منطقة المصب والحواجز
بين البحار
للشيخ عبد
المجيدالزنداني
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:فإن مبحثاً هاماً جديداً أضيف بهذا الكتاب إلى أبحاث الأعجاز في القرآن والسنة. ذلك هو مبحث (الإعجاز العلمي)، ما كان ليعطي أثره لولا تلك الكشوفات والتجارب والوسائل والأدوات المخترعة الحديثة. إذا أضاف بذلك تأييداً جديداً صدر من أفواه قوم يهتمون بالعلم وقوانينه وعلاقاته أما شأن الدين بالنسبة إليهم فبعيد عن اهتمامهم ومتابعاتهم.وكان في تقريب المقارنة أمامهم بين حصيلة ما اكتشفوه من القوانين العلمية وما تضمنه القرآن الكريم والسنة النبوية من أخبار وآراء في ذلك. مدعاة لأن يؤمن بعضهم وتأخذ الحيرة بعضهم الآخر، مما يجعل قضية الإعجاز تشمل المؤمنين والمعاندين في هذا العصر كما اشتملت عليهم بصنفيهم يوم نزل القرآن الكريم لأول مرة.وهكذا تتجدد الصورة من وجوه أخرى لتكون معركة التحدي ذات وجه جديد يأخذ اليوم طابع منجزات أو مكتشفات علمية ما كان لمحمد رسول الله
r أن يتحدث بها أو يخبر عنها أو يتلوها على مسامع البشر قبل 1400 عام دون وحي من الله تعالى.ولقد مر بها الناس آنذاك مستسلمين لها دون إدراك لأبعادها وقوانينها حتى جاء العلم الحديث بعلمائه وخبرائه ووسائل قياساته وملاحظاته فكشف عن أبعاد في قضايا الخلق والمادة والجنين والجبال والبحار والنبات والحيوان والفلك، ما أذهل العلماء حين عرفوا سبق القرآن الكريم والسنة النبوية إلى الإشارة إليها والتفصيل على نحو ما في بعض قضاياها وخفاياها.وكتاب (منطقة المصب والحواجز بين البحار) أحد هذه الكتب التي تكشف عن مدلول علمي اكتشفه علماء العصر الحديث أشارت إليه من قبل آيات في كتاب الله تبارك وتعالى:﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينما برزخ وحجراً محجوراً﴾.وقوله تعالى:
﴿مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان﴾.وقوله تعالى:
﴿وجعل بين
البحرين حاجزاً﴾
كتبه الشيخ عبدالمجيد الزنداني –حفظه الله- جمع فيه استقصاءات لغوية، وحقائق علمية، وآراء للمفكرين والمفسرين، ما جعله أثراً علمياً نفيساً، ومحرضاً عقلياً ونفسياً فيه ما يبهر العقول ويثير النفوس، تتحرك بقلب مفتوح مقبلة على الخالق عز وجل الذي مرج البحرين وجعل بينهما برزخاً لا يبغيان.﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾.
أوفى الكتاب على الغاية في كشف أسرار من الكون العظيم تهتدي إلى الإيمان وتعمِّق مسيرته. لا بد لكل منصف متشوق للحقيقة أن يقرأه فيرى فيه من عجائب الخلق وقدرة الصانع ما يجعله يحرص على قراءته المرة بعد الأخرى فيزداد إيماناً يفيض به على من حوله، يقدم الخير لكل من يريد له الخير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين…
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:تضمن القرآن الكريم الذي أنزل قبل أكثر من (1400) عام بعض المعلومات عن ظواهر بحرية لم تكتشف إلا حديثاً بواسطة بعض الأجهزة المتطورة. ففي قوله تعالى:
﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً﴾[الفرقان:53] وصف لنظام المصب، وتوضيح لامتزاج الماء العذب وماء البحر، وأن منطقة الامتزاج محمية ببعض القيود على ما يدخل إليها أو يخرج منها. وقد برهن العلم الحديث على خواص المصب هذه. كما برهنت علوم الأحياء الحديثة على أن هذه المنطقة هي منطقة محصورة تعيش فيها بعض الحيوانات الخاصة بهذه البيئة.
وبالإضافة إلى بيان وجود هذه الحواجز بين الماء العذب وماء البحر المالح فقد ذكر القرآن الكريم أيضاً وجود حواجز مماثلة في البحار نفسها قال تعالى:
﴿مرج البحرين يلتقيان* بينهما برزخ لا يبغيان﴾ [الرحمن:19-20] وتشبه هذه الحواجز الحدود المائية بين مياه المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وبين مياه البحر الأحمر وخليج عدن وفي مواقع أخرى من بحار العالم.
المقـــدمة
علم البحار علم حديث يعنى بمختلف ظواهر عالم البحار. وبالرغم من أن الإنسان الأول كان على صلة قوية مع الأنهار والبحار إلا أنه لم يحاول فهم هذا الحقل فهماً علمياً. إذ كان اهتمامه منصباً على التعرف على خواص الأرض التي يعيش عليها، وعلى ما يحيط به من أمور أخرى سهلة المنال. وقد ذكر الفلاسفة الأوائل قبل عهد المسيح عليه السلام بعض الآراء عن الظواهر الطبيعية إلا أنهم لم يتطرقوا إلى ذكر البحار. ومع أن المفاهيم القديمة قد كونت بعض أسس العلوم الحديثة. إلا أنه لا يوجد ذكر عن القيام بأية محاولة لفهم أسرار الحبار، ما عدا بعض المحاولات حول الملاحة لتسهيل أمر رحلاتهم البحرية وتجنب مخاطرها. وقد قام (بيثيس) في القرن الرابع قبل الميلاد بربط العلاقة بين القمر والمد والجزر.
وقد درس أرسطو في نفس الفترة الحياة في بحر إيجه وناقش نظريات الفلاسفة الأوائل. وقد جمع (سترابوا) بعد ذلك في القرن الثاني قبل الميلاد بعض المعلومات عن المد بطريقة غير معروفة.
وقد جاء في بحث للباحث محمد إبراهيم السمرة ما نصه:
(يحدثنا التاريخ أن العرب والفرس بعد ظهور الإسلام كانت لهم محاولات علمية في مجال علم البحار، ويذكر العالم الجغرافي ابن خرداذبة سنة (232هـ-846) ميلادية في كتابه (المسالك والممالك) أن الملاحين العرب والفرس في بحر العرب على علم بأن التيارات تعكس اتجاهها هناك مرتين في السنة. وبعد مرور مائة عام وصف المسعودي في موسوعته (مروج الذهب ومعادن الجوهر) حركات المحيط في جنوب بحر العرب قائلاً: (إن البحر الحبشي يمتد من الشرق إلى الغرب على طول خط الاستواء، وإن التيار يتغير في معظم أنحاء هذا البحر عندما تتغير الرياح الموسمية) ويحكي التاريخ أيضاً أن ابن ماجد قد دون معارفه عن بحر العرب في أربعين كتاباً، تتضمن إرشادات ملاحية، وكان ملماً بدورة الرياح في شمال خط الاستواء وجنوبه، فكيف إبرة البوصلة على قرص في علبة تضم دورة الرياح، كما كان يتحدث عن
(فصول الملاحة في المحيط الهندي).
(وبالرغم من قيام الكثيرين بالعديد من الرحلات حول العالم، بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، لكنهم لم يحاولوا توسيع دائرة معلوماتهم العلمية عن البحار ويوضح (الشكل:1) عن تيار الخليج كيف أن الكتاب الأول الذي ظهر عن علم البحار في القرن الثامن عشر كان بدائياً في معلوماته).(ثم بدأ علم المحيطات يأخذ مكانه بين العلوم الحديثة عندما قامت السفينة البريطانية تشالنجر برحلتها حول العالم من عام (1293هـ) (1872-1876م) ثم توالت الرحلات العلمية لاكتشاف البحار)
.وفي نهاية القرن العشرين بدأ الأمل يزداد في فهم الإنسان للبحر عن طريق
الأقمار الصناعية والتصوير عن بعد (Thurman, 1985)ويشهد التطور التاريخي في سير علم البحار بعدم وجود معلومات دقيقة عن البحار قبل (1400) عام، في فترة نزول القرآن الكريم على نبي أمي في أمة أمية، في صحراء جزيرة العرب، ومع ذلك فقد زخر القرآن الكريم بذكر أسرار الكون التي عرف الإنسان بعضها في عصرنا الحاضر، ومنها أسرار علم البحار، والتي منها ما يبينه هذا البحث فيما يأتي
:
1- أسرار المصب والحاجز بين النهر والبحر
في القرآن الكريم: قال تعالى:﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً﴾ [الفرقان:53].المعاني اللغوية وأقوال المفسرين في الآية:اللفظ مرج يأتي بمعنيين بارزين:الأول: الخلط
قال تعالى:﴿بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج﴾[ق:5].وجاء في لسان العرب (أمر مريج: أي مختلط) وقال الأصفهاني في المفردات: (أصل المرج: الخلط) وقال الزبيدي: (ومرج الله البحرين العذب والمالح خلطهما حتى التقيا…).
وقال الزجاج: مرج: خلط يعني البحر الملح والبحر العذبز
وقال ابن جرير الطبري: (والله الذي خلط البحرين فأمرج أحدهما في الآخر وأفاضه فيه) وأصل المرج: الخلط ومنه قول الله: (في أمر مريج) أي: مختلط.وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: (مرج البحرين) يعني خلع أحدهما على الآخر. وعن مجاهد: أفاض أحدهما على الآخر. وعن الضحاك بمثل قول ابن عباس وذهب إلى هذا المعنى جمهور من المفسرين منهم: القرطبي
وأبو حيان والآلوسي والخازن ……. ………. والرازي والشوكاني والشنقيطي.
الثاني: مجيء وذهاب واضطراب (قلق)
قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: (الميم والراء والجيم أصل صحيح يدل على مجيء وذهاب واضطراب) وقال: مرج الخاتم في الأصبع: قلق. وقياس الباب كله، منه (ومرجت أمانات القوم وعهودهم): اضطربت واختلطت. وجاء نفس المعنى في الصحاح للجوهري ولسان العرب وبذلك قال الزبيدي والأصفهاني
.
(البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج)
البحر العذب هو النهر، ووصفه القرآن الكريم بوصفين: عذب ، وفرات ومعناهما: أن ماء هذا البحر شديد العذوبة، ويدل عليه وصف (فرات)، وبهذا الوصف خرج ماء المصب الذي يمكن أن يقال إن فيه عذوبة، ولكن لا يمكن أن يوصف بأنه فرات.
وما كان من الماء ملحاً أجاجاً فهو ماء البحار، ووصفه القرآن الكريم بوصفين (ملح) و(أجاج) وأجاج معناه شديد الملوحة، وبهذا خرج ماء المصب لأنه مزيج بين الملوحة والعذوبة فلا ينطبق عليه وصف: ملح أجاج.
وبهذه الأوصاف الأربعة تحددت حدود الكتل المائية الثلاث:
هذا عذب فرات: ماء النهر.
وهذا ملح أجاج: ماء البحر.
وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً: البرزخ هو الحاجز المائي المحيط بالمصب.
فما هو الحجر المحجور؟
الحِجْر والحَجْر: هو المنع والتضييق
يسمى العقل حِجْراً: لأنه يمنع من إتيان ما لا ينبغي قال تعالى:
﴿هل في ذلك قسم لذي حجر﴾ [الفجر:5] والسفيه يَحْجُر عليه القاضي من التصرف في ماله فهو في حِجْر أو حَجْر والكسر أفصح
.وجاء في حديث الرسول r للأعرابي:
"لقد تحجرت واسعاً" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد
.قال ابن منظور: (لقد تحجرت واسعاً) أي ضيقت ما وسعه الله وخصصت به نفسك دون غيرك . ونستطيع أن نفهم الحجر هنا: بأن الكائنات الحية في منطقة اللقاء بين البحر والنهر تعيش في حجر ضيق ممنوعة أن تخرج من هذا الحجر.
ووصفت هذه المنطقة أيضاً بأنها محجورة أي ممنوعة، ونفهم من هذا اللفظ معنى مستقلاً عن الأول أي أنها أيضاً منطقة ممنوعة على كائنات أخرى من أن تدخل إليها فهي:
حجر (حبس، محجر) على الكائنات التي فيها.
محجورة على الكائنات الحية بخارجها.
ويكون المعنى عندئذٍ: وجعل بين البحر والنهر برزخاً مائياً هو: الحاجز المائي المحيط بماء المصب، وجعل الماء بين النهر والبحر حبساً على كائناته الحية ممنوعاً عن الكائنات الحية الخاصة بالبحر والنهر.ولم يتيسر للمفسرين الإحاطة بتفاصيل الأسرار التي ألمحت إليها الآية، لأنها كانت غائبة عن مشاهدتهم وتعددت أقوالهم في تفسير معانيها الخفية:فقال بعضهم في قوله تعالى:
﴿وهو الذي مرج البحرين﴾[ الفرقان:53] أي خلطهما فهما يلتقيان. ويستند هذا القول إلى المعنى اللغوي للفظ: (مرج)، وقررت طائفة أخرى من المفسرين أن معنى
﴿وهو الذي مرج البحرين﴾ أي (وهو الذي أرسلهما في مجاريهما فلا يختلطان.).قال ابن الجوزي: قال المفسرون: والمعنى أنه أرسلهما في مجاريهما فما يلتقيان، ولا يختلط الملح بالعذب، ولا العذب بالملح
.وقال أبو السعود: (وهو الذي مرج البحرين: أي خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث
لا يتمازجان، من: مرج دابته: أخلاها
.وبمثله قال البيضاوي والشنقيطي في أحد قوليه وطنطاوي جوهري في تفسير الجواهر . والذين قرروا هذا المعنى نظروا إلى قوله تعالى:
﴿وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً﴾. وتقرير اختلاط الماءين يبدو متعارضاً مع وجود البرزخ والحجر المحجور. ولذلك رجح بعض المفسرين معنى الخلط. ورجح الآخرون معنى المنع.وكذلك الحال في تفسير البرزخ، فقد قرر بعض المفسرين أن برزخاً: حاجزاً من الأرض ، وبمثله قال أبو حيان
والرازي والآلوسي والشنقيطي .ولقد رد ابن جرير الطبري هذا القول، فقال: (لأن الله تعالى ذكره أخبر في أول الآية أنه مرج البحرين، والمرج هو الخلط في كلام العرب على ما بينت قبل فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين، والملح الأجاج أرضاً أو يبساً لم يكن هناك مرج للبحرين، وقد أخبر جل ثناؤه أنه مرجهما. وبين البرزخ فقال:
﴿وجعل بينهما برزخاً﴾: حاجزاً لا يراه أحد)
.وقال ابن الجوزي عن هذا البرزخ: (مانع من قدرة الله لا يراه أحد) .وقال الزمخشري : (حائلاً من قدرته) كقوله تعالى:
﴿بغير عمد ترونها﴾ [ الرعد:2] وبمثلهم، قال الأكثرون، منهم: القرطبي والبقاعي
.فتأمل كيف عجز علم البشر عن إدراك تفاصيل ما قرره القرآن الكريم.فمن المفسرين من ذكر أن البرزخ أرضاً أو يبساً (حاجز من الأرض)
.ومنهم من أعلن عجزه عن تحديده وتفصيله فقال: (هو حاجز لا يراه أحد)، وهذا يبين لنا أن العلم الذي أوتيه محمد r فيه ما هو فوق إدراك العقل البشري في عصر الرسول r، وبعد عصره بقرون.وكذلك الأمر في الحجر المحجور. فقد ذهب بعض المفسرين إلى حملها على المجاز، وذلك بسبب نقص العلم البشري طوال القرون الماضية.قال الزمخشرين: (فإن قلت، حجراً محجوراً ما معناه؟ قلت: هي الكلمة التي يقولها المتعوذ وقد فسرناها، وهي هنا واقعة على سبيل المجاز كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول:حجراً محجوراً) وبمثل ما قال الزمخشري قال غيره من المفسرين كأبي حيان
والرازي والآلوسي، والشنقيطي .
التحقيق العلمي
شاهد الإنسان منذ القديم النهر يصب في البحر، ولاحظ أن ماء النهر يفقد –بالتدريج- لونه المميز، وطعمه الخاص كلما تعمق في البحر، ففهم من هذه المشاهدة أن النهر يمتزج بالتدريج بماء البحر، ولولا ذلك لكان النهر بحراً عذباً يتسع كل يوم حتى يطغى على البحر.
ومع تقدم العلم وانطلاقه لاكتشاف أسرار الكون أخذ يبحث عن كيفية اللقاء بين البحر والنهر، ودرس عينات من الماء حيث يلتقي النهر بالبحر، ودرس درجات الملوحة والعذوبة بأجهزة دقيقة، وقاس درجات الحرارة، وحدد مقادير الكثافة، وجمع عينات من الكائنات الحية وقام بتصنيفها، وحدد أماكن وجودها، ودرس قابليتها للعيش في البيئات النهرية والبحرية.
وبعد مسح لعدد كبير من مناطق اللقاء بين الأنهار والبحار اتضحت للعلماء بعض الأسرار التي كانت محجوبة عن الأنظار، واكتشف الباحثون أن المياه تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
(1) مياه الأنهار وهي شديدة العذوبة.
(2) مياه البحار وهي شديدة الملوحة.
(3) مياه في منطقة المصب مزيج من الملوح والعذوبة، وهي منطقة فاصلة بين النهر والبحر متحركة بينهما بحسب مد البحر وجزره، وفيضان النهر وجفافه، وتزداد الملوحة فيها كلما قربت من البحر، وتزداد درجة العذوبة كلما قربت من النهر.
(4) يوجد برزخ مائي يحيط بمنطقة المصب ويحافظ على هذه المنطقة بخصائصها المميزة لها حتى ولو كان النهر يصب إلى البحر من مكان مرتفع في صورة شلال.
(5) عدم اللقاء المباشر بين ماء النهر وماء البحر في منطقة المصب بالرغم من حركة المد والجزر وحالات الفيضان والانحسار التي تعتبر من أقوى عوامل المزج، لأن البرزخ المحيط بمنطقة المصب يفصل بينهما على الدوام (انظر شكل2)
.
(6) يمتزج ماء النهر بماء البحر بصورة بطيئة مع وجود المنطقة الفاصلة من مياه المصب، والبرزخ المائي الذي يحيط بها ويحافظ على وجودها.
(7) تختلف الكتل المائية الثلاث (ماء النهر، ماء البحر، وماء المصب) في الملوحة والعذوبة، وقد شاهد الباحثون الذين قاموا بتصنيف الكائنات الحية الموجودة فيها ما يلي:
أ- معظم الكائنات التي في البحر والنهر والمصب لا تستطيع أن تعيش في غير بيئتها.
[ويوجد بعض الأنواع القليلة مثل سمك السلمون، وثعابين البحر تستطيع أن تعيش في البيئات الثلاث، ولها قدرة على أن تتكيف مع كل بيئة فعديدات الأشواك (فيفينس) وَمَعِدِيَّاتُ الأرجل (لبتورينا، نيريتا) والسركانات توجد في المصبات ولكنها يمكن أن تعيش في المناطق البحرية عند مناسبة الظروف البيئية، أما (النيريس) وهي من عديدات الأشواك، ومَعِدِيَّات الأرجل (نيريتينا، هيدروبيا) والقشريات (سيانثورا) فتعتبر حيوانات لمنطقة المصب ولا توجد في البحر، ومعظم كائنات البيئات الثلاث تموت إذا خرجت من بيئتها الخاصة بها]
.
ب- وبتصنيف البيئات الثلاث باعتبار الكائنات التي تعيش فيها تعتبر منطقة المصب منطقة حجر على معظم الكائنات الحية التي تعيش فيها، لأن هذه الكائنات لا تستطيع أن تعيش إلا في نفس الوسط المائي المتناسب في ملوحته وعذوبته مع درجة الضغط الاسموزي في تلك الكائنات، وتموت إذا خرجت من المنطقة المناسبة لها، وهي منطقة المصب.
وهي في نفس الوقت منطقة محجورة على معظم الكائنات الحية التي تعيش في البحر والنهر، لأن هذه الكائنات تموت إذا دخلتها بسبب اختلاف الضغط الاسموزي أيضاً.
وبعد: فإن هذا النظام البديع قد جعله الله تعالى لحفظ الكتل المائية الملتقية من أن يفسد بعضها خصائص البعض الآخر، ليبقى ذلك الاختلاف رحمة للناس وسائر الكائنات.وإذا كانت العين المجردة لا تستطيع أن ترى هذا الحاجز الذي يحفظ الله تعالى به منطقة المصب، فإن الأقمار الصناعية اليوم قد زودتنا بصورة باهرة، تبين لنا حدود هذه الكتل المائية الثلاث، التي تزداد وضوحاً كلما ازداد الفارق في حرارة الماء وما يحمله من مواد. (انظر الشكل)
.[وبالرغم من أن الماء العذب يمتزج مع ماء البحر فإن هناك حدوداً على طرفي منطقة الامتزاج المحدودة، التي تفرض قيوداً على ما يدخلها أو يخرج منها.وهذا الوصف ينطبق تماماً على نظام المصب.ويوجد اليوم اختلاف حول التعريف الأساسي لهذا المصطلح، ولكن العلم الحديث أثبت وجود حدود على طرفي منطقة الامتزاج]
.فانظر كيف حارت العقول الكبيرة عدة قرون –بعد نزول القرآن الكريم- في فهم الدقائق والأسرار، وكيف جاء العلم مبيناً لتلك الأسرار، وصدق الله القائل:
﴿وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها﴾ [النمل:93].وانظر كيف استقر المعنى بعد أن كان قلقاً.قال تعالى:
﴿لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون﴾ [الأنعام:67]. وقال تعالى:
﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ [ص:88].فمن أخبر النبي الأمي في الأمة الأمية في البيئة الصحراوية حيث لا وجود لنهر ولا لمصبه عن هذه الأسرار الدقيقة عن الكتل المائية المختلفة التركيب: عذب فرات، مالح أجاج، وبينهما برزخاً وحجراً محجوراً.والحَجْر: هو المكان المحجور لكائنات حية تعيش في هذه البيئات المائية الثلاث؟!.وكم استغرق الإنسان من الزمن؟ وكم استخدم من الآلات الدقيقة والأجهزة الحديثة حتى تمكن من الوصول إلى هذه الحقائق التي جرت على لسان النبي الأمي قبل ألف وأربعمائة عام بأوجز تعبير وأوضح بيان؟من أين جاء هذا العلم لمحمد عليه الصلاة والسلام إن لم يكن من عند الذي أحاط بكل شيء علماً.
|
ما يخرج منها |
الفاصل بينهما |
النوع |
النص |
|
|
(1) بينهما برزخاً (2) وحجراً محجوراً |
عذاب فرات وملح أجاج |
﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً﴾ |
|
يخرج منها اللؤلؤ والمرجان |
بينهما برزخ |
البحرين |
﴿مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ |
جدول يبين الفرق في الوصف القرآني لمنطقتي اللقاء بين بحرين عذب ومالح يزيد بشيء ذكره القرآن الكريم وهو: (حجراً محجوراً)، وهذا ما بينه الدارسون فيما يسمى بمصبات الأنهار التي تحاط ببرزخ مائي يفصلها عن البحر والنهر، وتعتبر منطقة حجر للكائنات الحية الخاصة بها، ومنطقة محجورة على الكائنات الحية الخاصة بالبحر والنهر.
وبينت الآية أن البحرين المذكورين فيها، يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، والمرجان لا يكون إلا في البحار المالحة، ولذلك لا توجد بين البحرين المالحين منطقة (حجراً محجوراً) على الكائنات الحية، لأن الاختلاف في درجة الملوحة ليس شديداً ليكون مانعاً لانتقال الكثير من الأحياء البحرية من بيئة إلى بيئة أخرى.
ولقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن الحاجز الذي يفصل بين البحرين المذكورين هو حاجز من قدرة الله لا يرى كما قال ابن الجوزي وغيره، وذلك يوضح عجز أكابر العلماء عن أن يحيطوا بتفاصيل ودقائق ما ذكره القرآن. وصدق الله القائل:
﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ [سورة البقرة، الآية:255] وعندما شاء المولى أن يُري الإنسان تفاصيل هذه الآية كشف لهم قدراً من العلوم ازدادوا به علماً في هذا المجال، ومع كل كشف يتضح للإنسان حدود علمه، ولله در المفسرين الذين يقولون بعد كل تفسير والله أعلم.
وقد أشكل على المفسرين التوفيق بين وجود برزخ حاجز من طغيان بحر على الآخر وبين وجود حالة اختلاط بين البحرين وهو ما يدل عليه لفظ (مرج) لأن من قرر أن البحرين مختلطان، فقد أهمل دور البرزخ ووظيفته في منع البغي بين البحرين، ومن قرر وجود الحاجز المانع اضطر إلى تأويل لفظ (مرج) إلى معنى غير معناه الأصلي الدال على الاختلاط.
التحقيق العلمي
لقد توصل علماء البحار بعد تقدم العلوم في هذا العصر إلى اكتشاف الحاجز بين البحرين كما يلي:
هناك برزخ بين البحرين يتحرك بينهما يسميه علماء البحار (الجبهة) تشبيهاً له بالجبهة التي تفصل بين الجبهتين، وبهذا يحافظ كل بحر على خصائصه التي قدرها الله له، ويكون مناسباً لما فيه من كائنات حية تعيش في تلك البيئة.
وهناك اختلاط بين البحرين رغم وجود هذا البرزخ لكنه اختلاط بطيء يجعل القدر الذي يعبر من بحر إلى بحر آخر يتحول إلى خصائص البحر الذي ينتقل إليه، دون أن يؤثر على تلك الخصائص.
اكتشف علماء البحار سر اختلاف تركيب البحار المالحة في عام (1284هـ 1873م) على يد البعثة العلمية البحرية الإنجليزية في رحلة (تشالنجر) فعرف الإنسان أن المياه في البحار تختلف في تركيبها عن بعضها من حيث درجة الملوحة، ودرجة الحرارة، ومقادير الكثافة، وأنواع الأحياء المائية، ولقد كانت هذه الأسرار ثمرة رحلة علمية استمرت ثلاثة أعوام وهي تجوب في جميع بحار العالم.
وأقام الإنسان مئات المحطات البحرية لدراسة خصائص البحار المختلفة فقرر العلماء أن الاختلاف في هذه الخصائص يفصل مياه البحار المختلفة بعضها عن بعض، لكن لماذا لا تمتزج البحار وتتجانس رغم تأثير قوتي المد والجزر التي تحرك مياه البحار مرتين كل يوم، وتجعل البحار في حالة ذهاب وإياب، واختلاط واضطراب، إلى جانب العوامل الأخرى التي تجعل مياه البحر متحركة مضطربة على الدوام؟
ولأول مرة يظهر الجواب على صفحات الكتب العلمية في عام (1361هـ-1942م)، فقد أسفرت الدراسات الواسعة لخصائص البحار عن وجود خواص مائية تفصل بين البحار الملتقية، وتحافظ على الخصائص المميزة لكل بحر من حيث الكثافة والملوحة، والأحياء المائية، والحرارة، وقابلية ذوبان الأوكسجين في الماء، ويكون الاختلاط بين ماء البحار عبر هذه الحواجز بطريقة بطيئة، يتحول معها الماء الذي يعبر الحاجز إلى خصائص البحر الذي دخل فيه.وهكذا يحدث الاختلاط بين البحار المالحة، مع محافظة كل بحر على خصائصه وحدوده المحددة بوجود تلك الحواجز المائية بين البحار.وأخيراً تمكن الإنسان من تصوير هذه الحواجز المتحركة المتعرجة بين البحار المالحة عن طريق تقنية خاصة بالتصوير الحراري بواسطة الأقمار الصناعية.
وقد جاء في بحث الظواهر البحرية ما يلي:
إن مياه البحار بالرغم من أنها تبدو متجانسة إلا أن هناك فروقاً كبيرة بين بعض الكتل المائية في بعض مناطق البحار العالمية.
وتتحرك هذه الكتل على شكل وحدات متفرقة تفصلها عن بعضها البعض حدود واضحة وتحتفظ بخواصها رغم تحركها إلى مسافات بعيدة دون أن تمتزج مع بعضها.
ويبين (الشكل3) حدود مياه البحر الأبيض المتوسط الساخنة والمالحة، عند دخولها في المحيط الأطلسي ذي المياه الباردة والأقل ملوحة منها.كما توجد مثل هذه الحدود بين مياه البحر الأحمر ومياه خليج عدن
.و(الشكل4) يوضح الأنواع المختلفة للكتل المائية في المحيطات العالمية والحدود الموجودة بينها.كما يوضح كتل المياه السطحية المختلفة في بحار العالم.وهناك نقطة مهمة أخرى وهي الفرق الدقيق بين نوعي الحاجز كما ظهر بالدراسات العلمية الحديثة ووصف وصفاً دقيقاً. إذ لا توجد بين الكتل المائية في البحار منطقة محدودة كتلك التي توجد في منطقة المصب.ومن المهم جداً أن نجد ذكراً للؤلؤ والمرجان في هذه المنطقة من البحار، وأن لا نجد مثل ذلك عند بحث (التقاء المياه العذبة مع المياه المالحة)، ويدل ذلك على أن اللؤلؤ والمرجان يتكونان في المناطق البحرية النقية ولا يتكونان في مناطق امتزاج المياه العذبة مع مياه البحر. وتؤكد الدراسات البحرية الحديثة على أن المرجان يوجد فقط في المناطق المدارية –دون الاستوائية- غير الممطرة أو قليلة المطر، ولا ينمو في مناطق المياه العذبة.ومن المدهش جداً أن نرى هذا التمييز بين المنطقتين دون الحاجة إلى فحص مياه البحار بالأجهزة الحديثة المعقدة.وللباحث محمد إبراهيم السمرة الأستاذ بكلية العلوم –قسم علوم البحار، في جامعة قطر دراسة ميدانية في خليج عمان الخليج العربي ذكر فيها نتائج دراسات كيميائية قامت بها سفينة البحوث (مختبر البحار) التابعة لجامعة قطر، في الخليج العربي وخليج عمان في الفترة (1404-1406هـ –1984-1986م) وتضمن البحث مقارنة واقعية بين الخليجين بالأرقام والحسابات والرسومات والتحليل الكيميائي، وبين اختلاف خواص كل منهما عن الآخر من الناحية الكيميائية والنباتات السائدة في كل منهما. ووضح البحث وجود منطقة بين الخليجين تسمى في علوم البحار (منطقة المياه المختلطة) Mixed-Water Area (منطقة البرزخ).
وبينت النتائج أن عمود الماء في هذه المنطقة يتكون من طبقتين من المياه، إحداهما سطحية أصلها من خليج عمان، والأخرى سفلية أصلها من الخليج العربي. أما في المناطق البعيدة والتي لا يصل إليه تأثير عملية الاختلاط (Mixing) بين الخليجين فإن عمود الماء يتكون من طبقة واحدة متجانسة وليس من طبقتين.وأكدت النتائج أنه برغم هذا الاختلاط (في المناطق التي بها مياه مختلطة)، وتواجد نوعين من المياه فوق بعضهما البعض فإن حاجزاً ثابتاً له استقرار الجاذبية وقوتها (Gravitational Stability) يقع بين طبقتي المياه، ويمنع مزجهما أو تجانسهما حيث يتكون بذلك مخلوط غير متجانس (Heterogeneous Mixture)، وأوضحت النتائج أن هذا الحاجز إما أن يكون في الأعماق (من 10إلى50متر) إذا كان اختلاط مياه الخليجين رأسياً أي أن أحدهما فوق الآخر، وإما أن يكون هذا الحاجز على السطح إذا تجاوزت المياه السطحية لكل من الخليجين. (انظر الأشكال: رقم (5،6،7).
أوجه الإعجاز في الآيات السابقة
مما سبق يتبين:
أن العلماء الدارسين لمناطق اللقاء بين الأنهار والبحار (مناطق المصبات) اكتشفوا أن ماء النهر والبحر في منطقة اللقاء بينهما في حالة ذهاب وإياب واختلاط واضطراب، ويفصل بينهما ماء المصب الذي يعتبر حجراً على الكائنات الحية التي فيه محجوراً على الكائنات الخاصة بالبحار والأنهار، وأن ماء المصب محاط ببرزخ مائي يفصل بين البحر والنهر.
وذلك ما قرره القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة عام على لسان نبي أمي عاش في أرض صحراوية ليس فيها نهر ولا مصب، قال تعالى:
﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينها برزخاً وحجراً محجورا﴾.