|
وبعد : أيها الأخ القارئ فهذا الكتاب الثاني
من سلسلة التوحيد، وقد راعيت فيه أن يكون متمشياً مع أحوال زماننا، وحرصت على
الإكثار من ضرب الأمثلة، حتى يتحقق الهدف المنشود الذي طالما حثنا القرآن عليه،
وشدد العلماء عليه في الزمان، ذلك هو هدف ربط الحقائق الدينية بأدلتها المبثوثة في
الكون كما قال تعالى :﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي
مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ
عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ
يُؤْمِنُونَ﴾
صدق
الله العظيم، أو كما قال سبحانه :
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا
وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ﴾ صدق الله العظيم .
لذلك فقد يجد القارئ بعض حقائق علمية لم يكن
قد عرفها من قبل في ميدان العلوم الكونية ، فلا يمنعه ذلك من معرفتها من المراجع
الخاصة بها ، أو بواسطة التعاون مع أساتذة هذه العلوم . ومن المفيد جداً للنجاح في
دراسة هذا العلم: ضرب الأمثلة، واستخدام وسائل الإيضاح المختلفة، كما أن بساطة
التعبير، ووضح الفكرة ، وسهولة البرهان ، أمور هامة جداً لتثبيت العقيدة في قلوب
الناس، كما أن الانتفاع بما جاء في موضوع الدرس من الآيات القرآنية أمر نافع جداً
، فليس هنا ما يثبت المعنى العقلي كآيات القرآن ، ويستثير أحاسيس الوجدان .
أما أنت أيها المسلم ، فاعلم أن علم التوحيد
هذا هو أصل دينك فإذا جهلت به فقد دخلت في نطاق العمي ، الذين يدينون بدين لا دليل
لهم عليه ، وإذا فقهت هذا العلم كنت من أهل الدين الثابت الذين انتفعوا بعقولهم .
قال تعالى :
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ
رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ صدق الله العظيم .
فإذا انتفعت بهذا العلم ، وبغيره من العلوم
النافعة فإن عليك أن تعلم أهلك وأصحابك ، فتكون من الدعاة إلى الله الذين قال الله
فيهم :
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ
صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ صدق الله العظيم.
وبهذا أيها المسلمون تكونون مصابيح مضيئة
بين أهليكم وأمتكم ينتفع الناس بكم .
اسأل الله أن يجعل العمل خالصاً لوجهه ، وأن
يجعله طريقاً موصلاً إلى رضوانه.
الفصل الأول
أهمية الإيمان بالله ورسوله
س : ما هو أول واجب على الإنسان؟
ج : أول واجب على الإنسان أن يعرف الله
سبحانه وتعالى وأن يؤمن به.
س : ولماذا كانت معرفة الله ، والإيمان به
هي أول واجب على الإنسان؟
ج : لأنه إذا لم يعرف الله الخالق له ،
والمالك له ، والمتصرف به فإنه:
أولاً : سيعيش في هذه الدنيا كالحيوان ، لا
يعرف من خلقه، أو لا يدري لماذا يعيش في هذه الدنيا ، يأكل ويشرب ، وينام ويستيقظ
، وينتهي عمره وهو لا يدري لماذا عاش ، ولماذا وجد؟!
قال تعالى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا
تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾[محمد:12] .
ثانياً : سيفسد في الأرض بأعماله ، ويسيء
التصرف بأفعاله ، لأنه لا يدري ما هي الأعمال الصالحة ، ولا يعرف ما هي الأعمال
الفاسدة، ولا يعلم ماذا يرضي ربه ومالكه، ولا يفهم ما الذي يغضب خالقه وسيده؟!
ألا ترى:
*أن الناس لا يعرفون الطرق الصحيحة لاستخدام
السيارة، إلا بإرشاد يأتيهم من صانع السيارة.
*إن الناس لا يعرفون الطرق الصحيحة لاستخدام
المضخة ـ (البمبة) ـ إلا بإرشاد يأتيهم من صانع المضخة : (البمبة) .
*إن الناس لا يعرفون الطرق الصحيحة لاستخدام
أي آلة ، أو مصنوع، إلا بإرشاد من الصانع لتلك الآلة، أو المصنوع.
إذاً :
*لا يمكن للإنسان أن يعرف الطرق الصالحة
لاستخدام أي مخلوق من هذه المخلوقات إلا بإرشاد من خالق المخلوقات.
فالذي لا يعرف ربه يفسد في أعماله ،
وتصرفاته في الأرض ، لأنه جهل بالهادي سبحانه إلى طريق الرشاد ، وما هذا الفساد في
الأرض إلا بسبب الابتعاد عن إرشادات خالق المخلوقات.
قال تعالى :﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ
وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾[البقرة: 27] .
ثالثاً : ثم تنتهي به الحياة الدنيا وهو لا
يدري لماذا بدأت؟ ويخرج منها ومن لا يدري لماذا دخل إليها؟ يزعجه ذكر الموت ، ويفر
حتى من التفكر فيه .
قال تعالى :﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ
مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الجمعة:8] .
رابعاً : يحرم من الفوز برضاء الله ، ونصره،
وتأييده.
قال تعالى :﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾[الحج:40].
وهكذا يعيش الذي لا يعرف ربه:
*غافلاً عن خالقه من العدم ، جاهلاً بالغرض
من خلقه، ضائعاً ، وتائهاً في هذه الدنيا.
*غافلاً عن عمل الصالحات ، مفسداً في الأرض
.
*غافلاً عن مصيره الذي ينتظره بين لحظة
وأخرى.
*محرمات من تأييد الله ونصره .
س: وهل هناك سبب آخر يجعل المعرفة بالله أول
واجب على الإنسان؟
ج ـ نعم .. فما سبق ينتج عنه أن الغافل عن
معرفة ربه :
1 ـ يحرم نفسه من رضا ربه ، ونعيم جنته.
قال تعالى
﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ
وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ
يُطَافُ
عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ
الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي
أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الزخرف:69-72] .
2 ـ ويعرض نفسه للضياع ، والهلاك في نار
وقودها الناس والحجارة، أعدت للكافرين.
قال تعالى :﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾[ق:24] .﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ
وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ
اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾[التوبة:68] .
س : وما هي أهمية الإيمان برسول الله صلى
الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
ج : إننا بغير أن نعرف رسول الله إلينا،
ونؤمن به سنحرم من هدى الله، والحياة الطيبة في الدنيا ، كما نحرم من نعيم الجنة
الخالد يوم القيامة.
ومن لا يعرف رسول ربه ، تسهل سيطرة الدجالين
، والمشعوذين ، والمستبدين ، والجبابرة عليه.
*أول واجب على الإنسان أن يعرف الله تعالى .
*الذي لا يعرف ربه يعيش في الدنيا كالحيوان
لا يدري لماذا يعيش؟ ويفسد في الأرض ولا يدري ما هي الأعمال الصالحة التي ترضي
خالقه؟ ويخرج من الدنيا وهو لم يعرف لماذا جاء إليها؟
*الذي لا يعرف ربه يحرم نفسه من رضا ربه
ونعيم الجنة ، ويعرض نفسه لعذاب جهنم ، كما يحرم نفسه من تأييد الله ونصره .
*الذي لا يعرف رسول ربه إليه، يحرم من نعمة
الهداية الإلهية في الدنيا، ونعيم الجنة في الآخرة.
*الذي لا يعرف رسول ربه تسهل سيطرة
المشعوذين والدجالين والظلمة عليه .
الفصل الثاني
أهمية الإيمان بالملائكة والكتب
أهمية الإيمان بالملائكة :
س : وما هو الإيمان بالملائكة ولماذا يجب
الإيمان بوجودهم؟
ج (1) الإيمان بوجودهم ركن من أركان الإيمان
لا يتم إيمان المسلم إلا به ، وقد أخبرنا عنهم ربنا سبحانه وتعالى ، فنحن نؤمن بكل
ما أخبرنا الله به.
(2) الإيمان بالملائكة ، توسيع لمعارف
الإنسان عن نظام الله في هذا الكون، فيكون لدى المؤمن معرفة صحيحة، وإدراك صحيح
لكثير من حقائق الكون الغائبة، عرفها المؤمن بفضل تعليم الله له.
(3) والإيمان بالملائكة الذين أخبر عنهم
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:
"أطت السماء وحق لها أن تئط ، ليس فيها
موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد" ثم قرأ :
﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ
وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾[الصافات:164-166] .
الإيمان بوجودهم وبغيرهم من مخلوقات الله
الخاضعة لربها، يعرفنا أن العصاة لله في هذا الكون قليلون، ليس لهم نسبة تذكر في
نظام الكون، وإن كانت لهم نسبة كبيرة في بني البشر ، فإن البشر أجمع ليس لهم نسبة
تذكر إلى جانب الملائكة وبقية المخلوقات الطائعة .
(4) والإيمان بالملائكة الذين يرسلهم الله
لتثبيت المؤمنين يجعلنا نعمل على أن نستحق من الله تثبيته لنا بالملائكة.
قال تعالى :﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ
فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾[الأنفال : 12].
(5) وإيماننا بالملائكة الكاتبين الملازمين
لنا يجعلنا في يقظة دائمة، من الوقوع في الشر، حتى لا يسجل علينا ذلك، كما يجعلنا
في تحفز دائم الفعل الخيرات فتكتبها الملائكة.
قال تعالى :﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ
بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾[الزخرف:80].
وكما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم :
" إن معكم من لا يفارقكم إلا عند
الخلاء وعند الجماع فاستحيوهم وأكرموهم".
س: ما هي أهمية الإيمان بالكتب الإلهية
السابقة؟
ج : (1) الإيمان بها ركن من أركان الإيمان ،
لا يتم الإيمان إلا به.
(2) الإيمان بالكتب السابقة هو الصفة
اللائقة بالأمة المسلمة، وارثة العقائد السماوية، وارثة النبوات منذ فجر البشرية،
والحفيظة والمحافظة على تراث العقيدة، وتراث النبوة، ورائدة موكب الإيمان على
الأرض إلى آخر الزمان.
وثمرة هذا الإيمان ، هي الشعور بوحدة
البشرية ، ووحدة دينها ووحدة رسلها، ووحدة معبودها.
(3) والإيمان بالكتب السابقة ، ينقي روح
المؤمن من التعصب الذميم ضد الديانات، وضد المؤمنين بالديانات، ما داموا على
الطريق الصحيح.
(4) والإيمان بالكتب السابقة يؤكد للناس أن
دين الله واحد وأن الإسلام جامع لكل الديانات السماوية ، والمسلمون، والمسلمات
أولى الناس جميعاً بقيادة البشر على نهج الإسلام .
فالمؤمن يعتقد أن أي طائفة من أهل الكتاب
يملكون أساساً وأصلاً لدينهم وهذا مما يجعل أهل الكتاب قريبين من الإسلام
والمسلمين لو أنصفوا .
قال تعالى :﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ
أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾[الشورى:13] .
(5) الإيمان بالكتب الإلهية جزء من الإيمان
بالقرآن، وجزء من الإيمان بأن الله سبحانه هو الهادي وأن هداية الله لم تنقطع عن
البشر، فما من أمة إلا وقد أنزل الله لها هدى.
(6) والمسلم يؤمن أن القرآن قد اشتمل على كل
ما سبقه من كتب وهو سليم من أي تحريف، فالقرآن يصدق بالكتب السابقة وهو المرجع
الوحيد لبيان ما فيها من حق.
قال تعالى :﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب
ومهيمنا عليه﴾[المائدة:48]
.
الخلاصة:
*الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان ،
وهو توسيع لمعرفة الإنسان بملكوت ربه ، يثبت عمله ، ويقوي خشيته لربه .
*الإيمان بالكتب السابقة ركن من أركان إيمان
المسلم ، وهو يقضي على التعصب الذميم ، ويرشح الأمة الإسلامية لقيادة البشرية على
هدى الإسلام لأنه الدين المصدق بكل الكتب السابقة ، وهو اعتراف بأن الهداية
البشرية قد عمت الناس جميعاً .
*لا إيمان لمن لا يؤمن بالملائكة والكتب
السابقة .
الفصل الثالث
أهمية الإيمان باليوم الآخر
وبالقدر خيره وشره
أهمية الإيمان باليوم الآخر:
س : ما هي أهمية الإيمان باليوم الآخر؟
ج : من لا يؤمن باليوم الآخر يعيش في هذه
الدنيا كالحيوان لا يدري ما الحكمة التي من أجلها خلق؟ فهو يرى أن كل ما في الدنيا
فإن منقض لا يدري هل الحكمة من الحياة جمع المال؟ لكنه لجمع المال؛ والمال لا يغني
عنه شيئاً ولا يبقى معه!! ولا يدري هل الحكمة من الحياة أن يجوز الشهرة؟! لكن
السلطان والجاه لا يبقيان ولا يمنعان عنه الخروج من الحياة!!
قال تعالى :﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ
يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي
وَلَمْ
أَدْرِ مَا حِسَابِي
يَالَيْتَهَا
كَانَتْ الْقَاضِيَةَ
مَا
أَغْنَى عَنِّي مَالِي
هَلَكَ
عَنِّي سُلْطَانِي﴾[الحاقة: 25-29] .
وهل الحكمة من حياته أن يتلذذ بشهواته؟ إن
كل لذة فانية منقضية .
وهكذا يجد الكافر الذي لا يؤمن باليوم الآخر
نفسه تائهاً ، حائراً ، لا يعلم لحياته ، ووجوده حكمة، في حين أنه يرى أن أصغر عرق
فيه ما خلق إلا لحكمة.
أما المؤمن باليوم الآخر فيعرف أن حياته في
الدنيا مقدمة لحياته الأخرى التي ينتقل إليها بالموت ، وأن عليه أن يعمل الصالحات،
ويتجنب السيئات حتى يفوز برضا ربه ، ويدخل الجنة ذات النعيم المقيم الخالد. أو حتى
ينجو من النار التي أعدها الله للعصاة الكافرين .
قال تعالى :﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ
سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي
الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ
أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
أُوْلَئِكَ
لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا
مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ
وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا
عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ
مُرْتَفَقًا﴾[الكهف:
29-31] .
(2) من لا يؤمن باليوم الآخر لا يركز همه
إلا على هذه الدنيا وما يحقق فيها من مصالح ومنافع شخصية ، فهو يبذل كل جهوده
ليصارع الناس على ما في أيديهم؛ ليفوز من هذه الدنيا بأغلى نصيب قبل أن يأتيه
الموت فيحرمه من لذائذه ويلفه في عالم الغيب ، وتجده يسعى لتحقيق أهدافه بين غش،
وخداع، واستلاب أموال، واغتياب. وبين ظلم واستباحة دماء ، وهتك أعراض ، واحتيال ،
ونصب ونفاق؛ لا يخاف عقاب ربه ، ولا يخاف إلا أن يقع تحت عقاب المسئولين.
فإذا أمن جانبهم ، أو أحكم الخطة لمغالطتهم،
انطلق كالذئب الضاري، أو كالحيوان المفترس؛ لا يقف عند حدود.
أما المؤمن باليوم الآخر فإنه يعمل الصالحات
، ولا ينوي نية سيئة تغضب ربه، وتوقعه في نار جهنم ، وتحرمه من نعيم الجنة . فتجده
صادق الحديث وفياً بالعهد0، حافظاً للأمانة ، آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ،
يسعى في الخير، ويقاوم الشر، لا يغش ، ولا يخدع ، يأكل من عمله، لا يسرق ، ولا
يقتل ، ولا يزني ، ولا يغتاب ، إنه الإنسان السوي المستقيم.
وأما ما نشاهده من رذائل قد تفشت بين
المسلمين فسبب ذلك ضعف في إيمانهم باليوم الآخر الذي فيه الجزاء ، أو عدم تمسكهم
بما كان عليه آباؤهم الذين وصفهم الله بقوله:﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾[آل عمران: 110] .
(3) الإيمان باليوم الآخر: ركن من أركان
إيمان المسلم، لا يتم الإسلام إلا به.
أهمية الإيمان بالقدر:
س : وما هي أهمية الإيمان بالقدر؟
ج : الذي يؤمن بأن الله سير الكون بأقدار
حكيمة هي ماضية بأمر ربها، وأن هذه الأقدار لا تختل ، وأن منها ما هو نافع
للإنسان: كقدر الطعام والشراب، والراحة والأمن ، والصحة والدواء ، ومنها ما هو
ضار: كقدر الجوع ، والعطش ، والتعب، والخوف ، والمرض، والداء ، من آمن بالقدر هكذا
خيره وشره تراه:
1 ـ لا يخاف أحداً ، فقد أصبح شجاعاً لا
يهاب ، لأنه يعرف أنه لا يكون إلا ما قد قضى الله به وقدره .
2 ـ هو في الوقت نفسه ينطلق باحثاً عن أقدار
الله النافعة في هذه الأرض، فينتفع بها، ويتعرف على الأقدار الضارة ، فيجتنبها ،
وعلى هذا الأساس قام التقدم العلمي والحضاري وبرز إلى الوجود.
3 ـ وإذا أخذ المؤمن بالقدر بالأسباب فإنه
يعلم أن كل الأمور لا تزال موكولة إلى الخالق سبحانه ، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل
.
وكم يدبر الناس أموراً ، فإذا بهم يجدون غير
ما قدروا ، وكم كره الناس أشياء بذلوا المساعي لإحباطها ، كان لهم فيها خير كبير .
وبهذا الإيمان تتحقق السعادة النفسية والطمأنينة .
قال تعالى :﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً
مَرْضِيَّةً
فَادْخُلِي فِي عِبَادِي
وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾[الفجر : 27-30] .
*الإيمان باليوم الآخر إيمان بالحق ، لا
يتحقق معنى الحياة إلا به .
*الإيمان باليوم الآخر يطهر النفس، ويصلح
الأعمال، ويبعد صاحبه عن التكالب على متاعب الدنيا الزائل .
*ألإيمان بالقدر يبعث الشجاعة والإقدام
صاحبة إلى البث والتنقيب عما في الأرض من أقدار خيره للانتفاع بها ، وعما فيها من
أقدار شر يراها فيجتنبها ، والمؤمن بالقدر يعيش مطمئن النفس راضياً بما قدر الله .
*الإيمان باليوم الآخر وبالقدر ركن من أركان
الإيمان .
الفصل الرابع
اقتراحات وشروط
س : ما هو سبب العناد عند بعض الكافرين؟
ج : سببه التكبر والغرور ، فهناك طائفة من
المتعنتين الكافرين لم يبحثوا في البينات التي وضحها الله لعباده في مخلوقاته ،
وأرسل بها رسله، فيسلكوا الطريق المستقيم بل تكبروا على الذين خلقهم من ماء مهين ،
وحسبوا أنهم قد بلغوا في أنفسهم درجة تمكنهم من الاقتراح على الله النوع البينات
والأدلة التي تكون مقبولة عندهم، فأخذوا يقترحوا المقترحات ، ويشترطون الاشتراطات
لكي يؤمنوا.
﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ
أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
س : ولماذا لا يستجيب الله لمقترحاتهم
الكافرين؟
ج : لو أجابهم الله إليها لازدادوا عنتاً،
وفسد نظام الأرض والسماء لأن هذا سيشترط على الله أن يجعل الليل نهاراً ، وآخر
يشترط أني جعل النساء رجالاً، وثالث يشترط أن يقتل الله له خصمه، ويزوجه فلانة
وفلانة ، وهذا يقترح على الله أن يجعل أمامه الأرض سماء ، وهذا يقترح أن يجعله ربه
في درجة الأنبياء.. وصدق الله القائل
﴿وَلَوْ اتَّبَعَ
الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ ولكن الله سبحانه لا يقبل تعنت الجاهلين ، فقد أقام للناس الدلائل، وأوضح
البينات وأقام البراهين ، وخلق للناس أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، فانتفع بها من
انتفع من المؤمنين وأبى الجاهلون الكافرون إلا العنت.
وأي حجة تبقى لهم عند ربهم؟! قال تعالى :﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا
اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ
وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾[الشورى: 16] .
بعض مقترحات الكافرين:
س : وهل ذكر القرآن شيئاً من مقترحات
الكافرين؟
ج : نعم وهذه بعض صور للمقترحين والمشترطين،
كما يرويها لنا القرآن الكريم، قال تعالى مخبراً عما يقوله اليهود لموسى عليه
السلام:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى
اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ
مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[البقرة:55،
56] .
وهؤلاء كفار قريش يقولون لرسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم :
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ
الْأَرْضِ يَنْبُوعًا
أَوْ
تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنهَارَ خِلَالَهَا
تَفْجِيرًا
أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ
كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ
قَبِيلًا
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ
زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى
تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا
بَشَرًا رَسُولًا﴾[الإسراء : 90-93] .
وهذه فرقة ممتدة في شعاب الزمان والمكان تقف
موقفاً واحداً من رسل الله:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا
لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا
لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ
حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ
اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾[الأنعام: 123، 124] .
فهؤلاء قادة الإجرام في كل زمان ومكان ، يتكبرون الشبهات
لخداع الناس عن هدى ربهم ويشترطون الاشتراطات التي تدل على تكبرهم على الحق ، فإذا
بهم يطلبون أن يكون لكل منهم معاملة ومكانة، كمعاملة الله لنبيه ورسوله
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ .
مثال يوضح الجهالة والغرور:
س : وهل هناك مثال يوضح جهالة هؤلاء
المغرورين؟
ج : نعم ، فلو أن ملكاً أو رئيساً في دولة
أنكر شخص أو جماعة من الناس أنه الحاكم لتلك البلاد ، وطلبوا من الملك أو الرئيس
دليلاً على أنه الحاكم، واشترطوا لتصديقهم للملك أو الرئيس بأن يأتي إلى بلادهم
وينقل حجراً من مكان إلى آخر!! فهل يستجيب الملك أو الرئيس لمقترحاتهم؟ لو جاءهم
ذلك الرئيس أو الملك وقال: أين الذين ينكرون أني أنا الحاكم لهذه البلاد فجاءوا إليه
. وقال لهم : ماذا تريدون لكي تقتنعوا أني أحكم هذه البلاد؟
فقالوا له : إذا كنت تحكم هذه البلاد فهذه
الحجر تقع داخل دولتك انقلها من مكان إلى آخر. فقال : هئنذا قد فعلت (ونقل الحجر)
فقال آخر : أما أنا فلا أصدق أنك تحكم هذه البلاد إلا إذا نقلت هذا الشأن من مكانه
.
فقال له الملك أو الرئيس : هئنذا قد فعلت
(ونقل الشام) .
فقال آخر : وأنا أريد منك أن تغسل هذه الكأس
.
وقال آخر : أما أنا فأشترط عليك أيها الملك
أو الرئيس إذا أردت أن أصدق أنك الحاكم لهذه الدولة أن تقتل غريمي فلاناً .
إننا نجزم بأن الحاكم الذي يستجيب لمثل هذه
المقترحات لا شك أنه سفيه ولكن الحاكم الذي يحترم نفسه سوف يقول : من أراد أن يعرف
أني الحاكم لهذه البلاد فعليه أن يسأل ليعرف أني أنا الذي أشكل الحكومات ، وأقيل
الوزارات ، وأعقد المعاهدات الدولية ، وأصرف الميزانيات ، وأعلن الحرب وأشكل
الجيوش ، أما نقل حجر أو شال أو غسل كأس فذلك يفعله أي واحد في دولتي.
فمن أراد أن يعرفني فبتلك الأعمال التي لا
يقدر عليها إلا من كان رئيساً أو ملكاً.
ولله المثل الأعلى :
س : وأين موضع الشاهد في المثال السابق؟
ج : لو أن شخصاً أو جماعة أنكرت حكم الملك
أو الرئيس للبلاد وطلبوا لكي يصدقوا بحكمه أن يستجيب لمقترحاتهم (نقل الحجر، أو
الشال ، أو غسل كأس، أو قتل إنسان) فإنه لم يستجيب لمقترحاتهم ، لأنهم طلبوا أمراً
فيه امتهان لمقام الحاكم ، وتحقير له إلى مستوى أي فرد، إلى جانب أن مثل هذا يخل
بنظام الدولة ، وما دفعهم إلى ذلك إلا العناد والكبر. ولكنه سيقول : من أراد أن
يعرفني فبتلك الأعمال التي لا يقدر عليها إلا الملك أو الرئيس . فكذلك أراد
الكافرون المتعنتون أن يفعلوا : اشترطوا لإيمانهم بالله أن ينقل حجراً أو شالاً أو
يقتل فلاناً أو يجعل الليل نهاراً والنساء رجالاً.. قال تعالى:
﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ
السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ .
فلا يستجيب الله لعنت الكافرين ،ويقول لهم
على لسان رسله : من أراد أن يعرف أني أنا الله فبتلك الأعمال التي لا يقدر عليها
إلا الله مثل : خلق السموات والأرض ومن فيهن ، خلق الموت والحياة، تدبير شأن
المخلوقات ، توفير الأرزاق، تقليب الليل والنهار ، وأمثال هذه الأشياء التي لا
يقدر عليها إلا والتي لا تقتضي فساداً لخلق الله .
إجابة المضطر إذا دعاه:
س : وهل يجيب ربنا دعوة المطر إذا دعاه؟
ج : إن دعوة المضطر فيها إيمان وتذلل، وسؤال
المتعنت فيه تكبر وتعنت فهو سبحانه يجيب دعوة المضطر ولا يجيب اقتراح المتعنت
الكافر، فكم أصيب المسلمون بالجفاف في أرضهم، فخرجوا يطلبون من الله المطر فأغاثهم
، قال تعالى:﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ
السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا
تَذَكَّرُونَ﴾[النمل: 62] .
الفصل الخامس
مخلوقات الله مرآة لقدرته وصفاته
س : هل يمكن للعدم أن يفعل شيئاً هذا أمر
متفق عليه بين الناس جميعاً ، ولا يخالفه إلا مجنون ، فلا يمكن لأي عاقل أن يصدق
أن الساعة التي بيدك أو أن تلك الطائرة أو المسطرة قد أوجدها العدم ، وأنه لا صانع
لها .
قال تعالى:﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ
أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾[الطور: 35، 36] .
إذن
·
لا بد لكل فعل من فاعل .
·
ولا بد لكل مصنوع من صانع .
·
ولا بد لكل مخلوق من خالق .
الفعل مرآة لقدرة صانعه وصفاته:
س : ما هي العلاقة بين المصنوع وصانعه؟
ج : العلاقة بين المصنوع وصانعه وثيقة ، حتى
أصبح المصنوع مرآة لقدرة صانعه وفاعله .
س : وكيف ذلك؟
ج : تأمل جيداً في المسطرة التي بين يديك ،
فستجد أنها مرآة مصغرة لقدرة النجار الذي صنعها . ستجد أنها مصنوع من الخشب ،
عندئذ ستعرف:
·
أن صانع المسطرة لديه خشب .
·
وأن صانع المسطرة يقدر على صنع المساطر من
خشب . وسترى أن المسطرة ملساء منظمة الشكل ، مستقيمة الحواف . فستعرف بعقلك.
·
أن صانع المسطرة يقدر على جعل الخشب أملس .
·
وأن صانع المسطرة يقدر على تقطيع الخشب
بأشكال منتظمة .
·
وأن صانع المسطرة يقدر على صنع حواف خشبية
مستقيمة غير منحنية. وسنرى أن المسطرة مقسمة بخطوط سوداء إلى أقسام متساوية،
وستعرف معرفة لا شك فيها.
·
أن صانع المسطرة لديه لون أسود .
·
أن صانع المسطرة يقدر على جعل ذلك اللون
الأسود خطوطاً دقيقة منتظمة.
·
وأن صانع المسطرة يقدر على تقسيم المسطرة
إلى أبعاد متساوية دقيقة. وستعرف أيضاً بتفكرك معرفة يقينية بعض صفات الصانع،
ستعرف بعقلك:
·
أن الدقة في تقطيع حواف المسطرة ، في
تقسيمها إلى أجزاء منظمة دقيقة لا تكون إلا من صنع عاقل مفكر، قادر على التقطيع
والتخطيط المنتظم.
·
وهكذا تتحدث المسطرة إلى عقلك عن كثير من
صفات صانعها وقدرته.
وبالمثل لو
تفكرت في سيارة فستعرف بعقلك معرفة قاطعة :
·
أن صانع السيارة لديه حديد وزجاج ، وأسلاك
ومطاط[1].
·
وأن صانع السيارة يقدر على تشكيل الحديد
والزجاج والأسلاك والمطاط بالأشكال المناسبة لصنع السيارة .
·
وأن صانع السيارة لديه القدرة على تشكيل
أجزاء السيارة كما تشاهدها عينك.
وستعرف
بعقلك معرفة مؤكدة بعض صفات صانع السيارة، ستعرف:
·
أن صانع السيارة خبير بصناعته .
·
أن صانع السيارة حكيم في عمله .
·
أن صانع السيارة دقيق في فعله .
·
أن صانع السيارة عاقل غير مجنون .
*كل مصنع مرآة لقدرة صانعه وصفاته.
المخلوقات مرآة لبعض قدرة الخلاق وبعض صفاته
.
س : وهل المخلوقات إذاً مرآة لقدرة خالقها
وصفات؟
ج : نعم فالعلاقة بين المخلوقات وخالقها
وثيقة كالعلاقة بين الصانع ومصنوعاته التي بيناها سابقاً . وهكذا تصبح المخلوقات
مرآة لقدرة خالقها وصفاته .
ألا ترى :
·
أننا عندما نشاهد الملايين من المخلوقات المحكمة
التركيب تخلق كل يوم؛ نعرف معرفة يقينية بعقولنا أن الحياة التي دبت وخلقت في تلك
الكائنات الحية من صنع محي أحياها .
·
*وإذا تفكرنا في ملايين الصور الجميلة ،
المتقنة ، الرائعة ، البديعة ، المتوازنة ، المحكمة ، التي تنشأ أمام أعيننا كل
يوم في النباتات ، والحيوانات ، وبني الإنسان ، وغيرهم ، وعرفنا أن تلك الصور من
صنع مصور بديع .
وإذا تفكرت
في هذه المخلوقات وجدتها تتحدث إلى عقلك ببعض صفات خالقها:
·
سترى الحكمة ظاهرة في تكوين وتركيب كل مخلوق تقول لعقلك : إن صاحب هذه
الحكمة : حكيم مريد.
·
وسترى التدبير المحكم ، والتقدير المتقن في
هذه المخلوقات يخاطب عقلك: بأن ربه عليم خبير.
·
وسترى النعم المسداة ، التي يتمتع بها الخلق
فتقول لعقلك: إن ربها رحمن رحيم.
·
وسيناديك عقلك : بأن القدرة المشاهدة ،
والصفات المحسوسة لا تكون إلا لخالق موجود.
وهكذا من تفكر في مخلوقات الله وجدها مرآة
يشاهد فيها قدرة ربه وصفاته، فيؤمن بربه إيماناً قوياً ، لا يتزعزع . لذلك فقد
حثنا القرآن الكريم على التفكير والتدبر في مخلوقات الله .
قال تعالى :
﴿إِنَّ
فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ
اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ
الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[البقرة: 164] .
وقديماً قال أحد الأعراب مدللاً على إيمانه :
"إذا كانت البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على
المسير ، فأرض ذات فجاج ، وسماء ذات أبراج أفلا تدل على اللطيف الخبير"؟!
إذن
*نشاهد في مخلوقات الله قدرته وصفاته ، ونعرف منها
وجوده.
فاقد الشيء لا يعطيه :
س : وكيف نعرف أن الله هو الخالق ، وليس أحد غيره؟
ج : وهل يكون الفاعل من لا يملك القدرة على الفعل؟!
·
هل إذا رأينا
قتيلاً بجانب حجرة قلنا : إن هذه الحجرة هي بنفسها التي قتلت القتيل؟! وهل تأتي
الشرطة لإلقاء القبض على هذه الحجرة بتهمة القتل؟!
·
وهل الفصل هو
الذي صنع الماسات والكراسي لأن الجميع بداخله؟!
والجواب واضح لكل صاحب عقل : بأن الحجرة ليست القاتلة
بنفسها وأن الفصل ليس الصانع . والسبب أن الحجرة لا تملك القدرة على قتل الناس
بنفسها، وأن الفصل لا يملك القدرة على صنع (الماسات) والكراسي.
إذن
*ليس الفاعل من لا يملك القدرة على الفعل.
الأوثان والطبيعة لا تملك القدرة على الخلق:
س : وهل تملك الأوثان أو الطبيعة القدرة على خلق الكون
والمخلوقات؟
ج: إننا نشاهد في الكون حكمة بالغة في حين لا تملك
الأوثان أو الطبيعة حكمة ما.
·
ونشاهد في الكون
تدبيراً عظيماً معجزاً ، ولا تملك الأوثان أو الطبيعة علماً ما.
·
ونشاهد في الكون
خبرة فائقة ، وعلماً شاملاً ، ولا تملك الأوثان أو الطبيعة علماً ما.
·
ونشاهد عقولاً
مفكرة حكيمة تخلق كل يوم ، ولا تملك الأوثان أو الطبيعة عقلاً أو تدبيراً .
قال تعالى :﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ
الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ
اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ
مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾[الحج:
73] .
إذن
·
ليس التدبير،
والحكمة ، والخبرة ، والعلم ، والخلق المحكم ، والعقول المفكرة من خلق وثن أو
طبيعة . إنما ذلك كله من خلق غير هذه المخلوقات المشاهدة. من خلق الله ، الحكيم ،
العليم ، القادر ، المريد ، الخبير .
الخلاصة:
·
لا بد لكل فعل
من فاعل ، ولا بد لكل مصنوع من صانع ، ولا بد لكل مخلوق من خالق.
·
كل فعل أو مصنوع
أو مخلوق مرآة لقدرة وصفات فاعله أو صانعه أو خالقه.
·
الكون مرآة
لقدرة وصفات خالقه .
·
ليست الأوثان أو
الطبيعة هي الخالقة لأنها لا تملك قدرة على خلق ذبابة.
الفصل السادس
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
المفاصل والحركة في جسم الإنسان
س : ما فائدة العظام في جسم الإنسان؟
ج : خلق الله العظام لكي تعطي لجسم الإنسان شكله وقوامه
الإنساني فهي كأركان المنزل الذي يقوم عليه البناء ولولا تلك العظام لأصبح الإنسان
قطعاً من اللحم المتراكم.
س : ما الحكمة من وجود المفاصل في الهيكل العظمي
للإنسان؟
ج : لو لم تكن عظام الإنسان مفصلة، وكانت جميعاً عظماً
واحداً ، لما تمكنت أن تقوم من مقامك، ولعجزت حتى عن تحريك إصبع من أصابعك ،
ولأصبح حال الإنسان كحال قطعة من الحديد ، لكن الخالق ـ جلت حكمته ـ قد فصل جسم
الإنسان تفصيلاً دقيقاً محكماً ، بمفاصل قد أعدت بإتقان بديع:
(1)فكون نهاية كل عظم بحيث تناسب وتوافق تركيب العظم المتصل
به في غاية الإحكام والإتقان ، ولا تجدها تناسب عظمة أخرى .
(3)وإذا تأملت مفاصل العظم وجدتها ملساء بخلاف سائر
العظام الخشنة، وذلك لتسهيل الحركة على المفصل، ومنع احتكاك العظم ، وتآكله.
س : ما هو الذي يحرك العظام؟
ج : القوة المحركة هي العضلات اللحمية المربوطة بالعظام
والكاسية لها وكل عظم قد زوده خالقه بما يناسبه من العضلات اللحمية ، كما أن العظم
والعضلات قد كونت مناسبة لما تقوم به من أعمال فتأمل أيها الإنسان في نفسك ، وفي
بديع خلق الله!!
قال تعالى :﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا
لَحْمًا﴾[البقرة: 259] .
وتفكر كيف خلق ربك عظامك ، ومفاصلك ، وعضلاتك اللحمية من
نطفة إذا تمنى .
قال تعالى :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ
ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي
قَرَارٍ مَكِينٍ
ثُمَّ
خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا
الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا
آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾[المؤمنون : 12-14] .
·
من أنشأ العظام
الصلبة ، وكونها في ظلمات الأرحام من طعام يجري سائلاً في دم الأم؟!
·
من الحكيم الذي
كون مفاصل العظام ، وجعلها ملساء، وأمدها بالسائل اللزج لمنع الاحتكاك، والتآكل في
العظام عند حركتها؟!
·
من الخبير
العليم الذي كسا العظام لحماً يحرك الجسد في غاية الدقة والإبداع؟!
أهو وثن أصم لا يملك لنفسه أن ينتقل من مكانه؟!
أم أنها الطبيعة التي لا تملك تدبيراً ولا تفكيراً؟!
أم إنه العدم الذي لا وجود له؟!
أم إن ذلك الخلق البديع ، والتركيب المحكم ، والتقدير
الدقيق يشهد أنه من خلق خالق ، عليم ، خبير ، قادر ، مصور ، بديع ، هو الله سبحانه
.
·
خلق الله العظام
الصلبة لتغطي للإنسان هيكله الإنساني وقوامه.
·
وجعل للعظام
مفاصل محكمة بها سائل لزج يعمل على منع احتكاك العظم وتآكله .
·
وكسا الله
العظام لحماً في غاية الإبداع والإتقان يعمل على تحريك أجزاء الجسم على المفاصل .
·
كل ذلك يشهد أنه
خلق الله الحكيم ، العليم ، الخبير ، وأن الأوثان الجامدة والطبيعة البليدة ،
الغير عاقلة ، أعجز من أن تصنع شيئاً من ذلك .
نعمة السير
س : لماذا كان تمكين الإنسان من السير نعمة من النعم؟
ج : هناك مخلوقات حية لا تسير من مكانها كالنباتات وبعض
الحيوانات ولكن الله أنعم على الإنسان بالسير الذي فيه عظيم الفائدة للإنسان.
(1)
فبالسير يكسب
الإنسان رزقه ، ويجمع طعامه ، ويجوز شرابه وملبسه، ويبني مسكنه .
(2)
وبالسير ينجو
الإنسان من أذى الأماكن الخطرة المؤذية .
(3)
وبالسر يكسب
الإنسان علوماً ، ومعارف ، وخبرات لا يحصل عليها إلا إذا سار وتنقل .
(4)
وبالسير تتعارف
الأمم ، والشعوب ، وتنشأ التجارة وتنشط.
(5)
وبالسر يتمتع
الإنسان بالمناطر المختلفة الجميلة، والطقوس المتنوعة المناسبة.
(6)
وبالسير تتحقق
الحياة بكل معانيها.
لذلك فقد خلق الله لنا أقداماً تسير ، وعيوناً نهتدي بها
في الطريق، وجعل الله ذلولاً ميسرة لسيرنا عليها وأمرنا الله أن نسير في أرجاء
الأرض. قال تعالى:﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾[الملك : 15]
س: وما هي الوسائل التي تعيننا على السير؟
ج: إن السفر قطعة من نار جهنم ، فكيف إذا حمل الإنسان
أمتعته وسافر ، لكن رحمة الله ذللت لنا من المخلوقات ما هو أضخم منا من الحيوانات
كالجمال، والبغال ، والخيل والحمير ، نركب عليها ونحمل عليها أثقالنا ، وهي
مستسلمة منقادة، ولنتأكد من تذليل الله لنا إياها:
حاول أن تذلل قطة ، أو ذئباً، أو أسداً ، وجرب هل يمكن
أن يستسلم لك لتحمله شيئاً من أثقالك، رغم أنها جميعاً أصغر من الجمل أو الحمار؟
قال تعالى :﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا
بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[النحل:7] .
ومن نعمة الله علينا أيضاً أن سخر لنا البحار، وجعلها
صالحة لانتقالنا كما جعل الأرض صالحة لسيرنا ، وسخر لنا السفن، والرياح ، كما سخر
لنا الدواب ، والأنعام.
قال تعالى :﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾[يونس: 22] .
س : وهل هناك وسائل أخرى؟
ج : نعم إن الله سخر للإنسان ما في السموات وما في
الأرض.
قال تعالى :﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً
وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا
هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾[لقمان: 20] .
وكما سخر للإنسان الدواب والأنعام فإنه سبحانه قد سخر له
الحديد ، والمعادن، وقوة البخار، وأعطاه عقلاً تمكن بواسطته من الانتفاع بما سخر
الله له . فاستخدم الإنسان قوة البخار في السير فصنع القطارات الكبيرة السريعة ،
ثم طور الفكرة باستخدام قوة (الاختراق الداخلي) للبنزين الذي خزنه الله للإنسان
بكميات كبيرة هائلة في بطن الأرض، فصنع الإنسان بإذن ربه السيارات ، والطائرات.
ثم ها هو الآن يستخدم الصواريخ ، والمركبات الفضائية،
ولقد تحدث القرآن عن أنه ستكون وسائل جديدة في المستقبل تستخدم فيما تستخدم فيه
البغال ، والحمير، والخيل، والسفن الشراعية.
قال تعالى :﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا
وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[النحل:
8]
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ
الْمَشْحُونِ
وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ
مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾[يس: 41، 42] .
وإذا أراد الله شيئاً بعث أسبابه ، وقد جعل الله عقل
الإنسان ، والتقدم العلمي سبباً في ظهور وسائل النقل الحديثة ، التي أخبرنا عنها
القرآن .
ولقد أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : بأن أجزاء
الأرض ستتقارب في زمن يأتي بعد زمنه صلى الله عليه وآله وسلم، ها هي هذه الوسائل
السريعة للاتصال والنقل قد جعلت أجزاء الأرض متقاربة، وبهذه الوسائل ربطت أجزاء
الأرض، وتقاربت كما أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم[2]:
"لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان وتزوى الأرض زياً" أي تطوى وتضم
بعضها إلى بعض. وبهذه الوسائل الجديدة ، تتعطل كثير من الوسائل القديمة ، فلا
تستخدم إلا في الأرياف. وفي الأماكن التي لا توجد فيها هذه الوسائل .
قال عليه الصلاة والسلام : "ولتتركن القلاص فلا
يسعى عليها" الحديث[3].
·
من الحيوانات
والنباتات وكثير من المخلوقات ما لا يقدر على السر والانتقال ، وقد خلق الله في
الإنسان مقدرة على السير والتنقل فحقق الإنسان بذلك نعماً كثيرة لا تحصى .
·
وإلى جانب مقدرة
الإنسان الذاتية على السير فقد يسر الله له بعض الحيوانات وذللها له لينتقل عليها
، ويحمل عليها أمتعته.
·
كما سخر له البر
سخر له البحر والجو، وقد تمكن الإنسان بما أعطاه خالقه من قدرة وعلم أن يغوص في
أعماق المحيطات، كما يطير في الفضاء بعد أن صنع الوسائل المعينة له على السفر
والتنقل ، وذلك كله من نعمة الله.
الفصل الثامن
طعامنا
﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾[عبس:24] .
س : كيف نتغذى في بطون أمهانا؟
ج : إذا تكونت النطفة داخل الرحم ، وجهها الرزاق إلى
مكان رزقها ، الذي أعده برحمته لها، فتلتصق في جدار رحم الأم في المكان المعد
للالتصاق، وبعد الالتصاق تذوب الحواجز بتدبير الحكيم فتتمكن تلك النطفة من الاتصال
بدماء الأم مباشرة، فتتغذى من غذاء الأم ، ويستمر الأمر كذلك حتى يخرج الطفل من
بطن أمه، وهو لا يزال متصلاً بالأنبوبة "الحبل السري" التي يتغذى
بواسطتها تسعة أشهر، ؛ ثم تقطع تلك الأنبوبة "الحبل السري" بعد خروج
الطفل من رحم أمه.
من الثديين:
س : ومن أين يأكل الطفل بعد قطع مورد غذائه "الحبل
السري"؟
ج : إن خالق الإنسان حكيم ، عليم، خبير ، فهو ما قدر
إخراج الطفل إلا بعد أن كون له جهازاَ هضمياً مستقلاً يتكون من :
فم ، بلعوم ،
مريء ، معدة ، بنكرياس ، أمعاء دقيقة ، وكبد وأعد له مورداً جديداً لطعامه : إنه
الثدي الذي بدأ يمتلئ باللبن بعد خروج الطفل ولم يكن به لبن من قبل.
س : وهل يكفي اللبن وحده للغذاء؟
ج : نعم ، فلا يخلو اللبن من أي مادة غذائية : (نشوية ،
أو دهنية ، أو بروتينية، أو أملاح ، أو فيتامينات) ومن لطيف التدبير أن اللبن
يتناسب مع معدة الطفل التدبير أن اللبن يتناسب مع معدة الطفل تناسباً دقيقاً ،
فيزداد تعقيداً كلما ازدادت المعدة قوة وقدرة على هضم الطعام .
س : ومن أين يأكل بعد أن ينقطع لبن الأم؟
ج : إن خالق الإنسان حكيم خبير ، فبعد فترة اللبن تأتي
فترة أخرى هي التغذي على ما أودع الله في هذه الأرض من حبوب ، وثمار ولحوم .
وقد خلق الله هذه المصادر الغذائية على الأرض بما يكفي
حاجة الناس .
أي أن الله قدر في الأرض أقوات جميع ما عليها من مخلوقات
، وإذا كان المورد للطعام هو الأرض فإن الله قد أعد الجهاز الهضمي المناسب لما في
الأرض من طعام، فأمده بأسنان قوية قاطعة ، وممزقة ، وطاحنة ، ثم أعطاه جهازاً
هضمياً قوياً.
س : كيف يتم إعداد طعام الإنسان؟
ج : قد رأينا كيف أعد الطعام للإنسان في المرحلتين
السابقتين (الحبل السري والثديين) ، وأما الآن فإعداد الطعام يتم بصورة أشمل ،
وتساهم في إعداده كثير من المخلوقات.
( أ ) التربة :
أما التربة فقد أعدها خالقها إعداداً دقيقاً ، يجعلها
صالحة لنمو النبات، وركبها بحيث يسهل انتقال ما فيها من مواد إلى النباتات ،
ويشارك ملايين البكتريا "وهي كائنات حية صغيرة لا ترى" في إعداد التربة
، وتهيئتها.قال تعالى :﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ
وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ
بِرَازِقِينَ﴾[الحجر: 19، 20] .
( ب ) البذور الأولى :
والبذور أعدها الله لتحويل تراب الأرض إلى أشجار ونباتات
تتغذى عليها، فالبذور أخذناها من أشجار، ونباتات ، والأشجار أخذت من بذور سابقة ،
وهكذا حتى نقف أمام الإدارة الحكيمة ، إرادة الرزاق الذي خلقنا محتاجين للطعام ،
وهيأه ، وخلق كل أسبابه ، فالذي دلنا على الغذاء قد أوجد الأصول الأولى التي أخذنا
منها بذورنا التي نبذرها في التربة ، فإذا نزل المطر انغلقت البذور ، وشقت الأرض
في اتجاهين متعاكسين: إلى أعلى لتكوين الشجرة، وإلى أسفل لتكوين قواعدها المنبثة،
وعروقها الممتصة للغذاء .
( ج ) البحار والرياح والسحب :
لكن تلك البذور في جوف التراب الجاف لن تنبث. فكون الله
البحار مصدراً للمياه، وأرسل الرياح تثير سحاباً مما يتصاعد من أبخرة عظيمة فوق
البحار، ثم لتسوقه إلينا سيولاً طائرة عظيمة وبرحمة من الخالق يسقط نطفاً صغيرة ،
لا سيولاً دافقة، أو جبالاً من برد ، ثم يجريه الخالق أنهاراً ، ويسلكه ينابيع من
مياه جوفية قريبة، حفظها الله بصحن من الصخر، حتى لا تغور في الأعماق.
قال تعالى :﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ
رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ
فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ
نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[الأعراف:
57] .
وبغير الهواء ، وحرارة الشمس ، ما كنا وجدنا حبة أو ثمرة
أو شجرة، ولو أن الشمس كانت دائماً ساطعة لاحترقت جميع النباتات ، ولكن تعاقب
الليل والنهار بانتظام دائم يعمل بإذن ربه على تنشيط تكوين الغذاء في النهار
والراحة في الليل.
قال تعالى:﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾[الأنعام: 96]
(هـ) المادة الخضراء:
وفي النباتات مادة خضراء مكونة من نقط صغيرة خضراء ، كل
نقطة هي مصنع للغذاء تأخذ جميع المواد الخام السابقة، وتتكون منها الغذاء .
قال تعالى :﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[الأنعام: 99] .
مناقشة :
*ألا يتصف الذي وجه النطفة إلى مكان الاتصال بدم الأم،
وكون أنبوبة الاتصال، وأوصل الغذاء إلى الطفل من دم أمه وهو في ظلمات الرحم بأنه:
حكيم، عليم، خبير، رزاق، رحيم؟!
*ألا يتصف الذي أخرج الطفل من بطن أمه، وقد كون جهازه
الهضمي المناسب المحكم، وأجرى له الغذاء من الثديين متناسباً مع أطوار نمو الجهاز
الهضمي بأنه المدبر، العليم ، المقيت ، الحكيم؟
*ألا يتصف الذي كون الأسنان المتناسبة مع طعام الأرض ،
والذي خلق التربة الصالحة ، والبكتيريا العاملة لخدمة النبات، وخلق البذور، وخلق
البحار، وطير الماء، وأرسل الرياح فتثير سحاباً وساقه إلينا ، وأنزله نطفاً ،
وأجراه أنهاراً ظاهرة، وسلكه ينابيع قريبة، وحفظه مياهاً جوفية ، ليست غائرة ،
وخلق الشمس ، وقلب الليل والنهار ، وأنشأ المادة الخضراء العجيبة.
فاشهد إذاً أيها المسلم ، كما تشهد مخلوقات الله ، بأن
لهذا الكون رباً حكيماً ، خالقاً، قادراً ، رازقاً ، رحيماً ، خبيراً ، عليماً ،
مدبراً ، قوياً ، مسيطراً ، عظيماً، هو الله الذي ملأت آيات الأرض والسماء.
قال تعالى :﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ
أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا
وَعِنَبًا وَقَضْبًا
وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا
وَحَدَائِقَ غُلْبًا
وَفَاكِهَةً وَأَبًّا
مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾[عبس:24-32] .
الفصل التاسع
وجعلنا سراجاً وهاجاً
س : ما هو السراج الوهاج؟
ج : إنه ذلك السراج الهائل الذي يبدد ظلام الليل، وينير
الأرجاء، إنه الشمس التي أوقدها الله، وسخرها بحكمته وانتفع الإنسان بها من عهد
آدم ـ عليه السلام ـ وفي هذا الزمان، وستبقى إلى ما شاء الله، لا ينفد وقودها ،
ولا ينطفئ ضوؤها.
قال تعالى يصف الشمس:﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾[نوح:
16] .
وقال تعالى :﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ
فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾[الفرقان:61]
.
س : ما هو مقدار ما يصل إلى أرضنا من أشعة الشمس؟
ج : إن للأشعة وزناً ، لكنه لا يذكر نظراً لضآلته ، لكن
الكمية الهائلة من الأشعة، التي تنبعث من الشمس في كل ثانية ، يقدر وزنها بأكثر من
أربعة ملايين طن ، ومن ملايين الأطنان هذه لا يصل إلى أرضنا سوى أربعة أرطال في
الثانية.
س : لو أننا قومنا الأشعة الشمسية التي ننتفع بها في
أرضنا ، فكم يبلغ ثمن ما يصل إلى أرضنا في اليوم الواحد؟
ج : يصل إلى أرضنا في اليوم الواحد (173) طناً من الأشعة
، وتقدر قيمة ما يصلنا في الساعة الواحدة حسب مؤشر العداد بـ(680000000000) جنيه ،
وهذا العداد كبير جداً لدرجة أن كثيراً من الناس لا يستطيعون قراءته ، فهل فهم
الناس نعمة خالقهم في ذلك السراج الوهاج؟!!
س: ما هي فوائد الشمس؟
ج : إن للشمس أهمية كبرى في حياتنا:
(1)
بضوء الشمس نبصر
ونسير في الأرض .
(2)
بحرارة وضوء من
الشمس يتكون من النبات طعامنا، وطعام كل كائن حي.
(3)
وبحرارة من
الشمس تدفأ الأرض ، وتذهب البرودة المميتة التي تقض على كل كائن حي يعيش على الأرض
.
(4)
ومن أشعة الشمس
وحرارتها خزن الخالق الوقود للإنسان في الأرض، بتفاعل كيماوي ضوئي محكم في المادة
الخضراء في النبات : (النقط الخضراء) تخزن حرارة الشمس في النبات في شكل أوراق، أو
جذوع، أو عروق شجرية، وبإيقادنا لهذه الأجزاء الشجرية تنطلق حرارة الشمس المخزونة.
أما إذا طمرت هذه الأجزاء الشجرية ، وتراكمت عليها طبقات
من التراب والصخور ، تحولت تلك الأجزاء على فحم حجري ، أو بترول ، ومنها تستخرج
جميع أنواع الوقود المستخدم في هذا الزمان الذي باستخدامه تنطلق الحرارة التي خزنت
من حرارة الشمس بواسطة النقط الخضراء في النبات.
قال تعالى :﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا
فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾[يس
: 80] .
حجم السراج:
س : وما هو حجم الشمس؟
ج : يبلغ حجم الشمس (أي كبرها) كحجم الأرض (000/1.350)
مرة ولكنا نراها صغيرة نظراً لبعدنا عنها .
س : وماذا يحدث لو اقتربت أرضنا من الشمس؟
ج : لو تقترب أرضنا من الشمس نصف المسافة التي بيننا
لأحرقت كل ما على ظهر الأرض ، ولو تبعد بنا أرضنا عن الشمس نصف المسافة ، لتجمدنا
برداً ، وتجمد كل كائن حي.
لكن الله جلت قدرته أحكم النظام ، فسخر الشمس بقدر معلوم
، ونظام متقن ، لا تتقدم ولا تتأخر ، ولا تكل ، أو تتوقف عما أمرت به .
قال تعالى :﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ
لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
وَآتَاكُمْ
مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا
إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾[إبراهيم
: 33، 34] .
إذن
ألا يشهد ذلك كله كما يشهد المسلم أنه من صنع الخالق ،
العظيم ، الحكيم ، العزيز ، المسيطر ، الخبير ، العليم ، الرحمن ، الرحيم؟
بلى يشهد ، وأنا على ذلك من الشاهدين.
الخلاصة:
·
الشمس سراج دائم
التوهج لا ينفذ وقوده ، ولا ينطفئ نوره منذ أن خلق وإلى ما شاء الله .
·
لا يصل إلى
أرضنا إلا القليل من أشعة الشمس ، التي لو ثمن مقدار ما يصل إلينا منها في ساعة
واحدة ما قدرنا على دفعه .
·
الشمس نافعة لنا
، فبها نرى ، ومنها يتكون النبات، طعامنا ، وبها تدفأ الأرض، ومنها تكون كل أنواع
الوقود الذي نستخدمه في شتى أغراضنا.
·
لقد سخر الله
ذلك السراج الهائل بنظام محكم دقيق. · كل ما سبق يشهد ، كما شهد المسلم ، أن الله سبحانه هو رب ذلك السراج العظيم .
الفصل العاشر
حاجة الناس إلى الرسل
س : لماذا نعيش؟
هذا سؤال طالما يكرره الناس على أنفسهم في لحظات الخلود
إلى أنفسهم والتفكر في أساس وجودهم على هذه الأرض، ولكنهم لا يعرفون لهذا السؤال
إجابة مهما أطالوا التفكير ، ولقد عبر الناس عن حيرتهم بهذين السؤالين:
·
هل نأكل لنعيش؟
·
أم نعيش لنأكل؟
قال تعالى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا
تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾[محمد:12]
.
إن البشرية لن تعرف الحكمة من وجودها إلا بتعليم وهدى
يأتيها من خالقها.
خالقنا:
س : من هو خالقنا؟ وما الذي يرضيه عنا؟ وما الذي يغضبه
منا؟ ج : هذه أسئلة خطيرة في مصير الإنسان وسلوكه ، فهو يعرف أنه ما خلق نفسه، وأنه بناء على ذلك مملوك لخالقه الذي أوجده من عدم ، ولن يعرف ما الذي يريده منه خالقه؟ ولا ما الذي يرضيه عنه أو يغضبه منه إلا بتعليم منه سبحانه . وما لم يأت من الله هدى، فسيبقى الإنسان حائراً لا يهتدي إلى ذلك سبيلاً .قال تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي﴾[الأنبياء: 25]
الموت وما بعده:
س : لماذا نموت ؟ وما الذي ينتظرنا بعد الموت؟
ج : وهذا من أخطر الأسئلة المتعلقة بمصير الإنسان ،
فالإنسان يشاهد أنه كان بالأمس القريب طفلاً صغيراً ، وها قد أصبح اليوم رجلاً ،
أو امرأة ، وغدا يأتيه الموت فينقله من بين أهله ، وذريته ، وأصحابه ، وأمواله ،
وجاهه ونفوذه، ولا يقدر أحد أن يمنع عنه مفارقة هذه الحياة. إن الإنسان يرى أن
جيله الذي هو واحد منه كان قبل مائة عام في عالم الغيب وهو بعد مائة عام على أكثر
تقدير يخرج من الدنيا إلى عالم الغيب مرة ثانية ، فما الذي ينتظر الإنسان بعد
موته؟ كل ذلك لا يمكن معرفته إلا من خالقه الذي أحياه ، وأماته ، وأدخله في هذه
الدنيا ، وأخرجه منها ، وسيبقى مصير البشرية مجهولاً ما لم يأتنا من خالقنا هدى.
قال تعالى :﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا
رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا
وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
وَبَدَا
لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾[الجاثية: 32، 33] .
وقال تعالى :﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ
لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى
قُلْ
كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ
السَّوِيِّ وَمَنْ اهْتَدَى﴾[طه: 134، 135]
.
وقال تعالى :﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[النساء:165].
س : ما الذي يصلح أحوال الناس، وينقذهم من الفساد؟ إن
الناس في اختلاف شديد حول ما يصلح أمورهم، وكل يدعي أنه على الحق، ولن يعرف الناس
الطريق الصحيح لصلاح أحوالهم إلا بتعليم من خالقهم الذي يعرف من أين يأتي الصلاح
لخلقه، ومن أين يأتي الفساد.
قال تعالى :﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ
لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[النحل: 64].وباتباعهم لإرشاد ربهم. وتعليم خالقهم تصلح جميع
أحوالهم؛ كما حدث في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . قال تعالى :﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو
عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة:
151] .وقال تعالى :﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا
كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ
اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(15)يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ
رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
*لن يعرف الإنسان الحكمة من وجوده إلا بتعليم من خالقه
الذي أوجده.
*لن يعرف الإنسان خالقه، ومالكه ، والحلال والحرام إلا
بأن يأتيه هدى من ربه.
*لن يعرف الإنسان مصيره الذي يسير إليه إلا بهدى من
خالقه الذي أحياه .
*لن يعرف الإنسان ما يصلح شئونه إلا بتعليم من منشئه
وخالقه.
لذلك كان لا بد من أن يرسل الله الرسل لسد حاجات الناس
الأساسية إلى ما يهديهم سواء السبيل .
الفصل الحادي عشر
نبأ الأولين
من بينات الرسالة :
س : ما معنى أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم
أخرنا بنبأ الأولين؟
ج : معنى ذلك أن سيدنا محمداً صلى الله عليه واله وسلم
قد جاءنا بأخبار كثيرة عن الأمم السابقة ، التي كانت قبلنا وقصصهم مع رسلهم، وبيان
ما أنزل الله عليهم من هدى .
س : وما أهمية ذلك ؟
ج : أهميته في أمرين:
(1) إعطاء العبرة من قصص الأولين، وبيان سنة الله في
خلقه لتثبيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين .
قال تعالى :﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا
نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[هود: 120].
(2) إن إخبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب
الذي جهله الناس، واختفى لدى بعض الأحبار ، والرهبان ، دليل على أن الذي أخبر
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بذلك الغيب هو المحيط علماً بكل شيء هو الله
سبحانه:قال تعالى :﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ
تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ
لِلْمُتَّقِينَ﴾[هود: 49] .
مثال :
س : وهل يعتبر إخبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنبأ
الأولين آية ، وبينة ومعجزة مصدقة له بأنه رسول الله؟
ج : نعم ... ولكي تفهم ذلك نضرب المثال الآتي:
إن علماء التاريخ الهندي ، والتاريخ الصيني مثلاً
اختلفوا في تاريخهم قبل ألف عام، فاختلف العلماء الهنود في تاريخهم وفي العلاقة
التاريخية بينهم وبين الصين، وبالمثل اختلف العلماء الصينيون ودار نقاش، وخلاف
وصراع حول ذلك التاريخ فهل يعقل بأن يأتي رجل أمي جاهل بالتاريخ الصحيح للصين
والهند، ويبين أدق التفاصيل، ويوضح للمتنازعين أسباب اختلافهم؛ وفي الوقت نفسه
يعلن لهم خطأهم وباطلهم؟
وإذا بالمنصفين من علماء ذلك التاريخ : الهندي والصيني
على السواء يعلنون انضمامهم إلى صف ذلك الرجل الأمي وأنه قد جاء بالحق فهل يعقل أن
يحدث ذلك إلا أن يكون الله قد أوحى إلى ذلك الأمي؟!!
س : وما علاقة هذا المثال بمحمد صلى الله عليه وآله
وسلم؟
ج : إن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو ذلك الرجل
النبي الأمي الذي يعيش في ذلك التاريخ الحجري حين لا صحافة ولا كتب، ولا مجلات ،
ولا مطابع ، ولا إذاعات ، ولا ندوات ، ولا مدارس، والتاريخ المتنازع عليه هو تاريخ
الأمم السابقة والمرسلين إليها ، والدين الذي جاءوا به ، والعلماء المختلفون هم
أحبار اليهود وقسس النصارى، وهم الذين كانوا يحتكرون العلم الديني. فبعث الله
سيدنا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في أمة جاهلية بدوية بدائية لا علم لها ولا
حضارة، واختاره رسولاً أمياً لم يقرأ ولم يكتب طوال حياته، وأوحى إليه بما حدث في
الأمم السابقة ، وبما كان من أمر المرسلين بما جاءوا به من هدى حتى ما كان يدور في
خفايا الصدور ، وقال للأحبار والرهبان على السواء: قد أرسلني الله بالعلم الحق
الذي اختلفتم فيه، وجئتم بالدين الصحيح ، الذي بدلتموه وحرفتموه ، فسمع المنصفون
من علماء أهل الكتاب ، يهوداً ونصارى، فشهدوا شهادة الحق ، وقالوا : نشهد أنك يا
محمد قد جئت بالقول الحق ورفعت الخلاف، وأزلت الغموض، ونشهد إنك رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم فآمنوا وأسلموا ، ولقد أنزل الله في هؤلاء المنصفين قرآناً
يتلى .
قال تعالى :﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ
يُؤْمِنُونَ
وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ
قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ
مُسْلِمِينَ﴾[القصص:52، 53] .
وقد احتج القرآن على العرب بإسلام أهل الكتاب ، فقال
تعالى :﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي
إِسْرَائِيلَ﴾[الشعراء: 197] .
القرآن يشير على هذه الآية :
س : وهل أشار القرآن الكريم إلى أن إخباره بنبأ الأولين
يعتبر بينة شاهدة على أن القرآن وحي من عند الله؟
ج : نعم ... لقد أخبر القرآن من عند الله الذي يعلم ما
دار في الماضي بدقائقه وتفاصيله ، قال بعد أن ذكر قصة سيدنا نوع عليه السلام :﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ
تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ
لِلْمُتَّقِينَ﴾[هود: 49] .
أي يا محمد ... هذه القصة التاريخية ، ما كنت تعلمها أنت
ولا قومك ، فما أعلمك بها إلا الله ، وقال تعالى : قبل ذكر قصة سيدنا يوسف عليه
السلام:﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ﴾[يوسف:3] .
أي يقص الله عليك يا محمد، أحسن القصص ، صدقاً ،
وتحقيقاً ، وعبرة ، وأسلوباً في هذا القرآن، لأنه وحي الله ، أما أنت فلا تقدر على
المجيء بهذه العلوم الغيبية التاريخية ، والقصص العظيم ، فأنت قد كنت غافلاً لا
تعرف شيئاً من هذا قبل نزول القرآن عليك، وقومك يعرفون منك ذلك جيداً .
قال تعالى :﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا
كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾[يوسف: 102] .وقال تعالى :﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى
مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ
وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ
وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا
وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
وَمَا
كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ﴾[القصص :44، 46] .
أي إنك يا محمد قد جئت بقصص الأولين كأنك حاضر بينهم
وذلك أمر يعرفه المنصفون من علماء أهل الكتاب ، ولم تكن حاضراً معهم، لكنه الوحي
من عند من كان شاهداً لكل ما دار .
الخلاصة:
*اختلف أحبار اليهود وقسس النصارى فيما بينهم حول تأريخ
الرسل عليهم السلام، وما جاءوا به من هدى ودين، وزعم كل فريق أنه على الحق، واستمر
الخلاف حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم النبي الأمي في الأمة الجاهلة
الغافلة فرفع الخلاف وجاء بالأمر المبين ، ووضح دقائق ما دار كأنه حاضر يشاهد .
*سمع جماعة من الأحبار ، والقسس المنصفين، ما قاله
محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فاعترفوا أنه الحق، وقالوا: إن هذا العلم لا يعرفه
أمي، وإنه دليل على أن محمداً رسول الله فآمنوا وأسلموا .
*ذكر القرآن ذلك، واعتبره بينة لكل من له عقل يشهد بأن
محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله .
الفصل الثاني عشر
يعلم سرهم ونجواهم
س : هل كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم يخبر ببعض ما
كان يدور في صدور الناس؟
ج : نعم لقد كان الله يطلعه على ما كان يخفيه بعض الناس
في صدورهم، فيكاشفهم عليه الصلاة والسلام بها فيعلمون أن محمداً رسول الله، وأن
الله سبحانه هو الذي علمه ، وأخبره بما أسروا ويناجوا به .
قال تعالى :﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ
وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾[التوبة: 78].
﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا
تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[التغابن: 4] .
س : وهل إخبار محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس
بحقيقة ما أخفوا في صدورهم يعتبر من آيات ، وبينات ، ومعجزات رسالته صلى الله عليه
وآله وسلم؟
ج : نعم .. فلا يعلم ما في الصدور إلا الله ، فإذا أخبر
محمد صلى الله عليه وآله وسلم به دل ذلك كل عاقل بأن محمداً رسول الله .
أمثلة:
س : وما هي الأمثلة على ذلك ؟
ج : الأمثلة كثيرة جداً ، تزخر بها كتب الحديث والسيرة ،
وتحدث القرآن عن بعضها، وقد كانت هذه سبباً في إسلام كثير من المشركين.
حادثة طعمة :
س : وما هو المثل من القرآن الكريم؟
ج : (طعمه) رجل من ضعاف المسلمين، كأن يعيش على عهد رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ، سرق درعاً من جاره ، وخبأها عند يهودي
، واستحفظه عليها ، فأخذ أصحاب الدرع يبحثون عن درعهم فوجدوها عند اليهودي، فشهد
ناس من اليهود ببراءة صاحبهم اليهودي، وأدانوا طعمة ، فحرك ذلك الحمية والعصبية
القبلية في قومهم طعمة ، الذين أخذوا القضية قضية عار يجب أن يدفعوه عن أنفسهم بأي
وسيلة ، وحلف طعمة أنه ما أخذها وما له بها من علم ، وتناجي قوم طعمة في تبرئته ،
وإلصاق التهمة باليهودي، فذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون له : إن
هذه المحاولة اليهودية لإلصاق التهمة بطعمة ببراءة صاحبهم وسرقة اليهودي، فنزل
الوحي يكشف طعمة ، وقومه، ويبرئ اليهودي، فما أنكر أحد الحادث بعد نزول الوحي:
قال تعالى :﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ
بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا
وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
وَلَا
تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا
يَسْتَخْفُونَ
مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ
يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ
مُحِيطًا
هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ
جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ
نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا وَمَنْ
يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا
فَقَدْ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا
يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ
عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾[النساء:
105-113] .
قصة حاطب :
س : وهل هناك مثل آخر؟
ج : نعم ؛ المثل الثاني هو لمسلم أدركه الضعف فوقع في
أمر كبير ، ذلك هو حاطب ابن أبي بلتعة : لما عزم رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم على فتح مكة بعد نقضها لعهد الحديبية ، دعا الناس أن يستعدوا لفتح مكة فأخذ
المسلمون يعدون أنفسهم لذلك فخشي حاطب أن يفشل أمر المسلمين ، فتعود قريش لقتل
أهالي المسلمين الذين لا يزالون بمكة، فقرر أن يتقرب إلى قريش، ويتودد إليهم
باطلاعهم مسبقاً على استعداد المسلمين؛ حتى إذا فشل الفتح سلم أهله بمكة، فكتب
حاطب إلى قريش يخبرها ببعض أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأرسل الرسالة مع
امرأة فأخبر الله نبيه ، ولنترك علي بن أبي طالب يكمل لنا القصة: قال علي كرم الله
وجهه: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال :
انطلقوا حتى تأتوا (روض خاخ)[4]
فإن بها ظغينة (امرأة) معها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تعادي[5]
بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظغينة فقلنا أخرجي الكتاب .
فقالت : ما معي .
فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب!!
فأخرجته من عقاصها[6]
فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى
ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله. فقال: يا حاطب ما هذا؟
فقال يا رسول الله : لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقاً[7]
في قريش كنت حليفاً لها ولم أكن من صميمها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات
يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً
يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتداد عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام . فقال
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أما إنه قد صدقكم!
فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق.
فقال : " إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله قد
اطلع على من شهد بدراً.
فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ـ وسجل الله
هذا الحادث في كتابه فقال تعالى:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي
وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا
بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ
تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي
وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ
بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ
سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾[الممتحنة : 1ٍ] .
هذان مثالان وهناك أمثلة كثيرة في كتب التفسير والحديث
والسيرة .
الخلاصة :
*كان الله يطلع رسوله عليه الصلاة والسلام على ما كان
يدور في نفوس بعض الناس، فيخبرهم الرسول بذلك فيؤمن بعض الكافرين، ويزداد المؤمنون
إيماناً .
*من الأمثلة التي ذكرها القرآن الكريم: (1) قصة طعمة التي تناجي قومه في تبرئته وإدانة اليهودي ، فنزل الوحي يبرئ اليهودي ويدين المسلم
(2) قصة حاطب الذي أسر إلى قريش برسالة لينال مودتهم ،
فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالأمر ، وبالمرأة حاملة الرسالة،
وبمكانها الذي سيجدونها فيه فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : علياً ،
والزبير، والمقداد ، فوجدوا المرأة حيث أخبرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما
وجدوا الكتاب أيضاً . *إن إخبار الرسول صلى الله عليه وآله بما غاب في الصدور كثير معروف في كتب التفسير، والحديث ، والسيرة. وهو علامة وآية وبينة مصدقة لرسول الله بالرسالة.
الفصل الثالث عشر
ولتعلمن نبأه بعد حين
الإخبار بما سيكون :
س : وهل أخبر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأمور
ستكون في المستقبل كما أخبر بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟
ج : نعم ... هذا النوع من إخبار الله ورسوله صلى الله
عليه وآله وسلم بما سيكون في المستقبل كثير وكثير جداً .
ومنها ما لم يعرف إلا في زماننا ، ومنها ما لم يعرف إلى
الآن ، وسيعرف بمرور الأيام.
س : وهل الإخبار بما سيكون وتحققه على ما أخبر به الرسول
صلى الله عليه وآله وسلم دليل على صدق الرسول؟
ج : نعم .. إنه دليل واضح ، وآية بينة لكل صاحب عقل،
فإذا كان يرى في الدنيا تحقق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعدم
تخلفه، فإنه يعلم أن ما أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلا عالم الغيب
والشهادة : الله سبحانه ، ونعلم أيضاً أن ما أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
به من أحوال اليوم الآخر وما هو كائن بعد الموت لا شك فه . لأنه سيتحقق كما شاهدنا
تحقق ما أخبر الرسول به في الدنيا.
أمثلة :
س : وما هي أمثلة ذلك؟
ج : الأمثلة على ذلك كثيرة جداً ، قد امتلأت بها كتب
التفسير والحديث نذكر منها مثالاً لما أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم به
وشاهده أصحابه، ومثالاً لما تحقق بعد موت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومثالاً
لما تحقق بعد موت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ومثالاً لما تحقق في هذا
الزمان.
س : وما هو مثال الخبر الغيبي الذي تحقق في زمن الرسول
صلى الله عليه وآله وسلم؟
ج : مثال ذلك : ما أخبر القرآن النازل على رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم أن من الروم ، التي هزمتها فارس ، سوف تعاود الكرة في حرب
جديدة، يكون النصر فيها للروم، وذلك في مدة لا تتجاوز عشر سنوات.
وسبب نزول هذا الخبر الغيبي في القرآن هو أن الكفار
فرحوا بظهور الفرس، عبدة الأوثان على الروم أهل الكتاب ، وكان المسلمون يريدون عكس
ذلك لأنهم يرون أهن الكتاب : أقرب إليهم من المشركين فأنزل الله قوله تعالى:﴿الم
غُلِبَتْ
الرُّومُ
فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ
مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
فِي
بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ
يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ
بِنَصْرِ
اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ
وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[الروم:1-6].
وسميت السورة التي نزل فيها الخبر الغيبي بسورة الروم،
فلما نزلت هذه الآيات ضحك المشركون منها وسخروا وجرت بينهم محادثة مع أبي بكر .
قالوا : يا أبا بكر إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على
فارس في بضع سنين قال: صدق.
قالوا : هل لك أن نقامرك؟!
فقبل أبو الرهان ـ قبل أن يحرم ـ وكان الرهان على عدد من
القلائص. فلم تمر تسع سنوات، حتى انتصرت الروم على الفرس وطردتها من بيت المقدس
كما أخبر القرآن قبل تسع سنوات، وإذا تأملت في هذا الحادث المسجل في حينه في كتاب
الله رأيت منه:
الثقة الكاملة من سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وأصحابه بما جاءهم من خبر عن الغيب في كتاب الله، فكأن الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم يقول: أيها الناس إن كنتم تكذبونني فإن ربي قد وضعني أمام امتحان، تظهر
نتيجته في أقل من عشر سنوات، إنني أقول لكم : بأن الله قد وعدني وعد الحق بأن
الروم ستهزم الفرس في أقل من عشر سنوات، وأنا على ثقة مما أخبرني ربي، وستعلمون
قريباً إن كنت كاذباً أو كنت رسولاً أبلغ ما يوحي إلي ربي، وذلك في مدة لا تزيد
على عشر سنوات.
س : سمع أن شعب اليمن آمن برسالة فكيف كان ذلك؟
ج : إنها معجزة ، وليست رسالة عادية: فقد مزق كسرى رسالة
محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين وصلت إليه ، وأمر عامله على اليمن
"باذان" أن يرسل إليه بهذا الذي تجرأ وكتب الرسالة أي محمد صلى الله
عليه وآله وسلم وقال كسرى ذلك اعتزازاً بقوة الدولة الفارسية واستهتار بالعرب ،
أرسل باذان حاكم اليمن الفارسي رسولين من صنعاء إلى المدينة ، ليأتيا له بمحمد صلى
الله عليه وآله وسلم فلما وصل الرسولان ، ودار بينهما نقاش مع رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم فلاحظ أنهما قد أطالا شاربيهما ، وحلقا لحيتهما فسألهما: من أمركما
بهذا؟
فقالا : ربنا (وقد كان الناس يسمون ملوكهم أرباباً ،
وخاصة ملوك فارس) .
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (أخبر الذي أرسلكما : إن
ربي قتل ربه الليلة". أي لا حاجة لمجيئي معكم، فإن ربي قد انتقم لي وقتل الذي
أمر (باذان) بإيصالي إليه وأوحى إلي بهذا، فمن طلبي فقد قتله ربي.
فعاد رسولا باذان ، ومعهما هذه الرسالة القصيرة:
"إن ربي قتل ربه الليلة" فأخبروا (باذان) بالخبر فقال: إن الأمر بين فما
علينا إلا أن ننتظر ما يأتي من فارس لتظهر الحقيقة سافرة عن محمد.
*فإن جاءت مؤكدة بقتل الملك في تلك الليلة المحددة فمحمد
حقاً رسول الله من عند الله. وإن جاءت مكذبة لما قال فلنا معه شأن آخر.
وأصبحت الرسالة حديث اليمنيين : نصارى ، ومجوس ، ويهود،
فإذا بالأخبار من فارس تأتي مؤكدة بصدق ما أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
فماذا كانت النتيجة؟!!
1-
أسلم باذان
وجنده ، وطلب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون عاملاً له على اليمن
فأمره.
2-
أسلم أغلب الشعب
اليمني ما عدا اليهود.
3-
ذهب وفد من اليمنيين يطلب من رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم معلمين لهم في دينهم، فأرسل عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل ـ الذي بنى
مسجد معاذ ـ في الجند ، وأرسل وبر بن يخنس الأنصار الذي بنى أساس الجامع الكبير في
صنعاء المحدد فيما بين علامتين: (المسمورة والمنقورة)[8]
في بستان باذان آنذاك ، وأرسل غيرهما من الصحابة لتعليم أهل اليمن دين الإسلام قيل
: إن منهم علياً كرم الله وجهه .
النصر الموعود للقلة المطاردة واستخلافهم:
س : وما هو مثال خبر الغيب الذي تحقق بعد موت رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم؟
ج : مثال ذلك ما أخبر به القرآن الكريم المسلمين ـ وهم
مطاردون ـ أن حروباً ستقوم بينهم وبين الكفار ، وأن الله سينصرهم ، وأنه سيمكنهم
في الأرض ، وأنهم عندئذ سيكونون من المؤمنين.
قال تعالى :﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ
اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
الَّذِينَ
أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا
اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ
صَوَامِعُ[9] وَبِيَعٌ[10] وَصَلَوَاتٌ[11] وَمَسَاجِدُ[12] يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ
اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
عَزِيزٌ
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ
فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[الحج: 39-41] .
وفي هذه الآية أخبر الله تعالى :
1 ـ بالحرب بين المسلمين والكفار . قال أبو بكر الصديق
(رضي الله عنه) لما نزلت : عرفت أنه سيكون قتال .
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾
2 ـ وإن النصر سيكون للمسلمين ، وقد كان الأمر كما أخبر
القرآن قبل أن يكون.
3 ـ وإن الله سيمكن المسلمين المطاردين المخرجين من
ديارهم في الأرض؛ وقد مكنهم الله شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، فدانت لهم معظم
أقطار الأرض.
4 ـ أنهم عند نصرهم وتمكينهم سيقيمون الصلاة ، ويأمرون
بالمعروف ، وينهون عن المنكر، وقد كان هذا شأنهم .
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه : فينا نزلت:﴿الَّذِينَ إِنْ
مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ﴾.
فأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا : ربنا الله ، ثم
مكنا في الأرض، فأقمنا الصلاة ، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف . ونهينا عن
المنكر ولله عاقبة الأمور فهي لي ولأصحابي.
عذاب عند الانحراف :
-
وما هو مثال خبر
الغيب الذي عرف في هذا الزمان؟
قال تعالى :﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا
مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا
وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ
لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾[الأنعام: 65] .
قال عليه الصلاة والسلام لما سئل عن تحقيق هذه الآية قال
: " أما إنها كائنة لم يأت تأويلها بعد" أي إنها كائنة ولكن تفسيرها،
ووقوعها ليس الآن وإنما في المستقبل ليس على الصالحين من المسلمين، وإنما يرسل
العذاب على من كثر منهم الانحراف.
وفي زماننا هذا نجد طرفاً من هذا العذاب ، فطائرات
الاستعمار ، وغواصات وألغامه وقنابله، كلها عذاب حل بالأمة الإسلامية من فوق
رؤوسهم ومن تحت أرجلهم ، ولا يزال الزمن بتقدمه يكشف بوضوح صدق هذا الخبر الغيبي،
فها هي الأمة المسلمة مقسمة شيعاً ، وأحزاباً ، ودولاً وجماعات ، يذيق بعضهم بأس
بعض وصدق الله العظيم القائل :﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ
عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ
أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾.
ولن يرفع العذاب إلا بتوبة صادقة .
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً ، كلها تشهد
لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه حقاً الرسول الذي يبلغ ما أوحي إليه من
ربه .
الخلاصة:
*من آيات ، وبينات ، ومعجزات سيدنا محمد صلى الله عليه
وآله وسلم أنه أخبر بغيوب كثيرة، وعدنا أنها ستكون في المستقبل فجاءت الأيام مصدقة
لما أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
*منها ما تحقق في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :
كانتصار الروم، وقتل ملك الفرس، الذي كان سبباً في إسلام في أهل اليمن .
*ومنها ما تحقق بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم كتمكين المسلمين في الأرض، وإقامتهم للصلاة، وإيتائهم للزكاة .
*ومنها ما تحقق هذا الزمان، كالإخبار بالعذاب الذي يحل
بالمسلمين إذا انحرفوا: من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، واختلافهم شيعاً ، وأحزاباً
يذيق بضعهم بأس بعض.
الفصل الرابع عشر
من عجائب القرآن في هذا الزمان
لا تنقضي عجائبه:
س: هل لعجائب القرآن ومعجزات حد؟
ج : لقد وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذا القرآن
"بأنه لا تنقضي عجائبه" فالقرآن جديد في كل زمان، له عجائب في كل زمان ،
ذلك لأنه كلام الخالق، العظيم ، الحكيم، المحيط علماً بكل شيء.
س : وما مثال ذلك؟
ج : مثال ذلك ما كشفه العلم الحديث بوسائله ، وأجهزته ،
وإمكانياته ، وكان القرآن قد تعرض للحديث عنه قبل مئات السنين من معرفة الناس
لذلك.
فلقد كان من المستحيل قبل مائتي عام أن يطير إنسان في
الجو. أو يصدق أن الإنسان سيحاول الصعود إلى السماء ، وسيحاول النفاذ في نطاق
الأرض، لكن القرآن من قبل أربعة عشر قرناً من الزمان. أخبر بأن هذه المحاولة من
الإنسان ستكون، وستتم عندما تكون معه وسيلة تمكنه، ولكن المحاولة ستفشل في مرحلة
معينة عندما يرسل الله شواظاً من نار، ونحاساً على هؤلاء الجادين في الوصول إلى السماء
فيهزمون. ويردون على أعقابهم. وذلك كما حدث للجن عندما بلغت بهم محاولاتهم إلى
منطقة استراق السمع من الملأ الأعلى، وهناك أعلنت عليهم الحرب، فالحد المسموح به
لا يدخل فيه منطقة استراق السمع من الملأ الأعلى.
قال تعالى :﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ
تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ
إِلَّا بِسُلْطَانٍ
فَبِأَيِّ
آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
يُرْسَلُ
عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾[الرحمن: 33-35] .
وقال تعالى مخبراً بلسان الجن:﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ
حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا
وَأَنَّا
كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الْآنَ يَجِدْ
لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾[الجن: 8، 9] .
1-
إخبار بأن الإنس
، والجن سيحاولون غزو الفضاء ، والنفاذ من نطاق الأرض والسموات.
2-
سينجحون عندما
تكون لهم الوسيلة.
3-
ستعلن عليهم حرب إلهية بشواظ من نار، ونحاس، تهزمهم
عندما يحاولون، أن يسترقوا السمع من الملأ الأعلى.
4-
قد سبق الجن الإنسان في هذا الميدان ، ووصلوا إلى منطقة
استراق السمع فوجدوا :
﴿فَمَنْ يَسْتَمِعْ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾.
5-
ما بقي إلا
أن نرى محاولات الإنس.
وها قد جاءت محاولات
الإنسان اليوم مصدقة لما أخبر به القرآن. بعد أربعة عشر قرناً من الزمان، وكل
المحاولات اليوم هي محاولة لغزو الفضاء بين الأرض والسماء ، لا غزو للسماء نفسها .
6-
وهذه الأيام يعكف الباحثون على استماع أصوات عقلاء تنبعث
من أعماق السماء ويقول بعض الباحثين: إنهم لن يتمكنوا من معرفة معاني هذه الأصوات
إلا إذا خرج الإنسان من نطاق المجموعة الشمسية، وربما كان هذا هو الخيط الذي يجر
الإنسان إلى محاولات استراق السمع ثم يرجم كما رجم الجن من قبله .
أصل الوقود : الشجر الأخضر:
س : هل هناك مثال آخر؟
ج : الأمثلة كثيرة . فلقد تحقق وعد الله القائل :﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[فصلت :53] .
فالنقط الخضراء تلك تخزن من وقود الشمس، في أجزاء
النبات، وتحوله إلى مواد نباتية ، يسهل أكلها أو حرقها، وإخراج الوقود الكامن في
تلك الأجزاء.
كما اكتشف العلماء في طبقات الأرض أن أصل البترول وجميع
مستحقاته : (بنزين، كيروسين) ، وغيرهما جميعاً مواد متحولة من نبات. مطمور بالتراب
والصخور ، أو حيوانات تغذت على نباتات وأخذت من النبات الوقود. وبهذا نعرف أن جميع
أنواع الوقود المستخدمة أصلها من الشجر الأخضر، ويقرر القرآن هذه الحقيقة قبل
أربعة عشر قرناً من الزمان..
(مهداة من الدكتور فاروق الباز)
قال تعالى :﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا
فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾[يس:
80] .
وهناك مثال آخر ؟ ففي أوائل عام 1900م لفت الأنظار كثير
من مساحي البحار الاسكندنافيين إلى وجود أمواد تحت سطح الماء، وهي تقذف بالغواصات
، كما تقذف زميلاتها السطحية بالسفن، ويكون هذا في المحيطات وعلى أبعاد عميقة،
ونجد أن القرآن يحدثنا عن وجود نوعين من الموج في البحار العميقة لا كما كان يظن
الناس جميعاً إلى أن قبل سنة 1900م .
قال تعالى :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ
فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ...﴾[النور:
40] .
س : وهل صحيح أن القرآن قد أخبر عن وسائل جديدة
للمواصلات؟!
ج ـ نعم .. فعندما عدد الله علينا نعمة فيما خلق لنا من
وسائل للمواصلات من خيل ، وبغال ، وحمير ، وفلك مشحون ، تسهل علينا أسفارنا، أخبر
أن نعمة علينا ليست محصورة في هذه الوسائل، بل إن هناك وسائل جديدة، يخلقها الله
لكم ويسخرها لمنفعتكم.
قال تعالى :﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً
وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[النحل: 8] .
وهكذا عبر القرآن عن ازدياد وسائل الموصلات، وتجددها
باستمرار إذ أن كل مسلم يرى: أي نوع من أنواع المواصلات، ويذكر قول الله:
﴿
وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
يشعر أن هناك وسائل جديدة ، وسوف يسخرها الله سبحانه.
وتجد الأمر
واضحاً في قوله تعالى :﴿
وَآيَةٌ
لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا
يَرْكَبُونَ﴾[يس: 41، 42] .
فما هو المثيل للفلك المشحون؟
ليس إلا وسيلة، أو وسائل أخرى للمواصلات ، يشابه ذلك
الفلك المشحون، وما أشبه القطارات . والبواخر، والسيارات الكبيرة، بذلك الفلك
المشحون.
ولنا أن ننتظر المزيد ، وكان الأولون لا يعرفون إلا ما
كان معروفاً في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن جاء وقت إنجاز وعد
الله فجاء عصر البخار والاحتراق الداخلي، والكهرباء، والذرة ، بكل جديد ، وجديد،
مما أشار إليه القرآن الكريم قبل ثلاثة عشر قرناً من الزمان. أوليس الإخبار عما
سيكون من وسائل جديدة للمواصلات ، في القرآن الأول للهجرة لا يكون إلا بعلم الخالق
المحيط علماً بكل شيء؟!
بلى : وأنا على ذلك من الشاهدين.
س : وهل مصنوعات الإنسان جزء من خلق الله؟
ج : إن تحرك السيارة ، وانتقالها من مكان إلى آخر ، إنما
يكون بقوة (الآلة المحركة) فهل نخطئ إذا قلنا : إن ذلك من صنع الإنسان ، بمعنى أنه
الذي صنع تلك الآلة وهيأها بالتركيب ، والوقود، لأداء تلك الوظيفة؟
والأمر واضح إذاً فالله الذي خلق الإنسان ، وأعطاه
القدرة العقلية والعلمية ، وسخر له المعادن ، ومكنه من الأرض ، فصنع ـ بما أودع
الله فيه من قوة وسخر له من إمكانيات ـ هذه المصنوعات العجيبة التي خلقها الله،
لأنه خلق الإنسان وخل قالقدرة فيه على صنعها .
قال تعالى :﴿خلقكم وما تعملون﴾
القمر كان مشتعلاً ثم انطفأ:
س : وهل أخبر القرآن بما كشفه العلم أخيراً من أن القمر
كان مشتعلاً؟
ج : لقد جاء ذلك في قوله تعالى :﴿
وَجَعَلْنَا
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ
النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾[الإسراء:12] .
س : وأين الشاهد في الآية؟
ج : الشاهد في قوله تعالى :
﴿
فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ فآية الليل القمر ، وآية النهار الشمس، ومحونا آية الليل أي طمسناها
وأزلنا ضوءها، والمحو والطمس لا يكون إلا بعد إنارة. فمن هنا عرفنا أن القمر كان
مشتعلاً ثم محي ضوؤه، وهذا السر لم يعرف إلا قريباً وبعد أن تيسرت الآلات
للباحثين، وهذا يشهد أن محمداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد جاءه الوحي بهذا من
عند الله القائل في كتابه:﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ﴾[الفرقان: 6] .
س : وهل قال المفسرون السابقون هذا الكلام؟
ج : نعم لقد قال المفسرون الأولون : القمر آية الليل
والشمس آية النهار، وقال شيخ المفسرين عبدالله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ :
"كان القمر يضيء كما تضيء الشمس والقمر آية الليل والشمس آية النهار"
وقال الشوكاني في تفسيره: فمحونا آية الليل أي طمسنا نورها وقد كان القمر كالشمس
في الإنارة والضوء.
الذباب يعجزنا:
وهل هناك مثال آخر :
ج : نعم ، لقد اكتشف الباحثون في علم الحشرات أن الذباب
مزود بغدد لعابية طويلة وغنية جداً باللعان وبمجرد أن يأخذ الذباب شيئاً من الطعام
سرعان ما يفرز عليه كمية كبيرة من اللعاب تحويله من فوره إلى مادة أخرى.
فإذا أخذ الذباب منا شيئاً وأردنا أن نسترد منه ذلك
الشيء الذي سلبنا فإنا لا نقدر.
س : ولماذا لا نقدر على استرداد ما أخذه الذباب؟
ج : لأنه يسكب عليه لعاباً بمجرد أن يأخذه ويحوله إلى
مادة أخرى فإذا قتلنا الذباب وأمسكناه وبحثنا عن المادة التي أخذها منا فلن نجد ما
أخذ؛ لأنه قد حول ما أخذ على شيء آخر!
س : وهل ذكر القرآن هذه الحقيقة؟
ج : لقد ذكرها القرآن وضرب بها مثلاً على عجز الإنسان
فقال تعالى :﴿
يَاأَيُّهَا
النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ
الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾[الحج: 73، 74] .
إن هذا السر في خلق الذباب لم يعرف إلا حديثاً ، وما كان
لبشر أن يعلمه قبل تقدم أجهزة البحث العلمي لولا أن محمداً صلى الله عليه وآله
وسلم رسول من عند الله.
س : وهل هناك مثال آخر من الأسرار التي سبق القرآن
العلوم الحديثة في الحديث عنها؟
ج : نعم فلقد كان القرآن الكريم أول كتاب ذكر أن النمل
مزود بأجهزة السمع والتخاطب. ولما تقدم علم التشريح، ووجدوا الأجهزة الدقيقة،
وتقدم علم الحشرات اكتشف الباحثون أن النمل مزود بأجهزة السمع ، ومزود بأجهزة
تمكنه من التخاطب مع بعض.
س : وما هي الآية التي ذكرت هذه الحقيقة؟
ج : قال تعالى في سورة النمل:﴿
قَالَتْ
نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ
سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾[النمل:
18] .
·
إن للقرآن
معجزات تظهر في كل زمان ، وهي من خواص هذا القرآن وعجائبه الشاهدة بأنه من عند
الله .
·
ومنها إخبار
القرآن بإمكانية غزو الإنسان للفضاء في زمن لم يكن أحد يتخيل أن بإمكان الإنسان
البقاء دقيقة في الهواء .
·
كما أخبر القرآن
، أن النار في الوقود المستخدم ، تخرج من الشجر الأخضر في وقت كان يعتقد فيه أن
الشجر الأخضر لا يصلح وقوداً .
·
وأخبر القرآن ،
أن الله قد حول النبات إلى مواد صلبة خضراء مسودة ، وذلك ينطبق على صفات الفحم
الحجري تماماً في وقت كان يجهل فيه ذلك.
·
وأخبر القرآن أن
في البحر العميق نوعين من الموج لا نوع واحد ولم تكتشف هذه الحقيقة إلا سنة 1900م
.
·
وأخبر سبحانه
أنه سيخلق للناس وسائل غير ما عرفوا من الخيل والبغال والحمير، والفلك في البحر،
فجاء التقدم العلمي يكشف عما أخبر الله به.
·
وأخبر سبحانه
بأن القمر كان مشتعلاً بالضوء فمحي ضوؤه فجاء التقدم العلمي كاشفاً لهذه الحقيقة .
·
وأخبر القرآن أن
الإنسان يعجز عن استرداد ما أخذ الذباب منه ، وعرف الإنسان في هذا الزمان قدرة
الذباب الفائقة على تحويل أي مادة يأخذها بصورة سريعة إلى مادة أخرى. · وكان القرآن أول من أخبرنا أن النمل يسمع ويتكلم فجاء تقدم العلم كاشفاً لكل ذكر القرآن من قبل
الفصل الخامس عشر
الموت
الموت والحياة
س: ما هو الفرق بين الموت والحياة؟
ج : الميت لا يأكل ، ولا يشرب ، ولا يسمع ، ولا يدري ،
ولا يعقل ، ولا يحس بشيء في نظرنا ، ولا ينمو ولا يتنفس ، ولا يتزوج ، ولا ينجب
الأطفال وبعكسه الحي.
فتأمل كيف تحول طعام الأم الميت الجامد إلى جسم حي ، بل
إن ذلك يحدث في أجسامنا كل يوم ، فانظر إلى يدك ق كانت يوماً صغيرة ، ثم زادت
بالطعام الميت، فأصبحت يداً تنبعث فيها الحياة ، ثم انظر إلى يد الميت قد كانت
يوماً تنبض بالحياة فأصبحت اليوم ميتة .
فمن بعث الحياة في الأموات؟ ومن قضي بالموت على
الأحياء؟!!
*أوثان ميتة!! لا تملك موتاً ولا حياة!!
*طبيعة ميتة!! لا تملك موتاً ، ولا حياة ، ولا عقلاً ،
ولا تدبيراً!!
*إن كل كائن حي يكره الموت ؛ ولكنه يموت لأن الموت
والحياة ليست بيده إنما هي بيد الله ، مالك كل شيء ، المتصرف كيفما يشاء .
قال تعالى :﴿
لَهُ مُلْكُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[الحديد: 2].
وقال تعالى :﴿
وَهُوَ
الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ ﴾[المؤمنون :80].
س : لماذا نموت؟
ج : إن الله الذي أحياناً ، ويميتنا ، قد أخبرنا أن
الحكمة من الموت هو الانتقال من دار العمل إلى دار الجزاء، حيث توفى كل نفس ما
عملت .
قال تعالى :﴿
كُلُّ نَفْسٍ
ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾[آل عمران: 185] .
س : هل من الموت مفر؟
ج : عجبت لمن لا يوقن بالموت وهو يرى الموتى؟!! إن الموت
لا ينكره أحد على وجه الأرض ، ولكن كثيراً من الناس يمنعون أنفسهم من ذكره،
والاستعداد لما بعده، فهم يفرون من ذكره وهم ملاقوه، ويتعاملون عنه وهو آتيهم.
قال تعالى :﴿
أَيْنَمَا
تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾[النساء:78] .
﴿
قُلْ إِنَّ
الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ
إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ
تَعْمَلُونَ ﴾[الجمعة:8] .
س : وهل الموت بيد الإنسان؟
ج : هل الحياة بيد الإنسان ؟! الجواب واضح إن الحياة
ليست بيد الإنسان، وإلا كان كل ميت أحيا نفسه ، فالموت ليس بيد الإنسان ولو كان
بيد الإنسان ما مات شخص على نوجه الأرض .
س : فبيد من إذاً؟
ج : إنه بيد الذي أحيا الإنسان وأوجده .. إنه بيد الله
سبحانه ، فها أنت ترى خطة عامة تسير عليها سنتاً الموت والحياة، ففي مدة لا تتجاوز
مائة عام نكون قد متنا جميعاً كما أننا قبل مائة عام ، لم يكن لنا وجود وبالمثل من
كانوا قبلنا من اختلاف في عدد السنين .
قال تعالى :﴿
وَلِكُلِّ
أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا
يَسْتَقْدِمُونَ﴾[الأعراف:34] .
وحياة كل منا محدودة، معلومة ، مقدرة بعلم الله سبحانه ،
ودور كل منا على هذه الأرض معلوم حسب الخطة العامة .
ولكل منا أجل معلوم ، فإذا جاء فلا تأخير . فكم من الناس
في صحة وعافية ينتقلون فجأة إلى جوار ربهم! ويعرض لهم أدنى سبب فيكون به موتهم .
قال تعالى :﴿
إِنَّ أَجَلَ
اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾[نوح: 4] .
وعلى العكس فكم من قوم يصابون بأخطر الأمراض، أو يتعرضون
للجروح الشديدة ولكسر ، أو التمزيق الذي تحدثه آلات الحرب، أو غيرها من الأجسام
الثقيلة، وكم من قوم يتعرضون لمؤامرات محكمة قاتلة، أو لظروف مهلة ، ولكنهم يعيشون
رغم ذلك كله ولا يموتون ، ذلك لأن الأجل لم ينته .
قال تعالى :﴿
وَمَا كَانَ
لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾[آل عمران : 145] .
س : وكيف يكون حال المؤمن والكافر عند الموت؟!
ج : قال عليه الصلاة والسالم : (ولكن المؤمن إذا حضر ـ
أي الموت ـ جاءه البشير من الله فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب
الله لقاءه، وإن الفاجر[13]
أو الكافر إذا حضر جاءه ما هو صائر إليه من الشر أو ما يلقى من الشر فكره لقاء
الله فكره الله لقاءه).
فعند الاحتضار تنزل على المؤمن ملائكة الحرمة تطمئنه ،
وتبشره بالرضوان، ويفتح الله له أبواب الجنة ، فينظر إلى نعيمها وزهرتها فينشرح
صدره ويحب لقاء ربه.
قال تعالى :﴿
إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ
الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ
الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
نَحْنُ
أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا
تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾[فصلت : 30، 31] .
وأما الذين كفروا ، فإنهم يعذبون بموتهم ، ويكرهون لقاء
ربهم .
قال تعالى :﴿وَلَوْ تَرَى
إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾[الأنفال
: 50] .
وهل يستطيع أحد على وجه الأرض أن يعتقد جازماً أنه سيعيش
إلى غد؟! أم أن هذا القائل قد اتخذ عند الله عهداً بذلك؟!!
قال تعالى:﴿
وَمَا
تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ
تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[لقمان
: 34] .
وهكذا فالموت بيد الله سبحانه ولا يدري أحد متى يأتيه؛
فعلى العاقل أن يبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يبادره الموت .
*الموت والحياة بيد الله ، خالق الموت ، والحياة ، وليست
بيد وثن، أو طبيعة لا تملك لنفسها موتاً ولا حياة .
*الموت انتقال من دار العمل إلى دار الجزاء .
*الموت محتم على كل إنسان ، ولا مفر منه ، ويجب
الاستعداد لما بعده.
الفصل السادس عشر
حياة البرزخ
البرزخ:
س : ما هو البرزخ؟
ج : البرزخ هو الحالة التي يكون فيها الإنسان بعد الموت
إلى القيامة . ومعنى البرزخ لغة : هو الحاجز ، والحد بين الشيئين.
قال تعالى :﴿
حَتَّى إِذَا
جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ
هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
س : وهل يعتبر القبر جزءاً من حياة البرزخ؟
ج : نعم ..
س : وماذا يحدث للإنسان في القبر؟
ج : يتعرض الإنسان للحساب على أعماله من بعد موته مباشرة
، إلا أن الحساب الكامل يكون يوم القيامة .
س : وكيف يكون حال من لم يقبر في لحد من اللحود؟
ج : ينطبق عليه بقدرة الله ما ينطبق على من هم داخل
القبور، ولو كان أجزءا مشتتة ، أو في جزء حيوان ، أو كان ردماً ، أو كيفما كان ،
والله هو الذي يتولى الإقبار كما تولى الخلق ـ سبحانه ـ من العدم .
قال تعالى :﴿
قُتِلَ
الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ
مِنْ
أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
مِنْ
نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
ثُمَّ
السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
ثُمَّ
أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ
ثُمَّ
إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ﴾[عبس : 17-22] .
س : وماذا يلاقي المرء في قبره؟
ج : قال عليه الصلاة والسلام : إن الميت إذا وضع في قبره
، يسمع خفق نعالهم حتى يولون مدبرين ، فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه ، وكان
الصيام عن يمينه ، وكانت الزكاة عن شماله . وكان فعل الخيرات: من الصدقات ،
والصلاة، والمعروف ، والإحسان إلى الناس ، عند رجليه فيؤتى من قبل رأسه فتقول
الصلاة: ما قبلي مدخل ، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام : ما قبلي مدخل ، ثم يؤتى عن
يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل ، ثم يؤتي من قبل رجليه فيقول ، فعل الخيرات :
من الصدقة ، والمعروف ،والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل . فيقال له : أرأيتك هذا
الذي قبلكم ما تقول فيه ، وماذا تشهد عليه ؟ فيقول : دعوني حتى أصلي ، فيقولون :
إنك ستفعل أخبرنا عما نسألك عنه أرأيتك هذا الرجل الذي كان قبلكم ماذا تقول فيه؟
وماذا تشهد عليه؟ قال فيقول: محمد أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت ، وعلى ذلك تبعث
إن شاء الله ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له : هذا مقعدك منها وما أعد
الله لك فيها فيزداد غبطة وسروراً، ثم يفتح له : باب من أبواب النار فيقول له :
هذا مقعدك ، وما أعد الله لك فيها لو عصيته ، فيزداد غبطة وسروراً، ثم يفسح له في
قبره سبعون ذراعاً[14]
وينور له فيه ويعاد الجسد كما بدأ منه[15]
فتجعل نسمته في النسيم الطيب[16]
وهو طير تعلق في شجر الجنة .
وإن الكافر إذا أتى من قبل رأسه لم يوجد شيء ، ثم أتى عن
يمينه فلا يوجد شيء، ثم أتى عن شماله فلا يوجد شيء ثم أتي من قبل رجليه فلا يوجد
شيء ، فيقال له: اجلس فيجلس مرعوباً خائفاً ، فيقال : أرأيتك هذا الرجل الذي كان
قبلكم: ماذا تقول فيه وماذا تشهد عليه ؟ فيقول أي رجل ؟ ولا يهتدي لاسمه. فيقال
له: محمد ، فيقول : لا أدري لا أدري وفي رواية فيقال له : على ذلك حييت وعليه مت
وعليه تبعث إن شاء الله ، ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له : هذا مقعدك من
النار ، وما أعد الله لك فيها فيزداد حسرة وثبوراً ، ثم يفتح له باب من الجنة .
قال فيقال له : هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها لو أطعته فيزداد حسرة
وثبوراً، ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه فتلك المعيشة الضنك التي قال
الله :﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾[طه: 124] .
س : وما هو حال
الشهداء بعد موتهم؟
قال تعالى :﴿
وَلَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ
عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
فَرِحِينَ
بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ
يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
﴾[آل عمران:169، 170] .
فالشهداء أحياء في الجنة يرزقون ، فهم وإن كانت أجسادهم
في الفناء، فإن أرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين، فحياتهم متصلة، وتزودت برزق
الله الطيب على ما قدموه من جهاد في سبيله .
س : وأين مستقر الأرواح بعد الحساب في القبر؟
ج : منها أرواح في أعلى عليين، وهي أرواح الأنبياء ،
ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ، وهي أرواح بعض الشهداء ،
ومنها أرواح محبوسة على باب الجنة ، كأرواح الشهداء الذين عليهم دين لم يقض، ومن
الأرواح ما يكون مقرها باب الجنة كأرواح بعض الشهداء ، ومن الأرواح ما تكون محبوسة
في الأرض، ومن الأرواح ما يكون مع النسيم الطيب في عليين كأرواح الصالحين ، ومنها
ما يكون في تنور الزناة والزواني، ومنها أرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم
الحجارة.
س : وهل تختلف الحياة البرزخية عن الحياة الأولى؟
ج : إنها تختلف اختلافاً كثيراً وهي أشد اختلافاً من
الاختلاف بين الحياة في بطن الأم، والحياة على وجه الأرض، ولو وصفت الحياة على
الأرض لطفل في بطن أمه لعجب منها كثيراً ، وربما كذب بها . ولكنا نصدق بكل ما
أخبرنا به الصادق المصدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأما العذاب في القبر ،
فنحن لا ندركه لأننا في عالم ، ومن في القبور في عالم آخر، وبيننا وبينهم حاجز لا
نعبره إلا بالموت كما هو حال الطفل في بطن أمه. وهو وإن كان معنا على الدنيا، ولكن
بيننا حاجز لا يعبر إلا بالولادة ولكنا آمنا بعذاب القبر لأن المخبر لنا هو الصادق
المصدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم المبلغ عن ربه .
*الحياة البرزخية هي الحياة بين الموت ويوم القيامة.
*من مات قبره الله وبدأ الحساب له، ولو كان في بطن وحش،
أو أجزاء صغيرة ، أو رمادياً مشتتاً ، ويرى المؤمن مقعده الذي أعد له فيستبشر .
ويرى الكافر مقعده الذي أعد له فيتحسر .
*الشهداء أحياء منعمون في الجنة ، ولكن منهم من تحبس
روحه على باب الجنة لدين لم يقض ، أو تحبس في القبر كمن سرق من الغنائم، ومن أرواح
الشهداء ما يكون مقرها باب الجنة .
*يختلف ما في الحياة البرزخية عما في حياتنا ، ولا نقدر
على إدراك حقيقته: لأن بيننا وبينها حاجزاً، كما هو الحاجز بين حياة الطفل في بطن
أمه، وحياة الناس على الأرض.
*نؤمن بكل ما أخبرنا به الصادق المصدوق محمد صلى الله
عليه وآله وسلم لأن الله عرفه ما لم نعرف ، وعلمه ما غاب عنا ، ولقد عرفنا صدق
نبوته ورسالته فصدقناه .
الفصل السابع عشر
أحوال البعث
البعث:
س: ما هو البعث؟
ج : هو بداية اليوم الآخر ، حيث يعاد الإنسان روحاً
وجسداً ، كما كان في الدنيا.
س : وما هي أدلة البعث ؟
ج : أولاً : إخبار خالقنا الذي أحياناً، ثم أماتنا بأنه
سيبعثنا بعد موتنا ، وذلك بواسطة رسل وأنبياء صدقنا رسالتهم وآمنا بنبوتهم ، بما
قدموا من أدلة شاهدة على صدقهم ، وقد بلغ عدد أن امتلأ بهم التاريخ البشري ، وكلهم
جميعاً يخبرون الناس عن ربهم بأن الله يبعث الناس ليوم الحساب .
قال تعالى :﴿
رُسُلًا
مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ
بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[النساء:165] .
ثانياً : إذا تأملت في خلق الإنسان ، وجدت أن لكل جزء من
أجزاء جسمه حكمة خلق من أجلها .
ومنها نعرف أن الإنسان ما خلق عبثاً ، وإنما خلق لحكمة
ولكن الحكمة لحياة الإنسان على هذه الدنيا لا تظهر إلا إذا آمنا بالبعث، واليوم
الآخر.
قال تعالى :﴿
أَفَحَسِبْتُمْ
أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ
الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾[المؤمنون: 115، 116] .
ثالثاً : إذا عرفنا أن الخالق أكمل ، وأعظم ، وأجل ، مما
يخلق ، وعرفنا أن عدل الإنسان يأبى التسوية بين الظالم والمظلوم ، والمطيع
والعاصي، وإذا عرفنا أنه لا إنصاف كاملاً في هذه الدنيا ، ولا مجازاة عادلة كاملة
على ما يعملون ، عرفنا أن العدل الإلهي لا يرضى بالمساواة بين البر والفاجر،
والمطيع والعاصي ، وأوجبت عقولنا ضرورة ووقوع الحساب بعد الموت.
قال تعالى :﴿أَمْ حَسِبَ
الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ﴾[الجاثية:21، 22] .
س : يقول الكافرون : إنه من المستحيل إعادة الإنسان إلى
الحياة وقد أصبح تراباً وعظاماً نخرة فما هو الرد عليهم؟
ج : لقد سئل محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا السؤال.
فتولى الله الرد عليهم .
قال تعالى :﴿
وَضَرَبَ
لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا
أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا
أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
أَوَلَيْسَ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ
مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ
مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾[يس:78، 83].وقال تعالى:﴿
وَهُوَ
الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ
الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
﴾[الروم: 27] .
فناء شامل ويقظة تامة :
س : وكيف يبدأ البعث؟
ج : هذه جملة آيات تدلنا على ما يحدث من فناء في هذا
اليوم "يوم القيامة" :
قال تعالى :﴿
إِنَّمَا
تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ
فَإِذَا
النُّجُومُ طُمِسَتْ
وَإِذَا
السَّمَاءُ فُرِجَتْ
وَإِذَا
الْجِبَالُ نُسِفَتْ
وَإِذَا
الرُّسُلُ وُقِّتَتْ
لِأَيِّ
يَوْمٍ أُجِّلَتْ
لِيَوْمِ
الْفَصْلِ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ
الْفَصْلِ
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾[المرسلات: 7-15] .
وقال تعالى :﴿
إِنَّ يَوْمَ
الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا
يَوْمَ
يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا
وَفُتِحَتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا
وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴾[النبأ: 17-20].وقال تعالى:﴿
إِذَا
وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ
لَيْسَ
لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ
خَافِضَةٌ
رَافِعَةٌ
إِذَا رُجَّتْ الْأَرْضُ
رَجًّا
وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا
فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ﴾[الواقعة: 1-6]."
س : ما معنى النفخ في الصور؟
ج : الصور معناه : القرن الذي ينفخ فيه ، وإذا نفخ فيه
خرج منه صوت قوي ، قال تعالى :
﴿
وَنُفِخَ فِي
الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ
اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾[الزمر: 68] .
س : كم مرة ينفخ في الصور وماذا يحدث في كل مرة ؟
ج : في النفخة الأولى يحدث الفناء الشامل كما قال تعالى
:﴿
فَإِذَا
نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ
وَحُمِلَتْ
الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً
فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ
وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾[الحاقة : 13-16] .
س : وكيف يكون حال الناس عند حدوث هذا الزلزال الكوني
عند النفخة الأولى في الصور؟
ج : حال الناس يومئذ كما قال تعالى :﴿
يَاأَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ
مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى
النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾[الحج: 1، 2] .
س : وما الذي يحدث عند النفخة الثانية في الصور؟
ج : يقوم الناس من قبورهم كما قال تعالى:﴿
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا
هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾[الزمر: 68].وكما قال تعالى:﴿
يَوْمَئِذٍ
يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتْ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ
فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا
يَوْمَئِذٍ
لَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَرَضِيَ لَهُ
قَوْلًا ﴾[طه : 108، 109].وكما قال تعالى:﴿
وَنُفِخَ فِي
الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ
قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا
مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَانُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً
وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ
فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا
كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[يس :51 ـ 54] .
س : وماذا يحدث بعد قيام الناس من قبورهم ؟
ج : يساق الناس بعد أن يبعثهم الله إلى أرض المحشر كما
قال تعالى :
﴿
وَنُفِخَ فِي
الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ
وَجَاءَتْ
كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ
لَقَدْ
كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ
الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾[ق: 20-22] .
س : وكيف يتم بعث الناس؟
ج : إذا عرفنا كيف خلق الله الناس أول مرة عرفنا كيف
يكون البعث في المرة الثانية قال تعالى:﴿
يَوْمَ
نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ
نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾[الأنبياء: 104] .
س : وكيف بدأ خلقنا أول مرة ؟
ج : لقد خلقنا الله من ثلاثة أجزاء رئيسية .
ج : يبقى في عجب الذنب وهو عظم في أسفل العمود الفقري .
س : وفي أي حجم هذا الجزء الذي انتقل إلينا من أبينا
إبراهيم آدم عليه السلام؟
ج : إنه صغير جداً لدرجة أن الجنس البشري كله قد كان
جميعاً في صلب آدم ـ عليه السلام ـ ويقول الأطباء : لو جمعنا الأجزاء المادية التي
تحمل خصائص الوراثة في الجنس البشري لجمعت في حبة الكستبان (وهو القمع المعدني
الصغير الذي يضعه الخياط في رأس أصبعه لكي لا تغرزه الإبرة).
س : وهل هناك دليل شرعي على أننا نبعث من هذا الجزء الذي
خلقنا منه أول مرة؟
ج : الدليل قد وردت الإشارة إليه في كتاب الله :
﴿
كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ...﴾ وقد بينه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري
ومسلم ومالك في الموطأ وأبي داود والنسائي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
: " كل بني آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب ، منه خلق وفيه يركب" قيل:
وما هو يا رسول الله؟ قال : مثل حبة خردل منه تنشؤون".
س : وكيف لا تأكل الأرض هذا الجزء الذي نخلق منه؟
ج : إن سنة الله في البذور التي تخزن الأشجار بداخلها هي
الحفظ من الفساد فترى الحبة الصغيرة الصفراء التي بداخل ثمرة (التين) تدخل إلى
معدتك وأمعائك وتخرج سليمة لا يضرها شيء .
وكذلك إذا نظرنا إلى أي أرض كانت مزدهرة بالأشجار
والنباتات فأصابها الجفاف الطويل فتحطمت أشجارها وتفتت أجزاء تلك الشجرة، ولكن إذا
نزل المطر من السماء أنبتت الأرض مرة ثانية ودبت فيها الحياة.
﴿... فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ
يَنْظُرُونَ﴾
ولقد سأل أبو رزين العقيلي رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم فقال : قلت يا رسول الله : كيف يعيد الله الخلق ، وما آية ذلك في خلقه ؟
قال : " أما مررت بوادي قومك جدباً ، ثم مررت به
يهتز خضراً؟"
قلت : نعم .
قال : " فتلك آية الله في خلقه كذلك يحيى الله
الموتى"
س : وما هو مصير الناس بعد أن يبعثهم الله؟
ج : قال تعالى مبيناً ذلك المصير:
﴿
فَإِذَا
نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ
وَمَنْ
خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ
خَالِدُونَ
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ
وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ
أَلَمْ
تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ
قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا
شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ
رَبَّنَا
أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا
وَلَا تُكَلِّمُونِي
إِنَّهُ
كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا
وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ
مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ
إِنِّي
جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ
عَدَدَ سِنِينَ
قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا
أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ
قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ ﴾[المؤمنون : 101-114] .
*البعث هو إعادة الإنسان روحاً وجسداً يوم القيامة،
ليلاقي جزاء عمله.
*وقد أخبرنا به رسل ربنا ، وعرفنا أن مقتضى العدل
الإلهي. وأن الحكمة من خلق الإنسان لا تعرف إلا بالإيمان به .
*ومن ذكر نشأته الأولى لا يشك أبدأ في النشأة الأخرى.
*ويصحبه تغيير شامل في الأرض والسماء.
*الصور هو قرن ينفخ فيه الملك الموكل به فيصعق من في
السموات والأرض إلا الشهداء ، ويقع عندئذ زلزال كوني ، وفناء شامل ، وينزل الهول
الشديد بالناس عند سماعهم لصوت الصور ويصعقون منه .
*عندما ينفخ إسرافيل في الصور مرة ثانية يبعث الله الموتى
فيجمع الله الأولين والآخرين ويسوقهم صامتين خاشعين إلى أرض المحشر لحسابهم، ويبعث
الله الخلق كما بدأهم أول مرة .
*ركب الله الإنسان أول مرة من (بذرة) نطفة تناسلت من آدم
ـ عليه السلام ـ وأضيف إليها التراب بواسطة الطعام، ونفخ فيها الروح.
*وإذا مات الإنسان عاد كل جزء إلى أصله فالبذرة (
النطفة) التي ركب منها الإنسان وهي كحبة الخردل تكون في عجب الذنب ، والجسد الذي
جاء من التراب يعود إليه وتصعد الروح إلى بارئها .
*يبلى الجسد كله وعجب الذنب لا يبلى ، وكما أن الله يحفظ
البذور لتخرج منها النباتات مرة أخرى فكذلك عجب الذنب يحفظه الله ليبعث الناس منه
مرة أخرى.
*إذا نبت الجسد عند البعث ، عادت الأرواح إلى الأجساد
وسكن كل روح في الجسد الذي كان فيه .
*يسوق الله الناس بعد بعثهم إلى أرض المحشر ، خاشعة
أبصارهم لا تنفعهم أنسابهم، ولا أموالهم ، فمن ثقلت موازينه بالأعمال الصالحة كان
من أهل الجنة ونعيمها ، ومن خفت موازينه كان من أهل النار الأشقياء الذين يعترفون
بذنوبهم فيندمون على كفرهم ، وإيذائهم للمؤمنين واغترارهم بالدنيا ولكن لا ينفعهم
الندم.
▲
[1]
- مطاط : ربل .
[2]
- أخرجه الطبراني .
[3]
- والقلاص : جمع قلوس . وهي من الإبل.
[4]
- اسم مكان .
[5]
- تسرع .
[6]
- صفائر رأسها .
[7]
- أي لست من أصل قريش .
[8]
- دعامتان موجودتان الآن في مؤخر الجامع الكبير بصنعاء .
[9]
- صوامع للرهبان .
[10]
- بيع : كنائس للنصارى .
[11]
- صلوات : كنائس لليهود .
[12]
- مساجد : للمسلمين.
[13]
- الفاجر : العاصي .
[14]
- الحياة في القبر تختلف عن الحياة في الدنيا ومقاييسها .
[15]
- أي يعود الجسم تراباً . [16] - أي تكون روحه مع الأرواح الطيبة . |