أنواع الشرك في العبادة

الشرك نوعان : أكبر وأصغر

* فالشرك الأكبر : هو أن يجعل المكلف لله نداً (مثيلاً ونظيرا) أو أن يسوي بين الخالق والمخلوق ، إما في اعتقاد الاتصاف بصفة من صفات الله عزوجل أو في الدعاء والاستعانة ، أو في طلب الرزق ، أو في اعتقاد القدرة على الضر والنفع ، أو في الخضوع والانقياد أو غير ذلك مما يوجب تسوية بين الخالق والمخلوق ،

* وحكمه : أنه أعظم الذنوب ، ويخرج من الملة ، ويوجب الخلود في النار ، قال تعالى :  ﴿... إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(72)﴾ [المائدة:72] .

* وأما الشرك الأصغر فهو : الرياء كما عرفه النبي r ، وألحق به العلماء ما وصفه الوحي بأنه شرك ولا يخرج صاحبه من الملة ، وكل ما كان وسيلة توقع صاحبها في الشرك الأكبر .

* وحكمه : أنه ينافي كمال التوحيد ويخل به ، ولكنه لا يُخرج من الملة ، وهو من كبائر الذنوب التي حذر منها الشرع لأنه يتنافى مع الإخلاص لله في العبادة ، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ...﴾ [البينة:5] .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : [أخوفُ ما أخافُ عليكم الشركُ الأصغر، فسئل عنه؟ فقال : الرياء].[77]

 مظاهر الشرك الأكبر وصوره

أولاً : من صوره في الاعتقاد :

أ- اعتقاد تعدد الآلهة ، كشرك المجوس القائلين بوجود إلهين اثنين أحدهما إله النور وهو إله الخير ، والثاني إله الظلمة وهو إله الشر .

وهذا الباطل تدمغه حقائق التوحيد وآياته الظاهرة في أرجاء الوجود ومنها :

1- إن هذا الكون مركب من لبنة واحدة هي الذرات التي تتكون منها أجسام المواد التي تجلب للإنسان الخير أو تجلب له الشر ، فسم الثعبان مكون من ذرات تتركب من جسيمات (إلكترونات وبروتونات وميزونات وغيرها) ، كما يتكون لبن الأنعام من ذرات مكونة من نفس الجسيمات (الكترونات وبروتونات وميزونات وغيرها) وهذه الجسيمات في سم الثعبان أو لبن الأنعام محكومة بقوانين واحدة ، وكما تتكون النار التي تحرق المنازل والمزارع وغيرها من طاقة أصلها من الشمس ، فإن الطاقة التي تتحرك بها أجسامنا وأجسام الكائنات الحية أصلها أيضا ما خزن في الطعام من طاقة الشمس. والماء الذي نشربه وينبت به الزرع في الحقول والبساتين هو نفس الماء الذي قد تغرق به المزارع والمنازل، فالماء واحد يشهد أنه من صنع خالق واحد .

والظلام الذي يسود في الليل يكون بسبب دوران الأرض الذي ينشأ عنه إشراقة النهار ، فالسبب للنور والظلام واحد هو دوران الأرض يشهد أن الإله واحد والخالق واحد كما قال تعالى : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر:61] .

2- التكامل في بناء الكون بين سنن الخير وأقداره مع سنن الشر وأقداره يشهد أنه من صنع إله واحد سبحانه ، فعمليتا الهدم والبناء في أجسام الكائنات الحية تتكاملان في نظام واحداً في حياة أجسام هذه الكائنات[78].

وظلمة الليل ضرورية لسكن الكائنات واستراحة أجسامها ، كما أن نور النهار ضروري لسعي تلك الكائنات وتحصيل معاشها .

 وحرارة نار الشمس في جو الأرض لابد منها لرفع ماء المطر من البحار والمحيطات ، كما أن برودة جو الأرض ضرورية لإيقاف ارتفاع بخار الماء وتكثيفه ليسقط مرة أخرى على الأرض ، وهكذا تتكامل الحرارة مع البرودة في نظام واحد لدورة الماء على الأرض .

وتكامل أقدار الخير لبعض الكائنات وأقدار الشر[79] للبعض الآخر [كتغذي بعض الكائنات على البعض الأخر ، وتحلل النباتات لإخصاب التربة] يضمن استمرار الحياة وتوازن البيئة للكائنات .

وعوامل التعرية : كالرياح ، والأمطار ، وتقلب درجات الحرارة ، تعري سطوح الجبال وتفتتها وتجرفها رملاً مع الأنهار ، لتضغط على قاع البحر أو المحيط فيضغط بدوره على ما تحته من صهير بركاني ليرتفع بعد ذلك مرة ثانية إلى سطح الأرض في صورة بركان يلد جبلاً يحفظ التوازن للأرض .

ب- شرك التسوية بين الخالق والمخلوق (شرك اليهود والنصارى)

من شرك التسوية بين الخالق والمخلوق : ما يزعمه النصارى في قولهم إن الله ثالث ثلاثة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة:73] أو أنه اتخذ ولداً ، كما يزعم اليهود والنصارى قال تعالى:  ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(30)﴾ [التوبة:30] وقد دمغ القرآن هذه الفرية فقال تعالى :  ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ(91)﴾ [المؤمنون:91] فلن يقبل إله أن يتحكم غيره بمخلوقاته ، وإذاً فسيستقل كل إله بما خلق ، فيذهب رب الشمس بشمسه ورب النبات بنباته ورب الماء بمائه وهكذا، وعندئذ يقع النزاع ويحاول بعضهم أن يعلو على بعض وعندئذ يفسد الكون كما قال تعالى :  ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ(22)﴾ [الأنبياء:22] .

ج- الإشراك مع الله في تصريف المخلوقات :

كل من اعتقد أن مخلوقاً يتصرف في هذا الكون، ويضر وينفع بطريقة غيبية غير طريقة الأخذ بسنن الله التي قدر الله بها النفع ، كأن يعتقد أن إنساناً من الأحياء أو الأموات يهب الأولاد، ويجيب دعاء المضطر ، ويأتي بالمطر ، ويحمي البيوت أو الأنعام أو الأولاد من القوى الخفية الضارة فقد وقع في الشرك. قال تعالى يصف نفسه بتدبير أمر المخلوقات  ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(3)﴾ [يونس:3] .

وقال سبحانه: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26)تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(27)﴾ [آل عمران:26-27].

وقال سبحانه : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(49)أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)﴾ [الشورى:49-50].

وقال تعالى : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(62)﴾ [النمل:62] .

ومما يدخل في هذا إسناد التأثير في الحوادث إلى النجوم والكواكب ، فمن اعتقد أن الكواكب أو النجوم هي المدبرة لما يقع من الحوادث ، أو أن لها شركاً مع الله في ذلك فقد أشرك بالله سبحانه شركاً أكبر .

ومن زعم أنها سبب للحوادث فقط مثل : أن يجعل طلوع النجم أو غروبه سبباً لولادة أو وفاة أو غنى أو فقر أو نحو ذلك ، فقد افترى ما ليس له به علم. وقد ورد في الحديث النبوى تسمية مثل ذلك كفراً ، فقد صلى رسول الله r صلاة الفجر في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل ثم قال لأصحابه :- "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : قَالَ : أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ ، أَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مطرنا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ".[80]

ولما كسفت الشمس في عهده r بيّن للناس أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته.[81]

أمّا جعل حركات النجوم مجرد علامات لما قدّره الله تعالى من قوانين الكون المعروفة مثل نزول المطر أو هبوب الرياح أو دخول الفصول فمثل هذا جائز لاشيء فيه.[82]

وأسوأ من هذا كله اعتقاد أصحاب الطبيعة والدهريين[83] الذين يسندون أمر تدبير الكون وما فيه من حوادث إلى الطبيعة أو إلى الدهر. قال تعالى مبيناً ضلال من سار على هذا المنهج : ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ(24)﴾ [الجاثية:24].

د- اعتقاد امتلاك غير الله للضر والنفع :

إن الله هو الذي خلق الوجود وقدر فيه الخير والشر والضر والنفع وأسبابها ، وهو الذي يملك التغيير لما قدره من سننٍ وأسباب للضر والنفع  ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(83)﴾ [يس:83] .

وقد ذم سبحانه المشركين لتعلقهم بغيره من مخلوقاته التي لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضرا. قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا(3)﴾ [الفرقان:3].

وإذا أراد الله أن يصيب عبداً من عباده بخير فلا راد لفضله ، وإذا مس عبداً بضرٍ فلا كاشف له إلا هو. قال تعالى : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ(106)وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(107)﴾ [يونس :106-107] .

أما من أخذ بالأسباب التي قدرها الله للنفع والضر مما أقدره الله عليه كالطبيب يعرف أقدار المواد الطبية التي تدفع أقدار المرض، وكدفع قدر الجوع بالطعام ، وقدر الخوف بالتحصن وغير ذلك مما أقدر الله الإنسان به أن يدفع قدر الشر بقدر الخير وقدر الضر بقدر النفع ، فليس ذلك من امتلاك الضر والنفع بل هو من باب الاستفادة مما قدره الله من أسباب وقضى من سنن .

وبناءً على ذلك فإن من يعتقد أن مخلوقاً يملك له ضراً أو نفعاً بغير الأسباب التي قدرها الله للضر والنفع ، أو أنه قادر أن يوصل ذلك إليه بطريقة غيبية خارقة للسنن والأسباب التي قدرها الله فقد وقع في الشرك، لأنه لا يملك الضر والنفع خلقاً وإيجاداً وتقديراً وخرقاً لما أوجد من السنن إلا الله .

وحتى إذا امتلك غير الله أسباب الضر والنفع فإنها لا تنفذ في الواقع إلا بإذن الله كما روى ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله r قال: (… وَاعْلَمْ أَنَّ الأمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الأقْلامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) .[84]

هـ- الخوف من غير الله :

الخوف لغة مأخوذ : من مادة (خَوَفَ) قال ابن فارس :- هو أصل واحد يدل على الذعر والفزع يقال : خفت الشيء خوفاً وخيفة .[85]

واصطلاحاً هو كما قال الراغب[86] : الخوف : توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة ، ويضاده الأمن .

وقال الجرجاني :- هو توقع حلول مكروه أو فوات محبوب .

وقيل :- اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف .[87]

والخوف من الله عبادة قلبية قال تعالى : ﴿...إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)﴾ [آل عمران:175] وقال تعالى:  ﴿...لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ...﴾ [المائدة:94]، ويلحق بخوف الله الخوف من عقابه وعذابه في الدنيا والآخرة. قال تعالى : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ(103)﴾ [هود:103]. وقال تعالى : في صفة المتقين ﴿...وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ(21)﴾ [الرعد:21] وقال نوح عليه السلام لقومه  ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ(26)﴾ [هود:26] .

والخوف من الله يرقى بصاحبه إلى درجة التقوى التي تحفزه لفعل الطاعات وتكبحه عن المعاصي والسيئات .

وهو الدواء الناجع لمن أسر الهوى قلبه وغلب عليه حب الدنيا ، وهو البداية الحقيقية لسير القلب إلى الله عزوجل ، يقول النبي r :   (مَنْ خَافَ أَدْلَجَ[88] وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ ، أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ ، أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ)[89]

والخوف نوعان :

الأول :- خوف عبادة وتذلل وتعظيم وخضوع ، وهذه عبادة لا تكون إلا لله تعالى، وهو المقصود في بحثنا ، وهو الخوف الذي يحمل صاحبه على الطاعة لله ، واجتناب معاصيه ويجعل صاحبه في حالة من التقوى والمراقبة الدائمة لله في سره وعلانيته .   

وخوف الشرك هو الذي يحمل صاحبه على عبادة غير الله باعتقاد أن له قوة خارقة غيبية لا تخضع للسنن المعتادة ، كمن يخاف من صنم أو ميت فيصرف له شيئاً من العبادة التي لا تكون إلا لله ، قال تعالى :  ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(36)﴾ [الزمر:36] وقال تعالى ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾ [الأنعام:81] .

وأثنى الله على الذين يبلغون دينه ولا يخافون إلا الله سبحانه ، قال تعالى:          ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)﴾ [الأحزاب:39] .

والثاني:- خوف جبلي فطري كالخوف من سبع مفترس أو عدو متربص[90] يجري وفق السنن المعتادة ، كما قال تعالى عن موسى عليه السلام  ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ...﴾ [القصص:18] فهذا خوف لا يتعلق به ذمّ[91] ، أما إذا ساق هذا الخوف إلى صرف شيء من العبادة لغير الله فهو شرك لأنه ساق إلى الشرك ، وأما إذا ساق إلى معصية فهو إثم بحسب تلك المعصية وتأثيرها على قلبه .

و- الشرك في التوكل :

التوكل لغة : مأخوذ من مادة (و ك ل) التي تدل على اعتماد على الغير في أمرٍ ما.

واصطلاحاً : اعتماد القلب على الله عزوجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة ، وكِلَةُ الأمور كلها إليه ، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه.[92]

ويشمل التوكل تفويض الأمر لله والتسليم له ، ثقةً بأنه الكافي والقادر على كل شيء سبحانه .

وكفى بالله وكيلا :

يتوكل المؤمن على ربه لأنه خالق كل شيء ومقدر كل شيء ومالك كل شيء ومسيّر كل شيء ، فهو الذي بيده النفع والضر والعطاء والمنع وبيده مقاليد السموات والأرض. قال تعالى : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62)لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ(63)﴾ [الزمر:62-63] ، والله هو الذي إذا قضى أمراً أنفذه ولا يحول دون أمره شيء. قال تعالى:  ﴿... وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا(3)﴾ [الطلاق: 3]. قال ابن كثير : (بالغ أمره) أي : منفذ قضاياه وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاؤه سبحانه .[93]

وكل ما يجري في الكون فهو من الله خلقاً وإيجاداً ، ويعمل بأمره سيراً ونظاماً ، ويقع بإذنه تحققا ونفاذاً. قال تعالى: ﴿...وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾ [هود:123]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا(132)﴾ [النساء:132].

والله وحده هو الذي يستحق أن يكل العبد أمره إليه ، لأنه الحي الذي لا يموت القيوم على خلقه، الذي قال تعالى :  ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا(58)﴾ [الفرقان:58] ، وهو الذي يرى كل شيء في مخلوقاته ولا يحجبه عنه شيء قال تعالى : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ(217)الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ(218)وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(219)﴾ [الشعراء:217-219] أي : ولما كان شأن الله أنه خالق كل شيء ومالك كل شيء ومسير كل شيء ومطلع على كل شيء وهو الذي بيده الضر والنفع والعطاء والمنع فكيف لا يكفي عبده الذي يتوكل عليه ، وكيف يخاف الإنسان من مخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً. قال تعالى : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(36)﴾ [الزمر:36] ، وقال تعالى : ﴿...وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(23)﴾ [المائدة:23] .

وكل ما في الكون من مخلوقات قد قدر الخالق لها أقدارها ، وسن لسيرها سنناً لا تحيد عنها فهي لا تملك إلا ما قدر الله لها من نفع أو ضر ، فلا يليق بعبد أن يتوكل على مخلوق مثله لا يملك لنفسه إلا ما قدر الله له وقضاه .

وقد أوحى الله إلى موسى كما قال تعالى : ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا(2)﴾ [الإسراء:2] .

وإذا جاء أمر الله فلن نجد وكيلا يدفع عنا ما قدره وقضاه قال تعالى : ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا(68)﴾ [الإسراء:68] .

إن الخالق سبحانه هو الذي قدر الضر والنفع في كل ما خلق ، فمن اعتقد أن غير الله يملك له ضراً أو نفعاً غير ما قدر الله واعتمد عليه في ذلك فقد جعل لله نداً أشركه في التوكل عليه .

وقد جعل الله سنناً لإيصال الضر والنفع إلى العباد ، فمن اعتقد أن غير الله يستطيع أن يوصل الضر أو النفع للناس بطريقة غيبية خارقة للسنن الإلهيةٍ واعتمد عليه في ذلك فقد أشرك في توكله على الله باعتقاده هذا ، أمّا من اعتمد على غير الله في أن يقضى له حاجته وفقاً لما قدر الله من المقادير وما أجرى من السنن مع اعتقاده أن الفعل لله خلقاً وتقديراً وتصريفاً فلا يقع في الشرك.[94]

وإذا كان الأخذ بالسبب واجباً كلفنا الله به في مثل قوله تعالى : ﴿﴾ [الملك:15] .

وفي مثل قوله تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انفِرُوا جَمِيعًا(71)﴾ [النساء:71] .

وفي مثل قوله تعالى : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ...﴾ [الأنفال:60] .

فإن التوكل على هذه الأسباب شرك كما قال تعالى فيما أوحى إلى موسى عليه السلام ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا(2)﴾ [الإسراء:2][95] لأنه الخالق لكل شيء والوكيل على كل شيء وبيده مقاليد كل شيء ، بما في ذلك الأسباب التي يتوكل عليها بعض الناس.

قال تعالى : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62)لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ(63)﴾ [الزمر:62-63] .

فالأخذ بالأسباب طاعة لله والتوكل عليها شرك.[96]

ز- شرك الأسباب :

إن الأخذ بالأسباب واجب شرعي ، والتوكل عليها من دون الله شرك ، ولتوضيح ذلك نضرب المثل الآتي :

ولله المثل الأعلى ، فحين ننظر إلى علاقة أي دولة بأنظمتها وقوانينها والمقربين إليها ، نجدها تطلب من الجميع الالتزام بأنظمتها فإذا ما أراد المقربون لها شيئاً غير ما تمنحه القوانين التمسوه من صاحب الأمر في الدولة أن يوصلهم إليه بقوانين خاصة تكون في الغالب لمحسوبي الدولة وأوليائها .  

لكن تلك القوانين في الدولة والأنظمة لا تفعل بذاتها ولا يتوكل عليها الناس من دون القائمين عليها .

وعليه فالمؤمن يأخذ بسنن الله ومقاديره فيسعى لجلب السنن النافعة ودفع السنن الضارة قياماً بالواجب عليه وامتثالاً لأمر ربه ، وعندما لا تكفي السنن لإيصاله إلى غاياته يلجأ إلى الله تعالى بالدعاء لتسهيل أمره وتلبية حاجته .

ذلك لأن الله قد أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، ومما يشتمل عليه خلق الأشياء صفاتها وخصائصها التي تميزها عن غيرها ، وكذلك تأثيرها في غيرها. قال تعالى : ﴿... وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا(2)﴾ [الفرقان:2] .

وجعل سبحانه سنناً تربط العلاقات بين هذه المخلوقات وتنظمها وتحكم سيرها وعملها قال تعالى : ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا(23)﴾ [الفتح:23] .

وبهذا الثبات للخصائص والسنن يتمكن الإنسان من التعامل مع سائر المخلوقات وفق خصائصها الضارة والنافعة التي قدرها الله ، فإذا أراد أن يشبع اتجه إلى الطعام، وإذا أراد أن يروى اتجه إلى الماء ، وإذا أراد الشفاء اتجه إلى الدواء ، وهكذا في سائر شؤون حياته .

أما إذا تبدلت طبائع الأشياء وصفات المخلوقات بطريقة عشوائية غير منضبطة ، فعندئذ قد نجد أن النار لا تحرق والماء لا يروي والطعام لا يشبع ، وعندئذ تسود الفوضى في الكون فيعجز الإنسان عن السعي لتحقيق أي هدف والوصول إلى أي غاية .

لكن الله تعالى حفظ هذه الخصائص وأجرى هذه السنن وأمرنا بالأخذ بها امتثالاً لأمره ورضاء بقضائه وسيراً مع نظام الكون ، لذا كان الأخذ بالأسباب والسنن طاعة لله ، وتحقيقاً لمراده ، واستقامة مع نظامه في مخلوقاته ، فيكون بذلك واجباً على المؤمنين .

لكن ثبات السنن هذه قد أغرى البعض باعتبارها فاعلةً بذاتها مؤثرة بطبعها ، فاعتمد وتوكل عليها من دون الله فوقع بذلك في الشرك مع أنها ليست إلا مخلوقات مأمورة لا تملك لنفسها تبديلاً ولا تحويلاً ، وسننا قضاها الله إن شاء أجراها وإن شاء أبطلها ، كما يحدث في صلاة الاستسقاء حين يأتي الله بالمطر وأسباب الجفاف قائمة ، وكما يكشف الله المرض بعد الدعاء دون أسباب مادية للشفاء يراها الناس ، وكما ينزل الله النصر على المؤمنين مع قلة ما معهم من الأسباب وكثرة ما بيد عدوهم ، وكما بدل الله صفة النار في حق إبراهيم عليه السلام فجعلها برداً وسلاماً ، وكما شق الله لموسى طريقاً في البحر يبساً ، وكما حفظ الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في الغار هو وصاحبه والمطاردون له من أعدائه يقفون على فم الغار. فهذه الأسباب والسنن مخلوقة تعمل بأمر الله ، إن شاء أمضاها وإن شاء أوقفها بسنن أخرى .

ح- الشرك في المحبة :

المحبة لغة : هي الاسم من الحب ، مأخوذة من مادة حبب التي تدل على اللزوم والثبات ، والحبُّ : الوداد وهو نقيض البغض[97]. والمحبة نوعان :-

فطرية كمحبة الوالد لولده ومحبة الجائع للطعام .

ومحبة عبودية ولا تكون إلا لله .

فالإله هو الذي يألهه العباد حباً وذلاً وخوفاً ورجاءً وتعظيماً وطاعة له بمعنى مألوه ، وهو الذي تألهه القلوب أي تحبه وتذل له.[98]

وحب التأليه هذا لا يكون إلا لله ، فمن جعل منه شيئاً لغير الله فقد أشرك، أما أصناف المحبة الأخرى التي لا تتضمن حب التأليه كحب الوالد لولده والزوج لزوجه وحب الشخص لمن أحسن إليه ، وكحب الإنسان للمال والصحة والنجاح والفوز ، فهذا كله من المحبوبات التي لا يكون محبها مشركاً .

كما قال تعالى : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14)﴾ [آل عمران:14] .

وكقوله تعالى في وصف الفائزين بالجنة ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا(8)﴾ [الإنسان:8] فحب هذه المحاب المغروسة في فطرة الإنسان وغيرها ليس من الشرك في محبة الله .

ولا يجوز أن يطغى حب أي محبوب على حب الله جل وعلا ، لأن سبب تعلق القلب بالمحبوب لا يكون إلا :

1- لكمال صفاته وليس هناك من هو أكمل من الله أو يدانيه في صفات الكمال .

2- لعظيم نعمه ومننه ، وليس هناك من هو أكثر إنعاماً ومنة من الله على العبد إذ هو الذي خلقه وصوره وأحياه ورزقه في كل أطواره وحفظه بتدابير الحفظ الظاهرة والباطنة وأنعم عليه بالصحة وسخر له الكثير من مخلوقاته في الأرض والسماء ، وأعطاه القدرة على السعي والكسب ، وهداه إلى ما به فلاحه في الدنيا والآخرة بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وليس لأحد على أحدٍ نعمةُُ أو منةُُ تساوي هذه النعم أو تدانيها .

3- لما يرجوه في مستقبل أيامه من الخيرات والمنافع والمحاب ، وليس هناك ما هو أعظم مما أعد الله لعباده المؤمنين من خير ومنافع ومحاب تتعلق بها القلوب كالفوز برضى الله والجنة التي يتحقق للعبد فيها الخلود وله فيها كل ما تشتهيه نفسه إضافة إلى الحياة الطيبة في دار الحياة الدنيا .

ولقد أنكر الله على المشركين الذين يحبون الأنداد كحبهم الله فقال تعالى :  ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ...﴾ [البقرة:165] وبين سبحانه أن حب المؤمنين لربهم لا يدانيه حب فقال : ﴿... وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ...﴾ [البقرة:165] وقد توعد الله من قدّم محبة شيء من أمور الدنيا على محبته ومحبة رسوله والجهاد في سبيله، فقال سبحانه  ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24)﴾ [التوبة:24] .

م- ادعاء علم الغيب

الحوادث التي تجري في الكون على نوعين :

منها ما يمكن مشاهدته والعلم به عن طريق الحواس ، وهذه هي الحوادث التي تقع وتُعلم في عالم الشهادة .

أما عالم الغيب فهو العالم المحجوب عن البشر مما لا تستطيع الحواس البشرية إدراكه ولا الإحاطة بما يجري فيه ، ومنه غيب المستقبل المحجوب عنا بحجب الزمان .

ويمكن أن يقسم الغيب إلى قسمين :

أ- غيب مطلق لا سبيل لأحد من البشر أن يصل إليه إلا بوحي من الله تعالى ، كما قال سبحانه : ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا(27)﴾ [الجن:26-27] .

وإذا كان الله تعالى يطلع من شاء من رسله على بعض الغيب كما في الآية المذكورة فإن هذا لا يقتضي أن الرسول يعلم كل غيب ، ولذا أمر تعالى رسوله أن يبين للناس أنه لا يعلم الغيب الذي لم يطلعه الله عليه فقال : ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(188)﴾ [الأعراف:188] وإذا كان هذا في حق الرسل ، فكيف يدعي علم الغيب الأفاكون من السحرة والكهنة والمشعوذين وغيرهم ؟!

ولقد بينت الآية لنا الدليل العملي الذي يكشف زيف من يدعي علم الغيب ، وهو أن يطالبوا بأن يعلموا ما ينفعهم من الأمور كالعلم بالتجارة الرابحة ومواطن الثروات الغائبة قبل ظهورها ، ويطالبوا بالعلم بما يضرهم كالعلم بما يبيته العدو للأمة من مكائد ، وما يخفى على الناس من المخاطر والكوارث التي تقع على الناس أفراداً وجماعات فيجتنبوا أسباب الشر والخسران المادي أو المعنوي قبل وقوعه ، فلا يفوتهم خير ولا يمسهم سوء ، وكفى بهذا البيان القرآني دحضاً لدعوى المدعين من الكهان وغيرهم ممن يدعون علم الغيب .

وقد أمر تعالى رسوله أن يعلن للناس أنه لا يدرى ما يفعل به في مستقبل الحوادث ولا ما يفعل بغيره، قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ...﴾ [الأحقاف:9] وقال النبي r :- "والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفْعل بِي …"[99] إذ أن علم الغيب مختص بالله سبحانه .

ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ...﴾ [النمل:65].

وقوله تعالى : ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ...﴾ [الأنعام:59] .

وجاء ذكر هذه المفاتيح في الحديث النبوي ، قال النبي r: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لا يعلم ما في غدٍ إلا الله ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله[100] ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ".[101] ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله".[102] 

وعلى هذا فمن ادعى أنه يعلم الغيب فقد جعل نفسه شريكا لله في هذه الصفة ، ومن زعم أن مخلوقاً يعلم الغيب فقد جعله شريكاً لله في هذه الصفة .

ب- غيب نسبي :

قد يدركه إنسان دون إنسان كمن يشاهد من قمة جبل ما يدور في ساحة واسعة مما لا يراه من هو في سفح الجبل ، فيغيب عمن في السفح ما يقع في دائرة مشاهدة من هو في قمة الجبل ، وكمن يرى بالأجهزة العلمية ما لا يراه غيره بدونها ، ومن الغيب النسبي اطلاع الجن على أمورٍ لا يطلع عليها البشر ويوحون بها إلى أوليائهم من الكهان والسحرة .

ومن أمثلة ادعاء الغيب مايلي :

1) الكهانة والعرافة :

الكاهن لغة :- المخبر عن الغيب .

والعرَّاف :- صيغة مبالغة من المعرفة .

والكهانة والعرافة :- هما إدّعاء معرفة الغيب مثل :- الإخبار عن الأمور الغائبة وحوادث الزمان المستقبلية كأن يخبر عن مكان المسروق والضالة[103] ونحو ذلك بغير طرق العلم المعروفة التي وهبها الله للبشر ، وقد يخبر هؤلاء الكهان بحقيقة عن طريق الاستعانة بالشياطين مع ما يضيفونه إلى ذلك من الكذب والتخرص .

وقد حذّر النبي r من إتيان الكهان والعرافين .

فقال : "من أتى عرّافاً فسأله عن شيء لم تُقْبل له صلاة أربعين ليلة".[104]

وقال : "مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ)".[105]

وبينّ عليه الصلاة والسلام الطريقة التي يستطيع بها الكاهن الإخبار عن الأمر المستقبلي الغيبي، وبينّ كيف يستغل ذلك في التدليس على الناس والكذب عليهم .

فقال : (إِذَا قَضَى اللَّهُ الأمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْملائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ ، ينفذهم ذلك، ﴿...حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ(23)﴾ فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وَصَفه سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ ، فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَه الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ.

فَيُقَالُ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا : كَذَا وَكَذَا ؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَت مِنْ السَّمَاءِ).[106]

وقد وصف الله هؤلاء الذين تتنزل عليهم الشياطين بقوله سبحانه :  ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ(221)تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ(223)﴾ [الشعراء:221-223] .

2- الطرق :

وهو الخط على الأرض، ويزعم فاعله أنه يعلم الغيب من خلاله وقيل: هو ضرب بالحصى لمعرفة الغيب[107]، ويسمى علم الرمل حيث يستدلون بأشكال الرمل على أحوال المسألة حين السؤال.[108] وأياً كان فهو من ادعّاء علم الغيب ويدخل في ذلك قراءة الكف وقراءة الفنجان وضرب الودع ، ونحو ذلك من الخرافات .

3- السحر :

لغة : هو مصدر قولهم : سحره يسحره أي خدعه ، وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر وأصل السحر :- صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره.[109]

اصطلاحاً : هو عزائم ورُقي وعُقد تؤثر في القلوب والعقول والأبدان وربما نتج عنها مرض البدن أو التخييل للإنسان أوالتفريق بين المرأة وزوجها لوجود البغضاء[110] ولكنه لا ينفذ في الواقع إلا بإذن الله سبحانه قال تعالى :  ﴿...وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ...﴾ [البقرة:102] .

وهو يدخل في الشرك من جهتين : الأولى : ما فيه من إدعاء علم الغيب كما تقدم في الحديث النبوي في استراق السمع ، والثانية : من جهة اشتماله على الاستعانة بالشياطين وتقديم بعض العبادات لهم ليقوموا هم أيضاً بخدمة الساحر فيما يطلبه منهم .

وقد قرر القرآن الكريم كفر الساحر فقال تعالى :  ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ...﴾ [البقرة:102] .

قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(128)﴾ [الأنعام:128].[111]

وفي الحديث النبوي الشريف أنَّ التِّولَة شرك"[112] .

والِتَولةُّ : ضرب من السحر ، قال الأصمعي : وهو الذي يحبب المرأة إلى زوجها.[113]

4- التنجيم :

ومما يلتحق بالسحر في ادعاء علم الغيب : التنجيم ، والمراد به الاستدلال بالأحوال الفلكية على ما سيقع من الحوادث الأرضية ، بمعنى أن المنجم يربط ما يقع في الأرض بالنجوم بحركاتها وطلوعها وغروبها واقترانها وتفرقها .

جاء في الحديث النبوي الشريف : "من اقتبس علماً من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد ".[114]

وقد تقدم تفصيل ما يتعلق بالاعتقاد في النجوم عند ذكر الشرك في تصريف المخلوقات.[115]

ن- إرادة الإنسان بعبادته الدنيا فقط :

كل من أراد بالعبادة الدنيا فقط ، فقد أشرك وانتفى كمال توحيده وأحبط عمله بالكلية.

قال تعالى : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ(15)أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(16)﴾ [هود :15-16].[116]

وسأل رجل النبي r فقال له : يا رسول الله ، الرجل يجاهد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من الدنيا ؟ فقال :- لا أجرَ له ! فأعظمَ الناسُ ذلك[117] ، فعادَ الرجل[118] ، فقال r : لا أجرَ له".[119]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:- (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تعالى، لاَ يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" يَعْنِي رِيحَهَا)[120]

ولا غرو أن نجد أن النبي r سمى من استغرق حياته من أجل الدنيا عبداً لها كما قال :- (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ ، تَعِسَ عَبْدُ الخميلة،  إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ).[121] 

 


[77] رواه الإمام احمد في المسند من حديث محمود بن لبيد ، والطبراني في المعجم الكبير 4/353 وهو حديث حسن كما في تحقيق المسند 39/39 .

[78] الهدم هو عبارة عن تفكيك الغذاء إلى مركباته الأولية مصحوباً بإطلاق الطاقة ، والبناء على عكسه حيث يجعل المركبات أكثر تعقيداً ليبني بها الخلايا والنسج مستهلكاً قدراً معنياً من الطاقة وتُسمى "عملية الأيض" (Metablism) انظر موسوعة الزاد 8/1951 بتصرف .

[79] (موت الحيوان وتحلل النبات) مع أقدار الخير للبعض الآخر (توفير الغذاء لحياتها) .

[80] أخرجه البخاري ك/ الأذان ب/ يستقبل الإمام الناس إذا سلم ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ بيان كفر من قال مطرنا بالنوء .

[81] أخرجه البخاري ك/ الجمعة ب/ الصلاة في كسوف الشمس واللفظ له ، ومسلم ك/ الكسوف ب/ ذكر النداء بصلاة الكسوف الصلاة جامعة .

[82] وعلى هذا فنسبة المطر إلى النوء تنقسم إلى ثلاثة أقسام 1- نسبة إيجاد ، وهذه شرك أكبر.

2- نسبة سبب ، وهذه شرك أصغر .

3- نسبة وقت ، وهذه جائزة ، تقول جاءنا المطر في هذا النوء أي في وقته ، فلا يجوز أن تقول مطرنا بنوء كذا لأن الباء للسببية ويجوز أن تقول: في نوء كذا لأن "في" ظرف للوقت ، انظر القول المفيد 2/31 .

[83] هم الذين ينسبون الإحياء والإماته والتأثير إلى الدهر .

[84] أخرجه الترمذي ك/ صفة القيامة والرقائق والورع من رسول الله ب/ منه وصححه الألباني في ظلال الجنة 10/138 ، وأحمد في مسند بني هاشم .

[85] المقاييس .

[86] المفردات .

[87] التعريفات ص101 .

[88] أدلج : الدُّلْجَة السير أول الليل ، وقيل سير الليل كله ، قال الطيبي رحمه الله : هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسالك الآخرة ، فإن الشيطان على طريقة ، والنفس ، وأمانيه الكاذبة أعوانه ، فإن تيقظ في مسيره وأخلص النية في عمله ، أمن من الشيطان وكيده ومن قطع الطريق بأعوانه أ.هـ ، تحفة الأحوذي 7/124 ط. دار الكتب العلمية .

[89] أخرجه الترمذي ك/ صفة القيامة والرقائق والورع من رسول الله ب/ ما جاء في صفة أواني الحوض ، وصححه الحاكم 4/307-308 ووافقه الذهبي ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/297 .

[90] إن الله خالق كل شيء قد قدر لكل مخلوق قدره ، وقضى له سنناً يسير عليها. قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ(49)﴾ [القمر:49] ، وقال سبحانه : ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا(23)﴾ [الفتح:23] ، فقدر ما ينفع وما يضر وقضى سنن الضر والنفع ، ولا يملك مخلوق أن يخرج عن قضاء الله وقدره من ضر يخاف ونفع يرتجى. والخوف مما قدره الله في المخلوقات من أسباب ضر كالخوف من سبع مفترس أو عدو متربص هو خوف جبلي فطري لا ينكره الشرع ، ومن الناس من ينظر إلى ما قدر الله في المخلوقات من أسباب وسنن تضره فيخافها خوفاً شديداً يتحكم في سلوكه ومشاعره ، ويذله ويستعبده ويقلقه ويرعبه، لكن المؤمن بالله يقيم لتلك السنن والأقدار قدرها ، ويتعامل معها وفق ما سنَّ الله فيها ، ولكن قلبه يتعلق بمن خلقها وقدرها فهو يدفع سنن الضر بسنن النفع ، وسنن الخوف بسنن الأمن، ويتطلع إلى عون خالقه ولطفه الذي بيده مقاليد كل شيء ، فتراه شجاعاً في مقاومة الأخطار متوكلاً على ربه في مواجهة الشدائد والنوائب ، فهو وإن كان يخاف تلك السنن والأقدار ، ولكنها لا تستذله ولا تستعبده بل تحفزه لجلب سنن النفع التي تدفعها ويلجأ إلى ربه الذي بيده مقاليد كل شيء ليكشفها .

 [91] انظر القول المفيد 2/204-205 .

[92] جامع العلوم والحكم ص409 .

[93] تفسير القرآن العظيم عند الآية الكريمة المذكورة .

[94] وعلى هذا فالتوكل على غير الله على ثلاثة أنواع :-

الأول :- أن يتوكل على غير الله في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كالخلق والإيجاد والإحياء والإماته ، فهذا شرك أكبر .

الثاني :- أن يتوكل على المخلوق ، فيما يقدر عليه المخلوق من جلب منفعة مقدورة له أو دفع مضرة ، ولكن مع تعلق قلبه به وشعوره بالافتقار إليه ، فهذا شرك أصغر .

الثالث :- أن يتوكل على المخلوق فيما يقدر عليه المخلوق دون شعور بالافتقار إليه ودون تعلق القلب به ، فهذا جائز لاشيء فيه ، وهو التوكيل والإستنابة .

[95] ﴿ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾:- أي كفيلاً بأمورهم ، حكاه الفراء ، وقيل :- رباً يتوكلون عليه في أمورهم قال الكلبي ، وقال الفراء : كافياً. انظر تفسير القرطبي عند الآية المذكورة .

[96] قال السعدي : في القول السديد ص34 بواسطة القول المفيد على كتاب التوحيد ص214 لابد من معرفة ثلاثة أمور في الأسباب:

1-      ألا يجعل منها سبباً إلا ما ثبت أنه سبب شرعاً أو قدراً .

2-       ألا يعتمد عليها ، بل يعتمد على مسببّها ومقدرها وهو الله سبحانه وتعالى .

3- أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره ، ولا خروج لها عنه .

[97] انظر مقاييس اللغة ، ولسان العرب .

[98] نضرة النعيم 8/3329 .

[99] أخرجه البخاري ك/ الجنائز ب/ الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه، وأحمد في مسند بن هاشم.

[100] الغيض في اللغة هو : الغور أو النقص ، وكلاهما يحدث لماء الرجل عند غوره في الرحم حتى ينتهي بمنوي واحد من بين مئات الملايين ، كما يحدث الغور للبيضة في قناة الرحم (قناة فالوب) وتنقص السوائل عند غورها من حولها ، وتلتقي بالمنوي الذي يلقحها وتكون النطفة الأمشاج (الزيجوت) وبدورها تغور في قناة الرحم وتنقسم خلاياها دون زيادة في الحجم ثم تغور ما بين اليوم السادس والسابع في الرحم إلى اليوم العاشر ولايزيد حجمها. وكل هذا داخل في معنى الغيض الذي بين الحديث أنه من مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله ، والمرأة في الأيام العشرة الأولى قبل أن تستقر النطفة الأمشاج وتزاد لا تعلم ولا تحس كما لا يعلم الطبيب بالحمل من عدمه فضلاً عن معرفته ماهيته وصفاته التي تشتمل على الذكورة والأنوثة. (راجع بحث مفاتيح الغيب في الإعجاز العلمي) .

[101] لا يستطيع علماء الأرصاد الجزم بموعد نزول المطر على جهة القطع ولذلك تتصدر نشرة أخبار الطقس في جميع وسائل الإعلام بقول المختصين في الطقس بعبارة : "مع احتمال نزول مطر" بعد أن خابت الكثير من توقعات من كان يقطع بزمن محدد لنزول المطر. والسبب يرجع إلى أن نزول المطر يتوقف على عوامل كثيرة متعددة ، لابد من توافرها ، ويصعب الإحاطة بها مثل شكل ذرات الغبار التي تحملها الرياح وحبوب اللقاح وجزيئات الدخان وكيفية أسطحها التي ستتشكل عليها أغلفة قطرات الماء ، ومثل اتجاهات الرياح والمرتفعات والمنخفضات الجوية ، ودرجات الحرارة وغيرها. (راجع أبحاث الإعجاز العلمي التي ألقيت في مؤتمر إسلام أباد عام بإشراف هيئة الإعجاز العلمي بمكة المكرمة برابطة العالم الإسلامي

[102]  أخرجه البخاري ك/ التوحيد ب/ قول الله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا) واللفظ له ، وأحمد مسند المكثرين من الصحابة .

[103] يعرف الكهنة والعرافون مكان المسروق والضالة بواسطة استعانتهم بأوليائهم من الجن .

[104] أخرجه مسلم ك/ الطب ب/ تحريم الكهانة وإتيان الكهان ، وأحمد في مسنده 4/68 ، 5/380 بنحوه .

[105] أخرجه ابن ماجه ك/ الطهارة وسننها ب/ النهي عن إتيان الحائض ، وأحمد بافي مسند المكثرين واللفظ له ، والحاكم في المستدرك ، وقال صحيح على شرطهما وصححه العراقي وقواه الذهبي ، وقال عنه محققو المسند إسناده صحيح على شرط مسلم 27/196 .

[106] أخرجه البخاري ك/ التفسير ، ب قوله (إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين) وابن ماجه ك/ المقدمة ب/ فيما أنكرت الجهمية .

[107] وقد ورد في الحديث أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت" أخرجه أحمد وأبو داود والعيافة هي زجر الطير لمعرفة الخير من الشر ، والجبت قال الحسن هو : رنة الشيطان :- أي وحيه ، وروى عن عمر رضي الله عنه أنه السحر .

[108] انظر ترتيب القاموس المحيط 3/71، وشرح السنة للبغوي 12/177 ، ومختصر سنن أبي داود للمنذري 5/374 ومفتاح السعادة لطاش كبري زاده 1/336 ، بواسطة نواقض الإيمان القولية والعملية ص523.

[109] نضرة النعيم 10/4589 .

[110] معجم ألفاظ العقيدة ص226 بتصرف .

[111] استماع الجن من الإنس أنهم تلذذوا بطاعة الإنس إياهم ، وتلذذ الإنس بقبولهم أصناف الإغواء من الجن ، ومن الاستمتاع ما كان يلقيه الجن إلى الإنس من الأراجيف والكهانة والسحر. انظر تفسير القرطبي رحمه الله عند الآية المذكورة .

[112] أخرجه أبو داود ك/ الطب ب/ في تعليق التمائم ، وابن ماجه ك/ الطب ب/ تعليق التمائم وأحمد مسند المكثرين من الصحابة مسند عبدالله بن مسعود ، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/269 .

[113] انظر شرح السنة للبغوي 12/158 بواسطة نواقض الإيمان القولية والعملية ص511 .

[114] أخرجه أبو داود ك/ الطب ب/ في النجوم واللفظ له ، وابن ماجه ك/ الأدب ب/ تعلم النجوم ، وأحمد في مسند بني هاشم ، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/739 .

[115] ومن أنواع التنجيم:- "ما يفعله من يكتب حروف أبي جاد ، ويجعل لكل حرف منها قدراً من العدد معلوماً ، ويجري على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة وغيرها ، ويجمع جمعاً معروفاً عنده ، ويطرح منه طرحاً خاصاً ، ويثبت إثباتاً خاصاً ، وينسبه إلى الأبراج الإثني عشر المعروفة عند أهل الحساب ، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان. "قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوم يكتبون أبا جاد ، وينظرون في النجوم :- ما أدري من فعل ذلك له عند الله خلاق ، أخرجه عبدالرزاق والبيهقي . انظر نواقض الإيمان القولية والعملية ص520-521 .

[116] الآية في الكفار ، أو فيمن يجعل الغاية من أعماله الدينية مقصوراً على حظوظ الدنيا. قال الشوكاني في تفسير الآية : "وادخال كان في الآية يفيد أنهم مستمرون على إرادة الدنيا بأعمالهم لا يكادون يريدون الآخرة " .

[117] أي استعظموا أن يكون لا أجر له .

[118] أي عاد وكرر نفس السؤال .

[119] أخرجه أبو داود ك/ الجهاد ب/ فيمن يغزو ويلتمس الدنيا وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/478 وكذلك أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم باختصار وصححه ، انظر الترغيب والترهيب 2/172 ط. دار الفكر .

[120] أخرجه أبو داود ك/ العلم ب/ طلب العلم لغير الله ، وابن ماجه في المقدمة ب/ الانتفاع بالعلم والعمل به والحاكم وقال : صحيح على شرط البخاري ومسلم انظر صحيح الترغيب والترهيب 1/46 .

[121] أخرجه البخاري ك/ الجهاد والسير ب/ الحراسة في الغزو في سبيل الله ، وابن ماجه ك/ الزهد ب/ في المكثرين.