6- أو كظلمات في بحر لجي

لقد كانت البحار عالماً مجهولاً إلى القرن الثامن عشر الميلادي ، كما كانت الخرافات والأساطير المتعلقة بالبحار تسود الحضارات القديمة ، وكان الرومان يعتقدون بأن قمم الأمواج جياد بيضاء تجر عربة الإله (نبتون)(80) بزعمهم، وكانوا يقومون بالطقوس والاحتفالات لإرضاء هذه الآلهة، وكانوا يعتقدون بوجود أسماك مصاصة لها تأثيرات سحرية على إيقاف السفن ، وكان لليونانيين مثل هذه الاعتقادات كما كان بحارتهم يعزون سبب الدوامات البحرية إلى وجود وحش يسمونه كاربيدس يمتص الماء ثم يقذفه(81)، ولم يكن بمقدور الإنسان معرفة أعماق الشواطئ الضحلة والمياه الراكدة ناهيك عن معرفة البحار العميقة والحركات الداخلية في هذه المياه، كما لم يكن بإمكان الإنسان الغوص في هذه الشواطئ إلا في حدود عشرين متراً ولثواني معدودة ليعاود التنفس من الهواء الجوي، وحتى بعد ابتكار أجهزة التنفس للغواصين لم يتمكن الإنسان من الغوص أكثر من ثلاثين متراً نظراً لازدياد ضغط الماء على جسم الغواص مع زيادة العمق والذي يعادل عند عمق ثلاثين متراً أربعة أضعاف الضغط الجوي على سطح الأرض(82) وعندئذٍ يذوب غاز النتروجين في دم الغواص ويؤثر على عمل مخه فيفقده السيطرة على حركاته(83) ويصاب الغواصون نتيجة لذلك بأمراض تعرف في الطب بأمراض الغواصين ، أما إذا نزل الغواص إلى أعماق بعيدة فإن ضغط الماء يكفي لهرس جسمه .

 التسلسل الزمني لاكتشاف أعماق البحار :

* في عام1300 م استخدم صيادو اللؤلؤ أول نظارات واقية مصنوعة من صدف السلاحف. (84)

* في عام 1860م تم اكتشاف أحياء في قاع البحر المتوسط باستخدام حبل حديدي (كيبل) .

* في عام 1865م تم ابتكار مجموعة غطس مستقلة بواسطة كل من (روكايرول ودينايروز) .

* في عام 1893م تمكن بوتان من إلتقاط صور تحت الماء.(85)

* في عام 1920م تم استخدام طريقة السبر بالصدى (صدى الموجات الصوتية) لمعرفة الأعماق.

* في عام 1930م تمكن كل من بارتون وبيبس من أن يغوصا بأول كرة أعماق حتى عمق 3028 قدماً وابتكار (أقنعة الوجه والزعانف وأنبوب التنفس) .

* في عام 1938م تم ابتكار قارورة للتنفس (سكوبا) وابتكار صمام التنفس من قبل الكابتن كوستو ودوماس.

* في عام 1958م تم إجراء تجارب الاختبارات على غواصة الأعماق (الستينيات) وابتكار (ابرس) غلاصم(86) للتنفس تحت الماء وتجربتها لأول مرة .

* وتمكن الإنسان من الغوص إلى أعمق بقعة في المحيط الهادي(87) ، كما تمكن من البقاء في أعماق البحر لعدة أيام(88) ، واكتشف الإنسان وجود فوهات في أعماق البحر(89) ، وصنع الإنسان الغواصة الصفراء(90) والغواصات النووية.(91)

معلومات حديثة في علم البحار :

لم تبدأ الدراسات المتصلة بعلوم البحار وأعماقها على وجه التحديد إلا في بداية القرن الثامن عشر عندما توفرت الأجهزة المناسبة والتقنيات وصولاً إلى ابتكار الغواصات المتطورة. وبعد عام 1958م أي بعد ثلاثة قرون من البحوث والدراسات العلمية وعلى أيدي أجيال متعاقبة من علماء البحار توصل الإنسان إلى حقائق مدهشة منها :

1) ينقسم البحر إلى قسمين كبيرين :

أ- البحر السطحي الذي تتخلله طاقة الشمس وأشعتها .

ب- البحر العميق الذي تتلاشى فيه طاقة الشمس وأشعتها.

2) يختلف البحر العميق عن البحر السطحي في الحرارة والكثافة والضغط ودرجة الإضاءة الشمسية، والكائنات التي تعيش في كل منهما  ويفصل بينهما موج داخلي.

3) الأمواج البحرية الداخلية :

تغطي الأمواج الداخلية البحر العميق وتمثل حداً فاصلاً بين البحر العميق والبحر السطحي ، كما يغطي الموج السطحي سطح البحر ويمثل حداً فاصلاً بين الماء والهواء ولم تكتشف الأمواج الداخلية إلا في عام 1904م(92). ويتراوح طول الأمواج الداخلية ما بين عشرات إلى مئات الكيلومترات كما يتراوح ارتفاع معدل هذه الأمواج ما بين 10 إلى 100متر تقريباً.

4) اشتداد الظلام في البحر العميق مع ازدياد عمق البحر حتى يسيطر الظلام الدامس الذي يبدأ من عمق (200متر) تقريباً ويبدأ عند هذا العمق المنحدر الحراري الذي يفصل بين المياه السطحية الدافئة ومياه الأعماق الباردة ،كما توجد فيه الأمواج الداخلية التي تغطي المياه الباردة في أعماق البحر ، وينعدم الضوء تماماً على عمق 1000متر تقريباً .

أما فيما يتعلق بانتشار الظلمات في أعماق البحار فقد أدرك صيادوا الأسماك أن الضوء يمتص حتى في المياه الصافية وأن قاع البحر المنحدر ذا الرمال البيضاء يتغير لونه بصورة تدريجية حتى يختفي تماماً مع تزايد العمق وأن نفاذ الضوء يتناسب عكسياً مع ازدياد العمق. وأبسط جهاز علمي لقياس عمق نفاذ الضوء في مياه المحيط هو

(قرص سيتشىThe Secchi Disk) (93)ولكن على الرغم من كونه وسيلة سهلة لقياس اختراق الضوء للماء بدرجة تقريبية وعلى الرغم من استعماله على نطاق واسع فإن قياس الظلمات في ماء البحر بصورة دقيقة لم يتحقق إلا بعد استخدام الوسائل التصويرية في نهاية القرن الماضي(94) ثم بتطوير وسائل قياس شدة الضوء التي استخدمت الخلايا الكهرو ضوئية خلال الثلاثينيات ، وبعد اختراع الإنسان أجهزة مكنته من الغوص إلى هذه الأعماق البعيدة .

وفي الهامش(95) معلومات عن شدة الضوء عند أعماق مختلفة من المحيط .

 أما البحار العميقة فالضياء منعدم فيها ، والظلمات متراكمة ، وتعتمد الكائنات الحية والأسماك التي تعيش فيها على الطاقة الكيميائية لتوليد الضوء الذي تستشعر به طريقها ، وهناك أنواع منها عمياء تستخدم وسائل أخرى غير الرؤية لتلمس ما حولها .وتبدأ هذه الظلمات على عمق 200متر تقريباً وتختفي جميع أشعة الضوء على عمق 1000متر تقريباً حيث ينعدم الضوء تماماً ، كما أن أغلب تركيب الأسماك في الأعماق يتكون من الماء لمواجهة الضغوط الهائلة .

ظلمات بعضها فوق بعض :

إن الظلام الدامس الذي يشتد من خمسمائة متر إلى ألف متر يتكون في أعماق البحار نتيجة لظلمات بعضها فوق بعض ، وتنشأ لسببين رئيسين :

1)      ظلمات الأعماق : يتكون شعاع الشمس من سبعة ألوان (الأحمر ، البرتقالي، الأصفر ، الأخضر ، النيلي ، البنفسجي ، الأزرق) ولكل لون طول موجي خاص به(96) وتتوقف قدرة اختراق الشعاع الضوئي للماء على طول موجته فكلما قصر طول الموجة زادت قدرة اختراق الشعاع للماء ، لذلك فإن شعاع اللون الأحمر يمتص على عمق 20متراً تقريباً ويختفي وجوده بعد ذلك، وينشأ عن ذلك ظلمة اللون الأحمر ، فلو جرح غواص على عمق 25متراً تقريباً وأراد أن يرى الدم النازف فسيراه بلون أسود ، بسبب انعدام شعاع اللون الأحمر ، ويمتص الشعاع البرتقالي على عمق ثلاثين متراً تقريباً فتنشأ ظلمة أخرى تحت ظلمة اللون الأحمر هي ظلمة اللون البرتقالي ، وعلى عمق 50متراً تقريباً يمتص اللون الأصفر ، وعلى عمق 100متر تقريباً يمتص اللون الأخضر ، وعلى عمق 125متر تقريباً يمتص اللون البنفسجي والنيلي ، وآخر الألوان امتصاصاً هو اللون الأزرق على بعد 200متر تقريباً من سطح البحر. وهكذا تتكون ظلمات الألوان لشعاع الشمس بعضها فوق بعض ، بسبب عمق الماء الذي تمتص فيه الألوان بأعماق مختلفة .

2)    ظلمات الحوائل :

وتشترك ظلمات الحوائل مع ظلمات الأعماق في تكوين الظلمات الدامسة في البحار العميقة ، وتتمثل ظلمات الحوائل فيما يأتي:

أ- ظلمة السحب : غالباً ما تغطي السحب أسطح البحار العميقة نتيجة تبخبر الماء ، وتمثل حائلاً نسبياً لأشعة الشمس(97) ، فتحدث الظلمة الأولى للحوائل والتي نراها ظلالاً لتلك السحب على سطح الأرض والبحار .       

ب- ظلمة الأمواج السطحية : تمثل الأسطح المائلة للأمواج السطحية في البحار سطحاً عاكساً لأشعة الشمس ، ويشاهد المراقب على الساحل مقدار لمعان الأشعة التي عكستها هذه الأسطح(98) المائلة للأمواج السطحية .     

ج- ظلمة الأمواج الداخلية :

توجد أمواج داخلية تغشى البحر العميق وتغطيه ، وتبدأ من عمق 70متر إلى 240متر(99) ، وتعلق ملايين الملايين من الكائنات الهائمة في البحار على أسطح الموجات الداخلية ، وقد تمتد الموجة الداخلية إلى سطح البحر فتبدو تلك الكائنات الهائمة كأوساخ متجمعة على سطح البحر ، مما يجعلها تمثل مع ميل الموج الداخلي حائلاً لنفاذ الأشعة إلى البحر العميق فتنشأ بذلك الظلمة الثالثة تحت ظلمتي السحب والموج السطحي .

ويتبين مما سبق أن الظلمات التي تراكمت في البحار العميقة عشر ظلمات وهي :

أ- ظلمات الأعماق : وهي سبع ظلمات بعضها فوق بعض تنشأ من التلاشي التدريجي لألوان الطيف السبعة .

ب- ظلمات الحوائل الثلاثة :

1- السحب  2- الموج السطحي 3- الموج الداخلي .

وهي أيضاً ظلمات بعضها فوق بعض .

الاكتشافات العلمية المتعلقة بالآية :

مما سبق يتبين أن العلم التجريبي قد اكتشف في فترة طويلة ، خلال القرون الثلاثة الماضية ، وبعد توفر الأجهزة الدقيقة ، وبتضافر جهود أعداد كبيرة من الباحثين وعلماء البحار ، الحقائق الآتية :

وجود ظلمات في البحار العميقة .

وأن هذه الظلمات بعضها فوق بعض .

تزداد هذه الظلمات بالتدريج مع زيادة العمق حتى تنعدم الرؤية تماماً .

وجود أمواج داخلية تغشى البحر العميق .

تعمل الأمواج الداخلية بما عليها من الكائنات الهائمة على حجب الضوء.

عدد الظلمات المتراكمة في البحار العميقة عشر ظلمات، سبع منها بسبب عمق الماء وثلاث بسبب الحوائل الثلاثة : السحاب ، الموج السطحي، الموج العميق .

تنقسم مياه البحر إلى قسمين :

أ- مياه البحر السطحي حيث توجد فيها طاقة الضوء .

ب- مياه البحر العميق التي تراكمت عليها الظلمات .

وصف القرآن لهذه الأسرار والحقائق البحرية :

قال تعالى: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ(40) ﴾ (النور:40).أثبت القرآن وجود ظلمات في البحر العميق ، وقيد وصف البحر بلفظ (لجى) ليعلم قارئ القرآن أن هذه الظلمات لاتكون إلا في بحر لجي أي عميق، ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ويخرج بهذا القيد البحر السطحي الذي لا توجد فيه هذه الظلمات .وقد بين أهل اللغة والتفسير معنى لفظ (لجي) ، فقال قتادة وصاحب تفسير الجلالين : لجي هو العميق ، وقال الزمخشري : اللجي العميق الكثير الماء ، وقال الطبري : ونسب البحر إلى اللجة بأنه عميق كثير الماء ، وقال البشيري: هو الذي لا يدرك قعره واللجة معظم الماء ، والجمع لجج ، والتج البحر إذا تلاطمت أمواجه .  وهذه الظلمات تتكون بسبب العمق في البحر اللجي، وهي ظلمات الأعماق التي سبق الإشارة إليها . قال تعالى : ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ. قال الزمخشري : (بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب)، وقال الخازن : (كظلمات في بحر لجي أي عميق كثير الماء …. معناه أن البحر اللجي يكون قعره مظلماً جداً بسبب غمورة الماء)  وقال المراغي :(فإن البحر يكون مظلم القعر جداً بسبب غور الماء …).وذكر القرآن أن للبحر العميق موج يغشاه من أعلاه. قال تعالى :﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ...﴾.وذكرت الآية وجود موج آخر فوق الموج الأول قال تعالى :﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ ...﴾ وهذه صفة للبحر وهي : وجود موجين في وقت واحد أحدهما فوق الآخر ، وليست أمواجاً متتابعة على مكان واحد بل هي موجودة في وقت واحد ، والموج الثاني فوق الموج الأول .وتشير الآية إلى أن فوقية الموج الثاني على الموج الأول كفوقية السحاب على الموج الثاني. قال تعالى : ﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ... ﴾.ذكرت الآية وجود موج يغشى البحر العميق ويغطيه كما ذكرت وجود موج ثان فوق الموج الأول ، وهذا يستلزم وجود بحر فوق (الموج الأول والبحر العميق) وهو البحر السطحي الذي يغشاه الموج الثاني الذي فوقه السحاب .

وأثبت القرآن دور هذه الحوائل الثلاثة في تكوين الظلمات في البحار العميقة وأن بعضها فوق بعض كما قال تعالى:
﴿
يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ... ﴾ (النور:40)
وهو ما فهمه بعض المفسرين : قال الإمام البغوي في تفسيره لهذه الآية: "ظلمة الموج الأول على ظلمة البحر ، وظلمة الموج الثاني فوق الموج الأول وظلمة السحاب على ظلمة الموج الثاني". وقال الإمام ابن الجوزي في تفسيره: "ظلمات يعني ظلمة البحر وظلمة الموج الأول ، وظلمة الموج الذي فوق الموج ، وظلمة السحاب" .

اشتملت الآية على ذكر ظلمات الأعماق (السبعة) في أولها وظلمات الحوائل (الثلاثة) في آخرها ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ ...﴾.

وذكرت الآية أن هذه الظلمات التي سبق ذكرها بسبب الأعماق أو الحوائل بعضها فوق بعض ، وأستعمل القرآن لفظ ظلمات الذي تستعمله العرب للدلالة على جمع القلة ، من الثلاثة إلى العشرة ، فقبلها تقول ظلمة وظلمتان ، وبعدها تقول إحدى عشرة ظلمة ، ومن ثلاث إلى عشر تقول ظلمات كما هي في الآية، وهذا ما كشفه العلم كما سبق بيانه : سبع ظلمات للألوان متعلقة بالأعماق وثلاث ظلمات متعلقة بالحوائل (الموج الداخلي ، والموج السطحي، والسحاب).

وبينت الآية التدرج في اشتداد الظلام في البحار العميقة باستعمال فعل من أفعال المقاربة وهو (كاد) وجعلته منفياً . قال تعالى : ﴿ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ فدل هذا الاستعمال الدقيق على معنيين:

الأول : أن الذي يخرج يده في هذه الأعماق ليراها لايراها إلا بصعوبة بالغة ، كما فهم ذلك بعض المفسرين ، ومنهم المبرد والطبري .

الثاني : أن الذي يخرج يده في هذه الأعماق ليراها لايراها البتة ، لأن فعل المقاربة كاد جاء منفياً ، فإذا نفيت مقاربة الرؤية دلت على تمام نفي الرؤية ، وهذا ما ذهب إليه بعض المفسرين ، أمثال الزجّاج وأبو عبيده والفرّاء والنيسابوري . والآية استعملت تعبيراً يدل على المعنيين معاً، فتكون الرؤية بصعوبة في الأعماق القريبة ، وتنتفي الرؤية تماماً في الأعماق البعيدة ، على عمق 1000متر تقريباً كما مر بنا .فتأمل كيف جاء التعبير القرآني الموجز دالاً على المعاني الصحيحة المتعددة .

وجه الإعجاز :

لقد ذكر القرآن الكريم معلومات دقيقة عن وجود ظلمات في البحار العميقة ، وأشار إلى سبب تكوينها ، ووصفها بأن بعضها فوق بعض ، ولم يتمكن الإنسان من معرفة هذه الظلمات إلا بعد عام 1930م. وأخبر القرآن عن وجود موج داخلي في البحار لم يعرفه الإنسان إلا بعد عام 1900م ، كما أخبر بأن هذا الموج الداخلي يغطي البحر العميق ، الأمر الذي لم يعرف إلا بعد صناعة الغواصات بعد الثلاثينيات من القرن العشرين، كما أخبر القرآن عن دور الموج السطحي ، والموج الداخلي في تكوين ظلمات في البحار العميقة ، وهو أمر لم يعرف إلا بعد تقدم العلم في القرون الأخيرة. وما سبق من المعلومات لم يكتشفه الإنسان إلا بعد أن ابتكر أجهزة للبحث العلمي تمكنه من الوصول إلى هذه الأعماق ، ودراسة هذه الظواهر ، وبعد أن استغرق البحث فترة طويلة امتدت لثلاثة قرون من الزمن ، واحتشد لها مئات الباحثين والدارسين حتى تمكنوا من معرفة تلك الحقائق. فمن أخبر محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الأسرار في أعماق البحار في وقتٍ كانت وسائل البحث العلمي فيه معدومة ، والخرافة والأسطورة هي الغالبة على سكان الأرض في ذلك الزمان ، وبخاصة في مجال البحار ؟

كيف جاءه هذا العلم الدقيق بهذه الأسرار ، وهو الرجل الأمي في أمة أمية وبيئة صحراوية ، ولم يتيسر له ركوب البحر طوال حياته ؟

وحين عرضت هذه الحقائق على البرفسور (راو) وسئل عن تفسيره لظاهرة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة وكيف أُخبر محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الحقائق منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام أجاب : (من الصعب أن نفترض أن هذا النوع من المعرفة العلمية كان موجوداً في ذلك الوقت منذ ألف وأربعمائة عام ولكن بعض الأشياء تتناول فكرة عامة ولكن وصف هذه الأشياء بتفصيل كبير أمر صعب جداً ، ولذلك فمن المؤكد أن هذا ليس علماً بشرياً بسيطاً. لا يستطيع الإنسان العادي أن يشرح هذه الظواهر بذلك القدر من التفصيل ولذلك فقد فكرت في قوة خارقة للطبيعة خارج الإنسان ، لقد جاءت المعلومات من مصدر خارق للطبيعية(100) .إنه لدليل قاطع على أن هذا العلم الذي حملته هذه الآية قد أنزله الله الذي يعلم السر في السموات والأرض ، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(6)﴾ (الفرقان:6) وكما قال تعالى: ﴿لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا(166)﴾ (النساء:166) والقائل: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)﴾  (فصلت:53).

 

7- فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت

 

قال تعالى : ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5)﴾ (الحج:5) وقال تعالى : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(39)﴾ (فصلت:39) ، بين الله تبارك وتعالى في هاتين الآيتين أثر الماء وأهميته، لحياة الأرض وإنباتها من كل زوج بهيج ، وسنبين وجه الإعجاز في ربط القرآن الكريم بين نزول الماء واهتزاز التربة ، وربوها ، وإنباتها من كل زوج بهيج، فالماء مذيب عام للمعادن التي تحتويها التربة ، ووسط تدخل من خلاله المواد المذابة إلى النبات وتتحرك خلال أنسجته .

وتتكون الأرض من ثلاثة مكونات هي:

1- مادة التربة الصلبة المكونة من المواد المعدنية والعضوية.

2- محلول التربة المكون من مواد التربة الذائبة في الماء.

3- الهواء المتخلل لحبيبات التربة ومساماتها .

وتشتمل المادة الصلبة للتربة على حبيبات ذات أحجام متباينة تتدرج من حبيبات خشنة ذات قطر 2مم إلى حبيبات ناعمة جداً يصل قطرها إلى أقل من ميكرون.(101)

وهذه الحبيبات تتكون من صفائح معدنية متراصة بعضها فوق بعض(102)

ملتصقة في حالة سكونها ، وهي ما عبر عنه القرآن بقوله سبحانه ﴿ ... وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً ....﴾ وفي قوله (خاشعة). كما يوجد بين هذه الحبيبات فراغات هوائية .

وتحمل الحبيبة على سطحها شحنات كهربائية سالبة(103)

أولاً : الاهتزاز :

إذا نزل ماء المطر على التربة يحدث فيها الاهتزاز الدقيق الذي أشار إليه القرآن بقوله : ﴿ ... فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ...﴾ وذلك بسبب ما يأتي :

أ- تساقط قطرات المطر على حبيبات التربة ، فتنشأ فيها حركة آلية (ميكانيكية) .

ب- حركة جزئيات الماء "الحركة البراونية" إذ أن حبيبات التربة الموجودة في الوسط المائي تهتز بسبب حركة جزئيات الماء ، وهذا الاهتزاز عملية خفية لا يمكن مشاهدتها بالعين المجردة. وعلى الرغم من  أن الميكروسكوب أخترع عام 1590م فإن ظاهرة اهتزاز الجزيئات في الوسط المائي لم تشاهد إلا في عام 1827م على يد عالم النبات الاسكتلندي روبرت براون ، وكان يعتقد في بداية الأمر أن الحركة الإهتزازية الذبذبية مقتصرة على حبوب اللقاح الحية في النبات إذا وضعت في وسط مائي ، ثم وجد بعد ذلك أن هذه الحركة نفسها تحصل لحبوب اللقاح الميتة. ومع تقدم العلم ثبت أن هذه الاهتزازات تحصل للجسيمات الدقيقة العالقة في الماء ولو كانت جسيمات من الزجاج أو الجرانيت أو الدخان أو غيرها كحبيبات التربة ، وأنها تحصل بسبب اهتزاز جزيئات الماء.(104)

ج- طرد الماء للهواء الموجود في الفراغات بين تلك الحبيبات، فيحدث اهتزازاً في حبيبات التربة ، وكلما كانت الحبيبات دقيقة كانت الفراغات بينها أدق تعجز العين المجردة عن إدراكها وإدراك حركة الماء خلالها وما يحدثه الماء من اهتزاز لتلك الحبيبات .

د- ظهور الشحنة الكهربائية على سطوح الحبيبات بسبب نزول المطر والذي يسبب عدم استقرارها ، وحدوث حركات اهتزازية لا يمكن سكونها إلا بعد تعادل هذه الشحنات بأخرى .

ثانياً : الربو(105) :

فعندما تهتز الصفائح الصغيرة الرقيقة المكونة لحبيبات التربة فإنها تتيح الفرصة لدخول الماء وأيونات(106) العناصر الذائبة فيه إلى الشقوق المسطحة بين الصفائح الرقيقة فتتباعد الصفائح وتربوا الحبيبات وتنتفخ(107) بسبب خزن الماء بين صفائح الحبيبات. كما تحاط الحبيبة بأغلفة مائية ممسوكة بقوى الجذب "الكهروستاتيكي"(108) وهكذا تمتلئ الفراغات بين الحبيبات وبهذا تصبح حبيبات التربة خزانات مائية صغيرة تكون سبباً في انتفاخ التربة(109) وزيادة حجمها وإمداد جذور النباتات بالماء بعد انقطاع المطر .

ثالثاً : إنبات النبات :

وبنزول ماء المطر وخزنه بين صفائح حبيبات التربة وعلى أسطح الحبيبات نفسها يستفيد النبات من ذلك الماء خلال الفترة التي تلي نزول المطر فتبدأ البذور الجافة الموجودة في التربة بامتصاص الماء والمواد المعدنية من الوسط المحيط بها وتتحرك العمليات الكيميائية الحيوية في البذور فتنبت وتنمو الدرنات والأبصال وتصبح مساحة سطحية كبيرة من الشعيرات الجذرية للنباتات معرضة لمحلول التربة مما يسهل عليها عملية امتصاص الماء والعناصر الغذائية .

كما تنشط ملايين الكائنات الحية الموجودة في التربة ، فالفطريات والبكتريا تحول بقايا النباتات والحيوانات إلى مواد معدنية تمتصها النباتات عبر الجذور وتقوم ديدان الأرض بحفر الأنفاق عبر التربة مفسحة المجال لدخول الهواء والماء خلال التربة فتصبح الأرض مخضرة بإنباتها من كل زوج بهيج .

وقد وصف القرآن هذه الحركة الدقيقة لحبيبات التربة والتي لم تشاهد إلا بالمجهر كما وصف ما يحدث من نمو (ربو) لحبيبات التربة الصغيرة بسبب دخول الماء بين الصفائح المكونة لها ، ودخوله بين الحبيبات وما ينتج عن ذلك من خزن طويل للماء فيكون سبباً لاستمرار إنبات النبات ونموه في وقت انقطاع المطر .

قال تعالى : ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5)﴾ (الحج:5) .

المعاني اللغوية :

قوله تعالى: (هامدة) .

يقال في اللغة : "همد" الهاء والميم والدال : أصل يدل على خمود شيء(110) .

وأرض هامدة : لا نبات بها(111) .

والهمود : الموت(112) .

قوله تعالى "خاشعة" : يقال في اللغة (خشع) : الخاء والشين والعين أصل واحد يدل على التطامن .

و"بلدة خاشعة" :- مغبرة(113) .

والخشوع : السكون والتذلل(114) .

و"خشعت الأرض" : يبست لعدم المطر(115) .

والهمود في الأرض: أن لا يكون فيها حياة ولا عود ولا نبت ولا أصابها مطر، وترى الأرض (هامدة) أي جافة ذات تراب(116).

قوله تعالى : (اهتزت) : يقال في اللغة "هزّ" : الهاء والزاء أصل يدل على اضطراب في شئ وحركة(117) .

اهتز الشيء: تحرك، واهتز النبات: نما وتحرك وطال ، والهَـزُّ تحريك الشيء(118).

قوله تعالى (وربت) الربو: الزيادة والنماء. وربت : انتفخت وعلت .

وَربى الشيء: زاد ونما  (119) .

أقوال المفسرين :

"هامدة" أ : يابسة لا تنبت شيئاً(120) .

ب: جافة ذات تراب(121) .

ج : غبراء متهشمة(122).

د : ميتة(123) .

"خاشعة" : أ : يابسة جدبة(124) .

   ب : غبراء متهشمة(125) .

   ج : هامدة لا نبات فيها بل هي ميتة(126) .

(اهتزت) : أ- يعني بالنبات(127) لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة خفيفة فسماه اهتزازاً مجازاً .

وقال المبرد : المعنى اهتز نباتها فحذف المضاف .

والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض(128) .

ب- تحركت لإخراج النبات(129)

ج- اهتزاز الأرض هو حركتها بالنبات وغير ذلك مما يعتريها بالماء(130).

ونلاحظ من كلام المفسرين أنهم عزوا الإهتزاز للنبات ، وأولوا الآية على غير ظاهرها ، وقال بعضهم الإهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض ، وذلك بسبب نقص المعلومات في زمنهم ولأن الاهتزاز على مستوى التربة وحبيباتها خفي لا تراه العيون المجردة مع أن الآية الكريمة صريحة في نسبة الإهتزاز إلى التربة نفسها بعد إنزال الله المطر عليها .

(ربت) : أ- انتفخت وزادت.(131)

ب- ارتعشت قبل أن تنبت.(132)

ج- ارتفعت قبل أن تنبت.(133)

د- انتفخت وعلت لما يتداخلها من الماء ويعلوها من نبات.(134)

هـ- انتفخت وعلت ثم تصدعت عن النبات.(135)

(اهتزت وربت) : تفرق الغيث في سبختها وربوها.(136)

وجه الإعجاز :

ذكر القرآن اهتزاز التربة وربوها بعد نزول الماء عليها ، وهما عمليتان دقيقتان غير مشاهدتين ولا محسوستين ولا يمكن إدراكهما إلا من خلال استخدام المجهر.

وعملية الاهتزاز والربو لحبيبات التربة يحصل بنزول المطر ، وهذا الاهتزاز يمكن الماء بإذن الله من التخلل بين الصفائح المكونة للتربة والفراغات بين الحبيبات. فتنتفخ الحبيبات ويزداد حجمها وتصبح مخازن للماء يستفيد منها النبات. حيث تتشرب البذور الموجودة في التربة الماء وتنبت، وتمتصه الشعيرات الجذرية للنباتات فتنمو برحمة الله .

وتفاصيل العلاقة بين اهتزاز حبيبات التربة ورَبْوها وإنبات الأرض خفية لم يدركها الإنسان إلا بعد تقدم علم التربة وتطور أدواته المعملية .

فأول ملاحظة للاهتزاز كانت في عام 1827م على الرغم من أن الميكروسكوب الضوئي ، وهو الأداة التي لوحظ من خلالها الاهتزاز ، قد اخترع(137) عام 1590م، كما أن الميكروسكوب الإلكتروني الماسح والذي يمكن استعماله في فحص الاتحادات البنائية المكونة لحبيبات التربة لم يخترع إلا في عام 1952م.(138)

ويتجلى السبق العلمي للقرآن بصورة أكثر عندما نستعرض أقوال المفسرين الذين لم تسعفهم علوم عصرهم في فهم ظاهر الآية الكريمة فاضطر أكثرهم إلى تأويلها وحملها على المجاز .

وإخبار القرآن بكل وضوح عن هذه الأسرار دليل على أنه منزل ممن يعلم السر في السموات والأرض القائل: ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(6)﴾ (الفرقان:6) والذي وعدنا في كتابه أنه سيرينا آياته. بقوله سبحانه ﴿ وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(93)﴾   (النمل:93).

 8- آية اللبن (من بين فرث ودم)

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66)﴾

مقدمـة:  

لقد أدرك البشر منذ زمن بعيد العلاقة بين إدرار اللبن وما يتناوله الحيوان من غذاء، وأن الحيوان يهلك إذا ما حرم من الغذاء، ولكنهم لم يعرفوا العملية التي يتم بها تحول هذا الغذاء إلى لبن أو لحم أو عظم أو أي مادة أخرى .وجاء العلم الحديث ليبين لنا المراحل التي توصلنا إلى تكوين اللبن خالصاً سائغاً للشاربين فيكشف لنا من آيات الله اللطيف الخبير ما جاء مطابقاً لما أخبرنا به القرآن عن أسرار تكون اللبن في بطون الأنعام ، ويظهر عظمة إنعام الخالق المنعم على عباده .

التدرج التاريخي للاكتشافات العلمية :

لم يتمكن الإنسان من معرفة كيف يتكون اللبن في بطون الأنعام إلا بعد أن تمكن من اكتشاف أسرار الجهاز الهضمي ومعرفة وظائف أعضائه ، وبعد اكتشاف الدورة الدموية وعلاقتها بعملية امتصاص المواد الغذائية من الأمعاء ودخولها في الدم، وقد استغرق ذلك فترة من الزمن لتطوير الأجهزة واكتشاف الأسرار استمرت قرابة خمسة قرون .

أ- تطور الأجهزة وأدوات البحث :

سلك العلم التجريبي طرقاً دقيقة لمعرفة وظائف أعضاء الجهاز الهضمي بعد أن اخترعت الآلات التي تم بها إجراء التجارب والأبحاث لتحقيق النتائج الدقيقة . ولم يحصل هذا إلا في وقت متأخر ، فقد كان علماء الأحياء والأطباء في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلادي عاجزين عن ترجمة ملاحظاتهم العلمية إلى رسوم وصور ، كما كانوا أكثر عجزاً عن نشرها بين الطلاب لعدم توافر إمكانيات النشر .

وسار التقدم في الأجهزة العلمية التي استعملت في معرفة أسرار عملية الهضم بخطوات متتالية حتى انكشف للباحثين الكثير من أسرار الهضم(139) .

ب- تاريخ معرفة وظائف أعضاء الجهاز الهضمي :

تتابعت الاكتشافات العلمية(140) في معرفة وظائف أعضاء الجهاز الهضمي من عام 1833م إلى أن تم التوصل في القرن العشرين إلى توضيح الأعمال المتتالية لعملية الهضم من تفكك بروتيد البروتينات بواسطة السلاسل الأنزيمية المعدية والمعوية. كما تم توضيح تركيب وتأثير أهم العصائر الهضمية، والتثبت من إنزيمات عديدة ذات دور كبير في عملية هضم الطعام ، مثل :اللاكتاز، والليبار والبروتيداز وغيرها ، كما اكتشف مفعول الهرمونات المختلفة العاملة في مختلف مراحل عملية الهضم(141).

وفي عام 1902م اشترك بايليس (Bayliss) وستارلنغ (Starling) في اكتشاف هرمون السكرتين(142).

وفي عام 1911م أوضح (و.ب. كانون) العوامل الميكانيكية في الهضم وأوضح (ر. غلينارد) (1913م) الدراسة السينمائية التسجيلية لحركات الأمعاء(143) .

ج- تاريخ معرفة الدورة الدموية :

اكتشف ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى وكان يقال قبل ذلك إن الدم ينقى ضمن تجويف في القلب . وقد ترجم اندريا الباغو (Andrea Alpago) عمل ابن النفيس في مطلع القرن السادس عشر إلى اللاتينية ونشرت الترجمة في البندقية سنة 1547م.(144)

وجاءت بعد ذلك بحوث هارفي حول الدورة الدموية وكانت من أبرز البحوث قبل القرن التاسع عشر.(145)

وفي عام 1877م اثبت كلود برنار أن مقدار سكر الجلوكوز في الدم ثابت وإن اختلال هذا التوازن يسبب مرض السكر(146) ، وصحح (كلود برنار) مفهوم (لافوازية) و(لا بلاس) بأن الرئتين مركز الاحتراق بقوله أن الاحتراق يتم في الأنسجة المختلفة(147).

وعمل ماري (Marey) (1830-1904م) على تحسين التقنيات الخاصة بدراسة عمل القلب والرئتين. كما تناولت أبحاث وأعمال ماري دورة الدم (1863،1881) وفيزيولوجيا الحركة أو الانتقال(148) .أما فيزيولوجيا دوران الدم فإنه منذ القرن التاسع عشر جرى التعرف على الأعصاب المعدّلة والمسرعة للقلب وعلى التحرك الوعائي وعلى بعض الظواهر التي تتدخل في الضغط الشرياني ، وقد بحثت بتوسع في القرن العشرين .وبعد استعمال النظائر المشعة تم معرفة المبادلات التي تحدث عند مستوى الشعيرات الدموية بصورة أفضل وبعد أن اكتشف الإنسان أسرار الهضم ومراحله ووظائف أعضاء الجهاز الهضمي والدورة الدموية ووظيفة القلب والأوعية الدموية ، وسيرها في الجسم وعلاقتها بالجهاز الهضمي وسائر أجزاء الجسم بما فيها ضروع اللبن والغدد اللبنية في الأنعام تمكن الإنسان من معرفة طريقة تكون اللبن من الغذاء الذي تأكله الأنعام .

  مراحل تكوين اللبن الخالص السائغ

 يتم تكوين اللبن في الأنعام بالتنسيق المحكم والتدرج الدقيق بين الجهاز الهضمي والجهاز الدوري والجهاز التناسلي عن طريق الغدد اللبنية في الضروع وغيرها من  الأجهزة حيث جعل الله لكل جهاز وظيفة وأعمالاً خاصة يقوم بها ليتكون - في نهاية المطاف - اللبن الخالص السائغ للشاربين. ويمكن أن نجمل مراحل تكون اللبن كالآتي :

1- الهضم (Digestion)

يتم الهضم على عدة أشكال فمنه الهضم (الحركي) والهضم الكيماوي والهضم الميكروبي بواسطة (خمائر) الميكروبات الموجودة في كرش الأنعام .

تبدأ عملية الهضم في الفم بنوعيها : الهضم (الحركي) و (الخمائري) حيث يتم تقطيع مواد العلف بالمضغ وخلطها باللعاب الذي يحتوي على أنزيم (الأميليز) الذي يقوم بهضم مبدئي ثم في المعدة المركبة(149) حيث يتم هضم ميكانيكي وميكروبي وكيماوي .

ثم يتم اجترار الكتلة الغذائية من الكرش إلى الفم ليعاد مضغها وخلطها باللعاب ثم إعادة بلعها لتعمل عليها بكتريا الكرش فتحلل (السكريات)(150) و(البروتينات)(151) ثم يحدث الهضم (الخمائري) في المعدة الحقيقية (بالببسين والرنين). وبعمليات الهضم هذه يتحول العلف إلى فرث . وبانتقال الفرث إلى الأمعاء الدقيقة تستمر عملية الهضم فيتعرض الفرث للإنزيمات الهاضمة(152) في الأمعاء والبنكرياس والعصارة الصفراء في الكبد .وبهذا يتم تحليل الأطعمة المحتوية على  الجزيئات المعقدة جداً إلى جزيئات بسيطة، فالنشاء والسكريات المعقدة تتحول إلى سكريات بسيطة ، والدهون تتحول إلى أحماض دهنية ، والبروتينات تتحول إلى أحماض أمينية وببتيدات، أما الفيتامينات والأملاح والماء فلا تحتاج إلى هضم قبل امتصاصها ويتحول الفرث الصلب بعد هضمه في الأمعاء  إلى فرث رائق.(153)

2- الاستخلاص من بين الفرث :

تقوم الخملات(154) في الأمعاء الدقيقة بامتصاص المــواد الغذائيـة المحللة بعـدة

   طرق(155). وتصل هذه المواد إلى داخل الأوعية الدموية الصغيرة الواقعة تحت النسيج الطلائي ، ومنها إلى الأوعية الدموية الأكبر فتدخل في تيار الدورة الدموية .

3- الاستخلاص من بين الدم :

ثم يقوم الدم بنقل هذه المواد الغذائية إلى جميع خلايا الجسم والتي منها خلايا الضروع التي يتم فيها امتصاص مكونات الحليب من بين الدم .

4- تصنيع اللبن في الضرع :

والضرع مدينة صناعية يتكون من فصوص ، وكل فص يتكون من عدد من الفصيصات ، وكل فصيص يحتوي ما بين 150-220 حويصلة مجهرية ، والحويصلة المجهرية عبارة عن تركيب يشبه الكيس حيث يصنع اللبن ويفرز. وكل حويصلة تعد وحدة صناعية مستقلة متكونة من تجويف لجمع اللبن محاط بطبقة واحدة من الخلايا الطلائية (الظهارية) ، وكل خلية في هذه الوحدة الصناعية وحدة متكاملة قائمة بذاتها تحول ما بداخل جوفها من مواد أولية قادمة من الدم إلى قطيرة لبن تفرز في ذلك التجويف.

إن الخلية الطلائية (الظهارية) اللبنية هي التي يجعل الله داخلها جميع عمليات تصنيع اللبن بمكوناته المختلفة، فتصل المكونات الأساسية للبن إلى الغشاء القاعدي للخلية اللبنية فيأخذ كل مكون طريقه عبرها ليصل إلى القسم المناسب داخل الخلية حيث تجري عليه العمليات التي قدرها عالم السر وأخفى سبحانه فيخرج من الجهة العليا للخلية مادة جديدة تشكل مع المواد الأخرى الناتجة لبناً سائغاً للشاربين.

فتعال معنا نتتبع مسار كل مادة وردت من الدم وما يحصل لها في رحلتها عبر الخلية اللبنية .

يبين الشكل آليات انتقال مكونات اللبن من الشعيرات الدموية عبر الخلية اللبنية إلى تجويف الحويصلة بعد تعرض قسم منها إلى معالجات تحولها إلى مواد مناسبة لتركيب اللبن وانتقال قسم آخر دون تغيير عبر الخلية أو عبر مسالك يبين الخلايا اللبنية

1-       الأحماض الأمينية : تنطلق الأحماض الأمينية التي جاءت من الدم وتتوجه إلى القسم المناسب من المصنع وهو الرايبوسومات المتعددة المنتشرة على الشبكة الإندوبلازمية الخشنة ، كما في الشكل. وهناك ترتبط تساهمياً لتكوين البروتينات، التي تنتقل بعدها إلى جهاز جولجي حيث تتم معالجتها قبل انتقالها إلى خارج الخلية عبر حويصلات إفرازية تتبرعم من جهاز جولجي. وعند الغشاء العلوي للخلية تلتحم الحويصلة الإفرازية بالسطح الداخلي للغشاء العلوي الأمر الذي يؤدي إلى احداث فتحة تفرع الحويصلة عبرها محتوياتها من البروتينات في تجويف الحويصلة. وهكذا توفرت مكونات اللبن من البروتينات .

 2- سكر اللبن (اللاكتوز) : ثمة مادة مهمة أخرى من مكونات اللبن وهي اللاكتوز أو سكر اللبن، الذي يجعل اللبن سائغاً للشاربين بإذن الله تعالى .

يدخل سكر الجلوكوز القادم من الدم الخلية عبر غشائها القاعدي الجانبي فيتحول بعضه إلى جالاكتوز ويدخلان معاً جهاز جولجي ليتعرضا لتفاعلات تؤدي إلى تكوين (سكر اللبن) (اللاكتوز) ، مما يؤدي إلى سحب الماء إلى داخل الخلية وداخل جهاز جولجي فيكون جزءاً من اللبن(156).

وينضم سكر اللبن والماء إلى البروتينات بانتظار مكونات أخرى مهمة ومنها الدهون .

3- الدهون : تستقبل الخلايا الطلائية الخلات والزبدات والأحماض الدهنية الجاهزة والجليسيرول، القادمة من الدم عبر الغشاء القاعدي الجانبي لتشكل مادة دهنية في الشبكه الأندوبلازمية التي يخرج منها الدهن عندئذ في صورة قطيرات دهنية صغيرة تتجمع لتشكل قطيرة أكبر فأكبر تتجه نحو الغشاء العلوي للخلية حتى إذا ما وصلته هداها ربها للاندفاع بقوة للإلتحاق بمكونات اللبن السابقة التي حطت رحالها في تجويف الحويصلة ولكن هذه القطيرة بعد أن سارت عبر الخلية دون غشاء تجرف معها جزءاً من غشاء الخلية لتحيط نفسها به فيتم تغليف الحبيبة -بإذن الله- وهي في تجويف الحويصلة ، وعندئذ تسمى كرية دهنية لبنية بعد أن كانت مجرد قطيرة دهنية.

4- الأجسام المضادة : تأتي الأجسام المضادة من الدم عبر الغشاء القاعدي الجانبي للخلية اللبنية فتتسلمها مستقبلات موجودة على السطح القاعدي الجانبي للخلية ثم تحملها حويصلات النقل (ناقلات) عبر الخلية لتصل إلى السطح الداخلي للغشاء العلوي للخلية فتطرح هذه الأجسام المضادة المناعية في تجويف الحويصلة دون أن تتعرض هذه الأجسام لشئ مما تعرضت له المكونات الأخرى من معالجة وتغيير.

5- مكونات أخرى : يشق الماء وكريات الدم البيضاء وبعض الأيونات والأملاح طريقها إلى تجويف الحويصلة عبر مسالك ضيقة بين الخلايا .

وهكذا تنتهي الرحلة المقدرة بأمر الله لمكونات اللبن. وليس بمقدور مخلوق من البشر مهما أؤتي من علم وإمكانيات أن يحاكي خلية لبنية واحدة تصنع اللبن. ولكن الله القدير العليم جعل من هذه الخلية التي لا ترى إلا بالمجهر مجمعاً صناعياً متكاملاً يصنع اللبن على مدار الساعة عند الكائنات التي رزقها الله تعالى ذرية تحتاج إلى ذلك اللبن وجعل جزءاً كبيراً منه رزقاً للعباد وامتن عليهم بقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66)﴾.

 تفسير الآيـة

المعنى اللغوي:الفرث هو ما في الكرش(157)وقيل هو السرجين ما دام في الكرش(158)

أقوال المفسرين :اختلف المفسرون في معنى الآية الكريمة بسبب اختلافهم في فهم مدلولات بعض الألفاظ فتصور البعض أن عبارة "من بين" جاءت للتبعيض أي من بعض الفرث أو من بعض الدم ، بينما رأى آخرون أنها مكانية أي من مكان بين الدم والفرث – ونجمل فيما يأتي حصيلة ما قاله المفسرون رحمهم الله تعالى .وردت رواية ضعيفة عن ابن عباس (رضي الله عنهما) مفادها: "أن الدابة تأكل العلف فإذا استقر في كرشها طحنته فكان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً ." وقد أورد هذا الحديث كثير من المفسرين ، منهم البيضاوي والقرطبي وأبو السعود والشوكاني وابن الجوزي في زاد المسير والآلوسي في روح المعاني وغيرهم. وقد علق بعض هؤلاء المفسرين على القول المنسوب لابن عباس (رضي الله عنهما) بعد أن لاحظوا أنه يخالف الواقع المشهود ، فقال كل من أبو السعود والبيضاوي والألوسي أن اللبن والدم لا يتكونان في الكرش. ففي روح المعاني يقول الألوسي "وتعقب ذلك أي قول ابن عباس الرازي بقوله ولقائل أن يقول اللبن والدم لا يتولدان في الكرش والدليل عليه الحس ، فإن الحيوانات تذبح دائماً ولا يرى في كرشها شئ من ذلك ولو كان تولد ما ذكر فيه لوجب أن يشاهد في بعض الأحوال والشئ الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه" .ذكر بعض المفسرين أن الفرث هو مصدر الدم واللبن أي يخرج الدم من الفرث ويخرج اللبن من الفرث كذلك. قال بهذا البيضاوي عندما أول الكلام المنسوب لابن عباس بقوله : إن صح فالمراد أن أوسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم لانهما لا يتكونان في الكرش وقال به الشوكاني (فتح القدير).وذكر كثير من المفسرين ما يتفق مع جاء به العلم الحديث من أن مكونات اللبن تستخلص من الفرث ثم تستخلص من الدم. وممن قال بذلك القرطبي وأبو السعود وصاحب معاني القرآن ، وفي زاد المسير لابن الجوزي في قوله "الفرث ما في الكرش والمعنى أن اللبن كان طعاماً فخلص من ذلك الطعام دم وبقي فرث في الكرش وخلص من ذلك الدم   ﴿... لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ...﴾.وهكذا نلاحظ اختلاف المفسرين في هذه المسألة بسبب عدم توافر المعرفة العلمية في زمانهم ، ومع ذلك فقد هدى الله تعالى بعض المفسرين إلى الفهم الصحيح لمعنى "من بين" وأنها تعنى من بعض الفرث ثم من بعض الدم ، على الرغم من عدم معرفتهم للكيفية التي لم يطلع عليها البشر إلا بعد قرون من نزول هذه الآية الكريمة .

أن لفظ "خالصاً" في الآية دليل آخر على أن مواد اللبن تخلص من بين الدم بعد أن خلصت من الفرث ، وقد المح إلى هذا المعنى الطبري بقوله: خلص من مخالطة الدم والفرث فلم يختلطا به .إلا أن المفسرين رحمهم الله لم يشيروا إلى هذا المعنى الظاهر وإنما اقتصروا على القول بأن "خالصاً" تعنى أن اللبن لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث كما قاله البيضاوي والبغوي ؛أو حمرة الدم وقذارة الفرث كما قاله القرطبي والشوكاني ؛أو خالصاً عن شائبة ما في الدم والفرث من الأوصاف كما قاله أبو السعود وصاحبا تفسير الجلالين .

وجه الإعجاز :

ما كان أحد يعلم قبل اكتشاف أجهزة التشريح في القرنين الماضيين أسرار ما يجري في الجهاز الهضمي عند الحيوان والإنسان ووظائف ذلك الجهاز المعقد وعلاقته بالدورة الدموية ومراحل تكون اللبن في بطون الأنعام .

فلما تكاملت صناعة الأجهزة والتجارب العلمية عبر قرون عرف الإنسان أن مكونات اللبن تستخلص بعد هضم الطعام من بين الفرث وتجري مع مجرى الدم لتصل إلى الغدد اللبنية في ضروع الأناث التي تقوم باستخلاص مكونات اللبن من بين الدم دون أن يبقى أي آثار في اللبن من الفرث أو الدم وتضاف إليه في حويصلات اللبن مادة سكر اللبن التي تجعله سائغاً للشاربين.

هذه الأسرار كانت محجوبة عن البشر فلم يكتشفوها إلا بعد رحلة طويلة من التجارب والبحوث العلمية التي استغرقت قروناً واستعملت فيها أجهزة صنعت لأول مرة على أيدي الباحثين لم يكن لها وجود عند البشر قبل ذلك. ولكن القرآن الكريم كشفها أمام قارئيه بأجمل عبارة وأوجز لفظ قبل ألف وأربعمائة عام. فمن علم محمداً r من بين سائر البشر في ذلك الزمن أسرار الجهاز الهضمي والجهاز الدوري ودقائق ما يجري في غدد اللبن إلا الذي يعلم السر في الأرض والسماء ويعلم أسرار ما خلق من الكائنات ، فيكون ذلك شاهداً على أن القرآن نزل بعلم الله وأن محمداً رسول الله. قال تعالى : ﴿لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا(166)﴾ (النساء:166) .

 9- الحاجز بين النهر والبحر

منطقة المصب

شاهد الإنسان منذ القديم النهر يصب في البحر، ولاحظ أن ماء النهر يفقد – بالتدريج - لونه المميز ، وطعمه الخاص كلما تعمق في البحر ، ففهم من هذه المشاهدة أن النهر يمتزج بالتدريج بماء البحر ، ولولا ذلك لكان النهر بحراً عذباً يتسع كل يوم حتى يطغى على البحر .

ومع تقدم العلم وانطلاقه لاكتشاف أسرار الكون أخذ يبحث عن كيفية اللقاء بين البحر والنهر ، ودرس عينات من الماء حيث يلتقي النهر بالبحر ، ودرس درجات الملوحة والعذوبة بأجهزة دقيقة ، وقاس درجات الحرارة، وحدد مقادير الكثافة ، وجمع عينات من الكائنات الحية وقام بتصنيفها ، وحدد أماكن وجودها، ودرس قابليتها للعيش في البيئات النهرية والبحرية .

وبعد مسح لعدد كبير من مناطق اللقاء بين الأنهار والبحار اتضحت للعلماء بعض الأسرار التي كانت محجوبة عن الأنظار، واكتشف الباحثون أن المياه تنقسم إلى ثلاثة أنواع :

(1) مياه الأنهار وهي شديدة العذوبة .

(2) مياه البحار وهي شديدة الملوحة .

(3) مياه في منطقة المصب وهي مزيج من الملوحة والعذوبة ، كما أنها منطقة فاصلة بين النهر والبحر وتتحرك بينهما بحسب مد البحر وجزره، وفيضان النهر وجفافه، وتزداد الملوحة فيها كلما قربت من البحر، كما تزداد درجة العذوبة كلما قربت من النهر .

ويوجد برزخ مائي يحيط بمنطقة المصب ويحافظ على هذه المنطقة بخصائصها المميزة لها حتى ولو كان النهر يصب إلى البحر من مكان مرتفع في صورة شلال.

ولا يحدث لقاء مباشر بين ماء النهر وماء البحر في منطقة المصب بالرغم من حركة المد والجزر وحالات الفيضان والانحسار التي تعتبر من أقوى عوامل المزج، لأن البرزخ المحيط بمنطقة المصب يفصل بينهما على الدوام (انظر شكل2) .(159)إلا أن ماء النهر يمتزج بماء البحر بصورة بطيئة من خلال المنطقة الفاصلة من مياه المصب، والبرزخ المائي الذي يحيط بها .وتختلف الكتل المائية الثلاث (ماء النهر، ماء البحر، وماء المصب) في الملوحة والعذوبة، وقد شاهد الباحثون الذين قاموا بتصنيف الكائنات الحية الموجودة فيها ما يلي:

أ- معظم الكائنات التي تعيش في البحر أو النهر أو المصب لا تستطيع أن تعيش في غير بيئتها وتموت إذا خرجت منها .إلا أن بعض الأنواع القليلة مثل سمك السلمون، وثعابين البحر تستطيع أن تعيش في البيئات الثلاث، ولها قدرة على أن تتكيف مع كل بيئة.(160)

 ب- وبتصنيف البيئات الثلاث باعتبار الكائنات التي تعيش فيها تعتبر منطقة المصب منطقة حجر على معظم الكائنات الحية التي تعيش فيها، لأن هذه الكائنات لا تستطيع أن تعيش إلا في نفس الوسط المائي المتناسب في ملوحته وعذوبته مع درجة الضغط الاسموزي في تلك الكائنات، وتموت إذا خرجت من المنطقة المناسبة لها، وهي منطقة المصب .

ومنطقة المصب في نفس الوقت منطقة محجورة على معظم الكائنات الحية التي تعيش في البحر أو النهر، لأن هذه الكائنات تموت إذا دخلتها بسبب اختلاف الضغط الاسموزي أيضاً .وقد جعل الله هذا النظام المائي البديع لحفظ الكتل المائية الملتقية من أن يفسد بعضها خصائص البعض الآخر، ليبقى ذلك الاختلاف في الخصائص رحمة للناس بالحفاظ على عذوبة مياه الأنهار ومناسباً لحياة سائر الكائنات. التي تعيش في الماء وإذا كانت العين المجردة لا تستطيع أن ترى هذا الحاجز الذي يحفظ الله تعالى به منطقة المصب، فإن الأقمار الصناعية اليوم قد زودتنا بصورة باهرة، تبين لنا حدود هذه الكتل المائية الثلاث، التي تزداد وضوحاً كلما ازداد الفارق في حرارة الماء وما يحمله من مواد. وبالرغم من أن الماء العذب يمتزج مع ماء البحر فإن هناك حدوداً على طرفي منطقة الامتزاج المحدودة، التي تفرض قيوداً على ما يدخلها أو يخرج منها. وهذا الوصف ينطبق تماماً على نظام المصب ولقد وصف القرآن الكريم منطقة اللقاء بين الكتل المائية الثلاث بأدق وصف وأدل لفظ وأوجز عبارة تضمنت تحديد العلاقة بين الكتل المائية الثلاث وكائناتها الحية التي تعيش فيها .

قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا(53)﴾ (الفرقان:53) .

المعاني اللغوية وأقوال المفسرين في الآية :

اللفظ مرج يأتي بمعنيين بارزين :

الأول : الخلط قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ(5)﴾ (ق:5).وجاء في لسان العرب (أمر مريج : أي مختلط)(161) وقال الأصفهاني في المفردات : (أصل المرج: الخلط)(162) وقال الزبيدي : (ومرج الله البحرين العذب والمالح خلطهما حتى التقيا…) .

وقال الزجاج : مرج: خلط يعني البحر الملح والبحر العذب .

وقال ابن جرير الطبري : (والله الذي خلط البحرين فأمرج أحدهما في الآخر وأفاضه فيه) وأصل المرج : الخلط ومنه قول الله : ﴿ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أي : مختلط .وروي عن ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يعني خلع أحدهما على الآخر. وعن مجاهد: أفاض أحدهما على الآخر . وعن الضحاك بمثل قول ابن عباس وذهب إلى هذا المعنى جمهور من المفسرين منهم: القرطبي وأبو حيان والآلوسي والخازن …….……. والرازي(163) والشوكاني(164) والشنقيطي(165) .

الثاني : مجيء وذهاب واضطراب (قلق)

قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: (الميم والراء والجيم أصل صحيح يدل على مجيء وذهاب واضطراب) وقال: مرج الخاتم في الأصبع: قلق. وقياس الباب كله، منه (ومرجت أمانات القوم وعهودهم): اضطربت واختلطت. وجاء نفس المعنى في الصحاح للجوهري ولسان العرب وبذلك قال الزبيدي والأصفهاني .

(البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج)

البحر العذب(166) هو النهر، ووصفه القرآن الكريم بوصفين : عذب(167) ، وفرات(168) ومعناهما: أن ماء هذا البحر شديد العذوبة، ويدل عليه وصف (فرات)، وبهذا الوصف خرج ماء المصب الذي يمكن أن يقال إن فيه عذوبة، ولكن لا يمكن أن يوصف بأنه فرات .وما كان من الماء ملحاً أجاجاً فهو ماء البحار، ووصفه القرآن الكريم بوصفين (ملح)(169) و(أجاج)(170) وأجاج معناه شديد الملوحة، وبهذا خرج ماء المصب لأنه مزيج بين الملوحة والعذوبة فلا ينطبق عليه وصف: ملح أجاج .

وبهذه الأوصاف الأربعة تحددت حدود الكتل المائية الثلاث :

1) هذا عذب فرات: ماء النهر .

2) وهذا ملح أجاج: ماء البحر .

3) وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً : البرزخ هو الحاجز المائي المحيط بالمصب .

فما هو الحجر المحجور ؟

الحِجْر والحَجْر: هو المنع(171) والتضييق

يسمى العقل حِجْراً : لأنه يمنع من إتيان ما لا ينبغي قال تعالى : ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ(5) ﴾ (الفجر:5) والسفيه يَحْجُر عليه القاضي من التصرف في ماله فماله في حِجْر أو حَجْر والكسر أفصح .

وجاء في حديث الرسول r للأعرابي: "لقد تحجرت واسعاً" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد(172) .

قال ابن منظور : (لقد تحجرت واسعاً) أي ضيقت ما وسعه الله وخصصت به نفسك دون غيرك . ونستطيع أن نفهم الحجر هنا: بأن الكائنات الحية في منطقة اللقاء بين البحر والنهر تعيش في حجر ضيق ممنوعة أن تخرج من هذا الحجر .ووصفت هذه المنطقة أيضاً بأنها محجورة أي ممنوعة ، ونفهم من هذا اللفظ معنى مستقلاً عن الأول أي أنها أيضاً منطقة ممنوعة على كائنات أخرى من أن تدخل إليها فهي :

حجر (حبس، محجر) على الكائنات التي فيها .

محجورة على الكائنات الحية بخارجها .

ويكون المعنى عندئذٍ: وجعل بين البحر والنهر برزخاً مائياً هو : الحاجز المائي المحيط بماء المصب، وجعل الماء بين النهر والبحر حبساً على كائناته الحية ممنوعاً عن الكائنات الحية خارجه الخاصة بالبحر والنهر .

ولم يتيسر للمفسرين الإحاطة بتفاصيل الأسرار التي ألمحت إليها الآية ، لأنها كانت غائبة عن مشاهدتهم لذلك تعددت أقوالهم في تفسير معانيها الخفية :

فقال بعضهم في قوله تعالى﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ...﴾ (الفرقان:53) أي خلطهما فهما يلتقيان. ويستند هذا القول إلى المعنى اللغوي للفظ : ﴿مَرَجَ ﴾، وقررت طائفة أخرى من المفسرين أن معنى ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ...﴾  أي (وهو الذي أرسلهما في مجاريهما فلا يختلطان) .

قال ابن الجوزي : قال المفسرون: والمعنى أنه أرسلهما في مجاريهما فما يلتقيان ، ولا يختلط الملح بالعذب ، ولا العذب بالملح(173).

وقال أبو السعود : (وهو الذي مرج البحرين : أي خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان، من : مرج دابته : أخلاها .وبمثله قال البيضاوي والشنقيطي في أحد قوليه وطنطاوي جوهري في تفسير الجواهر . والذين قرروا هذا المعنى نظروا إلى قوله تعالى: ﴿... وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا(53)﴾. وتقرير اختلاط الماءين يبدو متعارضاً مع وجود البرزخ والحجر المحجور. ولذلك رجح بعض المفسرين معنى الخلط. ورجح الآخرون معنى المنع .

وكذلك الحال في تفسير البرزخ، فقد قرر بعض المفسرين أن معنى برزخاً: حاجزاً من الأرض، وبمثله قال أبو حيان والرازي والآلوسي والشنقيطي .

ولقد رد ابن جرير الطبري هذا القول ، فقال : (لأن الله تعالى ذكره أخبر في أول الآية أنه مرج البحرين ، والمرج هو الخلط في كلام العرب على ما بينت قبل فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين، والملح الأجاج أرضاً أو يبساً لم يكن هناك مرج للبحرين، وقد أخبر جل ثناؤه أنه مرجهما . وبين البرزخ فقال : (وجعل بينهما برزخاً) : حاجزاً لا يراه أحد) .

وقال ابن الجوزي عن هذا البرزخ : (مانع من قدرة الله لا يراه أحد)(174) .

وقال الزمخشري : (حائلاً من قدرته) كقوله تعالى : ﴿...بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا...﴾ (الرعد:2) وبمثلهم، قال : القرطبي والبقاعي وأكثر المفسرين .

فتأمل كيف عجز علم البشر عن إدراك تفاصيل ما قرره القرآن الكريم .

فمن المفسرين من ذكر أن البرزخ أرضاً أو يبساً (حاجز من الأرض)(175) .

ومنهم من أعلن عجزه عن تحديده وتفصيله فقال : (هو حاجز لا يراه أحد)، وهذا يبين لنا أن العلم الذي أوتيه محمد r فيه ما هو فوق إدراك العقل البشري في عصر الرسول r ، وبعد عصره بقرون .

وكذلك الأمر في الحجر المحجور. فقد ذهب بعض المفسرين إلى حملها على المجاز، وذلك بسبب نقص العلم البشري طوال القرون الماضية . قال الزمخشرين: (فإن قلت، حجراً محجوراً ما معناه) قلت: هي الكلمة التي يقولها المتعوذ وقد فسرناها، وهي هنا واقعة على سبيل المجاز كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول:حجراً محجوراً) وبمثل ما قال الزمخشري قال غيره من المفسرين كأبي حيان والرازي والآلوسي، والشنقيطي مع أنه من المفسرين المتأخرين .

عند قوله تعالى : ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ...﴾  (الفرقان:53) لم يكتف النص القرآني بقوله تعالى هذا عذب لأنه قد يختلط على القارئ تحديد المنقطة المقصودة فيدخل فيها منطقة المصب لأن فيها شيء من العذوبة فجاء القرآن بقيد وصف فيه البحر العذب المقصود بشدة العذوبة بلفظ أخرج منطقة المصب وحصر المعنى في النهر الصافي بقوله تعالى : ﴿ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ...﴾   وكما أخرج النص القرآني منقطة المصب بزيادة "فرات" على الماء العذب أخرج منطقة المصب مرة ثانية من جهة البحر الملح الشديد الملوحة بإضافة وصف للبحر الملح بقوله "أجاج" حتى لايدعي شخص أن المصب فيه ملوحة وأنه داخل في المقصود فأخرج النص القرآني بزيادة "أجاج" ليدل المعنى على البحر الصافي فتحدد بذلك مناطق ثلاث بحر صاف شديد الملوحة وبحر عذب شديد العذوبة ومنطقة المصب وهي مزيج بين العذوبة والملوحة ..

فانظر كيف حارت العقول الكبيرة عدة قرون –بعد نزول القرآن الكريم- في فهم الدقائق والأسرار، وكيف جاء العلم مبيناً لتلك الأسرار، وصدق الله القائل : ﴿ وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(93)﴾(النمل:93) .وانظر كيف استقر المعنى بعد أن كان قلقاً عند المفسرين .

قال تعالى : ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ(67)﴾ (الأنعام:67). وقال تعالى : ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(88)﴾ (ص:88) .فمن أخبر النبي الأمي في الأمة الأمية في البيئة الصحراوية حيث لا وجود لنهر ولا لمصبه عن هذه الأسرار الدقيقة المتعلقة بالكتل المائية المختلفة التركيب : عذب فرات، ملح أجاج، وبينهما برزخاً وحجراً محجوراً

والحَجْر: هو المكان المحجور عن كائنات حية تعيش في هذه البيئات المائية الثلاث ؟!.

وكم استغرق الإنسان من الزمن؟ وكم استخدم من الآلات الدقيقة والأجهزة الحديثة حتى تمكن من الوصول إلى هذه الحقائق التي جرت على لسان النبي الأمي قبل ألف وأربعمائة عام بأوجز تعبير وأوضح بيان ؟

نأمل في الفرق الدقيق الذي يميز التقاء بحرين ملحين عن حالة اللقاء بحر ملح وآخر عذب فسترى أنه في حالة البحرين الملحين لا وجود لمنطقة الحجر المحجور لأن الاختلاف في الضغط التناضحي (الاسموزي) بين البحرين متقارب مما يسمح بانتقال الكائنات الحية بين البحرين أما في حالة اللقاء بين البحر الملح والبحر العذب (النهر) فإنه لابد من وجود منطقة المصب التي يكون الماء فيها مزيجاً بين العذوبة والملوحة ، مما ينشأ عنه فوارق كبيرة في درجات الضغط التناضحي الأسموزي الذي يجعل من منطقة المصب منطقة حجر (حبس) على ما فيها من الكائنات الحية فلا يسمح بخروجها لا إلى البحر ولا إلى النهر كما يجعل منطقة المصب أيضاً منطقة محجورة على كائنات البحر والنهر فلا يسمح بدخول أي منها إلى منطقة المصب وتأمل كيف عبر القرآن الكريم عن هذه الحقائق بأوضح وأوجز وأجمل بيان فقال في وصف اللقاء بين البحرين الملحين : (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان) وقال في وصف اللقاء بين البحر الملح والبحر العذب (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجورا) .

فمن أين جاء هذا العلم لمحمد عليه الصلاة والسلام إن لم يكن من عند الذي أحاط بكل شيء علماً.

 

المعجزة العلمية في السنة

تمهيد :

تظهر المعجزة العلمية لمحمد r بإخبار القرآن الكريم بحقيقة أثبتها العلم التجريبي ، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول r ، وكذلك إخبار السنة النبوية لأنها وحي من الله تعالى لنبيه r وهي ما صدر عن النبي r من قول غير القرآن أو فعل أو تقرير قال تعالى :  ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)﴾ (النجم:3-4) .وهذا الإعجاز الذي تحمله أحاديث النبي r شاهدو على صدق الرسول محمد r فيما أخبر به عن ربه سبحانه. كما يشهد بدقة ضبط الحديث عن النبي r

ولذلك قال r : (ما من الأنبياء نبُي إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحياً ، أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)(176).

وهي كذلك ستبقى معجزة متجددة إلى قيام الساعة كما قال تعالى :﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(88)﴾ (ص:88) .فأنباء الأرض في القرآن والسنة تتجلى في عصر الاكتشافات ، وخبر القرآن والسنة وما فيهما من أوصاف هو نبأ إلهي عما في الأرض والسماء .وكما زخر القرآن الكريم بأنباء الكون وأسرار الخلق كذلك السنة التي جاءت شارحة ومبينة  ومفصلة قال تعالى﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44)(النحل:44) فهي شاهدة على صدق نبينا محمد r وصدق ما جاء به .

وكما تجلت أنوار الوحي الإلهي في القرآن بكشف الأسرار المحجوبة في آفاق الأرض والسماء وفي النفس البشرية كذلك تتحقق هذه المعجزة في حديث الرسول الله r أو جزء من حديث بدقة علمية معجزة وعبارات مشرقة، فهيا لندبر معجزة من هذه المعجزات :

 10- معجزة وصف الجنين بعد الليلة الثانية والأربعين

 يحاط الجنين وهو في بطن أمه بظلمات جدر ثلاثة هي : جدار بطن الأم ، وجدار الرحم ، وجدار المشيمة ، ويختفي الجنين عن أعين الناس ، داخل تلك الجدر والظلمات ، ولقد حاول الإنسان أن يعرف أسرار خلق الجنين فتخبط في أوهام كثيرة .توهم الناس أن الجنين يخلق من دم الحيض ، وساد هذا الوهم - الذي تخيله ارسطوا – على أفكار البشر طوال ألفي عام ، يقول البروفيسور كيث ال. مور(177) : "ويعد كثير من علماء الأجنة ارسطوطاليس " مؤسس علم الأجنة على الرغم من حقيقة كونه روج فكرة : أن الجنين يتطور من كتلة عديمة الشكل تنتج عن اتحاد المني بدم الحيض " .

ويقول البروفيسور : ج.س.جورنجر - في بحث ألقي في عدد من المؤتمرات الدولية - عن الوهم الذي تخيله ارسطوطاليس :"ولم يرتفع هذا الوهم إلا بعد "إعلان كل من (هام) و (فان لوفينهوك) اكتشاف الحوين المنوي البشري عام 1701"(178) .وتوهم الباحثون أن الإنسان يخلق خلقاً تاماً منذ بداية تكوينه ؛ لأن جميع ما يشاهده الناس – لجميع الكائنات الحية – من صور للنمو لا يكون إلا بزيادة حجم الكائن الصغير. وقد عبر علماء أوروبا عن هذه الفكرة في بداية عصر النهضة بالشكل رقم : (1) الذي نشر قرابة عام 1672م. والذي علق عليه البروفسور ج.س. جورنجر بقوله : "ونشرت في الوقت ذاته (أي عام 1672م) تقريباً مجموعة أخرى من الرسومات تظهر تخلق الجنين البشري الشكل (1-6) وتعبر كلها عن رسم واحد ، ولكن بقياس مختلف (ولم يشر إلى ذلك ناشروا ومحكموا الجمعية الملكية للفلسفة عندئذ) فقد كانوا يعتقدون إلى هذا الوقت أن التخلق الإنساني ليس إلا زيادة في الحجم لصورة واحدة تتسع أبعادها بمرور وقت الحمل ، لسيطرة فكرة الخلق التام للإنسان من أول مرحلة على أذهان العلماء)(179) . وحتى بعد اكتشاف المجهر (الميكروسكوب) ، بقي وهم الخلق التام للإنسان من بداية تكوينه مسيطراً على أفكار علماء النهضة الأوروبية. يقول جورنجر وغيره(180) "والرسم الذي قدمه هارت سوكر للحوين المنوي عام 1694م. بعد اكتشاف الميكروسكوب (المجهر) بفترة يدل على أن المجهر يومئذ لم يكن كافياً لبيان تفاصيل تكوين الحوين المنوي ، فأكملت الصورة من خيال العلماء ، وعبروا مرة ثانية عن الفكرة السائدة عندهم وهي (أن الإنسان يكون مخلوقاً خلقاً تاماً في الحوين المنوي في صورة قزم)(181)

وأضافوا إلى هذا الوهم وهماً آخر هو : أن

الإنسان يخلق من ماء الرجل فقط (المنوي)

ولا دور للمرأة في الجنين إلا كدور الأرض

الزراعية في إنبات البذور .

 وحتى بعد اكتشاف البييضة عند المرأة بقيت فكرة الخلق التام مسيطرة على عقولهم؛ بالرغم من أن علماء النهضة الأوروبية غيروا رأيهم عن دور الرجل في الإنجاب ، فزعموا أن الإنسان يخلق خلقاً تاماً في البييضة في صورة قزم أيضاً ، ثم ينمو بزيادة الحجم فقط ، دون أي تغيير في الصورة التي بدأت من بداية خلق البييضة ، وقرروا أن لا دور للرجل في تكوين الجنين إلا كدور المنبه الذي يستحث النمو .

يقول البروفيسور جورنجر "وبينما كان فريق من العلماء يرى أن الإنسان يخلق خلقاً تاماً في بييضة المرأة ؛ كان فريق آخر يقرر أن الإنسان يخلق خلقاً تاماً في الحوين المنوي .

ولم ينته الجدل بين الفريقين إلا حوالي عام (1775م)؛ عندما أثبت سبالانزاني أهمية كل من الحوين المنوي والبييضة في عملية التخلق البشري. بينما نجد في القرآن الكريم والسنة النبوية أن هذه القضايا قد حسمت ، بأن عملية التخلق مشتركة بين الذكر والأنثى. ومما جاء في ذلك قوله تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى ...﴾ (الحجرات:13) (182)

ثم يقول البروفيسور جورنجر عن علماء النهضة الأوروبية في ذلك الوقت :

"إنهم لم يعرفوا بعد : أن خلق الإنسان في رحم أمه يمر بأطوار مختلفة الخلق ، والصورة ؛ وهي الحقيقة التي قررت في القرآن الكريم ، والسنة قبل ذلك بقرون. فالقرآن الكريم يقرر: أن خلق الإنسان ينتقل طوراً بعد طور في بطن أمه في مثل قوله تعالى :  ﴿...يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ...﴾ (الزمر:6) (183)هذان الشكلان الذين عبر بهما علماء أوروبا عن سيطرة فكرة الخلق التام عليهم في القرن السابع عشر والثامن عشر وطرفاً من التاسع عشر

بطلان فكرة الخلق التام

يقول البروفيسور كيث إل.مور : "في عام 1759 دحض وولف كلا الصيغتين لنظرية الخلق التام منذ بداية التكوين ؛ بعد مشاهدته أجزاءً من الجنين تتطور في كريات (ربما الكيس الجرثومي) " ثم قال : "إن الجدل بشأن الخلق التام منذ بداية التكوين انتهى أخيراً في عام 1775م. عندما أظهر سبالزاني أن كلاً من البييضة والحوين المنوي كانا ضروريين لتطوير فرد جديد."(184)

 الخطأ في تقدير أعمار الأجنة

وبتحرر عقول العلماء في أوروبا من فكرة الخلق التام للإنسان منذ بداية خلقه ، ومعرفتهم أن خلق الإنسان يمر بأطوار ومراحل مختلفة في أشكالها وصورها ؛ تساءل العلماء متى يأخذ الجنين صورته الإنسانية ؟ فوجدوا أنفسهم أمام معضلة كبيرة هي : معضلة تحديد عمر الجنين ، فقد كان من العسير على العلماء – قبل اكتشاف بييضة المرأة ، وزمن خروجها من المبيض عند المرأة – أن يحددوا عمر الجنين في بطن أمه ، أو عمر الجنين الذي يسقط من بطن أمه ؛ بسبب عجزهم عن تحديد زمن بداية الحمل ، وكان لابد أن يقعوا في خطأ حسابي يزيد بـ21 يوماً ، أو ينقص كذلك بـ21 يوماً ؛ لأن علامة الحمل عند المرأة تعرف - عندهم يومذاك - بانقطاع حيضها ، فإن بدؤوا حساب الحمل من أول الطهر – وقد أمكن أن يقع في نظرهم يومذاك في آخره – فسيكون الخطأ في تقدير عمر الجنين بزيادة تساوي فترة الطهر أي: 21يوماً ، وإن اعتبروا أن الحمل وقع في آخر الطهر – مع امكان وقوعه في نظرهم يومذاك في أول الطهر – فسيقع النقص في تقدير عمر الجنين بما يساوي 21 يوماً أيضاً .

الجهل بالتطورات التي تظهر على الجنين في كل مرحلة زمنية :

وكما كان تقدير عمر الجنين متعذراً إلا مع خطأ كبير ، فإن تحديد ما يظهر من التطورات في خلق الجنين أثناء جميع مراحل نموه كان كذلك متعذراً ، لقلة العينات المتاحة من الأجنة البشرية ، ولأنه لا يقبل أحد أن يتبرع بابنه حتى يقوم الأطباء بدراسته. ولما يصاحب ذلك من مشقة كبيرة للمرأة إذا أُسقط جنينها ؛ فآلام السقط قريبة من ءالام الولادة .

ولأن تطورات أجهزة وأعضاء الأجنة تنمو باطراد ؛ يصعب معه تحديد الفترة الزمنية التي يظهر فيها الجهاز ، أو العضو بصورته الآدمية في الجنين .

كيف تمكن العلماء من تقدير عمر الجنين وتحديد زمن تكون أعضاء الجنين :

بعد اكتشاف بييضة المرأة في القرن التاسع عشر الميلادي ؛ تمكن الباحثون من تحديد يوم خروجها من المبيض في المرأة ، ومكنهم ذلك من تحديد موعد بداية الحمل بخطأ لا يتجاوز + يوم واحد .

وبعد أن تمكن علماء الطب أخيراً من غرس (كاميرا) في رحم المرأة أثناء حملها أمكنهم متابعة الحمل بدقة بالغة ، وأمكنهم تحديد زمن ظهور أعضاء جسم الجنين، وزمن تشكلها ، وأمكنهم تصوير مراحل تكوين تلك الأعضاء .

المعجزة النبوية في وصف تخلق الجنين بعد الليلة الثانية والأربعين :

رأينا كيف كان علماء النهضة العلمية الحديثة في أوروبا يتخبطون في أوهام متعددة ؛ طوال ثلاثة قرون ؛ أثناء دراستهم لتخلق الجنين البشري من أهمها :

توهمهم أن الإنسان يخلق من دم الحيض ، ولم يتخلصوا من هذا الوهم إلا في القرن السابع عشر الميلادي .

وتوهموا أن الإنسان يخلق خلقاً تاماً من بداية تكوينه ؛ ولم يعرفوا بطلان ذلك إلا في القرن التاسع عشر الميلادي .

ثم توهموا في عام 1694- بعد اكتشاف المجهر – أن الإنسان يخلق خلقاً تاماً في المنوي ؛ ولم يرجعوا عن هذا إلا بعد اكتشاف بييضة المرأة عام 1827 أي : بعد مئة وخمسين سنة من اكتشاف المنوي .

وبعد اكتشاف البييضة توهموا أن الإنسان يخلق خلقاً تاماً فيها ؛ ولم يتبدد وهمهم هذا إلا في الربع الأخير من القرن الثامن عشر عام 1775م .

وكان علماء الأجنة إذا حسبوا عمر الجنين – قبل اكتشاف بييضة المرأة – يقعون في خطأ يتراوح ما بين زائد أو ناقص +21يوماً ، ولم يتمكنوا من تحديد عمر الجنين في مراحله المختلفة إلا في القرن العشرين .

وكان علماء الأجنة يعجزون عن تتبع التطورات التي تحدث على جسم الجنين البشري، وزمن حدوثها ؛ إلى بعد الأربعينات من القرن العشرين ، وبخاصة بعد أن تمكنوا من النظر إلى الجنين بوضوح ، بل وتمكنوا من النظر إلى داخل أجزاء الجنين ؛ وذلك بما تيسر لهم من ءالات للتصوير والتكبير ووسائل الكشف عن المواد المختلفة .لكن الله الذي يعلم ما في الأرحام ، ويعلم السر في السموات والأرض ؛ أخبر رسوله النبي الأمي ، في الأمة الأمية ؛ قبل ألف وأربعمائة عام ، بالليلة المحددة التي يبدأ بعدها الجنين البشري في أخذ صورته الأدمية ، والتي يأخذ بعدها في تشكيل وتكوين أعضائه الأدمية المعروفة لنا ؛ وحجم الجنين لايزيد في تلك الليلة عن (11مم) .

واليوم وبعد أن تمكن العلم في القرن العشرين من مشاهدة ما يحدث للجنين من تطورات ، وحساب الزمن لكل تطور يظهر على جسم الجنين ، يمكننا أن نعتبر الخبر النبوي الذي جاءنا قبل ألف وأربعمائة عام ؛ بمثابة اختبار لصدق نبوة ورسالة محمد – صلى الله عليه وسلم – القائل : "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً ، فصورها ، وخلق سمعها ، وبصرها، وجلدها ، ولحمها ، وعظامها. ثم قال : يارب أذكر أم أنثى ؛ فيفضي ربك ما شاء ويكتب الملك"(185)

ففي هذا الحديث يقرر الرسول r – عشر حقائق من حقائق علم الأجنة هي :

1) يخلق الإنسان من النطفة المنوية – من ماء الرجل وبييضة المرأة – كما سبق بيانه – وقد أشار إلى ذلك الحديث النبوي : "إذا مر بالنطفة" أي أن الإنسان يخلق من النطفة لا من دم الحيض– كما كان شائعاً بين الأطباء إلى القرن السابع عشر .

2) حدد الحديث ليلة معينة من عمر الجنين ؛ يدخل بعدها الملك "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً" .

ويقوم الملك بعد هذه الليلة بما يلي :

3) "فصورها" أي أن الصورة الآدمية للجنين تبدأ بالظهور بعد الليلة الثانية والأربعين .

4) "وخلق سمعها" وكذلك يبدأ ظهور الأذن وجهاز السمع .

5) "وبصرها" أي وخلق بصرها ؛ فيبدأ ظهور العين وجهاز البصر .

6) "وجلدها" ويخلق الملك الجلد بعد الليلة الثانية والأربعين .

7) "ولحمها" ويخلق الملك اللحم (العضلات) بعد نفس الليلة .

8) "وعظامها" ويخلق الملك العظام (الهيكل العظمي) بعد نفس الليلة .

9) "ثم قال : يا رب أذكر أم أنثى" أي أن الملك يبدأ بتشكيل الأعضاء التناسلية الخارجية (الفرج) في الذكر والأنثى ، والتي بها يتم التمييز بين الذكر والأنثى وذلك بعد الليلة الثانية والأربعين أيضاً .

10) يمر الجنين بأطوار قبل الليلة الثانية والأربعين ؛ وهو ليس في صورة آدمية ، ولا توجد فيه الأعضاء والأجهزة التي ذكر الحديث أنها لا تخلق إلا بعد الليلة الثانية والأربعين .

وهيا بنا إلى قادة علم الأجنة في عصرنا نسألهم عن شهادتهم حول ما قاله النبي r قبل ألف وأربعمائة عام .

شهادة العلم الحديث بصدق ما أخبر به الرسول r:-

يقول البروفيسور جولي سمسن وآخران(186) وهو أحد كبار علماء الوراثة والأجنة بأمريكا في بحث ألقي في عدد من المؤتمرات العلمية(187) : "وعند نهاية الأسبوع السادس وقبل اليوم الثاني والأربعين لا تكون صورة الوجه واضحة أو شبيهة بصورة وجه الإنسان الشكل (6-2)

وتكون العين والأذن والأعضاء التناسلية الخارجية في صورة أولية ؛ من مراحل تطورها قبل اليوم الأربعين ، وهي : لا تعمل ، ولا تشبه أعضاء الإنسان(188) ثم يقول(189) :"وتقدير عمر الجنين قبل اكتشاف البييضة وارتباط دورة الحيض بها أمر في غاية الصعوبة "

وهذا هو البروفيسور (ت.ف.ن. برساد) من جامعة (مانتوبا ويننج) بكندا وأحد المشاهير والمؤلفين في علمي: أمراض النساء ، والأجنة بكندا ؛ يحدثنا عن الجنين بعد اليوم الثاني والأربعين، فيقول : "يتكون في بداية الأسبوع السابع من النمو أي: عند حوالي اليوم الثاني والأربعين : الهيكل العظمي الغضروفي ؛ الذي يعطي الجنين شكله الآدمي الخاص ، فيستقيم جذعه ، ويتكون له رأس مستدير الشكل (7-3)

 وتتحرك العينان إلى الأمام في محلهما في الوجه ؛ فيتجلى الشكل الآدمي للجنين الشكل (7-4) ويتم ذلك أيضاً بالنسبة للأنف الذي يأخذ المظهر الآدمي .

أما الأذرع التي ظهرت على شكل براعم في نهاية الأسبوع الرابع ، فتصبح أكثر طولاً بعد اليوم الثاني والأربعين ، وتظهر أصابع واضحة لم تكن موجودة قبل ذلك ، أما مؤخرة العمود الفقري البارزة ، فتتراجع ، وتعتدل تاركة أثراً لا يكاد يلاحظ ؛ وللمقارنة بين الجنين الإنساني قبل اليوم الثاني والأربعين وبعده انظر شكل (7-2) وشكل (7-4) .

مربع نص: صورة رقم :2

 أما البدايات الأولية للأعضاء التناسلية الخارجية فتكون متشابهة في بادئ الأمر بين الذكور والإناث ، وتبدأ التطور قبل اليوم الثاني والأربعين ؛ في الأسبوع الرابع إلا أن الحديبة التناسلية والانتفاخ الشفري العجزي ، والطيات البولية التناسلية ؛ المنشئة للخواص الجنسية المميزة (لفرج الذكر والأنثى) ، لا تظهر إلا في الأسبوع التاسع (أي بعد الليلة الثانية والأربعين) ، كما أنه لا يمكن التفريق بين الأعضاء التناسلية الخارجية المذكرة ، والمؤنثة ؛ إلا بعد الأسبوع الثاني عشر. ثم يقول بروفيسور برساد : "وقد ذكر الرسول  r كل هذه التطورات التي وصفت فيما تقدم ، ومواعيدها في الحديث الذي رواه مسلم عن حذيفة ".وذكر نص الحديث ، ثم قال بروفيسور : برساد :" فهذا الحديث الشريف ؛ يوضح أهمية اليوم الثاني والأربعين في حياة الجنين داخل الرحم ، كما يبين التطورات الدقيقة التي تظهر بعد هذا اليوم.

 وقد أظهرت الدراسات الجنينية الحديثة أن الجنين يكتسب شكله الآدمي خلال هذه الفترة ، ويظهر على الجنين كل ما ورد ذكره في الحديث الشريف منذ أربعة عشر قرناً"(190) .

مربع نص: صورة رقم :2

 هذه الصورة منقولة من كتاب من الحمل إلى الولادة ) (From Conception to Birth لمؤلفه الكساندر تسياراس (Alexander Tsiaras) الصادر في عام …

وقد أخذت هذه الصورة بكاميرا خاصة يمكنها رؤية الجسم البشري أو أي جزء منه ومسحه أو تكبيره أو تدويره ، والتحكم بشفافيته بحيث يمكننا رؤية ما في داخل الكائن الحي وإضاءته من كل زاوية .

لقد جاء التقدم العلمي مصدقاً لما أخبر به الرسول r بعد مرور أربعة عشر قرناً من الزمان ، فدلنا ذلك على أن العلم الذي حمله لنا الحديث الشريف ؛ لا يمكن أن يكون من مصدر بشري ، وأنه لابد أن يكون من عند الله المحيط علماً بكل شيء .

لأن البشرية لم تقف على هذه الحقائق إلا في القرون الثلاثة الأخيرة : الثامن عشر ، والتاسع عشر والقرن العشرين كما مر بنا

ولأن الرسول – r – بعث قبل ألف وأربعمائة عام ، في عصر كانت الجهالة هي السائدة ، والخرافة هي الغالبة ، والأساطير هي الرائجة .

ولأن الرسول r عاش في أمة أمية ، غرقت أفكارها في عبادة الأصنام ، وتاهت عقولها مع مزاعم العرافين والمنجمين ، وكان لها من الأساطير والخرافات والضلالات الحظ الكبير.

ولم يكن لقومه العرب يومذاك اشتغال بالعلم ، وإذا وجد فيهم من يقرأ ويكتب ويركب الخيل فهو الرجل الكامل عندهم .

أما أدوات الكتابة إن وجدت عند أحدهم ؛ فهي بعض قطع من الجلد ، أو العظام ، أو الأحجار الرقيقة ، أو عُسب(191) النخل التي كانوا يكتبون عليها .ولم ينقل عنهم في أقوالهم ؛ أو شعرهم الجاهلي الذي كان محل عنايتهم قبل الإسلام وبعده – ما يدل على عنايتهم بالعلم ؛ أو اشتغالهم به ؛ فكيف بعلم الأجنة الغائب عن أبصارهم ، داخل جدر ثلاثة ، لها ظلمات ثلاث. وهو علم لم تنكشف حقائقه للبشرية إلا بعد النهضة العلمية الحديثة ، وطوال قرون ثلاثة من البحث والدراسة ، وبعد أن توفرت الآلات الحديثة التي ما كان لها وجود قبل قرون النهضة الحديثة .وبهذا التطابق بين ما أخبر به النبي r من دقائق علم الأجنة ، وبين ما كشفه العلم الحديث من حقائق ؛ بتضح برهان من براهين صدق الرسول r.

إنه برهان العلم الإلهي ، الذي تلقاه النبي الأمي ، فانفرد بالإخبار به من بين جميع البشر فجاء تقدم العلم في عصرنا مصدقاً لكل ما قاله الرسول  r ، ولم يخطئ في واحدة منها .

وهل كان أحد يستطيع أن يكذبه – في عصره أو بعد عصره بقرون – لو أنه حدد ليلة أخرى غير الليلة الثانية والأربعين ، أو أعضاء غير الأعضاء التي أخبر عن تكونها ؟!

وهل كان النبي r يحتاج إلى ذكر هذه الحقائق ليصدقه قومه يومذاك وهم لا يعلمون من الأمر شيئاً ؟!

لكنه الوحي من الخالق العليم سبحانه .

المعجزة المدخرة لأجيال عصر الاكتشافات العلمية .

الشهادة الإلهية بصدق الرسول  r﴿لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا(166)﴾ (النساء:166).

5


(80) أسرار المحيطات ، دار الكتاب العربي ، 1996م .(81) Wikipedia, the Free Ency clopedig

(82) يزداد ضغط الماء على الغواص بمقدار ضغط جوي واحد كلما نزل على عمق عشرة أمتار .

(83) عند نزول الغواص إلى هذه الأعماق فإن غاز النتروجين يذوب في الدماء تحت الضغط العالي فإذا ما ارتفع الغواص فجاءة نتيجة لفقدان السيطرة على حركته فإن الضغط يخف ويخرج غاز النتروجين فائراً كما تخرج الغازات الذائبة في قارورة المياه الغازية عند رجها.

(84) في عام1520م استطاع ماجلان أن يعبر المحيط الهادي بمساعدة ملك البرتقال و في عام 1522م تمكنت هذه السفن من أن تبحر حول العالم .(85) في عام 1872م تم إبحار السفينة “تشالنجر” في رحلة بحث علمية لدراسة البحار، مما ساعد على توفير معلومات علمية عن البحار .(86) تشبه الخياشيم .(87) في عام 1960م وفي الثالث والعشرين من يناير نزلت الغواصة تريستا وهي عبارة عن كرة من الصلب جدارها يبلغ سمكه 9 سنتمترات وبإمكانها الهبوط والصعود فقط وعلى متنها كلاً من : دونالد والش وجاكوى بيكارد وبعد أربع ساعات من الهبوط لمسافة 11كلم تم الوصول لأعمق منطقة في المحيط الهادي خانق مريانا واكتشف الإنسان لأول مرة بواسطة هذه الغواصة وجود براكين تحت الماء وعيون ماء حارة وكثير من الأحياء المائية .(88) في عام 1962م تمكن غواصون من البقاء لمدة أسبوع في أول غرفة تشبع "كونشلفIa " وهي بيوت مائية للغواصين .(89) في عام 1977م تم اكتشاف وجود حياة في فوهات أعماق البحار وعثرت مركبة نوتايل على فوهات في أعماق البحر قرب المكسيك يتدفق منها الماء وهو في درجة 350ْم وحين يرتفع ماءها فوق الصخور يتفاعل مع المعادن ليتحول إلى اللون الأسود ويصبح شبيهاً بالمدخنة ، كما تم صناعة غواصة الأبحاث الأمريكية ألفين القادرة على الغوص إلى عمق 3650متر .(90) في عام 1995م صمم البريطاني روبرت ليدز غواصة صفراء تشبه الصحن الطائر معدة للاستخدام التجاري ويمكن بها مراقبة الأسماك على عمق يصل إلى خمسين متراً .(91) صناعة الغواصات النووية(91) : لم يكن باستطاعة الغواصات الصغيرة التي تعمل بالبطاريات من البقاء مغمورة في الماء أكثر من بضعة أيام فقام الإنسان بصناعة الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية والتي يمكنها البقاء لأكثر من سنتين وهي كبيرة الحجم وتحمل طاقماً كبيراً، وتعتبر الغواصة الروسية تايفون من أكبر الغواصات حيث تزن أكثر من 25ألف طن وطولها 172متراً ، والغواصة الروسية كورست التي غرقت في أغسطس 2000م وهي تزن 18 ألف طن وعلى متنها 118فرداً في بحر بارتنس.(92) يعود أول تفسير علمي لظاهرة الأمواج الداخلية للدكتور ف.و. ايكمان V.W Ekman في عام 1322هـ- 1904م الذي فسر ظاهرة المياه الراكدة في الخلجان النروجية حين تفقد السفن التي تبحر قدرتها على التقدم فتقف ساكنة في هذه المياه الراكدة ، كما لاحظ عالم المحيطات النرويجي فريتوف نانسن Nansen تعرض سفينته فرام Fram لهذه الظاهرة شمال جزيرة تايمير خلال عملية استكشاف القطب الشمالي ما بين 1311هـ-1893م و 1314هـ-1896م عند محاولة اجتياز منطقة القطب . لذلك فقد قام نانسن بتشجيع ايكمان على البحث عن تفسير ظاهرة المياه الراكدة فكان رأي ايكمان على أنها تنجم عن الأمواج الداخلية التي تتولد في السطح الفاصل بين المياه السطحية والمياه العميقة للمحيط ، وبعد زمن غير طويل وصف أوتو باترسون Otto petterson تأثير الأمواج الداخلية الطويلة التي تحدث في أعماق البحار على هجرة الأسماك من نوع هيرنج herring بالقرب من سواحل جوتلاند Jutland بالقرب من الساحل الغربي للسويد في فصل الصيف .ويكون مرور الأمواج الداخلية محسوساً من سفن التنقيب عن النفط عندما يتغير ثقل المعوم المربوط بين سفينة الحفر وفتحه البئر الكائنة في قاع البحر بصورة مفاجئة وتم التعرف على هذه الأمواج الداخلية بأثيرها على حركة الغواصات .

(93) أول من وصفه في الكتب العلمية كلاً من سيلادى وسيشنى Ciladi and Secchi في عام 1281هـ-1865م وهو عبارة عن قرص أبيض ذى قطر معين يتم إنزاله في الماء ليسجل العمق الذي تتعذر رؤيته كنقطة قياسية ولايزال هذا القرص قيد الاستعمال حيث يكفى لتحديد قياس تقريبي لشفافية الماء.

 (94) Fol, H. and Sarasin, E. 1884, Sur la penetration de la lumiere du jour dans les eaux du lac de Geneve: Com- ptes Rendus des seances do l’Academie des Sciences, pp 624-627.

(95) من المعروف الآن أن كمية الضوء التي تنفذ إلى أعماق البحار تتناقص تناقصاً رأسياً وفقاً لما يراه جيرلوف Jerlov فينخفض مستوى الإضاءة في مياه المحيط المكشوفة إلى نسبة 10 % عند عمق 35م من السطح وتنخفض إلى 1% عند عمق 85متر وإلى .1% عند عمق 135 م ، وإلى .01% عند عمق 190م وإن أفاد بعض الذين قاموا بالدراسة والمراقبة من الغواصات لمدد طويلة أنهم تمكنوا من رؤية الضوء في أعماق تزيد على ذلك ويرى كلاً من كلارك و دنتون أن الإنسان يستطيع أن يرى الضوء المنتشر على عمق 850م، ومن الواضح أن الأسماك التي تعيش في أعماق البحار ترى أفضل من ذلك إلى حدٍ ما، وهي قادرة على اكتشاف الضوء المنتشر حتى عمق 1000متر مع أن شدة الضوء عند هذا العمق تبلغ (1×10-13 من شدته عند السطح) .

(96) الأطوال الموجية .

اللون

التردد

الطول الموجي

بنفسجي          Violet

7.69-6.59×1014

3.90-4.55×10-7

أزرق               Blue

6.59-6.10

4.55-4.92

أخضر            Green

6.10-5.20

4.92-5.77

أصفر            Yellow

5.20-5.03

5.77-5.97

برتقالي          Orange

5.3-4.82

5.97-6.22

أحمر                 Red

4.82-3.84

6.22-7.80

 

(97) تقوم السحب بامتصاص جزء من الأشعة وتشتيت جزء آخر والسماح بنفاذ بقية الأشعة .

(98) إذا أحدثت موجات في إناء ماء كبير فإنك سترى ظلاً لتلك الأمواج في قاع الإناء .

(99) في مقابلة مع الدكتور/ فاروق الباز .

(100) إنه الحق ص78 ، للشيخ/ عبدالمجيد الزنداني .

(101) الميكرون : 001, 0 من المليمتر .

(102) يمكن الكشف عنها باستخدام الميكروسكوب الإلكتروني .

(103) نتيجة إحلال أو استبدال السلكون الرباعي الشحنة بالألمنيوم الثلاثي الشحنة أو إحلال المغنسيوم الثنائي الشحنة أو الحديد الثنائي الشحنة محل الألمنيوم وهذا الاستبدال يغير حالة التوازن فينتج عن ذلك شحنات سالبة غير معادلة ، والمصدر الآخر للشحنة هو التكافؤات الناقصة عند الحافات المحطمة لصفائح السلكا والألمنيوم

(104) انظر الموسعة البريطانية قرص مدمج ،  موسوعة إنكارتا ميكروسوفت 2002 قرص مدمج. انظر أيضاً "مدخل إلى فلسفة العلوم العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي" د. محمد عابد الجابري ص323 .

(105) ربت الأرض ربواً : عظمت وانتفخت .

(106) أيونات : مفردها أيون ، وهو ذرة أو مجموعة من الذرات فقدت أو اكتسبت إلكترون أو أكثر .

(107) راجع كتاب أساسيات فيزياء التربة للدكتور/ دانيل هليل – الطبعة العربية ص104.

(108) الكهرباء الساكنة .

(109) ينبغي التفريق بين تشبع التربة وانتفاخها فالتشبع يعني امتلاء الفراغات بين حبيبات التربة بالماء وهذا يمكن أن يحصل في وقت قصير أما الانتفاخ فسببه تغلغل الماء في أجزاء حبيبة التربة المفردة وهذه عملية بطيئة وخاصة في التربة الطينية الأمر الذي يتطلب غمر بعض أنواع التربة بالماء مدة طويلة لتنتفخ.

انظر الموقع : www.extension.umn.edu تحت عنوان: How to run a percolation test- University of Minnesota 1992

(110) معجم المقاييس في اللغة .(111) معجم المقاييس في اللغة ، تاج العروس ، القاموس المحيط . (112) القاموس المحيط .

(113) معجم المقاييس في اللغة ، تاج العروس .(114) تاج العروس ، المعجم الوسيط .(115) تاج العروس ، المعجم الوسيط .

(116) تاج العروس ، ترتيب القاموس المحيط . (117) معجم المقاييس في اللغة . (118) لسان العرب ، والمعجم الوسيط .

(119) لسان العرب لابن منظور ، وترتيب القاموس المحيط ، معجم المقاييس في اللغة .

(120) القرطبي 12/13 ، ابن كثير 3/234 ، الألوسي 9/114 (121) القرطبي 12/13 (122) ابن كثير 3/234 (123) ابن كثير 3/234

(124) القرطبي 15/365 ، الألوسي 12/377 (125) الطبري 24/122(126) ابن كثير 4/103

(127) البخاري الجزء الخاص بالتفسير 4/1817 القرطبي 12/13 الصنعاني 4/380 البيضاوي 4/115 مجاهد 2/571 الواحدي 2/828 أبو السعود 6/95 الدر المنثور 7/330 ، الطبري 17/119 ، ابن كثير 3/209 ، الثعالبي 3/72 ، القاسمي 12/9 البغوي 3/275 ، النسفي 3/96 ، زاد المسير 7/260 ، روح المعاني 24/126 .

(128) فتح القدير 3/517 القرطبي 12/13 البغوي 3/275 (129) التبيان في تفسير غريب القرآن 1/301 . (130) الثعالبي 3/72 .

(131) التبيان في تفسير غريب القرآن 1/301 البيضاوي 5/116 القرطبي 12/13 الصنعاني 4/380 أبو السعود 6/95 و 8/15 ، الطبري 24/122 .

(132) الدر المنثور 7/330 .(133) تفسير مجاهد 2/571 ، ابن كثير 3/209 الثعالبي 3/72 ، زاد المسير 5/408.

(134) روح المعاني 9/115 ، القاسمي 12/9. (135) الواحدي 2/957 . (136) الدر المنثور 6/11 ، الطبري 7/119 .

(137) اخترع الميكروسوكب الضوئي على يد "زكاريا جانسن" في هولندا. راجع موسوعة اكسفورد المجلد 9 ص105 .

(138) اخترع على يد المهندس الانجليزي "Sir Charles Oatley" أما الميكروسكوب الالكتروني الناقل والذي يمكن استخدامه أيضاً في فحص الوحدات البنائية للطين فقد أخترع في عام 1932م على يد المهندسين الألمانيين "ماكس نول" و"ايرنست رسكا". انظر موسوعة إنكارتا ميكروسوفت 2002 قرص مدمج ، أساسيات فيزياء التربة ص144 لمؤلفه دانيل هليل ، قسم علوم النبات والتربة جامعة ماسيشيو سيتز أميرستماسيشيو شتز ، الولايات المتحدة الأمريكية .

(139) ففي حوالي 1866م صنع جهاز تقطيع الأنسجة المكون من سكينين متوازيين من قبل هيس His ليتم تحضير الأنسجة كشرائح تحت عدسة المجهر. تاريخ العلوم العام - العلم المعاصر – القرن التاسع عشر، ص400

وكان ميير Meyer في عام 1883م أول من ألصق الشرائح فوق الشفرات بواسطة زلال البيض. تاريخ العلوم العام - العلم المعاصر – القرن التاسع عشر ، ص400

وفي عام 1902م صنع ف . أ .ايفس Ives مجهراً ثنائي العينية ، ثم طور هذا المجهر حتى عام 1938م وبواسطته تم فحص خلية حية في ظروف جيدة جداً. تاريخ العلوم العام – العلم المعاصر – القرن العشرين ص704-705

أما الثورة العلمية الكبرى في القرن العشرين فكانت في اختراع المجهر الإلكتروني الذي بواسطته زاد تكبير المجهريات من 2500 إلى 50أو70 ألف مرة وبين عامي 1952-1953م وخلال القرن العشرين أيضاً درست العضويات الخلوية . وهي الأعضاء التي تتكون منها الخلية والتي تم اكتشافها في نهاية القرن التاسع عشر من حيث التركيب والوظيفة. المرجع السابق ص705 . كما تم توضيح آليات الهضم بصورة تدريجية وبصورة خاصة من خلال فيزيولوجيا الأنسجة والكيمياء الحيوية. تاريخ العلوم العام – القرن العشرين ص682

(140) في عام 1833م قام واو. بومونت بتقديم الملاحظات حول مكونات المعدة والإفرازات المعدية .

استكشف كلود برنار فيزيولوجيا العصائر الهضمية في البداية، ثم اللعاب 1847م والعصارة المعدية 1843م وعصارة البنكرياس ، .. الخ .

وأثبت دور البنكرياس في هضم الشحوم ، وحلل هضم السكر مما قادة إلى اكتشاف مهم وهو وظيفة الكبد الجليكوجنية 1848م ثم استطاع عزل مادة الجليكوجن : الماة الكاربوهيدراتية الرئيسة التي تخزن في الكبد والعضلات المستقرة وهي سكر متعدد ويتكون من سلسلة طويلة من وحدات الجلوكوز التي تتحلل إليها عندما تقوم الحاجة إلى الطاقة في عام 1855م. تاريخ العلوم العام – القرن التاسع عشر ص474

وفي عام 1850م أنجز ف. شولز F.Schulze اختباراً للسليلور : المكون التركيبي الأساسي لجدران الخلايا النباتية ويدخل في صناعة الأخشاب والورق والمنتجات الليفية وتستخدم مشتقاته في صناعة اللدائن وأفلام التصوير الفوتوغرافي والمتفجرات والأغذية من الموسوعة البريطانية .

وفي عام 1865م استخدم ماكس شلتز Max Schultze أوكسيد دويميوم لتلوين المواد الدهنية في الأنسجة الحيوانية وبه تم معرفة الدهون في الأنسجة الحيوانية .

وابتكر بافلو في عام 1890م تقنية فيزيولوجية لدراسة إفراز المعدة  .

(141) تاريخ العلوم العام – العلم المعاصر – القرن العشرين – ص682 .

(142) هرمون معوي يحث البنكرياس والكبد على الإفراز، وهو أول هرمون نموذجي بالمعنى الدقيق للكلمة التي اخترعها ستارلنغ عام 1905م . تاريخ العلوم العام – العلم المعاصر –القرن التاسع عشر ص481

(143) تاريخ العلوم العام – العلم المعاصر – القرن العشرين ص683 .

(144) تاريخ العلوم العام – العلم القديم والوسيط ص513 .(145) تاريخ العلوم العام – القرن التاسع عشر ص471 .

(146) المرجع السابق ص474 .(147) المرجع السابق ص476 .(148) المرجع السابق ص482 . (149) التي تتكون في الحيوانات المجترة من أربع ردهات .(150) هي منتجة أحماض دهنية طيارة كالخليك والبروبيونيك واليبوتريك علاوة على اللاكتيك وثاني أكسيد الكربون والمبتمان . (151) منتجة بيبتيدات وأحماض أمينية في الدم أو تدخل في بناء البروتين البكتيري .

(152) كالتربين ، كيموتربين ، أميليز ، ليبز ، يتيديز، مالتيز .

(153) يمكن تحريكه داخل الأمعاء بسهولة كما يفعل الجزار عند تخلصه من فرث الأمعاء ويمكن امتصاص المواد الغذائية التي تحولت إلى جزيئات بسيطة بواسطة الخملات .

(154) وهي عبارة عن بروزات أو نتوءات تغطي سطح بطانة غشاء الأمعاء الدقيقة لكي تزيد من سطح الامتصاص، حيث تبلغ هذه المساحة في الأبقار حوالي 17م2 رعاية الحيوان ص142.

(155) منها : - 1لأسموزية أو الانتشار .

- النفاذية لاختلاف الشحنات الكهربية .

- بالفعل الحيوي للأنسجة الطلائية أي بالاختيارية .

(156) لاحظ أن جهاز جولجي يسهم في معالجة بروتينات اللبن وصناعة اللاكتوز والسحب الاسموزي للماء ويفرز سكر اللبن ومعظم الماء عبر حويصلات الإفراز مع بروتينات اللبن .

(157)  في القاموس المحيط.

(158)  الفيروزأبادي/ وابن منظور في لسان العرب.

(159) هو شكل : 2 في بحث الظواهر البحرية .

(160) فعديدات الأشواك فيفينس وَمَعِدِيَّاتُ الأرجل لبتورينا، نيريتا والسركانات توجد في المصبات ولكنها يمكن أن تعيش في المناطق البحرية عند مناسبة الظروف البيئية، أما النيريس وهي من عديدات الأشواك، ومَعِدِيَّات الأرجل نيريتينا، هيدروبيا والقشريات سيانثورا فتعتبر حيوانات لمنطقة المصب ولا توجد في البحر، ومعظم كائنات البيئات الثلاث تموت إذا خرجت من بيئتها الخاصة بها) .

(161) لسان العرب 2/364(162) المفردات 465(163) تاج العروس 2/99(164) جامع البيان للطبري 19/15(165) الجامع لاحكام القران 13/58

(166) البحر المحيط 6/50(167) روح المعاني 19/33-35(168) تفسير الخازن في كتاب مجموعة التفاسير 4/451(169) التفسير الكبير 24/100

(170) فتح القدير 4/82-83(171) اضواء البيان 6/338-340(172) رواه احمد 2/162 في المسند عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه

(173) معجم مقاييس اللغة 5/316(174) الصحاح 1/341(175) لسان العرب 2/364-365

(176) أخرجه البخاري ك/ فضائل القرآن ، ب/ كيف نزل الوحي وأول ما نزل ، ومسلم ك/ الإيمان ، ب/ وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد إلى جميع الناس .

(177) كيث ال. مور هو من أشهر علماء عصرنا في مجال علم الأجنة ، وكتابه مترجم إلى سبع لغات غير الإنجليزية ، منها : الروسية ، والصينية ، واليابانية ، والألمانية .

(178) نظرة تاريخية في علم الأجنة للبروفسور ج.س. جورنجر جامعة جورج تادن واشنطن العاصمة وغير كتاب : علم الأجنة .

(179) بروفيسور جورنجر وغيره كتاب : علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة ص14 . (180) زنداني – مصطفى . (181) المصدر السابق ص20،21 .

(182) المصدر السابق ص21 . (183) نفس المصدر ص21 . (184) كيث ل.مور في كتابه : الجنين البشري مع الإضافات الإسلامية ص . 

(185) صحيح مسلم – كتاب القدر ج4 ص 2037 ح 3/2645، وله طريق آخر عنده عن حذيفة بن أسيد ، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير 3/178 ح3044، والطحاوي في مشكل الآثار 3/278، وأبو داود في كتاب القدر ورقة 44/45 ، وجعفر الفرياني انظر : فتح الباري 11/483 .

(186) الدكتور/ مصطفى عبدالباسط والزنداني . (187) منها مؤتمرات الرياض ، والقاهرة ، وإسلام آباد. المتعلقة بالإعجاز العلمي . 

(188)كتاب علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة ص144 .(189) نفس المرجع ص156.(190) علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة ص163-170 الطبعة العربية

 (191) عسيب النخل هو جريدة النخل المستقيمة يكشط خوصها وما لم ينبت عليه الخوص وجمع عسيب عُسب .