي) سنة 1932 أن تكون الشريعة الإسلامية مصدراً من مصادر القانون فأصبحت المصادر الدولية للقانون المقارن أربعة: القوانين الفرنسية ، القوانين الألمانية، القوانين الإنجليزية، الشريعة الإسلامية.

ليس هناك من هو أعلم من الله بما يصلح أحوال خلق الله.

﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ﴾ [البقرة: 140] .﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات: 16].

﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم:22].

﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين : 7، 8] .


 

 

الفصل الرابع عشر

حقيقة الحياة

 أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً :

س : هل خلق الإنسان عبثاً؟

ج : لا .. ما خلق الله الإنسان عبثاً ولن يتركه يذهب سدى.

ألا ترى :

·       أن عينك ما خلقت عبثاً وإنما خلقت لحكمة .

·       أن أنفك ما خلق عبثاً وإنما خلقنا لحكمة .

·       أن يديك ما خلقتا عبثاً وإنما خلقتا لحكمة .

·       أن أصغر عرق في جسمك ما خلق عبثاً وإنما خلق لحكمة .

·  ومن أراد أن يعلم أجزاء جسمه وكيانه فعليه أن يدرس كما يدرس الأطباء وغيرهم علم "وظائف الأعضاء" وعلم النفس سنوات عديدة.

إذاً

إذا كان كل جزء منك قد خلق لحكمة فما لا شك فيه أنك أيها الإنسان بأجمعك قد خلقت لحكمة ولم تخلق عبثاً. قال تعالى :

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: 115، 116] .

س : وهل تختلف الحكمة من إنسان لآخر؟

ج : إن الحكمة التي خلق الإنسان من أجلها واحدة.

ألا ترى

·  إن الحكمة من عينيك هي نفس الحكمة من عيني أي غني أو فقير أو رئيس أو مرؤوس، أو عالم أو جاهل في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو زمن فرعون أو زمن نوح أو زمن آدم عليهما السلام.

·  وكذلك الحكمة من كل جزء من أجزاء الإنسان واحدة في الجنس الإنساني بأكمله على اختلاف الزمان والمكان.

·  وأن التركيب الإنساني الجسدي والنفسي والروحي والعقلي واحد لم يتغير في الجنس البشري على اختلاف الزمان والمكان .

إذاً

إذا كان التركيب الإنساني واحداً ، والفطرة البشرية واحدة لم تتغير في بني الإنسان، فالحكمة من خلقهم لا بد أن تكون واحدة ولا تتعلق بزمن أو مكان ، أو بجاه ، أو غنى أو فقر أو جهل ، إنما تتعلق بأصل الفطرة الإنسانية والتركيب الإنساني. قال تعالى :

﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30] .

الحكمة متعلقة في الدنيا والآخرة:

س : وما هي الحكمة من خلق الإنسان؟

ج : إذا حصرت نظرك على نطاق الدنيا لن تجد لوجود الإنسان أي حكمة أو معنى، فإن قلت الحكمة من وجود الإنسان:

1-    الحياة . فلماذا يموت؟

2-    العمل . فلماذا يعجز وينتهي ويموت؟

3-    المتعة . فلماذا يتعب ويموت؟

4-    البناء . فلماذا يخرب ويهدم ويترك كل ما بنى ويموت؟

5-    الصراع من أجل الأحسن .. فلماذا ينتكس إلى الأسوأ ولماذا يموت؟

*وإذا تأملت إلى حياة جيلنا وفكرت وجدت عجباً .. فهو قبل أعوام لم يكن له وجود على هذه الأرض.. وبعد مائة عام سيخرج من هذا الوجود فلماذا جاء هذا الجيل إلى الدنيا؟ ولماذا خرج منها؟ ولما تتعاقب الأجيال على نفس المنوال: قال تعالى:﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 31، 32] .

إن من حصر نظره في نطاق الأرض يبحث عن الجوانب والهدى لن يجد إلا ما وجده الكافرون : تيه وضلال، وخبط وعمى ، وسؤال بل وأسئلة بدون جواب.

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7] .

فإذا تعلمنا ما جهلنا ممن أرسلها الله ليعلمونا ما غاب عنا من أمر عرفنا الهدى وخرجنا من حياة التيه والعمى التي يحياها الكافرون إلى حياة النور والهدى.

قال تعالى :﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:15،16] .

وبهذا الهدى تعلمنا من خالقنا أنه قسم حياتنا قسمين:

1-    الحياة الدنيا دار الابتلاء بما استخلفنا الله عليه.

2-    الحياة الأخرى دار الجزاء.

3-    وأن الموت هو الانتقال من دار الابتلاء إلى دار الجزاء .

الحياة الدنيا دار استخلاف وامتحان:

س : ما معنى أن الله استخلف الإنسان في الدنيا؟

ج : ( أ ) إذا تأملنا في موقف الإنسان على الأرض وجدناه في موقف المستخلف عليها من قبل مالكها.

*فالإنسان لم يخلق على هذه الأرض مما ينتفع به ويستخدمه أو مما هو مسخر لمنفعته ومصلحته : قال تعالى :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] .

﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام : 102] .

بل لا يملك من نفسه شيئاً ، لا يملك يده ولا لسانه ولا عينه ولا رجله ولا يملك عرقاً ولا عظماً ولا جلداً ولا لحماً ولا عصباً ولا حتى قطرة دم ، لأنه لم يخلق من ذلك شيئاً . قال تعالى :

﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة : 57-59] .

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:21].

( ب ) ومع أن الإنسان لا يملك شيئاً من نفسه ولا مما حوله فهو من الناحية العملية في مكان المالك ، فقد أعطي من الصلاحيات والقدرات والإمكانيات ما جعله يسخر كل شيء في الأرض لمصلحته ، وينتفع بالقوى والخيرات وغيره من المخلوقات حتى سمي الإنسان " سيد الأرض" قال تعالى :

﴿أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: 65] .

( ج ) ومن الواضح أن هذه المنزلة التي احتلها الإنسان لم تكن إلا بما أودع الله فيه من طاقات ومواهب وكفاءات من جانب، ومن الجانب الآخر بتسخير ما في الأرض جميعاً له مع عدم خلق من ينافسه أو يتغلب عليه ويستضعفه.

فمنزلة الإنسان إذاً في هذه الأرض منزلة المالك لما فيها ولكنه لا يملك منها شيئاً، لأنه لم يخلق منها مثقال ذرة ، فتعرف إذاً أن منزلة الإنسان في الأرض هي منزلة المستخلف عليها من قبل مالكها الحق، ومالك الإنسان.

قال تعالى:﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[البقرة: 30].﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:129] .﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾[النمل: 62].﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 165].

ونجد أن الإنسان المستخلف يستخلفه المالك الحق على ما شاء . فليس الإنسان هو المختار لزمانه أو مكانه أو أبويه أو مواهبه أو مجتمعه أو صورته أو عمره، أو أبنائه أو جنسه (ذكراً أو أنثى ) وهذه الأمور جميعاً تحدد ما يستخلف الإنسان عليه كماً وكيفاً . كما أن المالك يسترد كل ما استخلف الإنسان عليه متى شاء فيخرج الإنسان كما دخل، وقد سلم الودائع جميعاً وترك كل ما سكن فيه. قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94] .

إذاً

الإنسان عبد مستخلف على الأرض بتقدير سيده ومالكه، خالقه وخالق كل شيء.

س : وما معنى أن الأرض دار ابتلاء وامتحان للإنسان؟

ج : معنى ذلك : أن الله يستخلف الإنسان على هذه الأرض لمدة محدودة وأجل معلوم، لمعرفة طاعة عبده من معصيته.

وتمييز المؤمن من الكافر والمطيع من العاصي ، حتى يكون الجزاء في الآخرة على ضوء ما قدم الإنسان من عمل في الدنيا، وكل إنسان ممتحن فيما استخلفه الله عليه ؛ فالله سبحانه وتعالى قد خلق الإنس ليعبدوه. والعبادة معناها : الطاعة والخضوع والانقياد. قال تعالى :

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِي إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56، 58] .

ولكن الله ما شاء أن يرغم الناس على عبادته فخلقهم خلفاء له على الأرض، وأرسل إليهم رسلاً ورسالات، طلب منهم أن يخضعوا لأمره وأن يطيعوه ويعبدوه باختيارهم في المهلة المعطاة لهم على الأرض ، فمن اتبع الهدى وأطاع ربه فقد فاز في الامتحان ونجح في الابتلاء، ومن أبى فقد ضل ، وفي النار هوى.

لأن الفائز المؤمن عرف ربه وخالقه ، وعرف وجوب طاعته والخضوع له ، وعلم ما أرسل ربه من هدى فاتبع الهدى وهو قادر على المعصية فاستحق الجنة.

والخاسر الكافر جحد آيات ربه وعصاه وتغافل عن هدى خالقه وسيده، فعصى ربه وهو قادر على الطاعة فاستحق العقاب.

س : وكيف يتحقق الامتحان؟

ج : إن الله سبحانه قد عرفنا أن كل ما في الأرض فإن لا يدوم ولا قيمة له وأنه قد غر من قبلنا فتضارعوا عليه ، ثم تركوه مرغمين. قال تعالى:﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت : 64] .﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: 60] .﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: 25-26].

وإذا تأملت في حياتك وجدت صدق هذه الحقيقة، فكل ما مضى من حياتك لا قيمة له قال الشاعر:

ما مضى فات والمؤمل غيب         ولك الساعة التي أنت فيها

وما بقي منه إلا عملك الصالح ، وماهي إلا سنوات حتى تكتشف هذه الحقيقة في حياتك بأكملها بل في حياة جيلك كله، بل ستجدها واضحة في الحياة البشرية كلها.

ولكن إذا كانت الحقيقة الحياة الدنيا تافهة غير باقية، فلماذا تزين في أنظارنا وتحبب إلى قلوبنا وتبدو كأنها دائمة؟ .. والجواب.. من هدى خالق هذه الحياة سهل ميسور. إن الله قد زين الآخرة وحبب الإيمان وهدى إلى الطريق . وفي الوقت نفسه زين الدنيا وحببها إلى القلوب ، ورسم لنا الطريق الذي نحصل فيه على السعادتين في الدنيا والآخرة .فمن كان إيمانه قوياً ، وخوفه من ربه عظيماً سلك لجميع الدنيا بطريق ربه واتبع هدى خالقه، وقاوم الهوى ووسوسة الشيطان ولم ينخدع بزينة الدنيا لينحرف عن الطريق فذلك هو الامتحان وذلك هو النجاح.

وأما إن كان ضعيف الإيمان ، لا يخالف ربه فإن بريق الدنيا يخدعه وينطلق لجميع ما في الدنيا من متاع وزينة بأي وسيلة أو طريقة بقتل أو تدمير أو تخريب، بحيلة أو خديعة ، وبهذا يظهر كفره أو فسقه فذلك امتحان وذلك هو الفاشل فيه.قال تعالى:﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾[الكهف: 7-8].﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾[آل عمران:14].﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[يونس : 7، 8] .

إذاً

·       الإنسان خليفة مكنه ربه من استخلاف أرضه.

·       الإنسان عبد مملوك ، عليه طاعة سيده ومالكه .

·  جعل الله استخلاف الإنسان في هذه الأرض طريقاً لمعرفة المطيع من العاصي والمؤمن من الكافر وزين الله له الدنيا الفانية في نظره كما زين له الآخرة الباقية في كتاب ، ليتم الامتحان. فإن كان مؤمناً صادقاً سلك طريق ربه وآثر الباقية على الفانية وإن كان فاسقاً أو استهواه بريق الدنيا الفانية، وانحراف عن الهدى وبذلك كانت الدنيا دار امتحان وكل ما عليها أداة من أدوات الامتحان.

·       ثم تنتهي مدة الامتحان بالموت لينتقل الإنسان من دار العمل إلى دار الجزاء.

 الحكمة من خلق الإنسان:

وإذاً فالحكمة من خلق الإنسان ، هو أن يكون خليفة الله في أرضه يمتحنه ربه: أيطيعه ويعبده ، أم يعصيه ويكفر به ، ثم ينقله بالموت من دار المهلة والعمل ، إلى دار الجزاء على ما قدم.

·       وهذه الحكمة واحدة من خلق كل إنسان في كل زمان ومكان.

·  وكل إنسان مستخلف على ما شاء الله أن يستخلفه وهو ممتحن فيما استخلف عليه. قال عليه الصلاة والسلام : (كلكم راع وكلم مسئول عن رعيته".

·       وكل إنسان سيموت ليلقى جزاء عمله.

حياة الكفار:

س : وعلى أي هدف يعيش الكفار؟

ج : إن الكافرين يعيشون لأهداف دنيوية محضة وهم في الوقت نفسه يتساءلون أيأكلون ليعيشوا؟ أم يعيشوا ليأكلوا؟

ولا يدرون ما الحكمة من خلقهم ولا الحكمة من مجيئهم إلى هذه الدنيا ولا يعرفون لماذا يموتون ؛ إنهم الأنعام بدرجة واحدة، يعيشون لا يدرون لماذا؟ قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:12].

الخلاصة :

·  كل جزء في الإنسان يشهد أن الله خلقه لحكمة . والتكوين البشري الموحد الذي لا يتغير باختلاف الزمان والمكان يشهد أن الحكمة واحدة من جميع البشر.

·  الحكمة من خلق الإنسان متعلقة بالحياة الدنيا والآخرة. وهي لا تظهر لمن حصر نظره في نطاق الدنيا فقط.

·  أعطى الخالق عبده الإنسان صلاحيات الخلافة على الأرض وجعل ما استخلف فيه أداة لمعرفة طاعة الإنسان من معصيته وكفره من إيمانه. وزين الدنيا في نظر الإنسان كما زين الآخرة في كتابه فمن كان قوياً في إيمانه سار على هدى ربه ومن كان ضعيفاً في إيمانه غره بريق الدنيا فحرفه عن الطريق وبذلك كانت الدنيا دار استخلاف وامتحان وكان الإنسان هو الخليفة الممتحن.

·  أما الكافرون فهم يعيشون في تيه وعمى يدخلون إلى الدنيا لا يدرون لماذا؟ ويعيشون عليها لا يدرون لماذا؟ ويخرجون منها لا يدرون لماذا؟

﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 


[1] - انظر الهامش السابق.

[2] -  وكما من اليتيم أن له أياً ولو أنه لم يشاهده. لكن وجود اليتيم أثر يدل على والده في عالم الغيب وكما تدل المصنوعات الي تشاهدها في الأسواق بأن لها صانعاً ولو لم نره.

[3] - أو يخضع ما صنع غيره تحت حكمه وعندئذ تثور المنازعات، والحروب ويفسد ما في الأرض والسماء.

[4] -- وكيل متصرف فيه كيف يشاء .

[5] - مقاليد : أي مفاتيح وزمام الأمور.

[6] - وخسرانهم لأنفسهم : بتخليد الأنفس في النار وبعدم الوصول إلى الحور المعدة لهم في الجنة لو آمنوا.

[7] - القدوس : المطهر من العيوب والنقائص.

[8] - الصمد : الغني الذي يقصد في الحوائج ولا يحتاج إلى أحد .

[9] - القيوم : القائم بنفسه والمقيم لغيره.

[10] - الباري: الخالق لما فيه الروح والموجد لما له أصل .

[11] - البديع : الذي لا نظير له .

[12] - العفو : الماحي لسيئات من أناب إليه .

[13] - الشكور: الذي يعطي الكثير على العمل القليل.

[14] - المؤمن : المؤمن خلقه من العذاب والمصدق وعده لهم.

[15] - البر : كثير البر عظيم الإحسان.

[16] - الواسع: الذي عمت رحمته ووسع رحمته كل شيء.

[17] - العلي : الذي يبلغ أعلى المراتب التي يعجز التصور عن إدراكها والإحاطة بها.

[18] - المتعالي: المنزه عن النقائص .

[19] - المتكبر : المنفرد بصفات العظمة.

[20] - المتين: الذي بلغ النهاية في الشدة.

[21] - الشهيد: العالم بكل مخلوق.

[22] - الباطن: الخفي بذاته فلا يعلم ذاته أحد.

[23] - المهيمن: المسيطر.

[24] - الوكيل: القائم بأمور عباده وسائر ما يحتاجون إليه.

[25] - الولي : المتولي أمر خلقه لحبه لهم ونصره إياهم.

[26] - الفتاح: الذي يفتح خزائن رحمته لعباده.

[27] - الحسيب: الذي يكفي عباده أو : الذي يحاسبهم يوم القيامة.

[28] - المنتقم : المعاقب لمن يستحق العقوبة.

[29] - يلحدون : يميلون عن الحق في أسمائه حيث اشتقوا منها أسماء أو يبتدعون أسماء، ما أنزل الله بها من سلطان.

[30] - السنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في السنة.

[31] - تسمى الأناجيل المبدلة عيسى عليه السلام : (يسوع) .

[32] - قسيس مصري اهتدى وأصبح اسمه : إبراهيم خليل أحمد .

[33] - بيت المقدس .

[34] - المحمد : أي محمد .

[35] - المحامد : أي محمد.

[36] - محامد : أي محمد .

[37] - أستاذ العالم : أي رسول للعالمين.

[38] - الخمس المطهرة : الصلوات الخمس التي تطهر المسلم من ذنوبه .

[39] - ينادون للدعاء: أي ينادون للصلاة لأن الصلاة دعاء .

[40] - الدرباء : نبات يخرج به الهنود الدم من جسم الإنسان ويعدون هذا العمل تطهيراً من الخطايا .

[41] - "مسلي" : أي يسمون بالمسلمين دخل عليها شيء من التحريف البسيط.

[42] - مكر الله : نذير الله .

[43] - ذكر أن هذه الجنود حمامتان وحشيتان باضتا بفم الغار وشجرة نبتت وعنكبوت نسج خيوطه على باب الغار فقال الكفار لما وقفوا على باب الغار : لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه.

[44] - وذلك لأنه أحس بقوى لا ترى تعبث بقدورهم ونارهم وخيامهم وتعمل على طردهم وتشريدهم.

[45] - وصدقوا في إيمانهم .

[46] -  Avaut – Pyoget ducodecivilet Commer cioltunieien.