هي
الدار التي أعدها الله للكافرين به،
المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله،
وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه،
وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين، وهي الخزي
الأكبر
والخسران العظيم،
الذي لا خزي فوقه ولا خسران أعظم منه قال تـعالى:
﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ
فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ(192) ﴾[آل عمران:192].
وقال تعالى :
﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ
الْخِزْيُ الْعَظِيمُ(63) ﴾
[التوبة:63].
وقال تعالى :
﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ
إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(15) ﴾
[الزمر:15]، وهي مع ذلك خالدة،
وأهلها فيها
خالدون ولذلك فإن الحق أطال في ذم مقام أهل النار قال تعالى :
﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا(66)
﴾ [الفرقان:66] .
وقال عز من قائل:
﴿ هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ
مَآبٍ(55)جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ(56) ﴾
[ص:55-56].
خلق
النار :
عن
أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :
(أُوقِدَ
عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ
سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى
اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ)[1]
.
وقال
تعالى : ﴿ إِنَّ
جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا(21)لِلْطَّاغِينَ مَآبًا(22) ﴾ [النبأ:21-22]
أي مرصدة معدة للعصاة
المخالفين للرسل[2]
.
وفي
صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : (… والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لَضَحِكْتُم قليلاً وبكيتم كثيراً)
قالوا : وما رأيت يا رسول الله؟ قال
: (رأيت
الجنة والنار)[3]
.
في
ختام يوم الحساب
يحشُر الله أهل النار إلى
النار، ويُطلب من كل أمة في آخر ذلك اليوم أن تتبع الإله الذي كانت تعبده، ثم إن هذه الآلهة
الباطلة تتساقط في النار ، ويتساقط عبادها وراءها في السعير كما قال تعالى في
فرعون: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ
الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ(98) ﴾
[هود:98].
وروى
البخاري ومسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال
:
(إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ
لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ فَلا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ
يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلا
يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ
اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَغُبَّرِ[4]
أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ مَا كُنْتُمْ
تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ قَالُوا
عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلا تَرِدُونَ
فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا
فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ مَا
كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ
لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ فَيُقَالُ
لَهُمْ مَاذَا تَبْغُونَ فَيَقُولُونَ عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا قَالَ
فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا
سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ)[5].
تَغِيُّضُ النار عند رؤيتها
للكفار :
الذي يقرأ النصوص من الكتاب والسنة التي تصف النار،
يجدها مخلوقاً يبصر
ويتكلم ويشتكي، ففي الكتاب العزيز أن النار ترى أهلها وهم قادمون عليها من
بعيد فعند ذلك تطلق الأصوات المرعبة الدالة على مدى حنقها وغيضها على
هؤلاء
المجرمين، قال
تعالى : ﴿ إِذَا
رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا(12) ﴾ [الفرقان:12].
وقد
أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال
:
(تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ
وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ يَقُولُ إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلاثَةٍ
بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ
وَبِالْمُصَوِّرِينَ)[6]
.
أخبر الحق تبارك وتعالى
أن للنار سبعة أبواب، قال تعالى:
﴿
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ(43)لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ
لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ(44) ﴾
[الحجر:43-44].
قال
ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: "أي قد كتب لكل
باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه أجارنا الله منها وكل يدخل
من باب بحسب عمله ويستقر في درك بحسب عمله"
[7]
.
النار
متفاوتة في شدة حرها وما أعده الله من العذاب لأهلها فليست دركة واحدة
وقد قال
الحق تبارك وتعالى:
﴿
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ
تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145) ﴾
[النساء:145].
وفي
الصحيحين،
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (إن العبد ليتكلمُ بالكلمةِ، ما يتبين ما فيها يَهوي بها
في النار أَبعَدَ ما بين المشرق والمغرب)[8]
.
فانظر يا أخي الكريم
إلى هذا العذاب الشديد النار مع سعتها وعظم خلقها إلا أنها بالنسبة لأهلها ضيقة
عليهم قال تعالى :
﴿
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ(19) ﴾
[البلد:19].
النار شاسعة، واسعة، بعيد قعرها، مترامية أطرافها، قال تعالى
:
﴿
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ
مَزِيدٍ(30) ﴾ [ق:30] .
وفي
صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم إذ سمع وَجْبَةً[9]
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(تدرون ما هذا ؟ قلنا الله
ورسوله أعلم قال : هذا حجر رُمِيَ به في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار الآن حين[10] انتهى إلى قعرها)([11]
.
يقوم
على النار ملائكة،
خلقهم عظيم،
وبأسهم شديد، لا
يعصون الله الذي خلقهم،
ويفعلون ما يؤمرون،
قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6) ﴾ [التحريم:6].
الأحجار والفجرة الكفار
وقود النار قال تعالى: ﴿
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ...﴾
[التحريم:6].
وقال تعالى أيضاً : ﴿
... فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24) ﴾
[البقرة:24].
قال
ابن رجب:
(إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة
الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت)[12].
شدة
حرها وعظيم دخانها وشرارها :
قال الله تعالى:
﴿
وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ(41)فِي سَمُومٍ
وَحَمِيمٍ(42)وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ(43)لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ(44) ﴾ [الواقعة:41-44].
وقد
أشارت هذه الآية إلى ما يتبرد الناس به في الدنيا من الكرب والحر وهي ثلاثة أشياء
:
الماء
والهواء والظل،
"وبينت الآية أن هذه لا تغني عن أهل النار
شيئاً بل هي مزيد من العذاب فهواء جهنم السموم وهو الريح الحارة الشديدة وماؤها
الحميم الذي قد اشتد حره وظلها اليحموم وهو قطع دخانها"[13].
وقد
أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نار جهنم فقال:
(نَارُكُمْ
جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ
جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا)[14]
.
يدخل
أهل الجحيم النار على صورةٍ ضخمة، هائلة، لا يقدر قدرها إلا
الذي خلقهم،
ففي الحديث الذي يرفعه أبو هريرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
(مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْ الْكَافِرِ فِي النَّارِ مَسِيرَةُ
ثَلاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ)[15].
وعن
أبي هريرة رضي الله عنه قال قال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (ضِرْسُ الكافر أو نَابُ الكافر مثل أُحُد[16] وغِلَظُ جلده مسيرة ثلاث)[17]
، وفي رواية أحمد: (وفخذه مثل وَرِقَان[18]،
ومقعده من النار مثل ما بيني وبين الرَبِذَة[19])[20]
.
شدة ما يكابده أهل النار من عذاب :
النار
عذابها شديد وفيها من الأهوال وألوان العذاب ما ينسيُ نعيم الدنيا ففي صحيح مسلم
عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
(يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ
آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لا
وَاللَّهِ يَا رَبِّ …)[21].
إنها
لحظات قليلة تنسي أكثر الكفار نعيم كل أوقات السعادة والهناء وفي الصحيحين عن أنس
بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (يَقُولُ
اللَّهُ تَعَالَى لأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَوْ
أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ
مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ أَنْ لا تُشْرِكَ بِي
شَيْئًا فَأَبَيْتَ إِلا أَنْ تُشْرِكَ بِي)[22]
.
إن شدة النار وهولها
تفقد الإنسان صوابه وتجعله يجود بكل أحبابه لينجو من النـار وأنـى له النجاة: ﴿... يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ
يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ(11)﴾ [المعارج:11]،
وهذا
العذاب الهائل المتواصل يجعل حياة هؤلاء المجرمين في تنغيص دائم وألم مستمر .
1-
تفاوت عذاب أهل النار :
لما
كانت النار دركات بعضها أشد عذاباً وهولاً من بعض كان أهلها متفاوتون في العذاب
ففي الحديث الذي يرويه مسلم وأحمد عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال في أهل النار :
(إن منهم من تأخذه النار
إلى كَعْبَيه[23]
ومنهم من تأخذه إلى رُكبتيه
ومنهم من تأخذه إلى حُجْزَتِه[24]
ومنهم من تأخذه إلى تَرْقُوَته[25])[26].
وفي
صحيح البخاري رحمه الله عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى
الله عليه وآله وسلم يقول : (إن أهون أهل النار عذاباً
يوم القيامة لرجل توضع في أَخْمَص[27] قدميه جَمْرَة يَغلي منها دِمَاغُه)[28].
2- زفير أهل النار
وشهيقهم :
أهل النار حينما يعذبون
فيها ، ويذوقون أصناف وألوان العذاب ، يكون تنفسهم فيها شهيقاً وزفيراً ، زيادة في
تعذيبهم وهوانهم، قال الله تعالى :
﴿
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ
وَشَهِيقٌ(106) ﴾ [هود:106].
قال العلامة الشنقيطي
رحمه الله: "للعلماء أقوال في معنى الزفير والشهيق وأقربها أنهما يمثلان معاً
صوت الحمار في نهيقه ، فأوله زفير ، وآخره الذي يردده في صدره شهيق"[29] .
3-
تبديل الجلود التي أنضجتها النار :
إن نار الجبار تحرق جلود أهل
النار،
والجلد
موضع الإحساس بألم الاحتراق،
ولذلك فإن الله يبدل لهم جلوداً أخرى
غير تلك التي احترقت لتحترق من جديد، وهكذا دواليك، قال تعالى : ﴿ إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ
جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا(56) ﴾ [النساء:56].
وقد كشف العلم الحديث أن الإحساس بحر النار، إنما يكون في الجلود الحية، حيث خلق الله نهايات عصبية في الجلد حساسة، فإذا نضج الجلد ماتت هذه النهايات العصبية، فينعدم الإحساس بحر النار .
وعندئذ لا يمثل الاستمرار في النار أي نوع من الألم للكافر، لأن مراكز الإحساس بالألم قد حطمت، لكن العليم
الخبير بأسرار خلق الإنسان،
يعلم هذا السر، فأشار إليه في كتابه قبل 1400عام ، وبين سبحانه الطريقة التي
سيستمر بها العذاب للكافرين في النار،
فقال تعالى : ﴿ إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ
جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ... ﴾ [النساء:56].
فالخالق يخبر عن علمه
بأسرار خلق الجلد،
وأنه موطن الإحساس
يعذاب النار وأنه إذا نضج ماتت النهايات العصبية الحساسة لألـم النار،
وانتفى العذاب، فتوعد الله الكافرين بأمر لم يُعرف للبشر إلا بعد 1400عام وهو
إعادة خلق الجلد مرة ثانية بأعصاب جديدة حساسة لألم النار، فيستمر بذلك العذاب لأهل النار، وإذا عُلم صدق الوصف اليوم، فإنه دليل على صدق الخبر .
4-
الصهر :
من ألوان العذاب: صب الحميم فوق رؤوس أهل النار.
والحميم:
وهو الماء الذي تناهى في حره، فلشدة حره
تذوب أمعاؤهم، وما حوته بطونهم.
قال تعالى:
﴿
... فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ
مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ(19) ﴾ [الحج:19].
ويتكرر
معنا الإعجاز العلمي، في وصف العذاب بالماء الحميم، الذي يشربه أهل
النار ودقة الوصف له، وبيان الطريقة التي يتحقق بها العذاب من
شرب هذا الحميم،
فقد كشف الطب اليوم أن الأمعاء مبطنة
بغشاء مخاطي لا يتأثر بالحرارة- حتى رأينا من الناس من يبتلع الماء أو
الطعام الحار بسرعة ليتخلص من آلامه إذا نزل إلى الأمعاء-
والطريقة
الوحيدة للإحساس بألم الحميم هو أن تقطع هذه الأمعاء وينزل منها الماء الحميم إلى
الأحشاء الغنية بالنهايات العصبية الحساسة للحرارة والتي تشعر
بالآلام الشديدة للماء
الحار إذا وصل إليها وكأنه طعن الخناجر.
فرأينا
الوصف القرآني للإحساس بالعذاب يتقرر بتقطيع الأمعاء، ولو أخبرت الآية بأن
الأمعاء تبدل إذا نضجت كالجلود لقال الكافرون تبديل الأمعاء يتضمن وجود أغشية
مخاطية في باطن الأمعاء يحول دون الإحساس بحر الحميم، لكن الآية كشفت أن
عذاب الحميم يكون بتقطيع الأمعاء لا بتبديلها، وكذلك لو أخبرت
الآية بأن الجلود تقطع إذا تعرضت للنار فإن الآلام ستتلاشى بوصولها إلى اللحم .
لكن
الوصف لكيفية العذاب في الجلود
وفي الأمعاء جاء من قبل الذي يعلم السر في
تركيب الجلد والأمعاء ، فلِيَبْقى العذاب في الجلد
أخبر المولى بأنه يبدلها،
وَلْيَبْقَى العذاب في الأمعاء
أخبر المولى بأنه يقطعها ليصل الحميم إلى النهايات العصبية الحساسة في الاحشاء، ويتأكد لنا بذلك مرة
ثانية صدق الوصف ودقته كما يتأكد صدق الخبر الذي قبل 1400عام، يوم لم يكن أحد يعلم
شيئاً عن تشريح الجلد أو الأمعاء[30]
.
5-
اللفح :
أكرم ما في الإنسان وجهه، ولذلك نهانا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن الضرب في الوجه
، ومن إهانة الله لأهل النار أنهم يحشرون في يوم القيامة على وجوههم عمياً وصماً
وبكماً، قال تعالى : ﴿ ...
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا
مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا(97) ﴾ [الإسراء:97]، وتلفح النار وجوههم
فتشويها قال تعالى : ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ
فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ(103)تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا
كَالِحُونَ(104) ﴾
[المؤمنون:103-104]
وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم قال :
(وهم فيها
كالحون تشويه النار فَتَقْلِصُ شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته)[31]
.
وانظر إلى هذا المنظر الذي تقشعر لهوله الأبدان: ﴿ يَوْمَ
تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ
وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ(66) ﴾
[الأحزاب:66]
.
أرأيت
كيف يقلب اللحم على النار والسمك في المقلى، كذلك تقلب وجوههم في
النار نعوذ بالله من عذاب أهل النار .
6-
السَحْب
في النار:
ومن
أنواع العذاب الأليم سحب الكفار على وجوههم، ويزيد من آلامهم حال
سحبهم في النار أنهم مقيدون بالقيود والأغلال والسلاسل، قال تعالى:
﴿
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(70)إِذْ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ
يُسْحَبُونَ(71) ﴾ [غافر:70-71].
قال قتادة : يسحبون مرة في النار وفي الحميم مرة
[32].
وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ
سَقَرَ(48) ﴾ [القمر:48]
.
7-
تسويد الوجوه :
يسود
الله في الدار الآخرة وجوه أهل النار قال تعالى : ﴿ يَوْمَ
تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ
تَكْفُرُونَ(106) ﴾ [آل عمران:106]
وهو سواد شديد كأنما
حلت ظلمة الليل في وجوههم قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ
كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا
لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنْ
اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(27) ﴾
[يونس:27] وقال تعالى: ﴿
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ(40)تَرْهَقُهَا
قَتَرَةٌ(41)أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ(42) ﴾
[عبس:40-42].
8-
إحاطة النار بالكفار :
لما
كانت الخطايا والذنوب تحيط بالكافر إحاطة السوار بالمعصم، فإن الجزاء من جنس
العمل،
ولذا فإن النار تحيط بالكفــار من كـل جهـة، كما قال تعالى:
﴿
... وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ(49) ﴾ [التوبة:49].
إن
النار تحيط بالكافرين من كل اتجاه فلا أمل في مهربا ومخرج وعندما يريد بعضهم
الخروج ويأخذون ببعض الأسباب لذلك تعيدهم الملائكة إلى النار وتقول لهم : ﴿
... كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ
لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ(20) ﴾
[السجدة:20]
.
فالذين
أحاطت بهم ذنوبهم ومعاصيهم فلم تبق لهم حسنة كما قال الله تعالى في الرد على
اليهود الذين قالوا : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قال الله: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(81) ﴾
[البقرة:81].
9- إطلاع النار على
الأفئدة :
إن
النار تدخل في أجساد أهلها حتى تصل إلى أعمق شيء فيهم وهي الأفئدة.
قال
تعالى : ﴿
نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ(6)الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ(7) ﴾
[الهمزة:6-7]،
قال ثابت البناني
عندما قرأ هذا الآية قال : تحرقهم النار إلى الأفئدة وهم أحياء[33].
وقال تعالى: ﴿
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26)وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(27)لَا تُبْقِي وَلَا
تَذَرُ(28)لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ(29)عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(30) ﴾
[المدثر:26-30].
قال
بعض السلف في قوله: ﴿ لَا تُبْقِي وَلَا
تَذَرُ ﴾
قال
: (تأكل العظم واللحم والمخ ولا تذره على ذلك)[34]
10-
اندلاق الأمعاء في النار :
في
الصحيحين عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي
النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ
الْحِمَارُ بِالرَّحَى فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ يَا
فُلَانُ مَا لَكَ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ
الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ بَلَى قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ
وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ)
[35] .
11- قيود أهل
النار وأغلالهم وسلاسلهم ومطارقهم :
أعد
الله لأهل النار في النار سلاسلاً وأغلالاً وقيوداً ومطارقاً قال تعالى ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلًا
وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا(4) ﴾ [الإنسان:4].
والأغلال
توضع في الأعناق
﴿
... وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ
إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(33) ﴾
[سبأ:33].
والسلاسل
نوع آخر من ألوان العذاب التي يسلكون فيها كما تسلك حبات الخرز في الخيط وقد روي
عن ابن عباس قال: (تدخل في إسته ثم تخرج من فيه ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في
العود حين يشوى) ووصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طول هذه السلسلة فقال :
(لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ
جُمْجُمَةٍ أُرْسِلَتْ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِ
مِائَةِ سَنَةٍ لَبَلَغَتْ الأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ
مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا أَوْ قَعْرَهَا)[36] قال تعالى: ﴿
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ
ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32) ﴾
[الحاقة:30-32] وقال
تعالى: ﴿
إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا(12) ﴾
[المزمل:12]
والأنكال
القيود سميت أنكالاً لأن الله يعذبهم وينكل بهم بها، وأعد الله لأهل
النار مقامع من حديد وهي المطارق التي تهوي على المجرمين ، وهم يحاولون الخروج من
النار
فيعادون مرة
أخرى
إلى سواء الجحيم، قال تعالى :
﴿
وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ(21)كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا
مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(22) ﴾
[الحج:21-22].
طعام
أهل النار وشرابهم ولباسهم :
طعام
أهل النار الضَرِيع[37]
والزقوم وشرابهم الحميم والغسلين والغساق قال تعالى:
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ(6)لَا يُسْمِنُ وَلَا
يُغْنِي مِنْ جُوعٍ(7)﴾ [الغاشية:6-7]
وقال
تعالى:
﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ
زَقُّومٍ(52)فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ(53)فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ
الْحَمِيمِ(54)فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ(55)هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ
الدِّينِ(56)﴾ [الواقعة:52-56].
فشجرة
الزقوم
شجرة
خبيثة جذورها تضرب في قعر النار، وفروعها تمتد في أرجائها وثمر هذه
الشجرة قبيح المنظر ولذلك شبهه
في آية أخرى
برؤوس الشياطين وقد
استقر في النفوس قبح رؤوسهم وإن كانوا لا يرونهم ومع خبث هذه الشجرة إلا أن أهل
النار يلقى عليهم الجوع بحيث لا يجدون مفراً من الأكل منها حتى تمتلئ بطونهم فإذا
امتلأت أخذت تغلي في أجوافهم كغلي الزيت فإذا بلغت بهم الحال مبلغاً اندفعوا إلى
الحميم وهو الماء الشديد الحر الذي تناهى في حره فشربوا منه كشرب الإبل التي تشرب
وتشرب ولا تروى لمرض أصابها وعند ذلك يقطّع الحميم أمعاءهم قال تعالى:
﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ(15)﴾
[محمد:15]، وقال تعالى ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ(36)لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا
الْخَاطِئُونَ(37)﴾ [الحاقة:36-37]،
قال ابن عباس الغسلين: الدم، والماء يسيل من لحومهم، وقال علي بن أبي
طلحة:
الغسلين:
صديد أهل النار.
قال
تعالى: ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا
شَرَابًا(24)إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا(25)﴾
[النبأ:24-25]، قال الربيع بن أنس : (فأما الحميم: فهو الحار الذي قد
انتهى حره وحموه ، والغساق: هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم
ودموعهم وجروحهم فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتنه)[38]
.
وأما لباس أهل النار فقال الله تعالى : ﴿... فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ
يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ(19)﴾ [الحج:19]، وقال تعالى ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ(50)﴾ [إبراهيم:50]
وكان يقول ابن عباس:
القطران: النحاس المذاب، وعن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم :
(النِّيَاحَةُ
مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِنَّ النَّائِحَةَ إِذَا مَاتَتْ وَلَمْ تَتُبْ
قَطَعَ اللَّهُ لَهَا ثِيَابًا مِنْ قَطِرَانٍ[39] وَدِرْعًا[40]
مِنْ لَهَبِ النَّارِ)[41] وفي رواية مسلم قال صلى الله عليه وآله وسلم :
(النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ[42] مِنْ
قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ)[43] .
1-
المرتدون :
قال
تعالى :
﴿... وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ
دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ
وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(217)﴾
[البقرة:217].
2-
المنافقون :
قال
تعالى :
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ
نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ
عَذَابٌ مُقِيمٌ(68)﴾ [التوبة:68].
وقال
تعالى :
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ
وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145)﴾
[النساء:145].
3-
الكفرة والمشركون :
قال
تعالى : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا
وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ(39)﴾ [البقرة:39]
.
4-
مضيعوا الصلاة :
قال تعالى:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ
وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59)﴾
[مريم:59].
قال
تعالى :
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ
الْمُصَلِّينَ(43)﴾ [المدثر:42-43] .
وقال
تعالى:
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4)الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ
سَاهُونَ(5)﴾ [الماعون:4-5].
5-
مانعي الزكاة :
قال
تعالى : ﴿... وَالَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(34)يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ
فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ
لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ(35)﴾
[التوبة:34-35].
6-
الممتنعون عن الحج :
عن
أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
(مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنْ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ سُلْطَانٌ
جَائِرٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ
يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا)[44]
.
7- الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
عن
المغيرة بن شعبة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
(إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ فَمَنْ
كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ)[45]
.
8-
قاتل النفس التي حرم الله :
قال
تعالى :
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ
وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا(93)﴾
[النساء:93].
9-
قاتل نفسه :
عن
أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :
(مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ
يَتَوَجَّأُ[46]
بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا
وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ[47]
فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى[48]
مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا
مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا)[49]
.
10-
آكل الربا :
قال
تعالى:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا
يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا
سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ
هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(275)﴾
[البقرة:275].
11-
مرتكب الكبائر :
عن
أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :
(اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ[50]
قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ
اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ
وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ
الْغَافِلاتِ)[51]
.
12-
كما أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم قد توعد بالنار كثيراً من أصناف
العصاه الذين يخالفون أوامر الله تعالى والذين يتبعون رؤساء الضلال في ضلالهم
والذين يتكبرون والذين يراءون بالعمل الصالح والذين يأكلون أموال الناس بالباطل .
وكذلك
الذين يعذبون الحيوان والكاسيات العاريات والذين يضربون الناس ظلماً والذين يحكمون
بالجور والظلم والذين يشربون في آنية الذهب والفضة والذين لا يتنزهون من البول
والذين يمشون بالغيبة والنميمة .
سُئل ابن تيمية رحمه
الله تعالى:
"ما
عمل أهل النار؟ وما عمل أهل الجنة؟ فأجاب عمل أهل النار:
الإشراك بالله تعالى،
والتكذيب بالرسل، والكفر، والحسد،
والكذب والخيانة، والظلم، والفواحش، والغدر، وقطيعة الرحم، والجبن عن الجهاد،
والبخل واختلاف السر والعلانية، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله والجزع
عند المصائب، والفخر
والبطر عند النعم، وترك فرائض الله ،
واعتداء حدوده ، وانتهاك حرماته ، وخوف المخلوق دون الخالق، والعمل رياءً وسمعة،
ومخالفة الكتاب والسنة: أي اعتقاداً وعملاً، وطاعة المخلوق في معصية الخالق
والتعصب للباطل والاستهزاء بآيات الله، وجحد الحق، والكتمان لما يجب إظهاره من علم
وشهادة، والسحر، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكـل مـال اليتيم، والربا
والفرار من الزحف وقذف المحصنـات الغـافلات المؤمنات"
[52]
.
عندما
يرى الكفار النار يندمون أشد الندم قال تعالى :
﴿...وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَقُضِيَ
بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(54)﴾
[يونس:54].
وعندما
يطلع الكافر على صحيفة أعماله فيرى كفره وشركه الذي يؤهله للخلود في النار فإنه
يدعو بالثبور والهلاك قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ(10)فَسَوْفَ
يَدْعُو ثُبُورًا(11)وَيَصْلَى سَعِيرًا(12)﴾ [الانشقاق:10-12]
ويتكرر
دعاؤهم بالويل والثبور والهلاك عندما يلقون في النار ويصلون حرها قال تعالى : ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ
ثُبُورًا(13)لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا
كَثِيرًا(14)﴾ [الفرقان:13-14]
وهناك
يعلو صراخهم ويشتد عويلهم قال تعالى :
﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ
صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ
فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
نَصِيرٍ(37)﴾ [فاطر:37].
وهم
يعترفون في ذلك الوقت بظلالهم وكفرهم وقلة عقولهم قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي
أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10)فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ
السَّعِيرِ(11)﴾ [الملك:10-11].
قال
تعالى :
﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ(11)﴾
[غافر:11].
ولكن
طلبهم يرفض بشدة ويجابون بالتبكيت والتحقير قال تعالى﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا
ضَالِّينَ(106)رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا
ظَالِمُونَ(107)﴾
[المؤمنون:106-107]،
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ
مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ
فَتَكْفُرُونَ(10)﴾
[غافر:10].
ويتوجه
أهل النار بعد ذلك بالنداء إلى خزنة النار يطلبون منهم أن يشفعوا لهم كي يخفف الله
عنهم شيئاً مما يعانونه قال تعالى :
﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا
رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَابِ(49)قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ
رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ
الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ(50)﴾
[غافر:49-50].
وعند
ذلك يسألون الشفاعة كي يهلكهم ربهم ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ
مَاكِثُونَ(77)﴾ [الزخرف:77].
إنه
الرفض لكل ما يطلبون لا خروج من النار ولا تخفيف من عذابها ولا إهلاك بل هو العذاب
الأبدي السرمدي الدائم ويقال لهم يوم
ذاك، قال تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ
إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(16)﴾
[الطور:16].
واستمع
إلى عويلهم وهم في العذاب يقولون نادمين كما قال تعالى:
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ
يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ(66)وَقَالُوا رَبَّنَا
إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ(67)رَبَّنَا
آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا(68)﴾ [الأحزاب:66-68]
بكاء
أهل النار كثير ودموعهم تجري فيها السفن، ويشتد نحيبهم وتفيض دموعهم ويطول بكاؤهم، قال تعالى:
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ(82)﴾ [التوبة:82]
.
وقال
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
(إن أهل النار
ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت وإنهم ليبكون الدم)[53]
.
وذلك
لأن الكافر يجعل الله جسمه ضخماً حتى أنه ليسير الراكب بين كتفيه مسيرة ثلاثة أيام
.
وذكر
تخاصم أهل النار فقال تعالى:
﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ
لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ
عَنَّا نَصِيبًا مِنْ النَّارِ(47)قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ
فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ(48)﴾
[غافر:47-48].
وقال
تعالى :
﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ(94)وَجُنُودُ إِبْلِيسَ
أَجْمَعُونَ(95)قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ(96)تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا
لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(97)إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(98)﴾
[الشعراء:94-98] .
تبرؤ
الشيطان من أتباعه في النار :
يتبرأ
زعيم الغواية والضلال من أتباعه في النار ، ويقف بين أتباعه خطيباً متبرءاً منهم
كما قال جل ثناؤه :
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ
وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي
عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا
تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ
بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ
الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾
[إبراهيم:22].
محاولة
أهل النار الخروج منها :
وعندما
يعذب أهل النار ويذوقون ألوان العذاب فيها يحاولون الخروج منها هرباً من ذلك
العذاب كما قال تعالى :
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ
مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ(37)﴾
[المائدة:37].
وقال
تعالى :
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا
أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا
عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ(20)﴾
[السجدة:20].
إن
أهل النار سيخلدون فيها جزاءً وفاقاً لما كذبوا بآيات ربهم
وكذبوا رسله وتعدوا حدوده وارتكبوا المعاصي والذنوب رغم تحذير الله لهم وتحذير
رسله وما توا وهم عازمين على نيه أنهم لو خلدوا في الحياة أبداً لكفروا بالله أبداً فاستحقوا أن يخلدهم
الله في النار أبدا .
وأهل
النار الخالدون فيها لا يرحلون ولا يبيدون ولا يخفف عنهم من عذابها .
قال
تعالى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى
عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ
نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ(36)﴾
[فاطر:36]
وقال
تعالى :
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ
عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ(161)خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ
يُنظَرُونَ(162)﴾ [البقرة:161-162].
وقال
النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (يُجَاءُ بِالْمَوْتِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ[54]
فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَالُ: يَا
أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ[55] وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا
الْمَوْتُ قَالَ:
وَيُقَالُ:
يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ
تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالَ: فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا
الْمَوْتُ قَالَ:
فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: يَا
أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، قَالَ: ثُمَّ
قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ[56]
: ﴿وَأَنذِرْهُمْ
يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ(39)﴾ [مريم:39]. 5 (1) أخرجه الترمذي صفة جهنم رقم 2516 ج/4 ص710 وهو حديث حسن بمجموع طرقه وشواهده كما أخرجه ابن رجب في التخويف من النار ص66 ، والمنذري في الترغيب والترهيب 4/117 وهو في فيض القدير 3/80 . (2) تفسير ابن كثير . (3) أخرجه مسلم ك/ الصلاة ب/ تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما . (4) غبرهم : بقاياهم . (5) أخرجه البخاري ك/ تفسير القرآن ب/ قوله : "إن الله لا يظلم مثقال ذرة" ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ معرفة طريق الرؤية واللفظ له. (6) أخرجه الترمذي ك/ صفة جهنم ب/ ما جاء في صفة النار ، واللفظ له ، وأحمد في باقي مسند المكثرين ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/320 برقم 2083 ط مكتب التربية العربي لدول الخليج . (7) تفسير ابن كثير 4/162 . (8) البخاري ك/ الرقاق ب/ حفظ اللسان وقول النبي من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، ومسلم/ ك الزهد والرقائق ب/ التكلم بالكلمة يهوي بها في النار ، واللفظ له. (9) أي سقطة . (10) قال النووي هكذا هو في النسخ فيه محذوف دل عليه الكلام، أي هذا حجر وقع أو هوى حين ونحو ذلك. (11) رواه مسلم ك/ الجنة باب في شدة حر النار 4/2184 ورقمه 2844 . (12) التخويف من النار لبن رجب ص107 . (13) التخويف من النار لابن جب ص85 . (14) أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ صفة النار ، واللفظ له ، ومسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها وأهلها ب/ في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها . (15) أخرجه البخاري ك/ الرقاق ب/ صفة الجنة والنار ، ومسلم ك/ الجنة ب/ يدخلها الجبارون واللفظ له . (16) أُحد: هو الجبل الذي وقعت عنده معركة أُحد. (17) صحيح مسلم ك/ الجنة ب/ النار يدخلها الجبارون . (18) ورقان: بفتح الواو وكسر الراء، جبل أسود بين المرج والرويثة على يمين الذاهب من المدينة إلى مكة، انظر الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد /للبناء 24/171 طبعة/ إحياء التراث العربي. (19) الربذة: بفتح الراء، هي قرية معروفة قرب المدينة، المسافة بينها وبين المدينة مسيرة ثلاث ليال، انظر تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي 7/298 برقم 2703 ط/دار الفكر. (20) أخرجه أحمد في مسند أبي هريرة ، وقال محققو المسند إسناده حسن 14/87 برقم 8345 . (21) رواه مسلم ك/ صفة القيامة والجنة والنار ب/ صبغ أنعم أهل الدنيا في النار . (22) رواه البخاري في كتاب الرقائق باب صفة الجنة والنار . (23) الكعب : العظم الفاصل بين القدم والساق. (24) الحجزة : موضع عقد الإزار وسط الجسم . (25) الترقوة : العظم بين ثغرة النحر والعاتق . (26) أخرجه مسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها ب/ شدة حر النار . (27) أخمص: ما لا يصل إلى الأرض من باطن القدم عند المشي. (28) البخاري ك/ الرقاق ب/ صفة الجنة والنار . (29) أضواء البيان عند تفسير الآية الكريمة. (30) فلو قالت الآية : ﴿كلما نضجت جلودهم﴾ لقال الكافرون أمنا من العذاب لأن الجلود التي نضجت لا تتألم ولأن اللحم الذي تحت الجلود ليس فيه نهايات عصبية حساسة لآلام الحرارة وبهذا يبقى الإنسان في النار بغير ألم . ولو قال القرآن : (فسقوا ماءً حميماً فبدلناهم أمعاءً غير أمعائهم) لقال الكافرون لقد نجونا بهذا من الألم لأن الأمعاء تحتوي على غشاء مخاطي يحول دون الإحساس بآلام الحرارة ، وتبديل الأمعاء بأمعاء جديدة يتضمن وجود غشاء مخاطي جديد غير حساس للحرارة فلا يتألم الكافر بأي شيء من العذاب لا بعذاب الجلد ولا بعذاب الأمعاء لكنه الوحي من الذي يعلم السر في خلقه وهو الشهيد على كل شيء سبحانه جاءنا بالأوصاف المناسبة لتحقيق استمرار العذاب للكافرين . (31) أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين من حديث أبي سعيد الخدري ، والترمذي ك/ تفسير القرآن ب/ ومن سورة المؤمنون ، وقال محققو المسند إسناده ضعيف لضعف أبي السمح – وهو دراج بن سمعان في روايته = = عن أبي الهيثم وبقية رجاله ثقات 18/350 ، وقد وثق أبا السمح يحيى بن معين وابن حبان وابن شاهين وقال عثمان الدارمي صدوق . (32) التخويف من النار لابن رجب ص147 . (33)التخويف من النار لابن رجب ص147 . (34) التخويف من النار لابن رجب 146 . (35) أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ صفة النار وأنها مخلوقة ، ومسلم ك/ الزهد والرقائق ب/ عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر واللفظ له . (36) أخرجه أحمد في مسنده وقال محققو المسند إسناده حسن 11/443 رقم 6856 والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي . (37) الضريع : قال ابن كثير عن مجاهد : (نبات يقال له: الشبرق يسميه أهل الحجاز الضريع إذا يبس وهو سم) ، وقال قتاده: (من شر الطعام وأبشعه وأخبثه) انظر تفسير ابن كثير 6/410 . (38) انظر تفسير ابن كثير 6/341 . (39) القطران : مادة سوداء لزجة . (40) الدرع : القميص . (41) أخرجه ابن ماجه ك/ الجنائز ب/ النهي عن النياحة وقال محققه محمد فؤاد عبدالباقي في الزوائد إسناده صحيح ورجاله ثقات 2/504 ط المكتبة العلمية . (42) السربال : الثوب الطويل . (43) مسلم ك/ الجنائز ب/ التشديد في النياحة رقم 1550 . (44) أخرجه الدارمي ك/ المناسك ب/ من مات ولم يحج إسناده جيد ، ورواته ثقات . (45) البخاري ك/ الجنائز ب/ ما يكره على … ومسلم ك/ مقدمة ب/ تغليظ الكذب على رسول الله واللفظ له . (46) يتوجأ : يضرب أو يطعن . (47) يتحساه : يشربه ويتجرعه . (48) التردي : السقوط من علو . (49) البخاري ك/ الطب ب/ شرب السم والدماء. ومسلم ك/ الإيمان ب/ غلظ تحريم قتل الإنسان . (50) الموبقات : الذنوب المهلكة في نار جهنم . (51) أخرجه البخاري ك/ الوصايا ب/ قوله تعالى : (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً) . (52) يقظة أولى الاعتبار ص222 بواسطة كتاب الجنة والنار للأشقر ص57 . (53) أخرجه الحاكم في المستدرك 4/605 ، وقال : حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وهو في الصحيحة برقم 1679 ، وقال الألباني وحقه أن يزيد قوله على شرط الشيخين فإن رجاله كلهم من رجالهما . (54) كبش أملح: هو الذي بياضه غالب لسواده، انظر: لسان العرب 13/171. (55) فيشرئبون: أي يرفعون رؤوسهم إلى المنادي، انظر: شرح النووي لصحيح مسلم 17/183. (56) مسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها ب/ النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء عن ابن عمر رضي الله عنهما. |