|
البينة القرآنية
لقد اقتضت حكمة الله سبحانه أن يؤيد رسله ببينات تدل على
صدق رسالتهم، وأدلةٍ تقوم بها الحجة على الناس اصطلح العلماء على تسميتها
بالمعجزات، وسميت في كتاب الله بينات ، كما قال تعالى: [الحديد:25](1) .
وتنوعت البينات والمعجزات بتنوع الأقوام والأمم ، فجعل الله لكل قوم
بينة تناسب مستواهم الثقافي والفكري ليكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة على الناس ،
ولما كان محمد
rمرسلاً
إلى الناس كافة ، فقد أيده الله سبحانه ببينات متنوعة
تتناسب مع جميع من أرسل إليهم من الأقوام ، ومع جميع الأجيال إلى قيام الساعة على
اختلاف ثقافاتهم ومداركهم .
فكانت الفصاحة والبلاغة من بيناته المناسبة للعرب
الفصحاء البلغاء .
ومن بيناته ما يتناسب مع أهل الأديان كالبشارات
به في الكتب السابقة .
ومن بيناته ما عجز أهل الأنظمة والقوانين عن المجيء بمثله من
تشريعات حكيمة تناسب جميع البيئات والعصور .
ومن البينات الخوارق المشاهدة كخارقة انشقاق القمر التي سجلت عند
بعض الأمم ولاتزال آثارها ظاهرة إلى اليوم .
ومنها معجزة الإخبار بالغيب الماضي والحاضر والمستقبل ، والتي لا تزال تنكشف إلى
يومنا هذا .
ومنها الخوارق للعادة التي دونت في أوثق سجل عرفه البشر ، وهو القرآن الكريم
والحديث النبوي .
ومنها ما يتناسب مع أهل الكشوف العلمية في عصرنا كالإعجاز العلمي في القرآن والسنة
.
وقد جعل الله سبحانه القرآن المتضمن لكثير من أنواع هذه المعجزات أكبر بينة لمحمدj ، قال تعالى
[الأنعام:19] .
وقال النبي
j : "مَا مِنْ الأنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلاَّ أُعْطِيَ من الآيات مَا مِثْلهُ آمَنَ
عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُه وَحْيًا
أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا
يَوْمَ الْقِيَامَةِ".(2)
يشير الحديث الشريف إلى طبيعة المعجزة في الوحي الذي أنزله الله على محمد صلى الله
عليه وآله وسلم فيبقى بعد موته ويتجدد إعجازه على مرّ العصور .
وشهادة القرآن بصدق رسالة محمد j متمثلة بما احتوى عليه من الإعجاز في
ألفاظه ، والإعجاز في العلم الذي جاء به. قال تعالى
[النساء:166] قال الخازن عند
تفسير هذه الآية : " لكن الله يشهد لك يا محمد بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي
أنزله عليك " .
وقال ابن كثير : "
فالله يشهد لك يا محمد بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم… ولهذا
قال
أي : فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من
البينات والهدى والفرقان ، وما يحبه الله ويرضاه وما
يكرهه ويأباه ، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل". وقال أبو العباس
ابن تيمية : فإن شهادته بما أنزل إليه هي شهادته بأن الله أنزله منه، وأنه أنزله
بعلمه ، فما فيه من الخبر هو خبر عن علم الله ، وليس خبراً عمن دونه ، وهذا كقوله
[هود:14]
وإلى هذا المعنى ذهب كثير من المفسرين(3) .
فالبينة القرآنية تتمثل في العلم الذي تضمنته آياته ، وهو الإعجاز العلمي ، أما ما
تحمله ألفاظه وتراكيبه فهو إعجاز الفصاحة والبلاغة .
قال تعالى :
[الزمر:23]، بين الله سبحانه أن القرآن العظيم أحسن الكلام
وأجوده لأنه نزل بعلمه ، وذلك أن الله سبحانه يعلم أي لفظة هي أدل على المعنى
المقصود ، وأي لفظة تصلح أن تليها أو تسبقها ، بل ومناسبة كل حرف لموضعه ، فجاء
القرآن العظيم في غاية الفصاحة والبلاغة في مفرداته وتراكيبه ، ومن أمثلة ذلك :
مناسبة الحرف لموضعه ومطابقة الكلمة لمدلولها :-
المثال الأول : قول الله تعالى :
[المؤمنون:12-14]
تشير الآية الكريمة إلى ثلاث مراحل للتخلق البشري :-
المرحلة الأولى :- مرحلة النطفة .
المرحلة الثانية :- التخليق ويشمل:
أ-
العلقة .
ب- المضغة .
جـ-
العظام .
د- الكساء باللحم .
المرحلة الثالثة :- النشأة .
فاستعمل القرآن حرف العطف (ثم) للعطف بين هذه المراحل الثلاث، وهذا الحرف يدل في
لغة العرب على فاصل زمني بين المعطوف
والمعطوف عليه .
واستعمل حرف العطف (الفاء) للعطف بين مراحل التخليق : العلقة
، المضغة ، العظام ، الكساء باللحم لكون حرف العطف (الفاء) يدل في لغة العرب على
الترتيب والتعاقب بين المعطوف
والمعطوف عليه ، وهذا كله مطابق تماماً لما اكتشفه علم الأجنة الحديث في
مراحل التخلق البشري، حيث وجد فاصلاً زمنياً بين المراحل الثلاث الرئيسة ، بينما
اكتشف تتابعاً سريعاً نسبياً في مراحل التخليق الأربع الفرعية .
وهناك إعجاز آخر في المفردات المعبرة أصدق تعبير عن كل طور من أطوار التخلق.
وكان من الممكن أن يختل هذا الترتيب في أسماء الأطوار، أو الأحداث المصاحبة، أو
الأحداث المرتبة دونما معارضة من أحد في زمن نزول الوحي؛ لقصور علم الأجنة
يومذاك ، وهذا كله يدلنا على أن هذا القرآن كلام الله قد نزل بعلمه سبحانه(4) .
المثال الثاني :
قال الله تعالى : [النور:43] .
تذكر الآية أربعة حوادث :
الأول : إزجاء السحاب أي سوقه برفق .
الثاني : التأليف بينه .
الثالث : جعله ركاماً .
الرابع : إنزال المطر .
وفصلت الآية بين الحوادث الثلاثة الأولى : الإزجاء ، والتأليف ،
والركم ، بحرف العطف (ثم) الذي يدل على استغراق زمن بين
المعطوف
والمعطوف عليه ، أما الحدث الرابع فقد عطف على الثالث
بحرف العطف الفاء الذي يدل على وقوع الحدث مباشرة بعد الأول ، وقد أثبت العلم أنه
بانتهاء الركم (الحدث الثالث في تكوين السحاب) ينزل
المطر على الفور .
المثال الثالث :
قال تعالى :
[الروم:48] .
تأمل في استعمال حرفي العطف الفاء والواو ، حيث يدل الفاء على الترتيب والتعقيب ،
بينما يدل الواو على مطلق الجمع .
وفي الآية استعمل كل حرف في موضعه ، ولو نقل إلى غير موضعه لأحدث خللاً في المعنى
وتناقضاً مع الواقع .
* فإرسال الرياح يعقبه
إظهار السحب وتهييجها ، فاستعمل حرف العطف المناسب بين الحدثين وهو الفاء فقال
سبحانه :
[الروم:48] .
* ويعقب ذلك بسط السحب في السماء في صور متعددة ، فاستعمل الحرف المناسب ولذلك وهو
الفاء أيضاً فقال تعالى : * وفي أثناء عملية البسط تتكون قطع السحب أفقياً ، كما
تتكون رأسياً في شكل طبقات ، وتتم عملية تكوين الكسف
أثناء عملية البسط وتستمر بعدها ، فكان الواو هو حرف العطف المناسب للدلالة على
مطلق الجمع بين عدد من الأحداث قال سبحانه : .
* ثم استعمل حرف العطف الذي يدل على التعقيب والترتيب، الدال على أن الحدث التالي
لا يكون إلا بعد وقوع الأول ؛ لبيان أنه لا ينزل المطر حتى يتم تكوين
الكسف من السحاب ، وهذه الكسف توجد حالة تشبع في
السحاب يسمح بتكوين قطرات كبيرة ثقيلة تنزل إلى الأرض بإذن الله ، قال سبحانه :-
فتأمل كيف استعمل القرآن كل حرف في مكانه بحيث لا يصلح أن يكون غيره في موضعه .
استعمال الحرف في المعنى الدقيق :
قوله سبحانه : [سبأ:24] .
عبر سبحانه عن الهدى بـ "على" التي تفيد الاستعلاء ، فصاحب الحق مُسْتَعْلٍ يصرف
نظره كيف شاء، وعبر عن الضلال بـ "في" ، فصاحب الباطل
منغمس في ضلاله لا يدري أين يتوجه !!
وهذا كقوله سبحانه : [التوبة:45] .
وقوله : [ق:22] .
وقوله : [الأنبياء:1] .
وقوله سبحانه : [الأنعام:110] .
بلاغة اللفظ المفرد والتركيب في القرآن الكريم :
إن إعجاز القرآن البلاغي يدرك بأثره في النفوس ، الذي يجعل الفصحاء والبلغاء يؤخذون
بأسلوبه ولفظه ومعانيه وتركيبه وسياقه وجرسه وخطابه
وبقائه جديداً لا يبلي رغم تكراره ، ولا يستطيعون الإحاطة
بأسرار إعجازه ، فهو كالروح تدرك آثارها ولا يحاط بها علماً. ومن إعجازه عدم قدرة
البشر على الإحاطة بإعجازه إذ لو عرفوا ذلك لأتوا بمثله
، ولكن علماء الفصاحة والبلاغة حاولوا التعبير عما تذوقوا من إعجازه ، وسنذكر أمثلة
مما قالوا :-
اللفظ المفرد في القرآن :
إن القرآن العظيم قد نزل بعلم الله، فلم ترتجل مفرداته ارتجالاً، فاللفظ المفرد كما
يدل على المعنى أوفى دلالة، فإنه يجمع إلى ذلك كونه أفصح لفظ يؤدي ذلك المعنى في
ذلك السياق. ولعدم استطاعتنا الإحاطة بأوجه الفصاحة
والإعجاز في كلام الله، نضرب لك هذه الأمثلة ليتبين لك الأمر.
أ-
ألفاظٌ أخف من غيرها :
استعمل القرآن ألفاظاً هي أخف لفظاً من غيرها وأنسب للمعنى المقصود .
فلفظ (آثرك) في قوله
تعالى : [يوسف :91] أخف من لفظ : أعطاك .
ولفظ أخف من لفظ : لا شكّ فيه .
ولفظ (آتى) أخف من لفظ : أعطى .
ولفظ (آمن) آخف من لفظ : صدق ، وإذا تأملت تجد ذكره أكثر من ذكر التصديق.
ولفظ
أخف من لفظ : أفضل لكم
ولفظ (تتلوا) أخف من لفظ : تقرأ .
ولفظ
أخف من لفظ : ولا تضعفوا.(5)
وحيث كانت الكلمة ثقيلة لا يكون ذلك اعتباطاً وإنما للتعبير عن ثقل المعنى الذي
تحمله ، مثل : (اثّاقلتم): فثقل اللفظ للدلالة على معنى
التثاقل الحسي للمتثبط عن الجهاد.(6)
ومثل قوله سبحانه: فثقل اللفظة بالتشديد، للدلالة على ما يفعله المثبط من تثقيل
للآخرين.
ب-
ألفاظٌ أكمل في الدلالة من غيرها على المعنى المقصود :
*
لفظ "الخشية" أكمل دلالة من لفظ "الخوف" حيث ورد
مثل قوله تعالى : [فاطر:28](7)
وفُرّق بينهما بأن الخشية تكون من عِظَم من يُخشى منه وإن كان الخاشي
قوياً، والخوف يكون من ضعف الخائف وإن كان من يخاف منه غير قوي، والله أعلم(8).
وتأمل التفريق في
استعمال اللفظين في قوله تعالى :
[الرعد:21] ، فالخشية متعلقة بالله سبحانه لكونها أعظم
الخوف .
*
لفظ "القعود" أدل من لفظ "الجلوس" في قوله تعالى : لدلالته على عدم الزوال، لأن
القعود يستخدم لما فيه لبث وبقاء، بخلاف الجلوس فيستعمل للمكث اليسير، ولذا يقال :
قواعد البيت ولا يقال: جوالسه، كما إن لفظ الجلوس أدل من
لفظ القعود في قوله تعالى :
[المجادلة:11]
لأن المكث في
المجالس لا يدوم .
*
لفظ "السنة" في لغة العرب يدل غالباً على الحول الذي فيه الشدة والجدب، بينما لفظ
"العام" يدل على الحول الذي فيه الرخاء والخِصْب ، كقوله تعالى عن نوح عليه السلام
ودعوته لقومه
[العنكبوت:14] .
حيث عبر عن لبثه فيهم بالسنة ، لأنها كانت سنوات شدة بالنسبة له عليه السلام، بينما
الخمسين التي لم تحسب من لبثه فيهم عبر عنها بالعام الدال على الرخاء والنعمة .
ومن ذلك ما ورد في قصة يوسف عليه السلام حيث ذكر سبحانه سبع سنين تتم فيها الزراعة
، ثم يأتي بعد ذلك سبع سنوات شديدة تستهلك المحصول السابق فقال
[يوسف:47-48]
، ثم ذكر سبحانه أنه سيأتي الغيث للناس فعبر عنه بلفظ "العام" قال تعالى
[يوسف:49] .
*
لفظ أغطش في قوله تعالى
أدل على المعنى المقصود من لفظ : (وأظلم) لأن
لفظ أغطش فيه مع معنى الظلمة معنى الصمت ، ومعنى ظلام
السماوات مع الصمت لوجود الفراغ لا يعطيه إلا لفظ: أغطش(9).
جـ-
الإفراد والجمع:
*
حيث جاءت "الريح" في القرآن مجموعة دل على أنها للرحمة ، وحيث جاءت مفردة دل على
أنها للعذاب.
فمن الأول قوله تعالى:
[الروم:46].
ومن الثاني قوله تعالى :
[الحاقة:6] .
وخرج عن ذلك قوله تعالى
في سورة يونس
[يونس:22] .
وذلك لوجهين
– والله أعلم-
الأول
: لفظي ، وهو المقابلة لقوله تعالى بعد ذلك
[يونس:22] ، والمقابلة من فنون البلاغة ، ومع ذلك فُقِّد
قيدت الريح بأنها طيبة .
الثاني : متعلق بالمعنى ، وهو أن السفينة إنما تجري باتزان إذا كانت بريح واحدةٍ من
جهة واحدة، أما لو اختلفت عليها الرياح فلربما كان سبباً
للهلاك، والمطلوب لسيرها ريح واحدة ، وقد أكد هذا المعنى بوصفها بأنها طيبة.
*
إفراد "النور" وجمع "الظلمات" كما في قوله تعالى
[البقرة:257] فالظلمات أسبابها
متعددة والنور مصدره واحد .
*
ومن ذلك إفراد "النار" حيث وقعت، و"الجنة" وقعت مفردةً ومجموعة ، لأن الجنان مختلفة
الأنواع فحَسُن جمعها، والنار مادةٌ واحدة ، والجنة رحمة والنار عذاب فجمعت الجنة
وأفردت النار ، قال تعالى :
[محمد:12] .
* إفراد السمع
وجمع البصر:
قال تعالى : [المؤمنون:78] .
لأن السمع غلب عليه المصدرية (أي حقيقة عملية السمع التي تتم في مركز السمع في
المخ) فأفرد ، وهو إدراك لمؤثر واحد وهو الاهتزازات الصوتية .
واللائق بالأبصار هو الجمع ، لأن عملية الإبصار تتم عن طريق الإدراك لآثار الألوان
المختلفة على مركز الإبصار .
* المشرق
والمغرب، ورد :
بالإفراد : لاعتبار
الجهة، قال تعالى: [الشعراء:28].
وبالتثنية : لاعتبار مشرق الصيف ومشرق الشتاء ومغربهما ،
مثال
[الرحمن:17] .
وبالجمع : لاعتبار تعدد المطالع في كل فصل من فصول السنة ، قال تعالى :
[المعارج:40].(10)
د-
ألفاظُُ تناسب حروفها معانيها ، ومن أمثلة ذلك :
*
لفظة () في قوله تعالى : [الحاقة:6] .
اللفظة بجرسها الصوتي في حرفي الصاد
والراء المكررين تدل على معنيي الشدة والتتابع، كما تدل على ما يصاحب الرياح
الشديدة من أصوات .
*
لفظ : [الناس:4] .
تكرار الحرفين الواو والسين، يدل على تكرار الفعل الذي هو الوسوسة، كما إن حرف
السين المهموس يدل على معنىً آخر ، وهو كون هذه الوسوسة خفية .
وليست مثل لفظ يصطرخون مثلاً في قوله تعالى في وصف أهل النار
[فاطر:37]
فلفظ : المكون من ثلاثة من حروف التفخيم الصاد والطاء
والخاء يدل على شدة صراخهم الناشئ عن شدة العذاب والعياذ بالله .
*
لفظ: (زلزلت) تكرار حرفي الزاي واللام يدل على تكرار الزلزلة .
*
لفظ: (يُذبّحون) بالتشديد ، يدل على تكرار الذبح .
وكذلك التشديد في لفظ (وليطوّفوا) يدل على التكرار .
* لفظ (غليظاً)
في قوله تعالى : [النساء:21] فخامة
الكلمة باحتوائها على حرفين من حروف التفخيم يدل على عظم شأن الميثاق.
* لفظ (كآفة) في
قوله تعالى :
[سبأ:28]
فالمد في اللفظ الذي يقدر بست حركات في علم التجويد، يوحي بالعموم المقصود من
الكلمة، ولذلك هو أدل من لفظ : جميعاً(11).
أمثلة من بلاغة التركيب في القرآن الكريم :
* قول الله تعالى: [البقرة:179] .
اتفق علماء البيان أن هذه الآية بالغة أعلى درجات البلاغة(12)
.
فهي تحمل ألفاظاً شريفة فيها جلالة وبلاغة وإيجاز .
فصدر الآية (ولكم) : مؤذن بأن منفعة القصاص مختصة بكم عائدة إليكم، إنما شرعت رحمة
بكم وإحساناً إليكم.
* وقوله تعالى :
[البقرة:179]
إيذان بأن الحياة الحاصلة إنما هي في العدل وهو أن يفعل
بالقاتل كما فعل بالمقتول. لأن القصاص في اللغة المماثلة، وهذا تحقيق للعدل .
* وقوله تعالى :
جاءت هنا نكرة لتعظيمها، وليس المراد أي حياة،
بل الحياة التي تحصل من القصاص حياة خاصة محبوبة لدى النفوس الشريفة .
فإذا علم من يريد القتل أن مصيره أن يقاص به ارتدع عن
القتل ، فتسبب ذلك في حياة الناس، وكذلك إذا قُتِل القاتل فإنه سيُمنع شرُّه عن
نفوس أخرى فتحيا .
* وقوله تعالى :: يعني أن هذا الحكم إنما يتقبله ويحسن فهم حكمته أصحاب العقول
السليمة الخالصة عن شوب الهوى.
* وقوله تعالى
:
بيان لثمرة عظيمة من ثمار امتثال ذلك الحكم النافع المفيد، وهو أن تجعلوا وقاية
بينكم وبين ما يضركم من القتل أو من معصية الله المفضية إلى عذابه.
* وقوله سبحانه
[البقرة:179] أبلغ من قول
العرب: القتل أنفى للقتل وهو أوجز كلام عند العرب في هذا المعنى ، وقد بين العلماء
ذلك فيما يأتي :
1. أن قوله سبحانه
[البقرة:179] مطرد ، فكل قصاص
يوجب حياة، بينما قولهم : القتل أنفى للقتل غير مطرد ، فليس كل قتل أنفى للقتل ، بل
قد يكون أدعى للقتل ، مثل القتل ظلماً فإنه أدعى لزيادة القتل، ولكن القصاص هو الذي
يحَدُ من القتل .
2. أن حصول الحياة هو المقصد الأصلي، ونفي القتل إنما يراد لحصول الحياة والتنصيص
على الغرض الأصلي [الحياة] أولى من التنصيص على غيره [نفي القتل] .
3. أن في لفظ القتل تكراراً بخلاف الآية فليس فيها تكرار.(13)
4. أن لفظ القصاص يدل على الجزاء العادل بخلاف القتل في المثال المذكور.(14)
قال
الزمخشري معلقاً على الآية :
[البقرة:179] ، قال : كلام فصيح لما فيه من الغرابة وهو أن
القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جُعل مكاناً وظرفاً للحياة … وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل(15).
*
قوله تعالى :
¼ …
[الأنعام:151] مع قوله سبحانه :
[الإسراء:31] يظن الناظر في الآيتين الكريمتين لأول وهلة أنه
لا فرق في المعنى بينهما، وعند التأمل يظهر الفرق ، وهو
أن الآية الأولى ذكرت النهي عن قتل الأولاد لأجل الفقر عند الآباء وبينت أن الله
يرزق الآباء والأولاد، وقدمت ذكر رزق الآباء على الأولاد ، وفي الآية الثانية تقدم
ذكر رزق الأولاد على الآباء لخشيتهم الفقر المتوقع ، والسرّ في ذلك أن الآية الأولى
تتحدث عن الآباء الفقراء ولذا قال سبحانه أي من فقر، لذا طمأنهم سبحانه بأنه
سيرزقهم وسيرزق الأولاد أيضاً، بينما الآية الثانية تتحدث عن آباءٍ أغنياء في
الحالة الراهنة ولكنهم يخشون الفقر بسبب الأولاد ولذا قال سبحانه
،
فبدأ سبحانه بإخبارهم أن رزق الأولاد الذين بسببهم يخشى الفقر سيكون عليه سبحانه،
فقدم ذكرهم طمأنةً لآبائهم وأخبرهم بأنه سيرزق الآباء أيضا والله أعلم .
*
قوله تعالى حكاية عن الجن زمن بعثة النبي r :
حيث
ذكر فاعل الرشد وهو الله سبحانه ، ولم يصرح بمريد الشر، وهذا من الأدب مع الله
سبحانه .
وكذلك في قوله سبحانه عن إبراهيم عليه السلام وهو يتحدث عن ربه سبحانه:
[الشعراء:78-81]
تأمل كيف قال: وإذا مرضتُ فنسب المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله عز وجل.
*
قوله تعالى:
[الأنبياء:46] .
لما كان التعبير عن أخف أنواع العذاب الذي يثمر الندم الكبير عند الكافرين جاء
التعبير عنه بدلالات كاشفة عن ذلك .
فقوله تعالى:: اللام للقسم لتوكيد الجملة التي ستذكر
وإن: للاحتمال، أي إن مستهم نفحة .
وقال سبحانه : والمس من أدنى درجات الإصابة، ولم يقل:
أصابهم .
وقال: () : أي شيئ يسير من العذاب ، وهي منونة للدلالة على التقليل.
وقال: من عذاب ربك ، و() للتبعيض، ولم يقل كل عذاب ربك.
فهذا بيان لغاية الضعف البشري أمام أدنى درجات العذاب الإلهي بأسلوب غاية في
البلاغة(16).
سر فصاحة
القرآن وبلاغته :
لقد كان القرآن العظيم غاية في الفصاحة والبلاغة لأنه كلام الله الذي يحمل العلم
الإلهي ، وينم عن العظمة والصفات الإلهية التي لاتحد بحد ، فأعجز الفصحاء والبلغاء
فلم يجدوا إلا أن يقولوا : إنه سحر، كما حكى الله عنهم قولهم
[المدثر:24] .
ومن وجوه فصاحته وبلاغته ما يأتي :-
أ- تضمنه أصح المعلومات وأدقها وأكملها ، وأصدق المعاني وأوضحها ، وأحسن الكلام
والتعبير بأفصح المفردات والتراكيب وأبلغها وأعذبها ، وسريان ذلك فيه من أوله إلى آخره، وإنه ليستحيل على بشرٍ أن يصل إلى هذا السمو ، فإنه إن
راعى دقة المعلومة فاته رونق اللفظ وعذوبته غالباً، وإن
أراد تنميق الألفاظ وتزيينها لم يصل إلى مراده في دقة المعلومة التي يوردها .
وإنك لتلاحظ عذوبة ألفاظه حتى في المواضع العقدية والتشريعية التي تستلزم البعُد عن
اللفظ البديع غالباً.
ب- جمعه بين صفتي العذوبة والجزالة(17) مع
كونهما كالصفتين المتضادتين لا تكادان تجتمعان في الكلام.
ج-
إرواؤه لمطلب العقل والعاطفة معاً بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.
د- قصده في اللفظ مع الوفاء بحق المعنى :
فإنه يجلي المعنى كاملاً واضحاً في كلمات وعبارات قاصدة ليست بالطويلة المملة ، أما
البشر فإنه إن أراد الاقتصاد في اللفظ قصر في التعبير عن المعنى المطلوب ، وإن أحب
تجلية المعنى قاده ذلك إلى التطويل في العبارة ، وإن قُدّر أنه ضبط اللفظ مع المعنى
في جملة أو جملتين ، فإن الكلال والإعياء سيلحقه بعد ذلك
في بقية الكلام ، وندر أن يصادفه هذا التوفيق مرة ثانية إلا الفينة بعد الفينة .
هـ- جودة سبكه وإحكام سرده
مع أنه حوى موضوعات كثيرة مختلفة شاملة لحاجات البشر في الدنيا والآخرة من
تشريع وقصص ومواعظ وبراهين عقلية ووجدانية ومناقشات وأمثال وحكم وغير ذلك ، فقد سبك
هذه الموضوعات جميعاً وغيرها سبكاً حكيماً ، فتراه
مترابطاً ترابط الجسم الواحد والروح الواحدة .
و- إشباعه العامة والخاصة على السواء :
فالجميع يتذوق حلاوته ويجد فيه من بغيته ما يمتع عقله وقلبه ، فالعامة
يلتذون به ويفهمون منه على قدر استعدادهم وما تبلغه عقولهم وقلوبهم ،
والخاصة يجدون حلاوته ويفهمون منه أكثر مما تفهم منه العامة ، بخلاف غيره من كلام
البشر فتجد منه ما يرضي العامة لسهولته ولكن الخاصة تمجّه لكونه دون مستواهم ، وإن
أرضى الخاصة لارتفاع مستواه لم يُرضِ العامة لكونهم لا يفهمونه .
ز- مسحته اللفظية المميزة :-
فهي مسحة خلابة عجيبة ، تتجلى في نظامه الصوتي وجماله اللغوي ، فأما نظامه الصوتي
فإنك تجده متسقاً مؤتلفاً في حركاته وسكناته ومدوده وغُنَّاته ، واتصالاته وسكتاته ،
اتساقاً عجيباً وائتلافاً رائعاً ، يسترعي الأسماع ويستهوي النفوس بطريقة لا يمكن
أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم ومنثور .
فجرسه الصوتي يجذب السامع له ويلفت انتباهه ، حتى لو كان أعجمياً لا يعرف اللغة
العربية ، ولعل هذا هو الذي حمل بعض العرب في عهد النبوة أن يقولوا : إنه شعر ، ثم
عادوا إلى أنفسهم فعلموا أنّه فوق الشعر وأنه لايسير على
منهج الشعر ومنواله فقالوا : هو سحر .
وأما جماله اللغوي فهو ما امتاز به في رصف حروفه وترتيب كلماته ترتيباً بديعاً ،
بحيث أنك تجد لذةً حين تسمع حروف القرآن خارجة من مخارجها الصحيحة ، فحرف يَصْفُر
وآخر يَنْقُر، وهذا يُخْفى وذاك يُظْهر ، وهذا يُهْمس وذاك يُجْهر ، فخرج للناس
بمجموعة مختلفة مؤتلفة ، جامعة بين اللين والشدة ، والخشونة والرقة ، والجهر
والخُفْية على وجه دقيق محكم ، وَضَعَ كلاً من الحروف المتقابلة في موضعه بميزان ،
حتى تألف من مجموع ذلك قالب لفظي مدهش بلغ جماله اللغوي قمة الإعجاز ، بحيث لو أدخل
في القرآن شيء من كلام الناس لاعتل مذاقه في أفواه قارئيه واختل نظامه في آذان
سامعيه(18).
ح- إحكام ترابطه وكمال تناسقه مع كونه قد نزل مفرقاً حسب الحوادث في ثلاثٍ وعشرين
عاماً ، بينما البشر يعجزون أن يصنفوا كلاماً مترابطاً كترابط القرآن إذا كان قد
قيل في مناسبات مختلفة وفي أزمنة متباعدة .
وقال الخطابي رحمه الله : القرآن صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ ، في أحسن
نظوم التأليف ، متضمناً أصح المعاني ..(19)
اعتراف
العرب الفصحاء ببلاغة القرآن وفصاحته :-
وقد اعترف العرب الفصحاء بعظيم نظم القرآن وبلاغته وأسلوبه من خلال تأثرهم به، حتى
كانوا يحذِّرون من قدم إلى مكة من سماع القرآن خشية أن يتأثر به فيُسلم، بل تواصوا
فيما بينهم باللغو عند سماع القرآن حتى لا يتأثر به السامع. قال تعالى:
[فصلت:26] .
قال مجاهد : الغوا فيه بالمكاء(20)
والتصدية(21) والتخليط في الكلام حتى
يصير لغواً.
قال الشوكاني : عارضوه باللغو الباطل ، أو ارفعوا أصواتكم ليتشوش القارئ له.(22)
ولما جاء الطُفَيل بن عمرو إلى مكة لم يزل به الكفار يحذرونه من سماع
القرآن حتى وضع في أذنيه قُطناً خشية أن يسمع شيئاً من القرآن ، وأبى الله سبحانه
إلا أن يسمعه شيئاً منه مع وجود ذلك القطن ، فهدى الله قلبه لسماع القرآن ومن ثَمَّ
شرح الله صدره للإسلام.(23)
ولما سمع الوليد بن المغيرة القرآن فكأنّه رَقَّ له ، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال
: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوه لك ، فإنك أتيت محمداً لِتَعرَّض
لما قِبَله ، قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً ! قال: فقل فيه قولاً يبلغ
قومك أنك منكر له ، قال: وماذا أقول؟! فوالله ما فيكم
رجل أعلم بالشعر مني ولا أعلم برَجَزِه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما
يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة
وإن عليه لطلاوة، وإنه لمُثمر أعلاه مُغْدِق أسفله، وإنه ليَعْلو وما يعلى، وإنه
ليَحْطِمُ ما تحته !!
قال : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه !!. قال : فدعني
حتى أفكر فيه، فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر، يأثره عن
غيره(24)
!! فنزلت الآيات في الوليد قال تعالى:
[المدثر:11-26]
(25)
فقول الوليد : إن القرآن سحر، يبين عميق التأثير الذي أحدثه القرآن في نفسه .
وقال الزهري : حُدِّثْتُ أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس
بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله
j، وهو يصلي بالليل
في بيته، وأخذ كل رجل منهم مجلساً ليستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فلما طلع
الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا، فلو رآكم بعض
سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم انصرفوا .
حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا
طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم
انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له،
حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض : لا نبرح حتى نتعاهد
ألاّ نعود ، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس
بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال :
أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ، فقال :
يا أبا ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما
عرفت معناها ، ولا ما يراد بها ، قال الأخنس : وأنا
والذي حلفت به كذلك .
قال : ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال : يا أبا الحكم ، ما
رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال ماذا سمعت ! تنازعنا نحن وبنو
عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا
تجاذينا(26) على الركب، وكنا
كفرسي رهان ، قالوا : منّا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك مثل هذه! والله
لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه . قال : فقام عنه الأخنس
وتركه.(27)
فحرصهم على الحضور ليلاً لسماعه مما يدُّلُّ على
تأثرهم به وتعجبهم منه لكونه ليس ككلامهم ، ولكن العناد والمكابرة حملهم على تركه
كما قال أبو جهل .
ومما يدل على تميز القرآن الذاتي عن كلام العرب ما شهد
به أُنَيْس بن جنادة الغفاري قبل إسلامه، حيث سأله أخوه
أبو ذرّ عما يقول الناس في النبي r فقال : يقولون : شاعر،
كاهن، ساحر – وكان أنيس أحد الشعراء – قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة فما هو
بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقراء(28) الشعر فما يلتئم على لسان
أحدٍ أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون…".(29)
وقدم جُبير بن مُطْعِم
إلى المدينة قبل إسلامه في فداء أُسارى بدر فسمع النبي
r يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور(30) قال : فكأنما صدع
قلبي حين سمعت القرآن(31)، وفي رواية :
وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي.(32)
فهؤلاء من قريش أفصح العرب يشهدون ببلاغة القرآن
وفصاحته من خلال تأثرهم به.(33)
وما أحسن ما سطره الرافعي في تصويره تأثير القرآن في العرب الذين كانت الفصاحة
والبلاغة من أبرز مفاخرهم ، وأنه لولا فصاحة ألفاظه التي بلغت حد الإعجاز لما
استطاع التأثير فيهم لأنه قد قامت فيهم بالفصاحة "دولة الكلام ولكنها بقيت بلا ملك
حتى جاءهم القرآن".(34)
تحدي الكافرين أن يأتوا بمثله :
قال تعالى مبيناً عجز الإنس والجن مجتمعين أن يأتوا بمثل القرآن الكريم
[الإسراء:88] .
وهذه الآية مكية، نزلت في وقت قلة عدد المؤمنين وضعفهم، وإِقْدامُ النبي
j على هذا الخبر العظيم عن جميع الإنس والجن
إلى يوم القيامة أنهم لا يقدرون على الإتيان بمثل القرآن، بل يعجزون عنه، لا يقدم
عليه وهو يدعو الناس لتصديقه إلا وهو واثق أن الأمر كذلك ، ولا يُقْدِم عاقل على
مثل هذا الخبر وهو يشك فيه ، في مثل ظرف النبي j في ذلك الوقت، ولم يكن هذا اليقين حاصلاً للنبي j
، إلا بإعلام الله سبحانه له .(35)
وقد تحدى الله الكفار أن يأتوا بمثله إن ظنوا أنه من قول محمد j، قال سبحانه
[الطور:34] .
وتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فقال سبحانه :
[هود:13] .
ثم تحداهم الله أن يأتوا بسورة من مثله فلم يقدروا ، وأخبرهم أنهم لن
يفعلوا قال سبحانه : [البقرة:23-24] .
ولو كان القرآن من كلام الرسول r لما جزم بعدم استطاعة أحد
أن يأتي بمثله، وتحقق هذا الجزم بعد ذلك دليلُُ على أن القرآن كلام الله المعجز .
وكان بإمكانهم أن يكذبوا القرآن لو استجابوا للتحدي وأتوا بسورة مثل
القرآن. ولماّ رأينا أنهم تركوا الاستجابة للتحدي مع أنه أمر لا يكلفهم كثيراً من
التبعات واختاروا الطريق الوعر لمواجهة الرسول وهو الحرب وإزهاق الأنفس وإهدار
الأموال علمنا علماً يقينياً عجزهم عن الإتيان بمثله مع كونهم أساطين الفصاحة
والبلاغة .
ولو قَدَّرنا أن رجلاً ألف كتاباً ، أو قال شعراً ثم
تحدى الكتاب والشعراء ، فقال: عارضوني وإن لم تعارضوني فأنتم كفار مأواكم النار ،
ودماؤكم لي حلال !! فمن المستحيل أن يحجم الجميع عن معارضته لإنقاذ أنفسهم من القتل
، ولدفع وعيده لهم بدخول النار ، فإذا لم يعارضوه رغم توافر الدواعي لمعارضته كان
ذلك من أبلغ العجائب الخارقة للعادة الدالة على صدقه في تحديه.(36)
وهذه البينة (المعجزة) قائمة دائمة إلى أن
يرث الله الأرض ومن عليها .(37)
هناك علامات
واضحة بينة في القرآن تدل قارئه وسامعه أنه من عند الله عزوجل
ويستحيل أن يكون من عند غيره ومنها :
1) الجدة الدائمة :
يلمس القارئ أثراً من آثار إعجاز القرآن حين يقرأ القرآن العظيم ، فكلما ما قرأه
وجده جديداً، ولا يزال يشعر بأنه جديد لا يبلى مهما تكرر على اللسان والسمع ، وكم
كرر المسلمون ويكررون سورة الفاتحة وقصار السور كل يوم ، وكلهم يجمعون على أن
القرآن الكريم لا يزال جديداً على ألسنتهم ، وهذه علامة تخضع للممارسة من كل قارئ
للقرآن في أي زمان وفي أي مكان ، كما أنها علامة إلهية في كل سورة. ولقد نطق أحد
كبار المستشرقين بهذه الحقيقة ، وهو المستشرق " ليون " فقال : حسب القرآن
جلالة ومجداً أن الأربعة عشر قرناً التي مرت عليه لم تستطع أن تخفف ولو بعض
الشيء من أسلوبه الذي لا يزال غضاً كأن عهده بالوجود أمس .
2) كونه روحاً من أمر
الله : يكون الكلام انعكاساً لشخصية المتكلم وعلمه وخبرته وصفاته، وقارئ القرآن يقع في نفسه شعور بأن المتكلم إليه هو الله سبحانه |