عبدِالمجيـدِ
بنِ عَزيـز ٍالزندانـــي
صالح بن عبدالقوي
السنباني عبداللطيف بن أحمد الهجرة عبدالملك عبدالرزاق اليوسفي عبدالرحمن بن يحيى الغميري حسـن
بن عبـدالله النهــــاري عــادل بن حسـن الدمينــــي علــي
بن محمــد البهـــــجي هانـي
بن عبـدالله العـــــزي عبـدالله
بن أحمــــد عابـــد صالـح بن مسعــود أبو ركـــب خالــد بن صالح البصـــــلاني
اشترك في المساعدة : عبدالواحد
بن عبدالله الخميسي و محمــد
بن حســن الملحـــــــــاني
الإيمـــــان
تأليف
عبدالمجيد
الزنداني
و
عبدالله
الوظاف – أحمد سلامـه
فيصل
عبدالعزيز – حزام البهلولي
توحيد عبدالحميد

طباعة مركز البحوث بجامعة الإيمان
الطبعة الأولى
1427هـ - 2006م
طبع هذا الكتاب حق
لكل مسلم
أسماء
أصحاب الفضيلة العلماء
الذين
قاموا بمراجعة هذا الكتاب
|
1-
إبراهيم بن عمر عقيل
2-
أحمد بن إبراهيم
العيزري
3-
أحمد بن أحمد حربة
4-
أحمد بن إسماعيل
العنسي
5-
أحمد بن حمود الشيخ
6-
أحمد بن عبدالرزاق
الرقيحي
7-
أحمد بن عبدالله خليل
8-
أحمد بن عبدالله
الظاهري
9-
أحمد بن علي الآنسي
10- أحمد
بن علي الشامي
11- أحمد
بن علي العفيف
12- أحمد
بن علي الغرسي
13- أحمد
بن علي بن أحمد المتوكل
14- أحمد
بن علي المرتضى
15- أحمد
بن عيدروس علوي
16- أحمد
بن قاسم البحر
17- أحمد
بن محمد غمضان
18- أحمد
بن محمد المجاهد
19- أحمد
بن محمد المهدي
20- أحمد
بن مقبل بن نصر
21- أسد
حمزة
22- إسماعيل
بن صالح نصار
23- حسن
بن قاسم البحر
24- حسن
بن يحيى الذاري
25- حسين
بن عبدالله البدري
26- حسين
بن علي كعيبة
27- حسين
بن يحيى الشعوبي
28- حمود
بن محمد بن عبدالله شرف الدين
29- حمود
بن هاشم الذارحي
30- حميد
بن قاسم عقيل
31- راشد
بن عوض الوصابي
32- زيد
بن علي الآنسي |
33- زيد
بن علي الكبير
34- شرف
بن قاسم الوجيه
35- عبدالخالق
بن محمد شمسان
36- عبدالرحمن
بن عباس بن إبراهيم
37- عبدالرزاق
بن أحمد الرقيحي
38- عبدالقادر
بن عبدالله
39- عبدالكريم
بن علي الرحبي
40- عبدالله
بن عبدالحق المطري
41- عبدالله
بن عبدالله الوظاف
42- عبدالله
بن عبده بن مهدي الأبي
43- عبدالله
بن قاسم الوشلي
44- عبدالله
بن محمد الشرفي
45- عبدالله
بن محمد العنسي
46- عبدالله
بن يحيى العنسي
47- عبدالمعز
بن عبد الستار
48- عبدالنور
بن محمد البركاني
49- علي
بن أحمد واصل
50- علي
بن محمد الحبسي
51- علي
بن محمد بن علي الشرفي
52- علي
بن مطهر عشيش
53- علي
بن يحيى شمسان
54- لطف
بن محسن ساري
55- محمد
بن أحمد التعزي
56- محمد
بن أحمد العزاني
57- محمد
بن أحمد العمال
58- محمد
بن أحمد الغرباني
59- محمد
بن أحمد الوهابي
60- محمد
بن إسماعيل العمراني
61- محمد
بن إسماعيل العنسي
62- محمد
بن إسماعيل بن محمد المتوكل
63- محمد
بن حسن قاسم
64- محمد
بن سعيد الشيباني |
|
65- محمد
بن سليمان الأهدل
66- محمد
بن شرف الدين
67- محمد
بن عبدالرحمن العنسي
68- محمد
بن عبدالجليل الغزي
69- محمد
بن عبدالله بن لطف شاكر
70- محمد
بن عبدالله الهدار
71- محمد
بن علي البدري
72- محمد
بن علي البطاح
73- محمد
بن علي الرحبي
74- محمد
بن علي بن محمد الأكوع
75- محمد
بن علي عجلان
76- محمد
بن علي المنصور
77- محمد
بن علي الهيصمي
78- محمد
بن محمد الغشم
79- محمد
بن محمد أبو الغيث
80- محمد
بن محمد القديمي
81- محمد
بن مشعوف الأسلمي
82- محمد
بن مقبل بن نصر
|
83- محمد
بن يحيى المطهر
84- محمد
بن يحيى الدولة
85- محمد
بن يحيى قطران
86- محمد
بن يحيى مرشد
87- محمد
بن يحيى شمسان
88- محمد
بن قاسم حميد
89- مشرف
بن عبدالكريم المحرابي
90- مطهر
بن شرف الدين حنش
91- منصور
بن ناجي صالح
92- مهيوب
سعيد مدهش
93- يحيى
بن أحمد شمسان البعداني
94- يحيى
بن أحمد التعزي
95- يحيى
بن عبدالله حسوسه
96- يحيى
بن عبدالله الحبشي
97- يحيى
بن علي الآنسي
98- يحيى
الصعفاني
99- يحيى
لطف الفسيل 100- يس بن عبدالعزيز(1). |
الأدلة العلمية على الإيمان بالله سبحانه
القاعدة الأولى : العدم لا يخلق شيئاً
القاعدة الثانية : التفكير في المصنوع يدل على بعض صفات الصانع
القاعدة الثالثة : فاقد الشيء لا يعطيه
الوحي الطريق الأمثل لمعرفة أسماء الله وصفاته
الإيمان بأسماء الله وصفاته كما جاءت في الكتاب والسنة
الأدلة البينة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم
بينة تغير نظام الخلق : (من القرآن الكريم)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره
ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له،
ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم .(2)
وبعد : فإن أول واجب على الإنسان أن يعرف
الله سبحانه وتعالى عن طريق العلم، قال تعالى : ﴿
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [محمد:19]. وأن
يعرف رسول ربه وصدق رسالته عن طريق العلم الذي يورث اليقين، قال تعالى : ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ
رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ
﴾ [الرعد:19]، وأن يعرف الحكمة من خلقه في هذه الدنيا، وأن يعرف مصيره الذي إليه يسير،
وأن يعرف دين ربه الذي هو مأمور باتباعه .
وإذا كان شرف العلم بشرف المعلوم، فإن
علم الإيمان يتعلق بمعرفة الله، ومعرفة رسوله، ومعرفة دين الله، وإذا كانت أهمية
العمل تتناسب مع الفائدة التي يجنيها الإنسان منه، كما تتناسب مع الخطر الذي يدفعه
الإنسان عن نفسه بهذا العلم، فإن علم الإيمان يحقق للإنسان السعادة والفوز العظيم في
الدنيا والآخرة.
ولقد وعد الله المؤمنين في الدنيا بوعود
كثيرة، منها :
1-
النصر
على أعدائهم، قال تعالى : ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
﴾ [الروم:47] .
2- الدفاع عنهم، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:38] .
3- الولاية لهم، قال تعالى : ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [البقرة:257].
4- الهداية لهم، قال تعالى : ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الحج:54] .
5- التمكين لهم والاستخلاف في الأرض، قال تعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾ [النور:55] .
6- الرزق الطيب، قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف :96] .
7- العزة، قال تعالى : ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
8- الحياة الطيبة،
قال تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
[النحل:97] .
هذا بعض ما يفوز به المؤمنون في الدنيا، وهذا
هو الذي تحقق لأسلافنا المؤمنين الصادقين .
أما الدار الآخرة فحسبهم قول الله سبحانه
: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا(3) * خَالِدِينَ فِيهَا
لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا(4)﴾ [الكهف: 107، 108] . وقوله تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لقمان:8، 9] .
ومن يتأمل أحوال المسلمين اليوم يجد أن
ما وعد الله المؤمنين به في الدنيا غير متحقق لهم، مما يشهد بأن إيمانهم ضعيف، أو
أنهم فقدوا صفات كثيرة من الإيمان أو أكثرها، فغاب عنهم في حياتهم الدنيا ما وعد
الله به المؤمنين من : النصر والولاية، والدفاع، والهداية، والاستخلاف، والتمكين ،
والرزق الطيب، والعزة، والحياة الطيبة، ومن استمر على حاله هذا فسيخسر ما أعده
الله للمؤمنين في الآخرة كما خسر في الدنيا، بل ربما خسر نفسه في نار جهنم .
لذلك كان لا بد من تقوية الإيمان وتثبيته
وتجديده وذلك بنشر علومه بين المسلمين، وإحياء الأعمال الإيمانية في مجتمعاتهم بتطبيق
أحكام الدين، وكان على العلماء أن يبادروا للقيام بهذا الواجب، خاصة وهم يشاهدون
هجوم المبادئ الإلحادية على المسلمين، ونشاط الحركات التنصيرية، كما يشاهدون
انتشار الخرافات والأباطيل التي يحاول أهلها أن ينسبوها بالباطل إلى الدين .
وهذا كتاب الإيمان نضعه بين يدي المسلمين
من سلسلة تعليم الواجبات الدينية، ونسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه وأن ينفع به
المسلمين .
وإننا نطلب من كل غيور على دينه أن يبذل
جهده لتعلمه وتعليمه لأهله وجيرانه، ولسائر المسلمين، والله الموفق .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،،
لقد بين الله سبحانه لعباده حقيقة
الإيمان الذي يقبل الله به الأعمال. ويتحقق به ما وعد الله به المؤمنين.
قال تعالى : ﴿
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ
يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:15]
ونرى من هذه الآية أن الإيمان المقبول الصادق هو الاعتقاد(5)
الذي لا يخالطه ريب، وهو العمل المتمثل في الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله .
ذلك لأن اعتقاد القلب لا يكفي لقبول
الإيمان، فلقد كان إبليس معتقداً بالله، فقد جاء على لسانه في القرآن الكريم أنه
قال : ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ
يُبْعَثُونَ﴾ [ص:79] ومع ذلك
فقد وصفه الله بالكفر لتكبره عن عمل ما أمره الله به، قال تعالى : ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ
الْكَافِرِينَ﴾[البقرة:34] .
فالإيمان
الحق إذن هو الذي يشتمل على :
1-
العقيدة الثابتة التي لا يخالطها شك .
2- العمل الذي يصّدق العقيدة وهو ثمرتها .
- عمل القلب، مثل : الخوف من الله، والإنابة إليه، والتوكل عليه.
- عمل اللسان، مثل نطق الشهادتين(6)، والتسبيح والاستغفار والدعوة إلى الله.
- عمل الجوارح(7)، مثل : الصلاة والزكاة والصوم والجهاد في سبيل الله، وطلب العلم لله، والتجارة والزراعة والصناعة تحقيقاً لأمر الله في استخلاف الأرض طبقاً لتعاليم الإسلام .
وهناك أسباب ، تقوي الإيمان فيزيد ، قال
تعالى : ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ
زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ [الأنفال:2](8)
وهناك أسباب من المعاصي تضعف الإيمان كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...)(9) .
وإذا
أردنا الفوز بتحقيق الإيمان فعلينا أن نقيمه :
1-
تصديقاً ثابتاً في القلوب عن طريق العلم
.
2- وعملاً في القلوب : عن طريق التذكير والتفكر، وخاصة في آيات الله الكونية والقرآنية وفي الوعد والوعيد .
3- وقولاً باللسان : بكثرة الذكر وقول الحق، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر، وتعلم العلم وتعليمه، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر .
4- وعملاً بجوارحنا : بإقامة أركان الإسلام، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، وبمجاهدة النفس للامتثال لأمر الله، وبمجالسة الصالحين كما قال تعالى : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:28،29] .
وهذا كله يحتاج أولاً إلى إصلاح القلوب
وتنقيتها من الأمراض الصادة عن الهدى.
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ
مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[الشعراء:88 ،89)(10).
فكما أن الأرض الصالحة للزراعة تتصف بأوصاف فكذلك قلب المؤمن يتصف بأوصاف(11)، منها:
الذي ينتج عنه معرفة الحق واتباعه، قال
تعالى : ﴿فَبَشِّرْ
عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا
الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:17، 18] أما القلوب الكافرة السقيمة
فتراها معرضة عن الحق، فتبقى جاهلة لا تهتدي إليه، قال تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ
إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾
[الأنعام:4].
2
ـ حب الحق وانشراح الصدر للإسلام :
وصاحب القلب السليم يحب الحق، وينشرح
صدره(12)
لتعلم الإسلام،
فيستحق
بذلك هداية الله(13).
وأما صاحب القلب السقيم فتراه يكره الحق، ويضيق صدره(14)
لسماع الإسلام، وبهذا يعرض نفسه لعقاب الله له بإضلاله(15)، قال
تعالى : ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ
يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ
ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾(16)
[الأنعام : 125] وذلك لأنهم يكرهون الحق، قال تعالى : ﴿بَلْ
جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾
[المؤمنون: 70].
3
ـ إجابة دعوة الإيمان، وحب الازدياد منه :
وصاحب القلب السليم يستجيب لدعوة الإيمان،
كما حكى الله عن أهل القلوب السليمة قولهم : ﴿رَبَّنَا
إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ
فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا
وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران : 193] ويحب المؤمن
دائماً أن يزداد من الإيمان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا
مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ
إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ
يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ
رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: 124، 125] . وأما أهل
القلوب المريضة فتراهم يصدون عن سبيل الله، قال تعالى : ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى
الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ
فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم:3].
وترى أهل القلوب السليمة يتفكرون في
أنفسهم، وفي خلق السماوات والأرض، وفي الهدى الذي جاءهم من خالقهم، يعرفهم الحكمة
من حياتهم وموتهم ويصف لهم ماضيهم ومستقبلهم، والجنة التي أعدها الله لعباده
المؤمنين، والعذاب الذي ينتظر الكافرين، ويتفكرون في معجزات الرسول صلى الله عليه
وسلم وأدلة صدقه ، وكيف يطبقون ما أمرهم به لتتحقق لهم سعادة الدنيا والآخرة، وليتقوا
عذاب النار، قال تعالى : ﴿الَّذِينَ
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ
فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ
فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191] ولكن الكافرين عطلوا
أسماعهم وعقولهم عما خلقت له من التفكير، فلا يعترفون إلا يوم يندمون يوم القيامة،
كما قال تعالى عنهم : ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا
نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ* فَاعْتَرَفُوا
بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾[الملك:10 ،11].
4
ـ التذكر :
والإنسان ينسى، ولكن صاحب القلب السليم
يتذكر فيبصر ولا يعمى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ
مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]، لذلك شرع الله التذكير، فقال
سبحانه : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى
تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]، وقال سبحانه : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ
مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ
الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ [الأعلى: 9-13] أمّا أهل القلوب السقيمة فتراهم في
غفلة لا يؤمنون، قال تعالى : ﴿وَأَنذِرْهُمْ
يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا
يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:39] فإن ذكرت بعض الغافلين بالآخرة فربما
يقول لك: أجئت لتعلمني الإسلام اليوم؟ وأنا مسلم خير منك(17) ؟!
5
ـ اليقين :
وترى صاحب القلب السليم الذي يتفكر
ويتعلم ويتذكر قد وصل إلى اليقين كما بين ذلك ربنا في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ
لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ
يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: 3، 4] أما الغافل المعرض فتراه في ريب
وشك، قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ
يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان:9] ..
ولا يعرف اليقين(18)
إلا كما قال تعالى : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ
الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا
وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾
[السجدة:12] .
6
ـ لين القلوب لذكر الله :
وترى أهل القلوب السليمة تلين قلوبهم
وجلودهم لذكر الله وآياته، أما الكافرون فترى قلوبهم قاسية، قال تعالى : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ
اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ
لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ *
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ
مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ
وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 22، 23] .
فترى أهل هذه القلوب القاسية يتكبرون
ويعاندون ويجحدون الآيات والدلائل، قال تعالى : ﴿وَجَحَدُوا
بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾
[النمل: 14]، وهؤلاء المتكبرون يعاقبون، قال تعالى : ﴿سَأَصْرِفُ
عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾
[الأعراف: 146] . هذا في الدنيا وأما يوم القيامة فجزاؤهم كما قال تعالى : ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ
أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا
فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾
[الأحقاف: 20].
7
ـ اتباع القرآن والسنة :
وترى صاحب القلب السليم قد التزم الطاعة
لربه ولرسول ربه، وأخذ يسلك في هذه الدنيا في كل شأن من شؤونه طبقاً لكتاب الله
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ
اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71].
والتزم أمر الله القائل : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:58]، والقائل : ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ
عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[الحشر: 7]، ذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله، قال تعالى : ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
وأما صاحب القلب المريض فتراه يتبع كل
شيطان مريد، وتراه يتبع هواه ويعبد نفسه لغير الله، ويندم لكن يوم لا ينفع الندم،
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ
يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:66].
فإذا اتصفت قلوبنا بالصفات الطيبة
السابقة فعندئذ نكون من أهل القلوب السليمة الصالحة التي تنبت فيها شجرة الإيمان،
وتترعرع وتثمر الأعمال الصالحة ، وإذا كنا لا نجد في أنفسنا الأعمال الصالحة فإن
ذلك يرجع إلى ضعف شجرة الإيمان التي نبتت في قلوبنا والتي لم تستكمل صفات الصلاح،
وما لم نبادر بإصلاح ما في قلوبنا فلن يتغير شيء من حالنا، قال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11]
.
وقال عليه الصلاة والسلام : (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد
الجسد كله، ألا وهي القلب)(19).
ولن تصلح القلوب إلا بنمو الإيمان فيها وتمكنه.
ـ الإيمان بالله تعالى واجب على
الإنسان :
إذا تفكر الإنسان قليلاً سيجد أن الله
الذي خلقه قد أعطاه أدوات يتعلم بها سائر العلوم الدينية والدنيوية ، وبغيرها لا
يمكنه أن يكتسب شيئاً من علم، قال تعالى : ﴿وَاللَّهُ
أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ
لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ(20) لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل:78]. ومن أول شكره سبحانه(21)
أن نستخدم أدوات العلم التي وهبنا إياها، في العلم به(22)، قال
تعالى : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: 19] وبغير أن يعلم
الإنسان خالقه لا يمكنه أن يتبع هداه الذي يسعده في الدنيا والآخرة فيكون من
الخاسرين، لذلك كان أول واجب على الإنسان أن يعرف الله تعالى .
وإذا أراد الإنسان إيماناً صحيحاً فعليه
بالعلم(23)،
قال تعالى:﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا
الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:19]، ذلك لأن إيمان المقلد لغيره سرعان ما
يهتز عند أول امتحان وعند أول شبهة، قال تعالى : ﴿قُلْ
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:9] وقال : ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ
فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ
عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ
الْمُبِينُ﴾ [الحج:11].
الأدلة
العلمية على الإيمان بالله سبحانه
ـ القاعدة الأولى ـ العدم لا يخلق
شيئاً :
العدم
الذي لا وجود له لا يستطيع أن يصنع شيئاً لأنه غير موجود.
إذا تأملنا في المخلوقات التي تولد في كل
يوم، من إنسان، وحيوان، ونبات، وتفكرنا في كل ما يحدث في الوجود، من رياح، وأمطار،
وليل، ونهار، ونظرنا إلى ما يجري في كل حين : من حركات منتظمة للشمس والقمر،
والنجوم والكواكب، إذا تأملنا في هذا وغيره من التغيرات المحكمة التي تجري في
الوجود، في كل لحظة، فإن العقل يجزم بأن هذا كله ليس من صنع العدم(25)، وإنما
هو من صنع الخالق الواحد سبحانه. قال تعالى : ﴿أَمْ
خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:35،36] .
ـ
القاعدة الثانية ـ التفكر في
المصنوع يدل على بعض صفات الصانع(26)
:
إن كل شيء يوجد في المصنوع يدل على قدرة،
أو صفة عند الصانع، فلا يمكن أن يوجد شيء في المصنوع، إذا كان الصانع لا يملك قدرة،
أو صفة مكنته من فعل ذلك الشيء في المصنوع. مثال :
إذا رأيت باباً من خشب قد أتقن صنعه، فإنك
ستعلم أن الصانع يملك الخشب، وأنه يستطيع أن يقطعه بانتظام، وأنه قادر على أن يجعل
الخشب أملس، وأنه يملك مسامير، وأنه يقدر على تثبيت أجزاء الباب بالمسامير، وأن
لديه خبرة في صناعة الأبواب.. فإذا وجدنا ثقباً منتظماً في الباب (محل المفتاح)
شهد لنا ذلك بأن الصانع لديه قدرة، على ثقب الباب بدقة وأن لديه إحكاماً في عمله، وهكذا
نجد كل شيء في المصنوع يدل على قدرة أو صفة عند الصانع لأنه لا يمكن أن يوجد في
المصنوع إلا إذا كان الصانع يملك قدرة أو صفة تمكنه من صنع ذلك الشيء .
وهكذا سنجد أن التفكر في المصنوع يدلنا
على بعض صفات صانعه، ومن هنا نعرف أن التفكير في المخلوقات يدل على بعض صفات
الخالق(27)..
قال
تعالى : ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ* وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ
مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ
نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ
يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: 3-6]، وإذا ما تأملنا وتفكرنا في
المخلوقات فستعلمنا آيات الله فيها ببعض صفات الله سبحانه، قال تعالى : ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:101]، وقال تعالى :
﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 185].
إن الطعام الذي نأكله لا يسمع ولا يبصر ولا
يتحرك ولا ينمو ولا يتنفس ولا يتزوج ولا ينام ولا يستيقظ، فإذا دخل الطعام جسمك
أصبح جسماً حياً يتصف بالأوصاف السابقة، وكذلك الحال في طعام الحيوان، وكذلك مواد
الماء والتراب والهواء التي يتغذى بها النبات لا تنمو ولا تثمر ولا تتنفس ولا
تتغذى ، فإذا دخلت جسم النبات تحولت إلى نباتات حية ذات بهجة، فهذه الحياة التي
تدب في كل جسم من نبات أو حيوان أو إنسان في كل يوم وفي كل لحظة تشهد أنها من صنع
واهب الحياة .
ولقد حاول الإنسان أن يخلق الحياة فباء
بالفشل الذريع(28)،
وأعلن الباحثون في الشرق والغرب عجزهم عن خلق الحياة، وصدق الله القائل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ
اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ
مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 73، 74] نعم : والبشر
يعجزون عن استرداد أي شيء يأخذه الذباب، لأنه بمجرد أخذه يصب عليه من لعابه، فيحوله
من فوره شيئاً آخر لا تنفع استعادته(29).
إن الحياة التي وهبت، وتوهب على الدوام
في الكائنات الحية، لا تكون إلا من الحي الدائم سبحانه .
وكل حياة يهددها الموت متى جاءت أسبابه، لكن
خالق الأسباب لا تضره الأسباب، فهو الحي الدائم الذي لا يموت . قال تعالى : ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِ
وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد:2]، وقال
سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي
لاَ يَمُوتُ﴾ [الفرقان : 58] .
إذا تأملت في أجنّةِ الإنسان والحيوان، سترى
أن العيون تخلق في أرحام الأمهات حيثُ الظلام الشديد، مع أن العيون لا ترى إلا في
الضوء، فيشهد ذلك : أن الذي يخلق العيون يعلم أن تلك الأجنة ستخرج إلى عالم فيه
النور، وهكذا يشهد خلق الأجنحة للطيور داخل البيض : أن الخالق يعلم أنها ستطير في
الهواء، فخلق لها الأجنحة قبل ولادتها، وهكذا كل مخلوق ترى خلقه وهو جنين قد أعد
بما يناسب ظروف الحياة التي سيعيش فيها، حتى جنين الشجرة (البذرة) يهيئه الله بجزء
يُكوِّن الأوراق والأغصان، وجزء يضرب في الأرض لامتصاص الماء والتراب(الأملاح)، ولا
يكون ذلك إلا من صنع من يعلم أن النبات سيحتاج إلى الماء والتراب والضوء والهواء .
وإذا رأيت الذكور تخلق، فسترى أن الخالق
قد علم أعدادها فخلق لها من الإناث ما يكفي لبناء الأسر، وسيشهد لك ذلك أنه من صنع
العليم سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ
شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:49].
والماء العذب إذا كان راكداً تعفن، ولكن
العليم بذلك جعل البحار مالحة، وجعل موجها متحركاً حتى لا تفسد الحياة على الأرض
بعفونة البحر.
هذا وكل ما في الكون يشهد بأن الخالق
لهذا الكون لا شك عليم بما يخلق سبحانه، وهو القائل: ﴿أَلاَ
يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
[الملك:14]. وعلم الله محيط بكل شيء لم يسبقه جهل، ولا يدخل عليه نسيان، قال
تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عِلْمًا﴾ [الطلاق:12].
وإذا تأملت في صور المخلوقات، وجدت أن كل
جنس يحكمه الخالق سبحانه على مثال واحد .
ففي الإنسان : العينان في الوجه، والأنف
بينهما، واليدان في الجانبين، والقدمان من أسفل . ولا تجد أن عيناً نبتت لإنسان في
ركبته، أو يداً ظهرت في رأسه، وهذا يشهد أنه من صنع الحكيم، الذي أحكم خلق الإنسان.
وكذلك كل جنس من الحيوان أو النبات قد أحكمه ربه على صورة ومثال واحد.
فمن أحكم هذه الصورة إلا القائل : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ
يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل
عمران : 6].
وإذا تأملت في الهواء الذي تتنفسه، سترى
أنك تستهلك الهواء الصالح (الأكسجين) وتحوله إلى هواء فاسد (ثاني أكسيد الكربون)، ولكن
مقدار الهواء الصالح لا ينقص ؛ لأن الخالق جعل النبات يعوض الهواء الصالح بقدر
محكم، بحيث تبقى نسبة الهواء عند قدر معلوم، لا تزيد ولا تنقص، ألا يشهد ذلك: أنه
من صنع العليم الحكيم؟!
وإذا نظرت إلى أنفك، وجدته قد أحكم
ليتناسب مع وظيفته، فالهواء يدخل من ثقبين بين العينين، لكن العليم الحكيم غطى
هذين الثقبين بالأنف، وجعل النصف الأعلى من الأنف عظماً؛ حتى لا تضغط الرياح على
هذا الغطاء فتسد الثقبين فيمتنع التنفس، كما يشارك عظم الأنف على حماية العينين
وفتح الأنف باستمرار لدخول الهواء، إذ لو كان الأنف كله من عظام لما تمكنا من
إخراج المخاط. وجعل الخالق جدار الأنف مائلاً لكي يصطدم الهواء بالجدار المائل، فيرده
إلى الحواجز الداخلية ليصطدم بها، فيلامس الهواء الداخل المخاط المبطن لجدار
الأنف، فتلتصق به الجراثيم والأتربة، فيتصفى الهواء قبل دخوله.. وفي الشتاء تتكاثر
الدماء في الأنف فتراه محمراً وذلك لتدفئة الهواء الداخل، وفي الصيف يقوم الأنف
بترطيب وتبريد الهواء الجاف، أو الحار.
ألا يشهد ذلك كله أنه من صنع العليم
الحكيم؟!
وهكذا : لو تأملنا في خلق كل شيء في
الأرض والسماء، لوجدنا أنه قد خلق في غاية الإحكام(30).
والإحكام في كل شيء، يشهد لكل عاقل أنه
من صنع الحكيم العليم سبحانه، قال تعالى : ﴿وَهُوَ
الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ
الْعَلِيمُ﴾(31)
[الزخرف: 84] .
تأمل إلى طعامك كيف خرج من تراب وماء
واحد أنواع مختلفة الثمار والألوان. ستجد ذلك يشهد لك أنه من صنع الخبير((32))
الذي يخرج من الأصل الواحد أنواعاً مختلفة في غاية الإحكام ، وتأمل إلى هذا الطعام:
كيف يكوِّن منه الخبير سبحانه : لحماً ودماً، وعظماً، وشحماً، ولبناً، وجلداً ,
وشعراً، وأصابع، وأظافر، وأعصاباً، وسوائل مختلفة.
وتأمل إلى وجهك كيف يخرج اللعاب من الفم،
والمخاط من الأنف، والدمع من العينين، والشمع من الأذنين، وكل هذه الإفرازات من
طعام واحد!! فيشهد لك خلقها أنها من صنع الخبير سبحانه .
وكيف يكون الحال لو خرج اللعاب من الأنف ؟!
والمخاط من الفم؟! والشمع من العين ؟! والدمع من الأذن ؟! فمن حدد التركيب؟ ومن
حدد المكان ؟ أليس هو العليم الخبير الحكيم ؟
والنطفة التي خلق الإنسان منها جعلها
الخبير العليم الحكيم أعضاء متباينة، وأجهزة محكمة، متعاونة لخدمة الإنسان .
والسمك في البحر يحتاج إلى الهواء لتنفسه،
فأذاب له الخبير الرحيم الهواء مع قطرات المطر التي تنزل في البحر، وأعد السمك
بجهاز خاص (الخياشيم) لتستخلص به ذلك الهواء الذائب في الماء .
وإذا تفكرت وأمعنت النظر وجدت كل شيء في
الكون قد صنع بخبرة بالغة، تشهد لك أنها من صنع الخبير سبحانه.
عندما كان الإنسان حبيساً في ظلمات
الرحم، ولا يستطيع بشر أن يمده بشيءٍ من ماء، أو غذاء، حتى الأب، والأم التي هو في
جوفها يتخلق، لكن رحمة ربه الرزاق ساقت له الرزق ناضجاً مهضوماً(33)
من أنبوبة هي حبل السرة، وعندما يخرج الطفل وينقطع حبل السرة، يخرج الرزاق غذاء
ذلك الوليد من ثدي أمه ، ويلهمه استخراج ذلك الغذاء (اللبن) بمص الثدي، وهو بعد لا
يبصر ولا يسمع ولا يعقل .
ثم يرزق الله العباد من النباتات والأشجار
التي تصنع الطعام من الماء والتراب والهواء، ويسخر الله الشمس للنبات لإتمام صنع
الغذاء الذي يحتاجه الإنسان والحيوان(34)، وما
كان للغذاء أن يوفر لولا أن الله يسوق الماء العذب، ويهيئ التربة الصالحة للزراعة،
ويوجد الجو، والظروف المناسبة لإنتاج الغذاء من النباتات، قال تعالى : ﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا
صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا* فَأَنْبَتْنَا
فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ
غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:24-32].
فإذا أكل الإنسان أو الحيوان الطعام وتم
هضمه بما خلق الله لكل كائن من أجهزة هضم، ساقه الرزاق إلى كل نقطة في جسم الكائن
الحي، سواء كانت في وسط المخ، أو على سطح الجلد، أو مخ العظام.. وصدق الله القائل:
﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ
أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا(35) فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾
[الملك:21].
إن الرزاق سبحانه، قد تكفل بالأرزاق، فساق
رزق بعض الأسماك إلى أعماق البحار، وساق رزق بعض الدود إلى جوف الصخر، وساق رزق
الأجنة إلى ظلمات الأرحام، وساق رزق جنين النبات إلى جوف البذرة.. قال تعالى : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى
اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ
مُبِينٍ﴾ [هود:6] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا
النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ
يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى
تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:3]. ومن أيقن أن رزقه موهوب له من خالقه،
فلن يقدر أحد على سلبه رزقه ، ولن يخشى على رزقه أحداً غير الله .
إذا تأملت في أهداب الجفن الأعلى في
العين وجدتها تنحني إلى أعلى، وأهداب الجفن الأسفل، تنحني إلى أسفل، ولو انعكس الأمر
لتشوشت رؤية العين .. فمن هدى ويهدي كل شعرة في كل جفن من إنسان أو حيوان، إلا
الهادي سبحانه؟!(36)
من الذي يهدي أسنان الفك الأسفل أن تتجه
إلى أعلى، وأسنان الفك الأعلى أن تتجه إلى أسفل؟! . من الذي هدى الأنياب أن تنمو
فوق الأنياب؟! . والأسنان فوق الأسنان؟! والأضراس (المطاحن) فوق الأضراس؟
من؟ إلا الهادي ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ
فَهَدَى﴾ [الأعلى:2، 3] من يهدي كل عضو في كل جسم، من نبات، أو
حيوان، أو إنسان، إلى أن يأخذ مكانه الصحيح بين باقي الأعضاء، وأن ينمو بالقدر
المناسب لباقي الأجزاء؟!
ومن الذي يهدي البذرة (الحبة) وهي تشق
التربة عند نموها أن ترسل العروق (الجذور) إلى أسفل، والساق والأوراق إلى أعلى ؟!
ولماذا لم نجد بذرة واحدة ينعكس الأمر فيها؟!
ألا يشهد ذلك لكل صاحب عقل : أن ذلك من
صنع الهادي سبحانه؟
من الذي يهدي أوراق الشجر إلى التوزع على
الساق، أو على الأغصان، فإذا خرجت الورقة الأولى من جهة : خرجت الثانية من جهة
أخرى؟!
من الذي يهدي الشمس، والقمر، والنجوم في
حركاتها، ويهدي الطيور الرحالة إلى بلدانها البعيدة؟!
أليس هو الهادي : ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ
فَهَدَى﴾ [الأعلى: 2، 3] والذي يهدي الشعرة والبذرة والورقة، وأكمل
هدايته للإنسان فأرسل له الرسل وأبان له الهدى ؟!
ومن أيقن أن الله هو الهادي الحكيم فلن
يقبل أي فكرة تعارض هدى الله، شعاره قول الله تعالى: ﴿قُلْ
إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [الأنعام: 71].
إن الذي حفظك من الأخطار وأنت تتخلق في
بطن أمك هو الذي يحفظ المخ الضعيف بقفص قوي من عظام الجمجمة، ويحمي العين بعظام
الحاجب والأنف والوجنة، ويحمي القلب والرئتين بالقفص الصدري ، إنه الذي يحفظ حياتك
فيسر لك أسباب الحياة من طعام وماء وهواء وضوء وحرارة وغيرها(37)
.
إنه الذي لم يكلفك بإدخال الهواء إلى
جسمك، أو إخراجه في نومك أو في يقظتك، ولو كلفك ذلك لما تمكنت أن تعمل شيئاً غير
إدخال الهواء وإخراجه! فإن غلبك النوم، انقطع عنك الهواء ويأتيك الموت !
إن الحافظ هو الذي يسوق السحب فوق رأسك،
فلا ينزلها سيولاً تصب فتهلك الحرث والنسل .
إن الحافظ سبحانه هو الذي أحاط الأرض
بغلاف من الهواء يمنع الأشعة الكونية القاتلة القادمة من الشمس والنجوم من أن تهلك
الحياة والأحياء، وهو الذي جعل غلاف الهواء درعاً واقياً من تدمير الشهب والنيازك
التي تسقط على الأرض بالملايين كل يوم وليلة، وهو الذي ثبت الأرض من أن تميد تحت
أقدامنا بالجبال الراسيات!!
أفلا نشكر للمولى سبحانه : أن حفظنا من
داخلنا، ومن فوقنا، ومن تحتنا ، وصدق الله القائل : ﴿
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ(38) مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:
11] .
ومن أيقن أن الله حافظه فلا يضره من في
السماوات والأرض إلا بما قدر الله له(39)،
شعاره قول الله : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا
مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:51] .
وإذا تأملت إلى الطعام الواحد تأكله
الأسرة فيتكون في جسم الرجل رجلاً، وفي جسم المرأة امرأة وفي جسم الطفل طفلاً .. فإذا أكله الهر تحول إلى
جسم هر، وإن أكله الفأر، أو الكلب، كان فأراً أو كلباً، مع أنه نفس الطعام، فسبحان
المصور الذي يصور كيف يشاء !!
وإذا تأملت إلى حنان الأم، ورحمتها
بابنها، سواء كانت امرأة، أم أنثى حيوان، وجدت التضحية البالغة تظهر لك، حتى إن
الدجاجة التي تخاف من صوت الطفل تنتفش وتهاجم من أراد فراخها بسوء .
إن تلك الرحمة التي تحمى بها صغار
المخلوقات تشهد أنها من صنع الرحيم الرحمن.
وإذا تأملت إلى ضخامة المخلوقات :
كالنجوم التي هي أكبر من أرضنا بملايين ملايين المرات، وتأملت إلى أدق المخلوقات
التي تجتمع الملايين منها في قطرة ماء، وسألت نفسك : كيف خضعت كل هذه المخلوقات
لسيطرة واحدة ونظام محكم دقيق؟! عندئذ ستجد الإجابة : بأن هذا من صنع القوي
المهيمن سبحانه وتعالى(41).
ويقدم
الوجود كله شهادة بأنه من صنع الواحد الأحد(42)
.
فأنت ترى أن غذاءك يتوقف على عمل المعدة
والأمعاء، ويقول الأطباء: إن عمل الأمعاء يتوقف على عمل الدماء، ويتوقف دور الدماء
على الهواء وحركة التنفس، ويتوقف الهواء الصالح للتنفس على عمل النباتات، ويتوقف
عمل النباتات على وجود الشمس، ووجود الشمس يتوقف على وجود الكواكب المحيطة بها
والنجوم الأخرى.. وهكذا نجد: أن كل شيء يعتمد في وجوده وعمله على غيره من الأشياء
كما رأينا أن المعدة مرتبطة بنجوم السماء، وذلك يشهد أن الجميع من صنع رب واحد،
قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ
وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ
وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:91] وقال تعالى: ﴿قُلْ
هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ
يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4] .
ولو كان هناك آلهة غير الله لحدث الصراع
بينهم على تسيير هذه المخلوقات وعندئذ يدب الفساد على الأرض والسماء، قال تعالى : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ
لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾
[الأنبياء: 22] .
ـ من صاحب هذه الصفات؟
رأينا مما سبق أننا إذا تفكرنا في الكون
والمخلوقات من حولنا وجدنا أن كل شيء يشهد بأن خالق هذه المخلوقات هو : الخالق، الحي،
القيوم، العليم، الحكيم، الخبير، الرزاق، الهادي، الحافظ، المصور، الرحيم، القوي،
القادر، المهيمن، الواحد، الأحد(43)
.
وكما شهد الكون كله بهذه الشهادات فإن
المسلم قد شهد مع الكون كله وردد هذه الشهادة عن علم ويقين فقال: (أشهد أن لا إله
إلا الله).
وإذ كنا عرفنا من القاعدة الأولى : أن
العدم لا يخلق شيئاً، وعرفنا من القاعدة الثانية بعض صفات الخالق، فإننا سنعرف من
القاعدة الثالثة أنه لا يتصف بهذه الصفات إلا الله وحده لا شريك له .
ـ
القاعدة الثالثة ـ فاقد الشيء لا يعطيه :
إن الذي لا يملك مالاً، لا يطلب الناس
منه المال، والجاهل لا يأتي منه العلم، ذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه .
وبالتفكير رأينا العلامات والآيات في
المخلوقات التي تعرفنا بصفات الخالق سبحانه، وإذا عرفنا الصفات عرفنا الموصوف(44).
فالذين يزعمون أن الطبيعة خلقتهم، خالفوا
العقل وحاربوا الحق، لأن الكون يشهد أن خالقه حكيم، عليم، خبير، هاد، رزاق، حافظ، رحيم
واحد أحد .
والطبيعة الصماء الجامدة لا تملك علما، ولا
حكمة، ولا حياة، ولا رحمة، ولا إرادة، فكيف ظن الجاهلون هذا الظن؟! وفاقد الشيء لا
يعطيه .
الطبيعة هي هذه المخلوقات بما هي عليه من
صفات .
ولقد عبد الوثنيون أجزاء من الطبيعة مثل
: الشمس، والقمر، والنجوم، والنار، والأحجار، والإنسان، ويتوهم الوثنيون الجدد
(الطبيعيون) أن مجموع الأوثان السابقة (الطبيعة) هي التي خلقتهم، مع أن الطبيعة لا
تملك عقلاً ولهم عقول؟!! ولا تملك علماً، ولهم علم!!! ولا تملك خبرة، ولهم خبرة!!
ولا تملك إرادة، ولهم إرادة(45)!!!
أما علموا أن فاقد الشيء لا يعطيه، قال تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا
النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ
الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ
وَالْمَطْلُوبُ(73)مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
عَزِيزٌ﴾ [الحج: 73، 74].
يزعم بعض الملاحدة بأن الطبيعة هي التي
تخلق المخلوقات، ويستدلون على ذلك بما يشاهد من تكون الدود على بقايا وفضلات بعض
الحيوانات والإنسان!
ولقد تقدم العلم وكشف للناس أن هذا الدود
الذي يتكون على الفضلات وغيرها قد جاء من بيض صغير لا تراه العيون، وأمكن مشاهدتها
بالمكبرات (المجاهر أو المايكروسكوبات) وسقطت شبهة الملاحدة في هذا الباب .
ولكنهم عادوا وقالوا : إذا كان الدود قد
جاء من دود سابق عن طريق البيض الصغير الذي لم نراه، فإن الجراثيم التي تعفن
الأطعمة وتفسدها قد جاءت من الطبيعة، ولم تولد من جراثيم سابقة، ولكن هذه الشبهة
أيضاً دحضت قبل أكثر من ثمانين عاماً عندما اكتشف الباحثون طريقة يحفظون بها
الطعام دون أن يتعفن وذلك بعزل الطعام في علب محكمة تقتل فيها الجراثيم بالحرارة، أو
الأشعة، وتعزل عن الهواء حتى لا تأتي جراثيم جديدة عن طريق الهواء . وبهذا عرف
الناس أن جميع المخلوقات تأتي من مخلوقات سابقة، ولا تتولد من الطبيعة كما يزعم
الجهلة من الملحدين .
وإن تعجب أيها المسلم فمِنْ زعماء
الإلحاد الذين يعرفون الحقائق منذ أكثر من ثمانين عاماً، ولكنهم يصرون على نشر هذه
الجهالات لترويج الإلحاد الذي لا يعيش إلا مع الجهل!!
عندما نجى الله عيسى ـ عليه الصلاة
والسلام ـ من كيد أعدائه، ورفعه إلى السماء، وقع باقي العلماء من النصارى تحت
إرهاب الرومان، فاختفى كثير منهم، وقتل آخرون، فشاع الجهل بين النصارى،(47)
وضاع إنجيل عيسى، فاستبدلوه بأناجيل من تأليفهم(48)، وكتب
كل مؤلف اسمه على إنجيله الذي يختلف عن باقي الأناجيل ، وأصبح لديهم عدد من
الأناجيل، مثل : إنجيل متى، إنجيل يوحنا، إنجيل مرقص، إنجيل لوقا، إنجيل برنابا(49)، حتى
بلغ عدد الأناجيل أكثر من سبعين إنجيلاً ، ثم اختاروا في مؤتمر نصراني أربعة من
هذه الأناجيل، وأحرقوا ما بقي، وزعموا : أن الله ثالث ثلاثة(50)
وأن عيسى ابن الله(51)
.. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.. ثم قالوا بعد ذلك: إن الله واحد، فأصبحوا
يعتقدون بما لا يقبله العقل، وهو أن الله واحد وأنه ثلاثة في نفس الوقت(52) .
قال
البوصيري :
جعلوا الثلاثة واحداً ولو اهتدوا لم يجعلوا العدد الكثير قليلاً
ويزعمون : أن الله (أي عيسى) مات مصلوباً،
مع اعتقادهم أن الملائكة لا تموت، وأن البشر (اليهود والرومان) هم الذين قتلوا
عيسى . ويقررون في أناجيلهم أن بعض أتباع المسيح وجدوه حياً بعد حادثة الصلب(53)
والله يقول : ﴿.. وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا
صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي
شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا
قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا
حَكِيمًا﴾ [النساء:157،158] .
وأما قولهم : أن عيسى لا أب له، مما يدل
ـ بزعمهم ـ على أن الله أبوه، فقد رد القرآن عليهم(54)، قال
تعالى : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ
كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
[آل عمران : 59]، وقد بين المولى سبحانه : أن عيسى بشر كان يأكل الطعام، ومن أكل
الطعام احتاج لقضاء الحاجة، فكيف يكون ربا من تحكمه ضرورات الطعام والشراب وقضاء
الحاجة؟ قال تعالى : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ
مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ
صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ
الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75].
ويمكن لكل إنسان أيضاً أن يعرف ربه عن
قرب(55)
وذلك عن
طريق مشاهدة إجابة الله للدعاء ،
فكم خرج المؤمنون يطلبون ـ بقلوب وجلة تائبة ـ من ربهم أن يسقيهم الغيث ، فكان
الجواب على الفور في كثير من الأحيان، ويأتي
الغيث إلى القرية أو المدينة التي خرجت
تدعوا ربها،(56)
والقرى والمدن التي بجوارها لا يأتيها شيء(57)،
وكم رأى المضطرون تفريجاً لحالة الكرب بدعائهم ، قال تعالى : ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ
السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا
تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل : 62] . وقال الشاعر :
|
وكم أصاب المسلمين من جفاف وطلبوا من الإله الفرجا فهل طبيعة أجابت أم وثن؟ |
|
فنفروا
ثقالهم مع الخفاف
فحققوا الفوز ونالوا المخرجا
أم أنه السميع كشاف المحن(58)
|
إن أدلة الإيمان بالله كثيرة ، وعددها
كعدد مخلوقاته، لأن كل مخلوق يدل على صفات خالقه، لكن الكافرين(59)
لم ينتفعوا بهذه الأدلة، لأن قلوبهم مريضة ليست صالحة لاستقبال الهدى كما هو حال
القلوب المؤمنة ـ كما بينا سابقاً ـ فترى الكافر: معرضاً عن آيات الله، ويجادل
بالباطل، قال تعالى : ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ
عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾(60)
[الحج: 8].
وتراه يكابر في آيات الله، قال تعالى : ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ
ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14] وتراه يلبس الحق بالباطل ، قال
تعالى: ﴿
وَلَا تَلْبِسُوا(61)
الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة:42] . وتراهم يصدون عن سبيل الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ
اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء : 167].
ومن أهم سمات الكافرين : أنهم وهم يرفضون
الإيمان بأدلته الساطعة ـ يستبدلون به الكفر بدون دليل، اللهم إلا التقليد الأعمى،
قال تعالى : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا
إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا
عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا
يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: 104].
ـ
افتراء الشبهات :
ومن أساليب الكافرين لصد المؤمنين :
افتراء الشبهات التي قد تؤثر في من يجهل عقيدته، ولم يتحصن ضد شبهات الملحدين .
ومنها : أن الملاحدة اليوم يرددون ما
قاله بنو إسرائيل لموسى، كما حكاه القرآن : ﴿وَإِذْ
قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾(62)
[البقرة: 55] مع أنهم يؤمنون بوجود العقول المفكرة ، وبوجود الهواء وبالجاذبية
الأرضية التي تجذب كل شيء إلى الأرض، وبأمواج الإذاعة تأتيهم من أماكن بعيدة، وهم
ما شاهدوا شيئاً من ذلك ، لكنهم رأوا آثار العقول قد ظهرت على سلوك العقلاء، وآثار
الهواء ظهرت بتحريك أغصان الأشجار وغيرها، وآثار الجاذبية ظهرت بجذب الأشياء إلى
الأرض، وآثار الأمواج ظهرت أصواتاً في جهاز المذياع (الراديو) فآمنوا بالعقول ،
والهواء، والجاذبية، والأمواج، بعد أن شاهدوا آثارها، فعندما عجزت الأبصار عن
الرؤية، لضعفها، علمت العقول بوجود المؤثر من آثاره المشاهدة . ولو تخلى الكفار عن
استكبارهم بأبصارهم الضعيفة، العاجزة، التي لا تستطيع أن ترى الهواء الذي يلامسها،
ولا ترى من في خارج المكان، وتفكروا، لوجدوا : أنهم وما في الكون، من أرضه وسمائه،
ليسوا إلا آثاراً، وآيات بينات تعرفهم بخالقهم سبحانه .
إن البصر الضعيف(63)، لا
يستطيع أن يحيط برؤية النجوم وهي: (زينة السماء الدنيا) فكيف يستطيع أن يحيط بالذي
على العرش استوى، (وما السموات السبع بالنسبة لكرسيه إلا كسبعة دراهم في ترس(64)، وما
الكرسي بالنسبة للعرش إلا كحلقة في صحراء)(65) .
وإذا كان بصر الإنسان في هذه الدنيا لا
يحتمل النظر إلى الشمس مباشرة، فكيف يتحمل النظر إلى الله جل وعلا؟! الذي ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾(66)
[الشورى: 11].
وقديماً طلب موسى عليه السلام رؤية ربه ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً
وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف : 143] .
والناس جميعاً بما فيهم الكفار يصدقون
الأطباء، والخبراء، والأساتذة، وهم يخبرونهم بأمورٍ ما شاهدتها أبصارهم؛ ذلك لأن
المخبرين أهل ثقة عند السامعين.
ولو تَرَكَ الكافرون الاستكبار(67) لعرفوا
ربهم أيضاً عن طريق رسله الصادقين الذين قدموا من المعجزات والبينات ما يجعلهم
أوثق أهل الأرض فيما يقولون عن ربهم(68).
اشتراط
الإجابة :
وهناك من يشترط لإيمانه بالله أن يستجيب
الله لما يقترحه من مقترحات(69)،
كأن يقول أحدهم : إذا أراد الله أن أؤمن به فعليه أن يفعل كذا وكذا .. وهذا شبيه
بقول الكافرين، كما حكى عنهم القرآن : ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا
مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ
فَتُفَجِّرَ الْأَنهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا
زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ
قَبِيلًا﴾[الإسراء:90-92].
ولو جعل الله الطريق إلى الإيمان , هو :
أن يستجيب سبحانه لمقترحات الناس؛ لوجدنا من يشترط لإيمانه أن يجعل الله الليل
نهاراً، والشمس قمراً، والأرض سماء، والرجال نساءً، ونجد غيره يشترط عكس ذلك؟
وثالثاً يشترط لإيمانه قتل فلان من الناس، وموت فلان، وهلاك البلدة الفلانية!!
ورابعاً بعكسه!! وعندئذ تفسد الأرض والسماء، قال تعالى : ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ
السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون:71] .
لقد أقام الله الدلائل الكافية في
مخلوقاته، وخلق لنا أسماعاً، وأبصاراً وأفئدة نعرف بها تلك الدلائل، وبهذا تقوم
الحجة وتسقط الشبهات .
ـ
أهمية معرفة الأسماء والصفات :
إذا قيل لك : إن فلاناً من الناس كريم ، وإن
من صفاته أنه : يعطي من طلبه ؛ فأنت عندئذ ستطمع في عطائه، وتقدره في نفسك ،
وتنتفع بمعرفتك لهذه الصفة عند حاجتك، والعكس لو علمت أنه بخيل. وإذا قيل لك : إن
الحكومة عادلة في أحكامها، تهتم بمن يسكن داخل بلادها، وتعاقب من يخالف نظامها، فسترى
الناس يسلكون داخل تلك الدولة ما يجعلهم ينتفعون بما تمنحه الدولة من خدمات، وبما
تتصف به من صفات العدل، واحترام النظام، وترى الناس يحبون تلك الحكومة بقدر ما
تمتاز به من صفات الخير، كما تراهم يحرصون على أن لا يعرضوا أنفسهم للعقاب
والتأديب .
"ولله المثل الأعلى" . فمن
يعرف صفات ربه سبحانه وأسماءه الحسنى تتسع دائرة معرفته بمن بيده ملكوت السماوات
والأرض، فترى سلوكه وسعيه متناسباً مع علمه بأسماء الله وصفاته(70)، أما
الذين كفروا فيقول عنهم الله تعالى: ﴿ مَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(71)
[الحج: 74] .
ولقد حذر القرآن من تحريف أسماء الله(72)،
فقال سبحانه : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ
الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ(73) فِي أَسْمَائِهِ
سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180] . كما
حذر القرآن من وصف الله بمالا يليق به سبحانه من اتخاذ الصاحبة والولد(74).
فقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا
كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ
اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون :91] .
إن علم الإنسان بمخلوقات الله محدود، وهو
لا يستطيع أن يحيط بالله علماً.
فالسماوات السبع بالنسبة للكرسي كسبعة
دراهم في ترس، والكرسي بالنسبة للعرش كحلقة رميت في فلاة (صحراء)(75) ،
و ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(76)﴾
[طه : 5] . وعلمنا لا يكاد يبلغ حدود النجوم التي هي زينة السماء الدنيا، لذلك لا
نستطيع أن نحيط بالله علماً، قال تعالى : ﴿ ..
وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ(77) حِفْظُهُمَا وَهُوَ
الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [ البقرة : 255] . فلا نعرف الله حق
معرفته، إلا بتعليم منه ـ سبحانه ـ، وقد جاءنا من الله البيان، والعلم، فعرفنا
سبحانه بنفسه وبأسمائه(78)، وصفاته(79)، فنقف
عندها(80)
ونمجده ـ سبحانه ـ بذكرها .
ـ تنزيه الله عن مشابهته للخلق :
وعندما يقال : الملك الفلاني كريم، والبواب
الذي معه كريم، وطفله كريم، فلا شك أن السامع سيفرق : بين الملك، وبوابه، وطفله(81)،
وذلك بالرغم أن الجميع من بني آدم، فإذا قيل لك : الله كريم، فلا شك أنك ستعلم أن
كرم المولى ـ جل وعلا ـ لا يشابهه شيء من كرم عباده المملوكين الضعفاء .
وهكذا في كل صفة من صفاته سبحانه، فعلمه
ليس كعلم عباده، وحكمته ليست كحكمة المخلوقين، ورحمته بالمؤمنين، وانتقامه من
الكافرين ليس كرحمة وانتقام عباده المخلوقين . كل ذلك وغيره له فيه الكمال الأعلى،
ولا يشبهه فيه أحد، قال تعالى: ﴿ .. لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى : 11]
فالنقص يلحق غيره ، وله الكمال الذي يليق به وحده .
ومن فضل الله علينا أنه سبحانه بعلمه
وحكمته، قد عرفنا بنفسه في كتابه وسنة نبيه، فعرفنا أنه : له الأسماء الحسنى، وصفات
الكمال العليا(82)،
ولا يمكن لأحد أن يصف الله بأحسن وأفضل مما وصف الله به نفسه(83)،
كما أنه لا يمكن لأحد من المؤمنين أن ينتقص من صفات الله التي وصف نفسه بها سبحانه
.
بالأدلة
العقلية والنقلية نعرف أن الله غير مخلوقاته، فلا بد أن تكون صفاته مختلفة عن صفات
مخلوقاته ، فكل المخلوقات ناقصة الصفات، وهو سبحانه صاحب الكمال(84)
.
ولقد جاءنا منه الوصف والبيان، فنؤمن به
كما وصف نفسه في كتابه العزيز وكما جاء في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم دون سؤال
عن حقيقة الذات، قال تعالى : ﴿ .. لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، فهو
سميع ، وهو بصير، ولكن سمعه ليس كسمع مخلوقاته، وبصره ليس كبصر مخلوقاته، ولا
نستطيع الإحاطة به، وهو الكبير المتعال .
ـ
العقل والتصور :
ولقد خلق الله للإنسان عقلاً يعقل به
الحقائق، ويعرف به الحق من الباطل، والضار من النافع، وجعله عماد التكليف، فمن فقد
عقله رفع عنه القلم، وجعل الله للعقل طاقات واسعة .
وخلق الله للإنسان قوة يتصور بها الأشياء،
تعينه على تنظيم الأمور وتخيلها، ولكن قوة التصور ضعيفة(85) ومحدودة،
فإذا وصفت لك مدينة، عقلت أن فيها أشياء، وتصورت تلك الأشياء، ولكنك إذا رأيت تلك
المدينة ستجد أنها على غير الصورة التي تصورتها من قبل .
وإذا طرق شخص الباب استطعت أن تعقل أن
طارقاً يطرق الباب، ولكن تصورك يعجز أن يتصور من الطارق حقيقة؟ وما طوله؟ وما
عرضه؟ وما لونه؟ وما حجمه؟ .. فقوة العقل اخترقت حاجز الباب، فعقلت أن طارقاً
موجوداً يطرق الباب فقط، بينما عجزت قوة التصور، وحبسها حاجز الباب أن تنفذ(86) .
"ولله المثل الأعلى " . فالعقل
يؤمن بالله، وقوة التصور تعجز عن إدراك الله سبحانه : ﴿..
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾
[الشورى: 11] .
لله الأسماء الحسنى، وله تسعة وتسعون
اسماً، من أحصاها دخل الجنة، وله أسماء أخرى غيرها، كما جاء في الحديث(87) .
قال تعالى : ﴿
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾(88)
[الأعراف:180] . ومن الأسماء الحسنى :
"الواحد، الأحد الصمد(89)،
القيوم(90)،
الخالق، المصور، الرحمن،
الرحيم، اللطيف، الرزاق، الواسع(91)،
العظيم، العزيز(92)،
الحكيم، العليم، الحافظ، الهادي، المحيي، المميت، الوارث(93).
ـ
الأدلة البينة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم :
يؤيد الله رسله بالبينات الدالة على صدق
رسالتهم حتى لا يكذبهم الناس، قال تعالى : ﴿
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾(94)،
ولقد أيد الله محمداً صلى الله عليه وسلم ببينات واضحة وأدلة قاطعة معجزة منها :
لقد جعل الله معجزة محمد صلى الله عليه
وسلم دائمة لتقنع الناس جميعاً إلى يوم القيامة(95)، وجعل
القرآن الكريم أقوى المعجزات، وحفظه سبحانه من التحريف، قال تعالى : ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً
أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ
مَوْعِدُهُ﴾(96)
[هود: 17] .
ولهذه
البينة القرآنية أوجه توضح إعجاز القرآن نذكر منها :
ـ
فصاحة القرآن وعظمته الدائمة :
القرآن مكون من أحرف الهجاء (أ، ب، ت، ث)
وكلام الناس مكون من نفس الأحرف، لكن فصاحة القرآن أعجزت الإنس والجن، على أن
يأتوا بمثل أقصر سورة منه، فأنت إذا سمعت خطبة فصيحة، أو قصيدة بليغة أعجبتك، سرعان
ما تصبح هذه الخطبة أو القصيدة بالية في سمعك إذا كررت عليك لأنه ما من كلام بشر
إلا وهو يبلى إذا كرر .
ولكن، كم يقرأ المسلمون الفاتحة، والسور
القصار؟ وكم يختم الدارس للقرآن كتاب الله ويعيده، فما أحس قارئ للقرآن أن الفاتحة
أو أي سورة قد أصبحت بالية، فعلى أي شيء يدل هذا؟ لا شك أن هذه الظاهرة تشهد لكل
عاقل أن القرآن كلام الله الذي لا يبلى .
ولقد تحدى القرآن من ارتاب في صدقه أن
يأتي بسورة من مثله، قال الله تعالى : ﴿وَإِنْ
كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ
مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ(97) مِنْ دُونِ اللَّهِ
إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا(98) فَاتَّقُوا النَّارَ
الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾
[البقرة: 23، 24] .
الغيب لا يعلمه إلا الله، ولقد أخبر
القرآن بغيوب كثيرة، فكان هذا دليلاً على أن القرآن من عند الله، وأن محمداً الذي
بلغ القرآن للناس رسول الله ، ومن هذه الأخبار الغيبية :
1ـ
عندما انتصر الفرس وهم عباد أوثان على الروم وهم أهل كتاب في فلسطين فرح المشركون
في مكة، وتوعدوا المسلمين بمصير كمصير الروم، فساء ذلك المؤمنين فأنزل الله قوله :
﴿ الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى(99) الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ
بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ
قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ
يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ
اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[الروم:1-6].
وعندما نزلت هذه الآيات رددها المسلمون، وتهكم
بما وعدت به الكافرون، وتصدى كافر(100)
لأبي بكر رضي الله عنه يراهنه على أن الفرس لن تنهزم في المدة التي حددتها الآيات
بكلمة (بضع سنين)، وهي مدة تمتد من ثلاث سنوات إلى عشر ولا تزيد، فقبل أبو بكر
الصديق الرهان(101)
قبل تحريم الرهان، وسمح الرسول صلى الله عليه وسلم بمضي الرهان، ووقف الكافرون مع
الكافر الذي دخل الرهان، كما وقف المسلمون ينتظرون تحقيق وعد الله، والرسول صلى
الله عليه وسلم يقول: (فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع)(102) ،
وهكذا ضعت النبوة أمام امتحان، فقد جاء الخبر الإلهي بانتصار الروم المهزومين، وليس
هناك من الدلائل ما يدل على أنهم سينتصرون، وحُدد الموعد بأقل من عشر سنين، وكان
الخبر بصيغة لا تقبل التأويل ﴿ وَعْدَ اللَّهِ
لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ [الروم : 6]، والكفار جميعاً يعلمون أن محمداً من
أعقل الناس، ولا يمكن أن يورط نفسه في مثل هذا الامتحان، لو لم يكن على غاية الثقة
من ربه وتصديقه له .
لذلك ما مرت سبع سنوات حتى تحقق وعد الله،
وفرح المؤمنون، وظهر صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فآمن جمع من الناس، ودخلوا في
دين الله .
2 - لقد كانت المحاولات
كثيرة جداً لاغتياله صلى الله عليه وسلم ، من المشركين، ومن اليهود، عن طريق الحرب،
وعن طريق المؤامرة، ومع ذلك فقد نزل قرآن يعد رسول الله بأن أعداءه لن يصلوا إليه،
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ
أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾(103)
[الإسراء: 60] وقال سبحانه : ﴿يَاأَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا
بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة:
67] وبعد نزول هذه الآية، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة الذين كانوا
يحرسونه، فقال(104):
(يا أيها الناس انصرفوا عنا ؛ فقد عصمنا الله عز وجل)(105).
ولقد كثرت المؤامرات، ولكن الله سبحانه
أحبطها، تحقيقاً لوعده، ولقد استشهد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من
الخلفاء الأربعة الراشدين والإسلام قوي والكفر مندحر وأسباب الأمن متوفرة للخلفاء
ولم تكن متوفرة في عهد الرسول، لكن الدفاع الإلهي، هو الذي نجى رسوله الذي وثق
بوعد ربه، فمضى في دعوته، وصرف حرسه، فصدقه الله ما وعده(106).
3
- لقد
كان الرسل يتعاقبون على الأرض، ولكن منذ أن ظهر رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم
: انقطع الرسل، وذلك تصديقاً لقول الله سبحانه : ﴿مَا
كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ
وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾
[الأحزاب : 40] . فهذا خبر غيبي صدقته القرون التي جاءت بعد بعثة محمد صلى الله
عليه وسلم تشهد بأنه لا نبي آخر بعد خاتم الأنبياء(107)
.
ـ
الإعجاز العلمي الحديث للقرآن :
قال تعالى : ﴿
سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ
لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
شَهِيدٌ ﴾ [فصلت:53].
لقد تحقق الوعد من ربنا في هذا الزمان، فرأى
الكافرون الذين لم يتبين لهم الحق آيات الله في الآفاق(108)
وفي الأنفس ، وما رأوا تلك الآيات والأسرار إلا بأدق الأجهزة والوسائل كالطائرات والغواصات(109)،
والتي لم يملكها الإنسان إلا في هذا الزمان، فكان لهم في ذلك بينة بأن الله هو
الذي أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم عن هذه الأسرار في الخلق، يوم لا أجهزة بحث
علمي، ولا طائرات، ولا غواصات، فكان هذا لوناً جديداً من إعجاز القرآن، يبين
للكافرين اليوم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق هذا الدين، ومن أمثلة ذلك:
1-
ما كان
أحد يظن أن أصل السماء ونجومها، وكواكبها هو الدخان(110)،
حتى تقدمت أجهزة البحث العلمي، وشاهد الباحثون بقايا الدخان لا تزال تتكون منه
النجوم إلى يومنا هذا، والله يقول : ﴿ ثُمَّ
اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا
طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:
11] .
2- وكشف الباحثون الآن : أن نجوماً في السماء لا تزال تخلق، وأن مدن النجوم (المجرات) يتباعد بعضها عن بعض، وبهذا عرف أن السماء لا تزال تتسع، قال تعالى : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ(111) وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(112)﴾ [الذاريات:47].
3- وكشف الباحثون أخيراً : أن القمر كان مشتعلاً ثم انطفأ ، ومحي ضوؤه، وأن النور الذي يخرج منه في الليل ليس إلا انعكاساً من سراج آخر، هو الشمس، والله يقول : ﴿ .. فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ [الإسراء : 12]، قال المفسرون(113): ( آية الليل القمر وآية النهار الشمس)، وقال ابن عباس رضي الله عنه : (كان القمر يضيء كالشمس)(114) . وقال المفسرون(115) : ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أي طمسنا ضوءها. ثم ذكر القرآن القمر وسراجه، فقال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان : 60] انظر : قال الله : ﴿ سِرَاجًا ﴾ , ولو كان القمر يضيء، لقال الرحمن : (سراجين) ولم يقل: سراجاً !
4- وكان الناس يظنون : أن من صعد في السماء تنفس الهواء العليل، فلما صنع الإنسان المناطيد والطائرات الحديثة(116) وصعد في السماء، وجد: أن من صعد في السماء ؛ يضيق صدره، ويبلغ أشد درجات الضيق بسبب أن الهواء ينقص كلما صعد الإنسان في السماء،(117) والله يقول ﴿ فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾[الأنعام: 125].
5- وما كان أحد يتصور أن الجبال تخرق الأرض، كالأوتاد، حتى اكتشف الدارسون(118)، أن تحت الطبقة الأرضية الصلبة، التي نعيش عليها، طبقة لينة لزجة تحتها، وأن تحت كل جبل، جذراً يغوص في هذه الطبقة اللينة(119)، فيمسك الأرض الصلبة، التي نعيش عليها، من أن تضطرب من تحتنا، بسبب لين ما تحتها، والله يقول : ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ : 7]. ويقول :﴿ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ﴾.
6- واكتشف الدارسون : أن الماء إذا نزل أخرج النبات، وأن النبات يخرج مادة خضراء اللون(120)، هي التي تصنع منها الحبوب والثمار، ومن هذه المادة الخضراء تخرج الحبوب، والثمار، والله يقول : ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾(121) [الأنعام : 99] .
7- واكتشف الباحثون أن في النباتات جميعاً زوجية(122) (ذكر وأنثى) وما كان أحد يعلم ذلك من قبل. والله يقول : ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾[يس:36].
8- واكتشف الأطباء أن الأعصاب التي تتألم بحريق النار وشدة البرد توجد في الجلد وفي الأحشاء فقط ، وتتركز باقي أعصاب الإحساس في الجلد مما يجعل الإنسان يتألم عند دخول إبرة الطبيب في منطقة الجلد، فإذا غارت في اللحم تلاشى الألم، وقد بين القرآن أن الألم بالحرق يكون في الجلد، في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ(123)جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾(124) [النساء: 56] .
9- واكتشف الدارسون أن اللبن في الأنعام يستخلص من بين الفرث في الأمعاء الدقيقة(125)، فتبقى الفضلات التي تخرج في صورة بعر وغيره، بعد أن كانت كلها فرثاً سائلاً، ثم تدخل المواد الغذائية في الدم، ثم يستخلص اللبن من الدم في الضروع، والله يقول : ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ(126) لبناً خالصاً سائغاً للشاربين﴾ [ النحل : 66 ].
10- ما كانت البشرية تعرف أن في البحر موجاً داخلياً غير الموج السطحي ، وما كان الناس يعلمون أن في أعماق البحار ظلمات(127)، فجعل الله للأسماك سرجاً في أجسامها تنير لها في تلك الظلمات، وما كان أحد يعلم أن الموج بسطحه المائل يشتت الضوء الذي يسقط عليه من أعلى فيكون بذلك ظلمة كما تفعل السحاب في منع بعض الأشعة من النفاذ إلى أسفل، لكن كل هذه الأسرار قد ذكرها الله في آية واحدة، قال تعالى : ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾(128) [النور : 40] .
هذه الأسرار وغيرها في آفاق السماء، وأعماق
الماء، وباطن الأرض، وبطون الأنعام، وجوف النبات، وفي تركيب الإنسان، ما عرفها
الإنسان إلا في هذا الزمان بعد أن صنع أدق الآلات التي تمكن بها من معرفة هذه
الأسرار.
فمن كشف لمحمد صلى الله عليه وسلم قبل
ألف وأربعمائة عام يوم لا طائرات، ولا غواصات، ولا مخترعات علمية ؟! إن هذا كله
يشهد لكل عاقل في أمريكا أو روسيا، في الهند أو الصين، في أوروبا أو استراليا أو
في أي مكان آخر ، أن هذا القرآن نزل بعلم الله، قال تعالى : ﴿
قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ
السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
[الفرقان : 6] كما يشهد لكل عاقل أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال تعالى : ﴿
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلَّا مَنْ ارْتَضَى
مِنْ رَسُولٍ ﴾ [الجن: 26، 27] . وإخبار محمد صلى الله عليه
وسلم بغيب علامات الساعة التي لم تظهر أماراتها إلا في زماننا، يشهد له بصدق
الرسالة، كما يشهد بأن الساعة حق وأنها قد أصبحت قريبة .
ـ
ومن العلامات التي ظهرت ما يلي :
1 ـ
أمور عظيمة لم تخطر على بال
أحد من قبل :
هذه العجائب والأمور العظام التي حدثت في
المخترعات، وفي عالم السياسة، والأنظمة، والعلوم، وهذه الأحداث العالمية، التي ما
كانت تخطر على بال أحد، سواء في أحوال المسلمين، أو الكافرين، يصدق عليها وصف:
الأمور العظيمة، التي لم تخطر على بال أحد من السابقين، وقد أخبرنا عنها رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال : (لا تقوم الساعة حتى تروا
أموراً عظاماً لم تكونوا ترونها ولا تحدثون بها أنفسكم)(130)
.
2
ـ الحفاة العراة رعاة الغنم وتطاولهم في البناء :
إن الحافي الذي لا يملك حذاء، العاري
الذي لا يجد ثوباً يستر كل جسمه، العالة في طعامه على غيره، الذي لا يجيد من العمل
غير رعي الغنم، إن الذي يتصف بكل هذا لا يتصور أحد من الناس من قبل، أنه سيتمكن من
بناء أي بيت، فضلاً عن أن يجعل ذلك البيت من البيوت الطويلة ويطاول غيره في البناء،
وفضلاً عن أن يكون ذلك ظاهرة لا تحدث لشخص واحد، بل تحدث لجماعات كثيرة من رعاة
الغنم الحفاة، العراة، العالة، فهذا أمر ما كان يخطر ببال أحد، لكن الأمر وقع،
فبعد أن فتح الله على المسلمين وغيرهم من ثروات الأرض، وخاصة البترول، رأينا رعاة
الغنم الحفاة، العراة، العالة، يتطاولون في البنيان، كما أخبر بذلك رسول الله صلى
الله عليه وسلم وبين أن هذه من علامات الساعة، فقال : (إذا
رأيت الحفاة، العراة، العالة، رعاء الشاء يتطاولون في البنيان فانتظر الساعة(131) .
3
ـ ظهور الكاسيات العاريات المائلات المميلات رؤوسهن كأسنمة الجمال:
كان هناك بعض الصعوبة في فهم حالة النساء
اللائي وصفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهن سيخرجن في آخر هذه الأمة، وأنهن
كاسيات عاريات، وقد يحتار الإنسان، كيف تكون المرأة كاسية، وعارية في آن واحد حتى
رأينا ذلك في زمننا، فللمرأة كساء، ولكنه شفاف يصف الجسم، ويظهره [أولها الملابس
الكثيرة، ولكنها تفصلها قصيرة] أو تكون لابسة كاسية في بعض الأماكن، متعرية في
أماكن أخرى. وهن أيضاً مائلات مميلات، وقد اكتمل الميل عن الطريق المستقيم، والتمايل
بالأجساد، حتى وضعوا لهن في أحذيتهن كعوباً عالية، لاستكمال الميل في الأجسام، وهن
بهذا الميل مميلات لكثير من الشباب مضلات لهم بفتنتهن المعروضة .
ورؤوسهن كأسنمة البخت المائلة : أي
كأسنمة الجمال المائلة . وهذا ما نشاهده في زماننا مصداقاً لحديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم الذي كشف الله له هذا الغيب، قبل ألف وأربعمائة عام، فقال عليه
وعلى آله الصلاة والسلام: (صنفان من أهل النار لم
أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس(132)، ونساء كاسيات عاريات
مميلات مائلات ، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة(133)، لا يدخلن الجنة، ولا
يجدن ريحها...)(134)
.
4
ـ نطق الجماد :
قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام : (إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا
يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث أهله من بعده)(135)
.
النعل جماد، والسوط جماد، وما كان أحد
يتصور أن الجماد سينطق، وقد نطق الجماد فعلاً! وأما كيف يحدث النعل، أو السوط
الرجل عما أحدث أهل بيته بعده؟ فقد اخترعت الآن أجهزة يحملها الإنسان في يده، فتنقل
له الأصوات، والكلام من بيته، أو من بيت غيره، [ وما بقي إلا أن تشكل في شكل سوط، ليسهل
حملها، أو تصنع في الحذاء فلا ترى] ويمكن تركيبها في طرف العصا أو في مكان ما من
الحذاء بحيث لا ترى(136).
5
ـ قبض العلم، وكثرة الزلازل، وتقارب الزمان، وظهور الفتن، وإطالة البناء:
قبض العلم هو موت العلماء وعدم وجود من
يخلفهم، والمقصود بهم علماء الإسلام، وقد دل الحديث على ذلك، وكثرة الزلازل هو ما
نشاهده ونسمعه في هذه الأيام من الزلازل المدمرة .
وتقارب الزمان أي : أن الأيام تمر وكأنها
ساعات قليلة، وسبب ذلك كثرة الأحداث التي تجعل الإحساس بالزمن يقل (والله أعلم)
فإذا كنت مشغولاً في عمل مرت الساعة وكأنها لحظات، أما إذا كنت فارغاً فتحس بطول
الزمان، وزماننا هذا أيامه مملوءة بالأعمال، مما يجعلها تمر بسرعة(137)،
وظهور الفتن : أي : كثرة الفتن التي تفتن الإنسان عن دينه، والإعلان بها .
وأما إطالة البناء فما عليك إلا أن تقارن
بين المنازل قبل خمسين عاماً والمنازل في أيامنا هذه وكيف استطالت، وهذا كله قد
أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : (لا
تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل ...، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن(138)، وحتى يتطاول الناس
في البنيان ...)(139)
.
6
ـ تسليم الخاصة، وفشو التجارة وقطع الأرحام وكثرة القراءة وشهادة الزور:
تسليم الخاصة : هو أن يخص الإنسان
بالسلام من يريد، وفشو التجارة : انتشارها، وفشو القلم : أي : كثرة استخدام القلم،
وهو دليل على كثرة القراءة والكتابة، وهذا كله جاء في حديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم القائل : (بين يدي الساعة تسليم الخاصة ،
وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وفشو القلم، وظهور
الشهادة بالزور، وكتمان شهادة الحق)(140)
.
قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام : (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا،
ويكثر شرب الخمر)(141)
، وكثرة الجهل، أي الجهل بالدين.
قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام : (ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا، فمن
لم يأكله أصابه من غباره)(142) .
وقد انتشر التعامل بالربا في زماننا عن
طريق البنوك وغيرها، وإن كنا نرى ظهور بنوك إسلامية لا تتعامل بالربا، نسأل الله
أن يكثر من هذه البنوك الإسلامية.
9
ـ التحية بالتلاعن وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال:
يأمر الإسلام بالتحية الحسنة، والرد
الأحسن، وهكذا كان المسلمون، حتى ظهر في زماننا من يحيي غيره باللعن، قال عليه
وعلى آله الصلاة والسلام: (لا تزال الأمة على شريعة
حسنة ما لم تظهر فيهم ثلاث : ما لم يقبض منهم العلم، ويكثر فيهم ولد الخبث، ويظهر
فيهم السقارون) قالوا: وما السقارون؟ قال : (بشر يكونون في آخر الزمان تكون تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التلاعن)(143)
.
وما كان أحد يتصور أن الرجل سيتشبه
بالمرأة، والعكس، حتى فاجأنا الزمان بهذه المصيبة، لكن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قد أخبرنا عن هذا، وكشف الله له ما سيقع، فقال عليه وعلى آله الصلاة والسلام
: (من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة ... وتشبه
الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال...)(144).
10
ـ وطائفة على الحق ظاهرين:
ومهما كثر الفساد(145)،
قد شاءت حكمة الله سبحانه أن تبقى طائفة على الحق ظاهرة، تقيم الحجة على الناس
بالدعوة إلى دين الله، وتتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا ما
نشاهده، فلا يخلو مكان إلا وفيه من يظهر دين الله، ويتمسك بكتاب الله، وسنة رسوله
.
وفي هؤلاء قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا
يضرهم من يخذلهم حتى يأتي أمر الله)(146).
وبعد : فهذا قليل من كثير، مما أخبر به
رسول ربنا صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربعمائة عام، يشهد بصدق نبوته، وبأنه بشير
لنا ونذير بين يدي عذاب شديد، فكما رأينا علامات الساعة اليوم فسنرى الساعة غداً، لأن
المخبر بها واحد، وهو الصادق المصدوق محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم .
ـ من القرآن الكريم :
لقد خلق الله الكون على نظام ثابت، ولكن
الله يخرق هذا النظام تأييداً لرسله وتصديقاً لهم .
ومن أمثلة ذلك : ما حدث لرسولنا محمد صلى
الله عليه وسلم، وهي بينات كثيرة أقنعت الكثير من الناس بصدق رسالته ونبوته، ومنها:
1- انشقاق القمر :
نظام الخلقة الثابت هو أن القمر جسم واحد،
ولا يقدر على شقه نصفين أحد إلا الله، ولكن الكفار لما كذبوا محمداً صلى الله عليه
وسلم، وطالبوه بآية تصدقه شق الله له القمر نصفين، فقال عليه وعلى آله الصلاة
والسلام : (اشهدوا)، قال الكافرون: سحرنا محمد، ولم يكذبوا الآية التي شاهدوها(147)
فأنزل الله قوله:﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ
وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ
مُسْتَمِرٌّ﴾(148)[القمر:1-2].
2 ـ
الإسراء
والمعراج :
شاء الله أن يرفع رسوله إلى سدرة المنتهى،
فوق السماء السابعة، فلم يعرج به من مكة، بل أسري به منها ليلاً إلى بيت المقدس، ثم
عُرِج(149)
به من بيت المقدس.
وقد كان في إسرائه الدليل للكفار على
صدقه، لأنهم كذبوا الرسول، ثم امتحنوا صدقه، فسألوه عن وصف بيت المقدس، وهم يعلمون
أنه لم يره من قبل، فوصفه حجراً حجراً، فسألوه عن قافلة لهم في الطريق، فحدد
مكانها، وعدد رجالها، ومن أي القبائل هم، ووصف الإبل، وذكر وصف الجمل الذي يتقدم
القافلة، وما يحمل، بل وحدد الزمن الذي تصل فيه القافلة، فوصلت في الموعد الذي
حدده(150)،
فكان في ذلك كله دليلاً على إسرائه، وكان الإسراء دليلاً على المعراج في السماء، وذكر
القرآن الإسراء، فقال سبحانه : ﴿
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ
لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي
بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]، وقال
سبحانه عن المعراج : ﴿
أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ
رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ
الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا
طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾(151)
[النجم : 12-18]، وكانت الجنة والنار من آيات الله التي رآها عليه وعلى آله الصلاة
والسلام . إن الإسراء والمعراج خرق للعادة، وقد جعله الله تصديقاً لرسوله .
3
ـ الرياح والجنود التي لا ترى تقاتل مع الرسول وصحبه:
لقد كان المسلمون في جانب في الخندق الذي
حفروه حول المدينة لمنع المشركين من الوصول إليها، وكان الكفار في الجهة الأخرى من
الخندق، فإذا برياح شديدة وجنود لا ترى، تطفئ نيران الكافرين وتكفئ قدورهم، وتهدم أبنيتهم،
وتقتلع خيامهم، وتشرد خيلهم وإبلهم، وإذا بالمشركين الذين جاءوا من أماكن بعيدة،
وحاصروا المسلمين ليالي طويلة، تطردهم الرياح وجند الله رغم أنوفهم ، ويعودون
خائبين، وأصبح المسلمون يرددون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : (الحمد لله
وحده، صدق وعده ، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده)(152)
.. وفي ذلك نزل قول الله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا
وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾
[الأحزاب : 9].
4
ـ النعاس والمطر والملائكة تنزل لتأييد المسلمين :
توجه المسلمون لقتال المشركين في بدر، وهم
خائفون لقلتهم، وضعفهم، فأنزل الله النعاس أماناً لهم، واحتلم بعضهم، فأخذ الشيطان
يوسوس لهم، ويخوفهم من الموت وهم جنب، ليردهم عن المعركة، فأنزل الله ماء ليغتسلوا
به، وليثبت الرمال به تحت أقدامهم عند سيرهم إلى المعركة، ثم نزلت الملائكة عند
اللقاء بين الجيشين فهزم الكفار هزيمة نكراء في أول معركة بين الكفار والمسلمين..
وفي ذلك نزل قوله تعالى : ﴿
إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ
أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ
بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ
وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي
مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا
الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾(153)
[الأنفال:11،12].
5
ـ جنود الله تنصر محمداً على الكافرين أثناء الهجرة :
قررت قريش قتل محمد صلى الله عليه وسلم
فأحاط شبابها بداره، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من بينهم وقد أغشى الله
أبصارهم واختفى في غار حراء وصاحبه أبا بكر الصديق رضي الله عنه يخشى أن ينظر
الكفار الذين يطاردونهم إلى داخل الغار فيكتشفونهما ولكن جنود الله صرفتهم عن
النظر إلى داخل الغار .
وطارد الفارس المدرب سراقة بن مالك
الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه بعد خروجهما من الغار، فلما قرب منهما ساخت
قوائم فرسه في الرمال، حتى لامست بطن الفرس الأرض، وسقط من فوق فرسه، فأخذ سراقة
يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمان(154)،
وإلى هذا تشير الآية : ﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ
فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ
إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ
تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ
هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾(155)
[التوبة:40].
قد يسأل سائل فيقول : وكيف أجعل إيماني
بوقوع هذه الخوارق كإيمان من شاهدها؟ والجواب: بالتفكر في الأمر، واستخدام العقل
نصل إلى هذا الإيمان، فمثلاً خارقة الرياح والجنود التي لم تر، وخارقة انشقاق
القمر، وغيرهما من الخوارق، لقد وقعت هذه الخوارق أمام مئات وآلاف المسلمين
والمشركين، ثم نزل قرآن سجل هذا الذي وقع، وسمعه المسلمون وسمعه الكافرون، فصدق
المسلمون ما ذكره القرآن من وقوع تلك الخوارق أمامهم، فثبتوا على إيمانهم،
وعبادتهم، وجهادهم، وصدق المشركون بما حدث، فلم يكذبوه، بل فسروا الانشقاق وباقي
الخوارق بأنه سحر مستمر، ثم تحولوا بعد ذلك إلى الإيمان والإسلام، وأصبحوا هم
الحملة لهذا الدين إلى مشارق الأرض ومغاربها .
ولقد حفظ الله القرآن من كل تبديل وتحريف
فأنت ترى أن النسخة من القرآن الموجودة في أمريكا، والصين , والهند، وروسيا، وأوربا،
وأفريقيا، هي نفس النسخة التي كان يقرأها الآباء والأجداد في مشارق الأرض
ومغاربها، وهي نفس النسخة التي نزلت على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا
نعرف أن الخوارق البينة سجلت في أعظم سجل، أجمع الناس على اختلاف أجناسهم وأوطانهم
وأزمانهم على صحة سنده.
ولو أن القرآن أخبر بأن حادثة وقعت للناس
وهي لم تقع، مثل انشقاق القمر، أو تسليط الرياح على المشركين في غزوة الأحزاب، لكذب
بها الكافرون والمسلمون، وعندئذ لا يبقى أحد على الإسلام، لكن الذي حدث هو العكس، فدل
ذلك على أن كل ما سجله القرآن هو الحق الذي وقع وشاهده وصدقه المسلمون والكافرون، وحفظه
الله لنا في القرآن بدون تحريف أو تبديل(156)
.
ـ من الحديث الشريف :
وقد حفظ المسلمون أقوال رسولهم، وأعماله
وتقريراته، وحفظوا أوصافه الخلقية والجسدية، وكل ما يتصل به، ووصفوا الخوارق التي
أجراها الله على يده، والتي كانت سبباً في إسلام الكثير منهم، وتناقلوا ذكرها
جيلاً بعد جيل، وانبرى علماء الحديث يدققون في الروايات في كل جيل ويضبطون
الألفاظ، ويتحرون السند(157).
ولقد حدثت خوارق كثيرة على يد رسول الله
صلى الله عليه وسلم ذكرت في كتب الحديث، نذكر منها الخوارق التالية :
1 ـ تكثير الماء القليل :
كان المسلمون بحاجة إلى ماء وهم في
المدينة للوضوء قال أنس رضي لله عنه : (أتى النبي صلى
الله عليه وسلم بإناء، وهو بالزوراء(158) مع أصحابه، فوضع يده
في الإناء، فجعل ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم، قال قتادة : قلت لأنس: كم كنتم؟
قال: ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة)(159)
.
وحدث مثل هذا والرسول مسافر مع سبعين من
أصحابه(160).
رواه البخاري .
وحدث مثل هذا في الحديبية والمسلمون ألف
وأربعمائة(161)
- رواه البخاري - فزاد ماء البئر .
وحدث مثل هذا أيضاً في سفر الرسول صلى
الله عليه وسلم مع أصحابه، عندما مسح على مزادتي امرأة كانتا فارغتين من الماء، فامتلأتا
فشرب المسلمون وكان عددهم أربعين رجلاً، ثم ملأ كل قربته فعادت المرأة تقول: لقيت
أسحر الناس أو هو نبي كما يقولون، فأسلم قومها(162).
2
ـ تكثير الطعام القليل :
كان الرسول صلى الله عليه وسلم جائعاً، فجاءه
أبو طلحة ببضعة أقراص من شعير، فأمر الرسول بفتها ودعا الله، وأمر أن يأكلوا منها
عشرة عشرة، حتى شبع الجميع، وكان عددهم سبعين أو ثمانين رجلاً(163).
واشتد الجوع على رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأصحابه وهم يحفرون الخندق، فذبح جابر رضي الله عنه شاة لرسول الله وبعض
أصحابه، فنادى الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الخندق وكانوا ألفاً، فبارك الله
اللحم والخبز حتى شبعوا جميعاً(164).
وفي
غزوة تبوك أصيب المسلمون بمجاعة فاستأذنوا الرسول أن يذبحوا الإبل، فاقترح عمر رضي
الله عنه أن يجمع المسلمون بقايا طعامهم ويدعو الرسول بالبركة، فوافق الرسول صلى
الله عليه وسلم على هذا، فبارك الله لهم في الطعام، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما
تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله
إلا الله، وأشهد أني رسول الله(165).(166)
3
ـ
حنين جذع النخلة وتسبيح الطعام(167) :
لما
ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستناد في خطبة الجمعة إلى جذع النخلة الذي
كان يستند إليه بعد أن صنع له المنبر، حنَّ الجذع كحنين الناقة حتى كاد يتصدع،
فجاء إليه رسول الله وضمه حتى سكن(168).
وروى
البخاري والترمذي : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسمعون تسبيح
الطعام وهو يؤكل بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم(169)
.
4
ـ حماية الرسول من أعدائه :
أقسم أبو جهل أن يطأ رقبة محمد صلى الله
عليه وسلم بقدمه إذا رآه يصلي، فرآه يصلي، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
لينفذ وعده، فعاد على عقبه وهو يتقي بيديه، فقيل له : ما لك؟! قال: إن بيني وبينه
لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة!!(170)
.
وتآمرت يهودية على رسول الله صلى الله
عليه وسلم فدست السم في شاة قدمتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعلم أنها
مسمومة فمجها، بينما أصاب السم بعض أصحابه(171).
5
ـ إخباره بالغيب :
لقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم
أصحابه بما هو كائن في حياته، وبعد موته، إلى قيام الساعة(172).
لقد كان سبب إسلام شعب اليمن أن الرسول
صلى الله عليه وسلم
أخبر الفرس واليمنيين بأن ملك الفرس قد قتله الله انتقاماً لرسوله ـ عليه وآله الصلاة
والسلام ـ وحدد الرسول الليلة التي قتل فيها كسرى ملك الفرس، فكان هذا سبباً في
إسلام شعب اليمن وإسلام الفرس الذين كانوا في اليمن، ودخلوا في دين الله أفواجاً(173).
لا يستطيع أحد أن يزعم أن محمداً صلى
الله عليه وسلم هو الذي كتب لليهود والنصارى والمجوس والهندوس في كتبهم المقدسة:
أوصافه، واسمه، وأوصاف زمنه وتعاليم دينه وصفات أصحابه وتحديد بلاده (مكان بعثته)
بما يشهد له بأنه رسول من عند الله أنزل الله عليه الكتاب المبين ، لأن ذلك قد كتب
في كتبهم قبل ولادته بقرون كثيرة، قال تعالى: ﴿
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ
الْأَوَّلِينَ﴾(174)
[الشعراء:196] .
وقد كانت هذه البشارات سبباً في إقناع
أجيال من النصارى والمجوس واليهود والهندوس إلا أن الذين أصروا على عداوة محمد صلى
الله عليه وسلم قاموا بالتحريف والتبديل لهذه البشارات، وبرغم ذلك لا تزال في كتبهم بشارات تشهد بصدق رسالة محمد صلى الله
عليه وسلم إلى يومنا هذا، ومن تلك البشارات:
ـ في التوراة :
جاء في التوراة : أن نبياً سيظهر في مكة
( الديار التي سكنها قيدار)(175) ـ
وهو أحد أبناء إسماعيل عليه السلام، وقيدار سكن مكة كما تحكي التوراة ذلك ـ وأن
اسمه يرتفع فيها(176)،
وأنه يركب الجمل(177)،
وأنه يحارب بالسيف(178)،
وأنه ينتصر هو وأصحابه(179)،وأنه يبارك عليه في كل يوم(180)،
(وهذا ما يفعله المسلمون عند التشهد)، وأن ملوك اليمن تأتيه بالقرابين، وأن علامة سلطانه على كتفه
بقدر بيضة الحمام(181)
(وهذه العلامة كانت على كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه أوصاف لا تنطبق
إلا على محمد صلى الله عليه وسلم)(182).
كما جاء في التوراة: أن الله تجلى على
الناس في أماكن ثلاثة، وهي: سيناء، حيث أعطي موسى عليه السلام
التوراة .
ساعير (جبال في فلسطين) حيث أعطى الإنجيل
لعيسى عليه السلام.
مكة (فاران)، حيث نزل القرآن على محمد
عليه وعلى آله الصلاة والسلام.
تقول التوراة التي بين يدي اليهود إلى
يومنا هذا : (جاء الرب من سيناء، وأشرق لنا من ساعير، وتلألأ من جبل فاران)، وفاران
هو الاسم القديم لمكة، كما تذكر التوراة نفسها في سفر التكوين(21:22).
وقد أشار بعض الباحثين(183)،
إلى أن القرآن قد أشار إلى هذه الأماكن الثلاثة بقوله تعالى : ﴿
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ
سِينِينَ* وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾
[ التين: 1-3] .
التين والزيتون : إشارة إلى منابتهما في
فلسطين .
طور سينين : سيناء .
هذا البلد الأمين : مكة .
ـ
في الإنجيل :
وجاء في إنجيل برنابا، في الباب (220) :
أن عيسى عليه السلام قال لأتباعه : (وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي
متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله).
وجاء في إنجيل يوحنا(184)
أن عيسى عليه السلام أخبر قومه بالنبي الذي سيأتي بعده، فقال : (إن لي أموراً
كثيرة، أيضاً لا أقول لكم، ولكن لا تستطيعون الآن أن تحتملوا، وأما متى جاء ذاك
روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق ، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم(185) ويخبركم بأمور آتية) .
ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي جاء
بعد عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وتكلم بالوحي، وأخبر الناس بالغيب الذي سيأتي.
وقال أحد كبار العلماء من النصارى، هو
الأب عبد الأحد داود الآشوري، في كتابه (محمد في الكتاب المقدس)(186)
: إن العبارة التي يرددها النصارى الآن : (المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام
وبالناس المسرة) لم تكن هكذا من الأول بل كانت : (المجد لله في الأعالي وعلى الأرض
السلام وللناس أحمد)، قال تعالى : ﴿
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ
يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ
أَحْمَدُ((187)) فَلَمَّا
جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
[الصف: 6].
جاء في كتاب (السامافيدا) وهو كتاب مقدس
عند البراهمة في الهند، في الفقرة السادسة والثامنة من الجزء الثاني ما نصه :
(أحمد تلقى الشريعة من ربه وهي مملوءة بالحكمة) .
وجاء في كتاب (ادروافيدم) ـ وهو كتاب
مقدس عند الهندوس ـ : (أيها الناس اسمعوا وعوا يبعث المحمد(189)
بين أظهر الناس، وعظمته تحمد حتى في الجنة، وهو المحامد)(190)
.
وجاء في كتاب (بهوش برانم) من كتب
الهندوس المقدسة: (في ذلك الحين يبعث أجنبي مع أصحابه باسم محامد(191)
الملقب بأستاذ العالم(192)
والملك يطهره بالخمس المطهرة)(193)
ـ الجزء : 1 ـ فصل 3 ـ عبارات 3 ـ وما بعدها(194).
ـ
في كتب المجوس :
جاء في كتاب (زندا أفستا) (أن الله سيبعث
رسولاً هذا وصفه: رحمة للعالمين، ويتصدى له عدو ويسمى أبو لهب، ويدعو إلى إله
واحد). وصدق الله القائل: ﴿ الَّذِينَ
آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾
[البقرة: 146] واليهود والنصارى هم أهل الكتاب ، والمجوس أمر الرسول صلى الله عليه
وسلم أن نسن بهم سنة أهل الكتاب(195)،
غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم(196)،
لأنه والله أعلم قد تطاول العهد على كتبهم، وكثر فيها التحريف، ولقد كانت هذه
البشارات وغيرها سبباً في إسلام الكثير من أسلاف اليهود، والنصارى، والمجوس، والهندوس(197)
.
شهادة أحواله بصدق نبوته صلى الله عليه وسلم
ما من شخص يتصدى لأمر الناس إلا وسلط
الناس أنظارهم عليه لدراسة أحواله، فما تمر الأعوام إلا وقد انكشف على حقيقته، وخاصة
إذا تقلب بين أوضاع الضعف والقوة، والخوف والأمن، والفقر والغنى، وقلة الأتباع
وكثرتهم، والشدة والرخاء كما حدث في حياة محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا تأملنا
أحواله وجدناها تشهد بأنها أحوال لا تكون إلا لنبي، ومن أبرز هذه الأحوال :
1 ـ الصدق :
لقد شهد له قومه بالصدق فسموه قبل أن
يبعثه الله بالرسالة (الصادق الأمين) ولقد قال له أبو جهل : إنا لا نكذبك، ولكن
نكذب ما جئت به(198)
فأنزل الله قوله : ﴿
فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ
وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾
[الأنعام: 33] . ولقد عرف عنه الصدق في كل أموره حتى في مزاحه صلى الله عليه وسلم
الأمر الذي لا يتحقق إلا لنبي مرسل(199)
.
2
ـ الالتزام الكامل بما يدعو الناس إليه :
إن النفس البشرية تكره أن يفرض عليها
قيود الالتزام، وخاصة إذا وصلت إلى درجة التمكن في المجتمع، وإذا تأملنا حال رسول
الله صلى الله عليه وسلم وجدنا أن حاله يشهد بأنه أتقى الناس، وأكملهم خلقاً، وأعظمهم
عبادة، كان يصوم حتى يقول أهله : لا يفطر! وكان يقوم الليل في صلاته حتى تفطرت
قدماه، فقالت عائشة رضي الله عنها : لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك
وما تأخر؟ فقال : (أفلا أكون عبداً شكوراً؟)(200).
كان ينفق المال فلا يبقى في بيته شيئ، ومات
ودرعه مرهونة عند يهودي.
وما حفظ عنه من أذكار وأدعية يشهد أنه
كان دائم الذكر لربه ليلاً ونهاراً، وعند كل عمل من الأعمال(201)،
وكان مع ذلك هو الرسول، المبلغ لدين الله، قائد جيش المسلمين، وكان المسلمون إذا
حمي الوطيس(202)
احتموا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان مضرب المثل في الشجاعة والإقدام .. ثبت
يوم حنين مع مائة من أصحابه أمام أربعة آلاف من المشركين، ونصرهم الله على عدوهم(203).
خيره المشركون في مكة بين إعطائه ما يريد
من المال، والجاه، والسلطان مع ترك الدين وبين الحرب والتنكيل به إن أصر على دينه،
فاختار أن يبلغ ما أمره الله به، وبعد أن خضعت له الدنيا، نزل قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ
كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ
أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب
: 28 ] . فاخترن جميعاً رسول الله، وزهدن رضوان الله عليهن في الحياة الدنيا
وزينتها(204)
.
لقد كان مثلاً أعلى للحكم بين الناس
بالعدل، فقال : (وأيم الله لو أن فاطمة
بنت محمد سرقت لقطعت يدها)(205).
وكان مثلاً أعلى في كل شيء حتى أنك تجد
كل أبناء أمته يحاول أن يتشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم في أي جانب، فلا
يستطيع أن يبلغ درجته، فاجتماع المثل العليا في كل جانب لا يكون إلا لنبي مرسل(206)،
شهد له ربه بقوله: ﴿
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
﴾ [القلم: 4]، وجعله أسوة للناس، فقال
سبحانه : ﴿
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
3
ـ قيامه بالرسالة وتبليغ الناس :
لقد أدى الرسول حق الرسالة والتبليغ، فمرة
باتصاله الشخصي، ومرة بدعوة الناس إلى الطعام، ومرة بعرض نفسه على القبائل صابراً،
والقبائل ترده واحدة بعد أخرى، ومرة بدعوة الناس إلى الاجتماع، ومرة بالتصدي للناس،
ومرة بإرسال الدعاة من أصحابه، ومرة بإرسال الرسل إلى الملوك والأمراء، ومرة بجهاد
الذين يصدون عن سبيل الله، ولقد واجه الكفار هذه الدعوة وأهلها بألوان من القسوة
والشدة، والأذى، فهذه قريش تهزأ برسول الله وأصحابه، ثم تفتك ببعض المسلمين حرقاً،
وقتلاً، وتعذيباً وتحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات في شعب أبي طالب،
حتى أكل المسلمون الجلد والشجر ويشتد الأذى فيهاجر أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم مرتين : إلى الحبشة فراراً بدينهم، ثم إلى المدينة، وتآمرت قريش على قتل رسول
الله، ولكن الله أمره بالهجرة للنجاة من كيدهم، وبلغ ما أمره به ربه حتى الذي فيه
عتاب له من ربه مثل قوله تعالى : ﴿
عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ
الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ
الذِّكْرَى * أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ
أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ
عَنْهُ تَلَهَّى﴾(207)
[عبس : 1-10] وذلك بسبب أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو بعض كبار الكفار، فجاءه
المسلم الأعمى ابن أم مكتوم يسأله، فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه لئلا
يشغله بسؤاله عن دعوة كبراء القوم الذين إذا أسلموا كان إسلامهم خيراً للمسلمين، فلم
يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن عبس بوجهه وابن أم مكتوم أعمى لا يرى وجه
الرسول وهو عابس فلا يؤذيه ذلك، ولكن الله سبحانه أنزل عليه العتاب فبلغه الرسول
كما نزل(208).
إن سعي محمد صلى الله عليه وسلم كان
منصباً في حياته كلها على أن يبلغ ما أمره به ربه أن يبلغه مهما كانت المصاعب
والعقبات، وفي حجة الوداع قال للمسلمين : (ألا هل بلغت)؟ فيشهدون له بأنه قد بلغ
إليهم دين الله فيقول: (اللهم اشهد)(209)
. إن حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل جانب من جوانبها تشهد بأن صاحب هذه
الأحوال لا يكون إلا نبياً رسولاً .
ـ أتباعه :
إن قدرة الأستاذ تظهر في تلاميذه، ومهارة
المدرب تظهر على من دربهم، وصدق الرسول يظهر في أحوال أتباعه، فهم الذين عاشوا
معه، ورباهم، وزكاهم، وعلمهم، ومن تأمل في أحوال الصحابة يجد مصداق وصف الله لهم: ﴿
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ﴾(210)
[ آل عمران : 110]، ولقد شهدت شعوب الأرض في ذلك الزمان للمسلمين بأنهم خير أمة
عرفتها البشرية، ذلك لأن القاعدة في معاملة الشعوب والدول أن أي شعب أو دولة تغزو
دولة أخرى وشعباً آخر ينتج عن هذا الغزو كراهيةٌ وحقدٌ بين الشعوب نرى شاهداً عليه
إلى يومنا بين المستعمِرين والمستعمَرين، لكن هذه القاعدة نُقضت مع الفاتحين
المسلمين الذين سادوا الأرض في زمنهم، لقد أحدث الفتح الإسلامي حباً ونصراً، وولاءً،
وامتزاجاً بين المسلمين وغيرهم من الشعوب، وأصبحت تلك الشعوب المفتوحة تحمد الله
على أن أرسل إليهم هؤلاء الفاتحين المسلمين، وإذا بحثت عن السبب ستجد أن الصراع
بين الناس يكون على الدنيا، أما المسلمون فقد بذلوا دنياهم لإسعاد الناس في الآخرة(211) لأنهم
آمنوا بالآخرة حق الإيمان، ولأن هذا الإيمان والسلوك كانا ثمرة الاقتناع الكامل
بالأدلة التي قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدق رسالته وبالسلوك العملي
الذي تجسد فيه الإيمان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ـ
أعداؤه :
بعد طول العناد تحول الأعداء إلى أشد
الأنصار، وأسلم الكثير من أهل الكتب السابقة، كل ذلك تصديقاً لرسول الله وإيماناً
به((212))
.
إن وضع القوانين والتنظيمات لأي شيء
يتوقف على العلم بحقيقة من توضع له القوانين، وبالظروف المحيطة(213).
والإنسان يجهل حقيقة روحه، والمستقبل
الذي سيواجهه ، لذلك عجز الإنسان أن يضع تشريعات وقوانين دائمة تصلح لكل زمان
ومكان، لكن الخالق سبحانه هو العليم بحقيقة خلق الإنسان، قال تعالى : ﴿
أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك : 13] .
وهو المحيط علماً بما كان وما سيكون،
ولذلك لا يمكن لبشر أن يأتي بشريعة ثابتة مرنة تتناسب مع كل زمان ومكان إلا إذا
كان مرسلاً بها من عند ربه.
ولقد حكم المسلمون مشارق الأرض ومغاربها
مئات السنين فكانت شريعة الإسلام صالحة للحكم طوال القرون في مختلف البيئات
والأماكن.
ولقد فرضت شريعة الإسلام نفسها في زماننا
هذا رغم ضعف أهلها، فجعلتها الأمم المتحدة مصدراً من مصادر القانون الدولي، مع أن
القانون الروسي أو الأمريكي لا يعتبر أي منهما مصدراً من مصادر القانون الدولي ..
ولقد شهد خبراء القانون الدولي (الأجانب) بأن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان.
قال الدكتور (إيزيكو انسابا توحين) أحد
علماء القانون (إن الإسلام يتمشى مع مقتضيات الحاجات الظاهرة فهو يستطيع أن يتطور
دون أن يتضاءل في خلال القرون ويبقى محتفظاً بكامل ما له من قوة الحياة والمرونة، فهو
الذي أعطى للعالم أرسخ الشرائع ثباتاً، وشريعته تفوق في كثيرٍ الشرائعَ الأوربية .
أما المؤتمر الدولي للقانون الذي انعقد
في (لاهاي) عام 1932 فهو الذي طالب عصبة الأمم أن تجعل الشريعة الإسلامية مصدراً
من مصادر القانون الدولي بعد أن اقتنع خبراء القانون الدوليين بعظمة الشريعة
الإسلامية، وفائدتها للناس في هذا الزمان .
وأما المؤتمر الدولي للقانون المقارن
الذي انعقد في باريس عام 1952م، فقد طلب من الجهات القانونية الدولية أن تسمح
بانعقاد المؤتمر الدولي للفقه الإسلامي في كل سنة بدلاً من عقده في كل عشر سنوات، وعللوا
ذلك بأنهم يرغبون أن يتعلموا الفوائد الكثيرة من دراستهم للشريعة الإسلامية فقالوا
في مؤتمرهم: (نظراً لما ثبت للمؤتمرين من الفائدة المحققة التي أتاحتها البحوث
التي عرضت في خلال أسبوع (الفقه الإسلامي) وما دار حول هذه البحوث من مناقشات
أثبتت بجلاء أن (الفقه الإسلامي) يقوم على مبادئ ذات قيمة أكيدة لا مرية في نفعها،
وإن اختلاف المبادئ في هذا الجهاز التشريعي الضخم منطوٍ على ثروة من الآراء
الفقهية، وعلى مجموعة من الأصول الفنية البديعة التي تتيح لهذا الفقه أن يستجيب
بمرونة هائلة لجميع مطالب الحياة الحديثة، فإن أعضاء المؤتمر يعلنون رغبتهم في أن
يظل أسبوع الفقه الإسلامي يتابع أعماله سنة فسنة) .
فمن أين لأميٍ بعث منذ ألف وأربعمائة عام
أن يأتي بهذا التشريع لو لم يكن مرسلاً من عند ربه ؟
وعجباً للجهلة من المسلمين، الذين يريدون
إلغاء الشريعة الإلهية واستبدالها بالقوانين البشرية!!
(1)تنبيه : رتبت
أسماء أصحاب الفضيلة العلماء بحسب ترتيب حروف الهجاء .
(2) مقدمة كتاب البرهان : إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن
سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم .
أما بعد : فقد
تنادى عدد من علماء اليمن ودعاته لتدارس موضوع تقوية الإيمان وزيادته ، فأقاموا
ندوة خاصة لذلك ، وقرروا عقدها كل عام لأهمية الموضوع وضرورة متابعته لتحقيق الهدف
من هذه الندوة ، وهو تقوية الإيمان وزيادته بين أبناء المسلمين في اليمن وغيرها ،
وقرروا في الدورة الثانية للندوة أن يقدموا للمسلمين كتباً ميسرة تحقق الهدف
المطلوب، ورأوا أن كتب تعليم الواجبات
التي كانت قد صدرت في اليمن من مكتب التوجيه والإرشاد العام عام 1398هـ الموافق
1978م تحقق الهدف نفسه، فاعتمدوها مع توصيات بوضع الإضافات المناسبة لمزيد من
الشرح والبيان وتخريج أحاديثها ، مع المحافظة على النص الأصيل للكتاب فكان هذا
الشرح لأحد هذه الكتب وهو كتاب الإيمان الذي أقره= =مائة عالم من علماء اليمن
واعتمدته المحكمة الاستئنافية العليا والذي نضعه بين يدي القارئ الكريم باسم
"البرهان شرح كتاب الإيمان" .
راجين من الله
العلي القدير أن ينفع به المسلمين وأن يجعله ذخراً لنا يوم الدين . والله الموفق.
(3) أي
منزلاً أو ما يهيأ للضيف النازل من طعام وغيره .
(4) أي
تحولاً عنها إلى غيرها .
(5) الاعتقاد محله القلب قال تعالى: (أُولَئِكَ
كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ) (المجادلة: 22).
(6) قال النبي صلى الله عليه وسلم : "الإيمان بضع وستون شعبة
فأفضلها قول : لا إله إلا الله" أخرجه البخاري ك/ الإيمان ب/ أمور الإيمان
1/12برقم 9 ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ بيان عدد شعب الإيمان 1/63 برقم 35 وابن ماجه
1/22 برقم57.
(7) وفي الحديث الذي أخرجه البخاري ك/ مواقيت الصلاة
ب/ منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة 1/195 برقم500 واللفظ له ، ومسلم ك/ الإيمان
ب/ الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم1/46 برقم17 وأبو داود
2/355 برقم3692 ، والنسائي 8/120 برقم5031 ، عن وفد عبدالقيس عرّف الرسول - صلى
الله عليه وسلم الإيمان بأنه :" شهادة أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، =
=وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا إلي خُمس ما غنمتم...". وقال
البخاري : لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في
أنَّ الإيمان قول وعمل ، ويزيد وينقص. شرح أصول الاعتقاد لللالكائي 1/173 ،174،
وسئل أبو حاتم وأبو زرعة عما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان في
معنى الإيمان ، فقالا : أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً ومصراً
وشاماً ويمناً فكان من مذهبهم أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص . أصل السنة لابن
أبي حاتم ص225-226، طبع ضمن كتاب (أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة) للهاشمي ط/
الجامعة الإسلامية. وقال البغوي: اتفقت الصحابة والتابعون ومن بعدهم من علماء
السنة على أن الأعمال من الإيمان. مناقب الإمام أحمد ص228.
(8) الإيمان يزيد وينقص : يزيد الإيمان اعتقاداً بزيادة العلم بالأدلة ووضوحها وتظاهرها (تأييد
بعضها بعضاً) قال تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ
آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً )(الأنفال:2) وقال أيضاً : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) (محمد
:19). وقال تعالى: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الرعد:19) .
وبرؤية
آيات الله تعالى في الآفاق والأنفس كما قال تعالى : (وَكَذَلِكَ
نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ
الْمُوقِنِينَ) (الأنعام:75) .=
=والشبهات
تنقص الإيمان ، وإزالتها تثبت الإيمان وتفتح الباب لزيادته قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا...) (الحجرات :15).
كما
ينقص الإيمان اعتقاداً بالغفلة ونسيان ذكر الله .
وأما
زيادة الإيمان بالقول فتتحقق بزيادة الذكر المشتمل على التوحيد والتعظيم والتنزيه
والثناء على الله عزوجل والاستغفار وغير ذلك من معاني الذكر الذي يجتمع فيه حضور
القلب ووعيه لما ينطق به اللسان.
وتتحقق
زيادة الإيمان بالقول أيضاً بكل ما يدل من القول على الإقرار بالإيمان والتصديق له
كقراءة القرآن والدعوة إلى الله وبيان آياته والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وتعليم العلم وتعلمه ونحو ذلك .
ويحصل
النقص في هذا الجانب بالغفلة عن ذكر الله ، وبنطق اللسان بما يعارض أو ينافي الإيمان
وبكل ما يبغضه الله ورسوله من الأقوال .
وأما
في جانب العمل فيزيد الإيمان بالطاعات بجميع أنواعها ، وينقص بالمعاصي أياً كانت،
وقد أثر ذلك عن السلف قال أبو هريرة – رضي الله عنه - : "الإيمان يزداد
وينقص" رواه الآجري في الشريعة (ص111)، وعبدالله بن الإمام أحمد في السنة
(1/314). وورد مثله عن أبي الدرداء – رضي الله عنه رواه عبدالله بن الإمام أحمد في
السنة (1/314). وكان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يقول لأصحابه : "هلموا
نزداد إيماناً ؛ فيذكرون الله – عزوجل –". رواه الآجري في الشريعة (ص112)
وبنحوه ابن أبي شيبة في الإيمان (ص36) .
وقال
معاذ بن جبل – رضي الله عنه – لرجل : "اجلس بنا نؤمن ساعة" رواه أبو
عبيد في كتاب الإيمان (ص72) ، وابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (ص35) ، وقال
الألباني: "إسناده على شرط الشيخين" وكان من دعاء عبدالله بن مسعود– = =رضي
الله عنه - : "اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً" فتح الباري 1/48 قال:
وإسناده صحيح .
وقال
عميرُ بن حبيب الأنصاري الصحابي: "الإيمان يزيد وينقص، قيل له : ما زيادته
ونقصانه ؟ قال : إذا ذكرنا الله – عز وجل – وحمدناه وخشيناه فذلك زيادته، فإذا
غفلنا وضيعنا فذلك نقصانه". رواه الآجري في الشريعة (ص111) ، ورواه بلفظ
مقارب عبدالله بن الإمام أحمد في السنة (1/315).
(9) أخرجه البخاري ك/ المظالم ب/ النهبى بغير إذن
صاحبه 2/875 برقم2343، ومسلم ك/ الإيمان ب/ نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن
المتلبس بالمعصية 1/76 برقم 57 ، والترمذي 5/15 برقم2625 ، والنسائي 8/64 برقم
4870.
(10) إصلاح القلوب
:
هيأ الله القلوب لقبول الهدى في أصل الفطرة ، فهي تقبل الحق وترضاه وتميل إليه،
فالأصل في القلوب أنها سليمة نقية صالحة ؛ لأنها ولدت على ذلك كما قال الرسول صلى
الله عليه وسلم : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصراه أو يمجسانه)
أخرجه البخاري ك/ الجنائز ب/ ماقيل في أولاد المشركين 1/465 برقم1319 ، ومسلم ك/ القدر ب/ معنى كل
مولود يولد على الفطرة4/2047 برقم2658 ، فإذا مرضت بالشرك أو الشك فهو عارض وطارئ
على غير الأصل ، وهو من الشيطان كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن
الله عزوجل قال : (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن
دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) أخرجه
مسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها وأهلها ب/ الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة
وأهل النار 4/2197 برقم2865 واللفظ له ، وأحمد 4/162 برقم17519 وقال شعيب الأرنؤوط
إسناده صحيح على شرط مسلم، وابن حبان 2/422 برقم653 ومعنى اجتالتهم: صرفتهم
وحولتهم عن الحق.
وأمراض القلوب
لها سببان ، الأول : الشبهات ، والثاني : الشهوات. فيجب على الإنسان الذي مرض قلبه
علاجه وتصفيته حتى يكون سليما صالحا ، وذلك بأن يدفع الشبهات بالعلم واليقين ويدفع
الشهوات بذكر الله وذكر الموت وذكر الوعد= =والوعيد وتلاوة القرآن وتدبره وزيارة
المقابر والزهد في الدنيا ومعرفة حقارتها والتطلع إلى الآخرة ، والتعلق بما أعدَّ
الله لأهل رضوانه ومجالسة الصالحين ومجانبة الفاسدين والاستعانة بالله والإخلاص له
سبحانه .