الإيمان

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدمة

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره  ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم .

وبعد : فإن أول واجب على الإنسان أن يعرف الله سبحانه وتعالى عن طريق العلم ، قال تعالى : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [محمد: 19] . وأن يعرف رسول ربه ، وصدق رسالته ، عن طريق العلم الذي يورث اليقين ، قال تعالى : ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾ [الرعد:19] ، وأن يعرف الحكمة من خلقه  في هذه الدنيا ، وأن يعرف مصيره الذي إليه يسير، وأن يعرف دين ربه الذي هو مأمور باتباعه .

وإذا كان شرف العلم بشرف المعلوم ، فإن علم الإيمان يتعلق بمعرفة الله ، ومعرفة رسوله ، ومعرفة دين الله، وإذا كانت أهمية العمل تتناسب مع الفائدة التي يجنيها الإنسان منه ، كما تتناسب مع الخطر الذي يدفعه الإنسان عن نفسه بهذا العلم ، فإن علم الإيمان يحقق للإنسان السعادة والفوز العظيم ، في الدنيا والآخرة.

ولقد وعد الله المؤمنين في الدنيا بوعود كثيرة ، منها :

1-   النصر على أعدائهم ، قال تعالى : ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم:47] .

2-   الدفاع عنهم ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الحج:38] .

3-   الولاية لهم ، قال تعالى : ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [البقرة:257] .

4-   الهداية لهم ، قال تعالى : ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الحج:54] .

5- عدم تسليط الكافرين عليهم ، قال تعالى : ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾ [النساء:141] .

6- التمكين لهم والاستخلاف في الأرض ، قال تعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾ [النور:55] .

7- الرزق الطيب ، قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف :96] .

8-   العزة ، قال تعالى : ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

9- الحياة الطيبة ، قال تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ [النحل:97] .

هذا بعض ما يفوز به المؤمنين في الدنيا ، وهذا هو الذي تحقق لأسلافنا المؤمنين الصادقين .

أما الدار الآخرة فحسبهم قول الله سبحانه : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا(1) (107)خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا(2) [الكهف: 107، 108] . وقوله تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ(8)خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لقمان:8، 9] .

ومن يتأمل أحوال المسلمين اليوم يجد أن ما وعد الله المؤمنين به في الدنيا غير متحقق لهم ، مما يشهد بأن إيمانهم ضعيف ، أو أنهم فقدوا صفات كثيرة من الإيمان أو أكثرها ، فغاب عنهم في حياتهم الدنيا ما وعد الله به المؤمنين من : النصر والولاية ، والدفاع ، والهداية ، والاستخلاف ، والتمكن ، وعدم تسليط الكافرين، والرزق الطيب، والعزة، والحياة الطيبة، ومن استمر على حاله هذا فسيخسر ما أعده الله للمؤمنين في الآخرة كما خسر في الدنيا ، بل ربما خسر نفسه في نار جهنم .

لذلك كان لا بد من تقوية الإيمان وتثبيته وتجديده وذلك بنشر علومه بين المسلمين ، وبتطبيق أحكام الدين، وكان على العلماء أن يبادروا للقيام بهذا الواجب ، خاصة وهم يشاهدون هجوم المبادئ الإلحادية على المسلمين ، ونشاط الحركات التنصيرية ، كما يشاهدون انتشار الخرافات والأباطيل ، التي يحاول أهلها أن ينسبوها بالباطل إلى الدين .

وهذا كتاب الإيمان نضعه بين يدي المسلمين ، من سلسلة تعليم الواجبات الدينية ، ونسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه ، وأن ينفع به المسلمين .

وإننا نطلب من كل غيور على دينه ، أن يبذل جهده لتعلمه وتعليمه لأهله وجيرانه ، ولسائر المسلمين، والله الموفق .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

 

الإيمان وحقيقته

 

لقد بين الله سبحانه ولعباده حقيقة الإيمان الذي يقبل الله به الأعمال . ويتحقق به ما وعد الله المؤمنين.

الإيمان اعتقاد وعمل :

قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:15] ونرى من هذه الآية ، أن الإيمان المقبول الصادق ، هو الاعتقاد الذي لا يخالطه ريب ، وهو العمل المتمثل في الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله .

ذلك لأن اعتقاد القلب لا يكفي لقبول الإيمان ، فلقد كان إبليس معتقداً بالله ، فقد جاء على لسانه في القرآن الكريم : ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص:79] ومع ذلك فقد وصفه الله بالكفر لتكبره عن عمل ما أمره الله به ، قال تعالى : ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:34] .

فالإيمان الحق إذن هو الذي يشتمل على :

1-     العقيدة الثابتة التي لا يخالطها شك .

2-     العمل الذي يصدق العقيدة وهو ثمرتها .

ـ والعمل أنواع :

-       عمل القلب، مثل : الخوف من الله ، والإنابة إليه ، والتوكل عليه .

-       عمل اللسان ، مثل نطق الشهادتين ، والتسبيح والاستغفار والدعوة إلى الله.

-   عمل الجوارح ، مثل : الصلاة والزكاة والصوم والجهاد في سبيل الله ، وطلب العلم لله ، والتجارة والزراعة والصناعة تحقيقاً لأمر الله في استخلاف الأرض طبقاً لتعاليم الإسلام .

 

ـ الإيمان يزيد وينقص :

وهناك أسباب ، تقوي الإيمان ، فيزيد ، قال تعالى : ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ [الأنفال:2] وهناك أسباب من المعاصي تضعف الإيمان كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...) .

وإذا أردنا الفوز بتحقيق الإيمان فعلينا أن نقيمه:

1-     تصديقاً ثابتاً في القلوب عن طريق العلم .

2-  وعملاً في القلوب : عن طريق التذكير والتفكر ، وخاصة في آيات الله الكونية والقرآنية وفي الوعد والوعيد .

3-  وقولاً باللسان : وبكثرة الذكر وقول الحق ، والدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وتعلم العلم وتعليمه ، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر .

4-  وعملاً بجوارحنا : بإقامة أركان الإسلام ، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس ، وبمجاهدة النفس للامتثال لأمر الله ، وبمجالسة الصالحين كما قال تعالى : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:28،29] .

وهذا كله يحتاج أولاً إلى إصلاح القلوب وتنقيتها من الأمراض الصادة عن الهدى.

 

 

إصلاح القلوب

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:88 ،89].

ـ القلب السليم قلب المؤمن:

فكما أن الأرض الصالحة للزراعة تتصف بأوصاف فكذلك قلب المؤمن يتصف بأوصاف، منها :

1 ـ الإقبال على الحق :

الذي ينتج عنه معرفة الحق واتباعه ، قال تعالى : ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِي(17)الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:17، 18] أما القلوب الكافرة السقيمة ، فتراها معرضة عن الحق ، فتبقى جاهلة لا تهتدي إليه ، قال تعالى : ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام : 4] .

 

2 ـ حب الحق وانشراح الصدر للإسلام :

وصاحب القلب السليم يحب الحق ، وينشرح صدره لتعلم الإسلام ، فيستحق بذلك هداية الله . وأما صاحب القلب السقيم ، فتراه يكره الحق ، ويضيق صدره لسماع الإسلام ، وبهذا يعرض نفسه لعقاب الله له بإضلاله ، قال تعالى : ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام : 125] وذلك لأنهم يكرهون الحق ، قال تعالى ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: 70].

 

3 ـ إجابة دعوة الإيمان ، وحب الازدياد منه :

وصاحب القلب السليم يستجيب لدعوة الإيمان ، كما حكى الله عن أهل القلوب السليمة قولهم : ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾  [آل عمران : 193] ويحب المؤمن دائماً أن يزداد من الإيمان ، قال تعالى : ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(124)وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: 124، 125] . وأما أهل القلوب المريضة فتراهم يصدون عن سبيل الله، قال تعالى : ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم:3].

وترى أهل القلوب السليمة يتفكرون في أنفسهم ، وفي خلق السماوات والأرض ، وفي الهدى الذي جاءهم من خالقهم ، يعرفهم الحكمة من حياتهم، وموتهم ويصف لهم ماضيهم ومستقبلهم ، والجنة التي أعدها الله لعباده المؤمنين، والعذاب الذي ينتظر الكافرين ، ويتفكرون في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأدلة صدقه وكيف يطبقون ما أمرهم به لتتحقق لهم سعادة الدنيا والآخرة ، وليتقوا عذاب النار ، قال تعالى : ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران : 191] ولكن الكافرين ، عطلوا أسماعهم وعقولهم ، عما خلقت له من التفكير ، فلا يعترفون إلا يوم يندمون يوم القيامة، كما قال تعالى عنهم : ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10)فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10، 11] .

 

4 ـ التذكر :

والإنسان ينسى ، ولكن صاحب القلب السليم يتذكر فيبصر ولا يعمى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201] ، لذلك شرع الله التذكير ، فقال سبحانه : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55] ، وقال سبحانه : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى(9)سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى(10)وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى(11)الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى(12)ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ [الأعلى: 9-13] أما أهل القلوب السقيمة فتراهم في غفلة لا يؤمنون ، قال تعالى : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:39] فإن ذكرت بعض الغافلين عن الآخرين فربما يقول لك: أجئت لتعلمني الإسلام اليوم؟ وأنا مسلم خير منك؟!

 

5 ـ اليقين :

وترى صاحب القلب السليم الذي يتفكر ويتعلم ، ويتذكر ، قد وصل إلى اليقين كما بين ذلك ربنا في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ(3)وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: 3، 4] أما الغافل المعرض فتراه في ريب وشك ، قال تعالى : ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان:9] .. ولا يعرف اليقين إلا كما قال تعالى : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:12] .

 

6 ـ لين القلوب لذكر الله :

وترى أهل القلوب السليمة تلين قلوبهم وجلودهم لذكر الله وآياته ، أما الكافرون فترى قلوبهم قاسية، قال تعالى : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(22)اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 22، 23] .

فترى أهل هذه القلوب القاسية يتكبرون ويعاندون ويجحدون الآيات والدلائل ، قال تعالى : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14] ، وهؤلاء المتكبرون يعاقبون ، قال تعالى : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146] . هذا في الدنيا وأما يوم القيامة فجزاؤهم كما قال تعالى : ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: 20].

 

7 ـ اتباع القرآن والسنة :

وترى صاحب القلب السليم ، قد التزم الطاعة لربه ولرسول ربه ، وأخذ يسلك في هذه الدنيا في كل شأن من شؤونه ، طبقاً لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71].

والتزم أمر الله القائل : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:58] ، والقائل : ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7] ، ذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله ، قال تعالى : ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .

وأما صاحب القلب المريض فتراه يتبع كل شيطان مريد ، وتراه يتبع هواه ويعبد نفسه لغير الله ، ويندم لكن يوم لا ينفع الندم ، قال تعالى : ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [الأحزاب:66].

فإذا اتصفت قلوبنا بالصفات الطيبة السابقة فعندئذ نكون من أهل القلوب السليمة الصالحة التي تنبت فيها شجرة الإيمان، وتترعرع وتثمر الأعمال الصالحة وإذا كنا لا نجد في أنفسنا الأعمال الصالحة فإذن ذلك يرجع إلى ضعف شجرة الإيمان التي نبتت في قلوبنا والتي لم تستكمل صفات الصلاح، وما لم نبادر بإصلاح ما في قلوبنا فلن يتغير شيء من حالنا ، قال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11] .

وقال عليه الصلاة والسلام : (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب)(3). ولن تصلح القلوب إلا بنمو الإيمان فيها وتمكنه .


الإيمان بالله

 

ـ الإيمان بالله تعالى واجب على الإنسان :

إذا تفكر الإنسان قليلاً سيجد أن الله الذي خلقه قد أعطاه أدوات يتعلم بها سائر العلوم الدينية والدينوية وبغيرها لا يمكنه أن يكتسب شيئاً من علم ، قال تعالى : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ(4) لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78] . ومن أول شكره سبحانه أن نستخدم أدوات العلم التي وهبنا إياها، في العلم به ، قال تعالى : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: 19] وبغير أن يعلم الإنسان خالقه لا يمكنه أن يتبع هداه الذي يسعده في الدنيا والآخرة فيكون من الخاسرين ، لذلك كان أول واجب على الإنسان أن يعرف الله تعالى .

 

 

العلم طريق الإيمان

 

وإذا أراد الإنسان إيماناً صحيحاً فعليه بالعلم ، قال تعالى : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:19] ، ذلك لأن إيمان المقلد لغيره سرعان ما يهتز عند أول امتحان وعند أول شبهة، قال تعالى : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:9] وقال : ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:11].

الأدلة العلمية على الإيمان بالله سبحانه

القواعد العقلية

ـ القاعدة الأولى ـ العدم لا يخلق شيئاً :

العدم الذي لا وجود له لا يستطيع أن يصنع شيئاً لأنه غير موجود .

 

الموجود

إذا تأملنا في المخلوقات التي تولد في كل يوم ، من إنسان ، وحيوان ، ونبات، وتفكرنا في كل ما يحدث في الوجود ، من رياح ، وأمطار ، وليل ، ونهار ، ونظرنا إلى ما يجري في كل حين : من حركات منتظمة للشمس والقمر، والنجوم والكواكب ، إذا تأملنا في هذا وغيره من التغيرات المحكمة التي تجري في الوجود ، في كل لحظة ، فإن العقل يجزم بأن هذا كله ليس من صنع العدم ، وإنما هو من صنع الخالق الموجود سبحانه. قال تعالى : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ(35)أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 35، 36] .


ـ القاعدة الثانية ـ التفكر في المصنوع يدل على بعض صفات الصانع:

إن كل شيء يوجد في المصنوع يدل على قدرة ، أو صفة عند الصانع ، فلا يمكن أن يوجد شيء في المصنوع ، إذا كان الصانع لا يملك قدرة ، أو صفة مكنته من فعل ذلك الشيء في المصنوع . مثال :

إذا رأيت باباً من خشب ، قد أتقن صنعه ، فإنك ستعلم أن الصانع يملك الخشب، وأنه يستطيع أن يقطعه بانتظام ، وأنه قادر على أن يجعل الخشب أملس، وأنه يملك مسامير ، وأنه يقدر على تثبيت أجزاء الباب بالمسامير، وأن لديه خبرة في صناعة الأبواب.. فإذا وجدنا ثقباً منتظماً في الباب (محل المفتاح) شهد لنا ذلك بأن الصانع لديه قدرة ، على ثقب الباب بدقة وأن لديه إحكاماً في عمله ، وهكذا نجد كل شيء في المصنوع ، يدل على قدرة, أو صفة عند الصانع ، لأنه لا يمكن أن يوجد في المصنوع إلا إذا كان الصانع يملك قدرة أو صفة تمكنه من صنع ذلك الشيء .

وهكذا سنجد أن التفكر في المصنوع يدلنا على بعض صفات صانعه ، ومن هنا نعرف أن التفكير في المخلوقات يدل على بعض صفات الخالق.. قال تعالى : ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ(3)وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(4)وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(5)تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: 3-6] ، وإذا ما تأملنا وتفكرنا في المخلوقات فستعلمنا آيات الله فيها ببعض صفات الله سبحانه ، قال تعالى : ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:101]، وقال تعالى : ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 185].

 

الحي الدائم

إن الطعام الذي نأكله لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يتحرك ، ولا ينمو ، ولا يتنفس ولا يتزوج ولا ينام، ولا يستيقظ ، فإذا دخل الطعام جسمك أصبح جسماً حياً ، يتصف بالأوصاف السابقة ، وكذلك الحال في طعام الحيوان ، وكذلك مواد الماء والتراب والهواء التي يتغذى بها النبات لا تنمو ولا تثمر ولا تتنفس ولا تتغذى . فإذا دخلت جسم النبات تحولت إلى نباتات حية، ذات بهجة، فهذه الحياة التي تدب في كل جسم ، من نبات أو حيوان أو إنسان ، في كل يوم ، وفي كل لحظة تشهد أنها من صنع واهب الحياة .

ولقد حاول الإنسان أن يخلق الحياة ؛ فباء بالفشل الذريع ، وأعلن الباحثون في الشرق والغرب عجزهم عن خلق الحياة ، وصدق الله القائل : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ(73)مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 73، 74] نعم : والبشر يعجزون عن استرداد أي شيء يأخذه الذباب ، لأنه بمجرد أخذه يصب عليه من لعابه ، فيحوله من فوره شيئاً آخر لا تنفع استعادته .

إن الحياة التي وهبت ، وتوهب على الدوام في الكائنات الحية ، لا تكون إلا من الحي الدائم سبحانه .

وكل حياة يهددها الموت حتى جاءت أسبابه ، لكن خالق الأسباب لا تضره الأسباب ، فهو الحي الدائم الذي لا يموت . قال تعالى : ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد:2] ، وقال سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان : 58] .

 

العليم

إذا تأملت في أجنة الحيوانات ، سترى أن العيون تخلق في أرحام الأمهات، حيث الظلام الشديد ، مع أن العيون لا ترى إلا في الضوء، فيشهد ذلك : أن الذي يخلق العيون ، يعلم أن تلك الأجنة ستخرج إلى عالم فيه النور، وهكذا يشهد خلق الأجنحة للطيور داخل البيض : أن الخالق يعلم أنها ستطير في الهواء، فخلق لها الأجنحة قبل ولادتها ، وهكذا كل مخلوق ترى خلقه وهو جنين، قد أعد بما يناسب ظروف الحياة التي سيعيش فيها، حتى جنين الشجرة (البذرة) يهيئه الله بجزء يكون الأوراق والأغصان ، وجزء يضرب في الأرض لامتصاص الماء والتراب(الأملاح)، ولا يكون ذلك ، إلا من صنع من يعلم أن النبات سيحتاج إلى الماء ، والتراب، والضوء ، والهواء .

وإذا رأيت الذكور تخلق ، فسترى أن الخالق قد علم أعدادها ، فخلق لها من الإنبات ما يكفي لبناء الأسر وسيشهد لك ذلك أنه من صنع العليم سبحانه، قال تعالى : ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:49].

والماء العذب إذا كان راكداً تعفن ، ولكن العليم بذلك جعل البحار مالحة ، وجعل موجها متحركاً ، حتى لا تفسد الحياة على الأرض بعفونة البحر.

هذا وكل ما في الكون يشهد : بأن الخالق لهذا الكون لا شك عليم بما يخلق ، سبحانه، وهو القائل : ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:14]. وعلم الله محيط بكل شيء لم يسبقه جهل ، ولا يدخل عليه نسيان، قال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:12].

 

الحكيم

وإذا تأملت في صور المخلوقات ، وجدت أن كل جنس يحكمه الخالق سبحانه على مثال واحد .

ففي الإنسان : العينان في الوجه، والأنف بينهما، واليدان في الجانبين ، والقدمان من أسفل . ولا تجد أن عيناً ، نبتت لإنسان في ركبته، أو يداً ظهرت في رأسه ، وهذا يشهد أنه من صنع الحكيم ، الذي أحكم خلق الإنسان. وكذلك كل جنس من الحيوان ، أو النبات قد أحكمه ربه ، على صورة ومثال واحد.

فمن أحكم هذه الصورة إلا القائل : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران : 6].

وإذا تأملت في الهواء الذي تتنفسه ، سترى أنك تستهلك الهواء الصالح (الأكسجين) وتحوله إلى هواء فاسد (ثاني أكسيد الكربون) ، ولكن مقدار الهواء الصالح لا ينقص ، لأن الخالق ، جعل النبات ، يعوض الهواء الصالح ، بقدر محكم ، بحيث تبقى نسبة الهواء عند قدر معلوم ، لا تزيد ولا تنقص ، ألا يشهد ذلك: أنه من صنع العليم الحكيم؟!

وإذا نظرت على أنفك ، وجدته قد أحكم ليتناسب مع وظيفته ، فالهواء يدخل من ثقبين بين العينين ، لكن العليم الحكيم غطى هذين الثقبين بالأنف ، وجعل النصف الأعلى من الأنف عظماً ، حتى لا تضغط الرياح على هذا الغطاء، فتسد الثقبين ، فيمتنع التنفس ، كما يشارك عظم الأنف على حماية العينين وفتح الأنف باستمرار لدخول الهواء، إذ لو كان الأنف كله من عظام لما تمكنا من إخراج المخاط . وجعل الخالق جدار الأنف مائلاً لكي يصطدم الهواء بالجدار المائل ، فيرده إلى الحواجز الداخلية ، ليصطدم الهواء بالجدار المائل، فيرده إلى الحواجز الداخلية، ليصطدم بها ، فيلامس الهواء الداخل المحاط المبطن لجدار الأنف، فتلتصق به الجراثيم، والأتربة، فيتصفى الهواء قبل دخوله.. وفي الشتاء تتكاثر الدماء في الأنف ، فتراه محمراً, وذلك لتدفئة الهواء الداخل ، وفي الصيف يقوم الأنف بترطيب وتبريد الهواء الجاف، أو الحار.

ألا يشهد ذلك كله أنه من صنع العليم الحكيم؟!

وهكذا : لو تأملنا في خلق كل شيء في الأرض والسماء، لوجدنا أنه قد خلق في غاية الإحكام.

والإحكام في كل شيء ، يشهد لكل عاقل ، أنه من صنع الحكيم العليم سبحانه، قال تعالى : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 84] .

 

الخبير

تأمل إلى طعامك ؛ كيف خرج من تراب ، وماء واحد أنواع مختلفة الثمار، والألوان : ستجد ذلك يشهد لك أنه في غاية الإحكام وتأمل إلى هذا الطعام : كيف يكون منه الخبير سبحانه ، لحماً ، ودماً ، وعظماً ، وشحماً ، ولبناً، وجلداً , وشعراً ، وأصابع ، وأظافر، وأعصاباً ، وسوائل، مختلفة.

وتأمل إلى وجهك ؛ كيف يخرج اللعاب من الفم والمخاط من الأنف ، والدمع من العينين ، والشمع من الأذنين ، وكل هذه الإفرازات من طعام واحد!! فيشهد لك خلقها أنها من صنع الخبير .

وكيف يكون الحال لو خرج اللعاب من الأنف؟ والمخاط من الفم؟ والشمع من العين؟ والدمع من الأذن؟! فمن حدد التركيب؟! ومن حدد المكان؟ أليس هو العليم الخبير الحكيم.

والنطفة التي خلق الإنسان منها ؛ جعلها الخبير العليم الحكيم أعضاء متباينة، وأجهزة محكمة ، متعاونة لخدمة الإنسان .

والسمك في البحر يحتاج إلى الهواء لتنفسه ، فأذاب له الخبير الرحيم الهواء، مع قطرات المطر ، التي تنزل في البحر، وأعد السمك بجهاز خاص (الخياشيم) لتستخلص به ذلك الهواء الذائب في الماء .

وإذا تفكرت وأمعنت النظر وجدت كل شيء في الكون، قد صنع بخبرة بالغة، تشهد لك أنها من صنع الخبير سبحانه.

 

الرزاق

عندما كان الإنسان حبيساً في ظلمات الرحم، ولا يستطيع بشر أن يمده بشيء، ومن ماء ، أو غذاء، حتى الأب، والأم التي هو في جوفها يتخلق ، لكن رحمة ربه الرزاق ساقت له الرزق ، ناضجاً مهضوماً، من أنبوبة هي حبل السرة، وعندما يخرج الطفل وينقطع حبل السرة ، يخرج الرزاق غذاء ذلك الوليد من ثدي أمه ويلهمه استخراج ذلك الغذاء (اللبن) بمص الثدي ، وهو بعد لا يبصر، ولا يسمع ولا يعقل .

ثم يرزق الله العباد من النباتات ، والأشجار ، التي تصنع الطعام من الماء ، والتراب والهواء ، ويسخر الله الشمس للنبات ، لإتمام صنع الغذاء الذي يحتاجه الإنسان ، والحيوان ، وما كان للغذاء أن يوفر لولا أن الله يسوق الماء العذب ، ويهيئ التربة الصالحة للزراعة، ويوجد الجو ، والظروف المناسبة، لإنتاج الغذاء من النباتات، قال تعالى : ﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا(27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31)مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:24-32].

فإذا أكل الإنسان ، أو الحيوان الطعام ، وتم هضمه بما خلق الله خلق لكل كائن من أجهزة هضم، ساقه الرزاق إلى كل نقطة في جسم الكائن الحي سواء كانت في وسط المخ ، أو على سطح الجلد، أو مخ العظام.. وصدق الله القائل: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا(5) فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك:21].

إن الرزاق سبحانه ، قد تكفل بالأرزاق ، فساق رزق بعض الأسماك إلى أعماق البحار ، وساق رزق بعض الدود ، إلى جوف الصخر ، وساق رزق الأجنة إلى ظلمات الأرحام ، وساق رزق جنين النبات ، إلى جوف البذرة.. قال تعالى : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:6] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:3] . ومن أيقن أن رزقه موهوب له من خالقه، فلن يقدر أحد على سلبه رزقه ولن يخشى على رزقه أحد غير الله .

 

الهادي

إذا تأملت في أهداب الجفن الأعلى في العين ، وجدتها تنحني إلى أعلى ، وأهداب الجفن الأسفل ، تنحني إلى أسفل ، ولو انعكس الأمر لتشوشت رؤية العين .. فمن هدى ويهدي كل شعرة في كل جفن ، من إنسان أو حيوان، إلا الهادي سبحانه؟!

من الذي يهدي أسنان الفك الأسفل أن تتجه إلى أعلى ، وأسنان الفك الأعلى أن تتجه إلى أسفل؟! . من الذي هدى الإنياب أن تنمو فوق الأنياب؟! . والأسنان فوق الأسنان؟! والأضراس (المطاحن) فوق الأضراس؟

من؟ إلا الهادي ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:2، 3] من يهدي كل عضو في كل جسم ، من نبات ، أو حيوان ، أو إنسان ، إلى أن يأخذ مكانه الصحيح ، بين باقي الأعضاء ، وأن ينمو بالقدر المناسب لباقي الأجزاء؟!

ومن الذي يهدي البذرة (الحبة) وهي تشق التربة عند نموها أن ترسل العروق (الجذور) إلى أسفل ، والساق والأوراق إلى أعلى ؟! ولماذا لم نجد بذرة واحدة ينعكس الأمر فيها؟!

ألا يشهد ذلك كله صاحب عقل : أن ذلك من صنع الهادي سبحانه؟

من الذي يهدي أوراق الشجر إلى التوزع على الساق ، أو على الأغصان، فإذا خرجت الورقة الأولى من جهة ، خرجت الثانية من جهة أخرى؟!

من الذي يهدي الشمس ، والقمر ، والنجوم في حركاتها ، ويهدي الطيور الرحالة إلى بلدانها البعيدة؟!

ألا هو الهادي : ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 2، 3] والذي يهدي الشعرة ، والبذرة الورقة ، وأكمل هدايته للإنسان فأرسل له الرسل وأبان له الهدى .

ومن أيقن أن الله هو الهادي الحكيم فلن يقبل أي فكرة تعارض هدى الله ، شعاره قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [الأنعام: 71] .

 

الحافظ

إن الذي حفظك من الأخطار وأنت تتخلق في بطن أمك ، هو الذي يحفظ المخ الضعيف بقفص قوي من عظام الجمجمة ، ويحمي العين بعظام الحاجب والأنف والوجنة، ويحمي القلب والرئتين بالقفص الصدري .

إنه الذي لم يكلفك بإدخال الهواء إلى جسمك ، أو إخراجه في نومك أو في يقظتك، ولو كلفك ذلك ، لما تمكنت أن تعمل شيئاً ، غير إدخال الهواء وإخراجه ، فإن غلبك النوم، انقطع عنك الهواء ويأتيك الموت.

إن الحافظ هو الذي يسوق السحب فوق رأسك ، فلا ينزلها سيولاً تصب، فتهلك الحرث والنسل .

إن الحافظ سبحانه هو الذي أحاط الأرض بغلاف من الهواء يمنع من الأشعة الكونية القاتلة القادمة من الشمس والنجوم؛ من أن تهلك الحياة والأحياء، وهو الذي جعل غلاف الهواء درعاً واقياً من تدمير الشهب، والنيازك التي تسقط على الأرض بالملايين ، كل يوم وليلة، وهو الذي ثبت الأرض، من أن تميد تحت أقدامنا بالجبال الراسيات!!

أفلا نشكر للمولى سبحانه : أن حفظنا من داخلنا ، ومن فوقنا ، ومن تحتنا وصدق الله القائل : ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ(6) مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] .

ومن أيقن أن الله حافظه ، فلا يضره من في السماوات والأرض إلا بما قدر الله له، شعاره قول الله : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:51] .

 

صفات أخرى

وإذا تأملت إلى الطعام الواحد ، تأكله الأسرة ، فيتكون في جسم الرجل رجلاً، وفي جسم المرأة امرأة وفي جسم الطفل طفلاً .. فغذا أكله الهر تحول على جسم هر ، وإن أكله الفأر ، أو الكلب ، كان فأراً أو كلباً ، مع أنه نفس الطعام، فسبحان المصور الذي يصور كيف يشاء .

وإذا تأملت إلى حنان الأم ، ورحمتها بابنها ، سواء كانت امرأة ، أم أنثى حيوان ، وجدت التضحية البالغة تظهر لك ، حتى إن الدجاجة التي تخاف من صوت الطفل تنتفش ، وتهاجم من أراد فراخها بسوء .

إن تلك الرحمة التي تحمى بها صغار المخلوقات تشهد أنها من صنع الرحيم الرحمن.

وإذا تأملت إلى ضخامة المخلوقات : كالنجوم ، التي هي أكبر من أرضنا بملايين ملايين المرات ، وتأملت إلى أدق المخلوقات التي تجتمع الملايين منها في قطرة ماء، وسألت نفسك : كيف خضعت كل هذه المخلوقات ، لسيطرة واحدة، ونظام محكم دقيق؟! عندئذ ستجد الإجابة : بأن هذا من صنع القوي المهيمن سبحانه وتعالى.

 

الواحد الأحد

ويقدم الوجود كله شهادة بأنه من صنع الواحد الأحد .

فأنت ترى أن غذاءك ؛ يتوقف على عمل المعدة، والأمعاء ، ويقول الأطباء: إن عمل الأمعاء يتوقف على عمل الدماء ، ويتفوق دور الدماء على الهواء وحركة التنفس ، ويتوقف الهواء الصالح للتنفس على عمل النباتات، ويتوقف عمل النباتات على وجود الشمس ، ووجود الشمس يتوقف على وجود الكواكب المحيطة بها والنجوم الأخرى .. وهكذا نجد : أن كل شيء ، يعتمد في وجوده وعمله على غيره من الأشياء كما رأينا ، أن المعدة مرتبطة بنجوم السماء ، وذلك يشهد أن الجميع من صنع رب واحد ، قال تعالى : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:91] وقال تعالى : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 1-3] .

ولو كان هناك آلهة غير الله لحدث الصراع بينهم على تسيير هذه المخلوقات وعندئذ يذب الفساد على الأرض والسماء ، قال تعالى : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22] .

 

ـ من صاحب هذه الصفات؟

رأينا مما سبق أننا إذا تفكرنا في الكون والمخلوقات من حولنا وجدنا أن كل شيء يشهد بأن خالق هذه المخلوقات هو : الخالق ، الحي ، الدائم ، العليم ، الحكيم ، الخبير ، الرزاق ، الهادي ، الحافظ ، المصور ، الرحيم ، القوي، القادر ، المهيمن، الواحد ، الأحد .

وكما شهد الكون كله بهذه الشهادات فإن المسلم قد شهد مع الكون كله وردد هذه الشهادة عن علم ويقين فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله).

وإذ كنا عرفنا من القاعدة الأولى : أن العدم لا يخلق شيئاً ، وعرفنا من القاعدة الثانية بعض صفات الخالق ، فإننا سنعرف من القاعدة الثالثة أنه لا يتصف بهذه الصفات إلا أن الله وحده لا شريك له .

 

ـ القاعدة الثالثة ـ فاقد الشيء لا يعطيه :

إن الذي لا يملك مالاً ، لا يطلب الناس منه المال ، والجاهل لا يأتي منه العلم، ذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه .

وبالتفكير رأينا العلامات ، والآيات في المخلوقات التي تعرفنا بصفات الخالق سبحانه ، وإذا عرفنا الصفات، عرفنا الموصوف .

فالذين يزعمون أن الطبيعة خلقتهم ، خالفوا العقل وحاربوا الحق ، لأن الكون يشهد أن خالقه حكيم ، عليم ، خبير ، هاد ، رزاق ، حافظ ، رحيم واحد أحد .

والطبيعة الصماء الجامدة لا تملك علما ، ولا حكمة ، ولا حياة ، ولا رحمة ، ولا إرادة ، فكيف ظن الجاهلون هذا الظن؟! وفاقد الشيء لا يعطيه .

 

ـ ما هي الطبيعة؟

الطبيعة هي هذه المخلوقات بما هي عليه من صفات، ولقد عبد الوثنيون أجزاء من الطبيعة مثل : الشمس ، والقمر ، والنجوم ، والنار ، والأحجار ، والإنسان ، ويتوهم الوثنيون الجدد (الطبيعيون) أن مجموع الأوثان السابقة (الطبيعية) هي التي خلقتهم ، مع أن الطبيعة لا تملك عقلاً ، ولهم عقول؟!! ولا تملك علماً ، ولهم علم!!! ولا تملك خبرة ، ولهم خبرة!! ولا تملك إرادة ، ولهم إرادة!!! أما علموا أن فاقد الشيء لا يعطيه ، قال تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ(73)مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 73، 74].

 

شبهة ورد

يزعم بعض الملاحدة بأن الطبيعة هي التي تخلق المخلوقات ، ويستدلون على ذلك بما يشاهد من تكون الدود على بقايا وفضلات بعض الحيوانات والإنسان!

ولقد تقدم العلم وكشف للناس أن هذا الدود الذي يتكون على الفضلات وغيرها قد جاء من بيض صغير لا تراه العيون ، وأمكن مشاهدتها بالمكبرات (المجاهر أو المايكروسكوبات) وسقطت شبهة الملاحدة في هذا الباب .

ولكنهم عادوا وقالوا : إذا كان الدود قد جاء من دود سابق عن طريق البيض الصغير الذي لم نراه ، فإن الجراثيم التي تعفن الأطعمة وتفسدها قد جاءت من الطبيعة ، ولم تولد من جراثيم سابقة ، ولكن هذه الشبهة أيضاً دحضت قبل أكثر من ثمانين عاماً عندما اكتشف الباحثون طريقة يحفظون بها الطعام دون أن يتعفن وذلك بعزل الطعام عن علب محكمة تقتل فيها الجراثيم بالحرارة ، أو الأشعة ، وتعزل عن الهواء حتى لا تأتي جراثيم عديدة عن طريق الهواء . وبهذا عرف الناس أن جميع المخلوقات تأتي من مخلوقات سابقة ، ولا تتولد من الطبيعة كما يزعم الجهلة من الملحدين .

وإن تعجب أيها المسلم فمن زعماء الإلحاد الذين يعرفون الحقائق منذ أكثر من ثمانين عاماً ، ولكنهم يصرون على نشر هذه الجهالات لترويج الإلحاد الذي لا يعيش إلا مع الجهل!!

 

الرد على ضلالات النصارى

عندما نجى الله عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ من كيد أعدائه ، ورفعه إلى السماء ، وقع باقي العلماء من النصارى تحت إرهاب الرومان ، فاختفى كثير منهم ، وقتل آخرون ، فشاع الجهل بين النصارى ، وضاع إنجيل عيسى ، فاستبدلوه بأناجيل من تأليفهم ، وكتب كل مؤلف اسمه على إنجيله الذي يختلف عن باقي الأناجيل وأصبح لديهم عدد من الأناجيل ، مثل : إنجيل متى ، إنجيل يوحنا ، إنجيل مرقص ، إنجيل لوقا ، إنجيل برنابا ، حتى بلغ عدد الأناجيل أكثر من سبعين إنجيلاً ثم اختاروا في مؤتمر نصراني أربعة من هذه الأناجيل ، وأحرقوا ما بقي ، وزعموا : أن الله ثالث ثلاثة : وأن عيسى ابن الله .. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .. ثم قالوا بعد ذلك : إن الله واحد ، فأصبحوا يعتقدون بما لا يقبله العقل ، وهو أن الله واحد ، وأنه ثلاثة في نفس الوقت .

قال البوصيري :

جعلوا الثلاثة واحداً ولو اهتدوا         لم يجعلوا العدد الكثير قليلاً

ويزعموا : أن الله (أي عيسى) مات مصلوباً ، مع اعتقادهم أن الملائكة لا تموت ، وأن البشر (اليهود والرومان) هم الذين قتلوا عيسى . ويقررون في أناجيلهم أن بعض أتباع المسيح وجدوه حياً ، بعد حادثة الصلب والله يقول : ﴿.. وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء : 157،158] .

وأما قولهم : أن عيسى لا أب له ، مما يدل ـ بزعمهم ـ على أن الله أباه ، فقد رد القرآن عليهم ، قال تعالى : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران : 59] ، وقد بين المولى سبحانه : أن عيسى بشر كان يأكل الطعام ، ومن أكل الطعام احتاج لقضاء الحاجة ، فكيف يكون ربا من تحكمه ضرورات الطعام ، والشراب ، وقضاء الحاجة؟ قال تعالى : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75].

 

مجيب المضطر إذا دعاه

 

ويمكن لكل إنسان أيضاً ، أن يعرف ربه عن قرب وذلك عن طريق مشاهدة إجابة الله للدعاء ، فكم خرج المؤمنون يطلبون ـ بقلوب وجلة تائبة ـ من ربهم أن يسقيهم الغيث ، فكان الجواب على الفور في كثير من الأحيان ، ويأتي الغيث إلى القرية أو المدينة التي خرجت تدعوا ربها ، والقرى والمدن التي بجوارها لا يأتيها شيء، وكم رأى المضطرون تفريجاً لحالة الكرب بدعائهم ، قال تعالى : ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل : 62] . وقال الشاعر :

وكم أصاب المسلمين من جفاف
وطلبوا من الإله الفرجا
فهل طبيعة أجابت أم وثن

 

فنفروا ثقالهم مع الخفاف
فحققوا الفوز ونالوا المخرجا
أم أنه السميع كشاف المحن

 

موقف الكافرين من أدلة الإيمان

 

إن أدلة الإيمان بالله كثيرة ، وعددها كعدد مخلوقاته ، لأن كل مخلوق يدل على صفات خالقه ، لكن الكافرين لم ينتفعوا بهذه الأدلة ، لأن قلوبهم مريضة ، ليست صالحة لاستقبال الهدى ، كما هو حال القلوب المؤمنة ـ كما بينا سابقاً ـ فترى الكافر: معرضاً عن آيات الله ، ويجادل بالباطل ، قال تعالى : ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾ (7) [الحج: 8].

وتراه يكابر في آيات الله ، قال تعالى : ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14] وتراه يلبس الحق بالباطل ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا(8) الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:42] . وتراهم يصدون عن سبيل الله ، قال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء : 167] .

ـ التقليد في الكفر :

ومن أهم سمات الكافرين : أنهم وهم يرفضون الإيمان بأدلته الساطعة ـ يستبدلون به الكفر بدون دليل ، اللهم إلا التقليد الأعمى ، قال تعالى : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: 104].

ـ افتراء الشبهات :

ومن أساليب الكافرين لصد المؤمنين : افتراء الشبهات ، التي قد تؤثر في من يجهل عقيدته ، ولم يتحصن ضد شبهات الملحدين .

ومنها : أن الملاحدة اليوم يرددون ما قاله بنو إسرائيل لموسى ، كما حكاه القرآن : ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (9) [البقرة: 55] مع أنهم يؤمنون بوجود العقول المفكرة وبوجود الهواء وبالجاذبية الأرضية التي تجذب كل شيء إلى الأرض ، وبأمواج الإذاعة تأتيهم من أماكن بعيدة، وهم ما شاهدوا شيئاً من ذلك لكنهم رأوا آثار العقول قد ظهرت على سلوك العقلاء ، وأثار الهواء ظهرت بتحريك أغصان الأشجار وغيرها ، وآثار الجاذبية ظهرت بجذب الأشياء إلى الأرض ، وآثار الأمواج ظهرت أصواتاً في جهاز المذياع (الراديو) فآمنوا بالعقول والهواء ، والجاذبية ، والأمواج ، بعد أن شاهدوا آثارها ، فعندما عجزت الأبصار عن الرؤية ، لضعفها ، علمت العقول بوجود المؤثر من آثاره المشاهدة . ولو تخلى الكفار عن استكبارهم بأبصارهم الضعيفة ، العاجزة ، التي لا تستطيع أن ترى الهواء الذي يلامسها ، ولا ترى من في خارج المكان ، وتفكروا ، لوجدوا : أنهم وما في الكون ، من أرضه وسمائه ، ليسوا إلا آثاراً ، وآيات بينات تعرفهم بخالقهم سبحانه .

إن البصر الضعيف ، لا يستطيع أن يحيط برؤية النجوم ، وهي : (زينة السماء الدنيا) فكيف يستطيع أن يحيط بالذي على العرش استوى ، (وما السموات السبع بالنسبة لكرسيه ؛ إلا كسبعة دراهم في ترس(10) ، وما الكرسي بالنسبة للعرش إلا كحلقة في صحراء)(11) .

 وإذا كان بصر الإنسان في هذه الدنيا لا يحتمل النظر إلى الشمس مباشرة، فكيف يتحمل النظر إلى الله جل وعلا؟! ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].

وقديماً طلب موسى عليه السلام رؤية ربه ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف : 143] .

والناس جميعاً بما فيهم الكفار يصدقون الأطباء ، والخبراء ، والأساتذة ، وهم يخبرونهم بأمور ما شاهدتها أبصارهم ، ذلك لأن المخبرين أهل ثقة عند السامعين.

ولو ترك الكافرون الاستكبار ، لعرفوا ربهم أيضاً ، عن طريق رسله الصادقين ، الذين قدموا من المعجزات ، والبينات ما يجعلهم أوثق أهل الأرض، فيما يقولون عن ربهم .

 

اشتراط الإجابة :

وهناك من يشترط لإيمانه بالله ، أن يستجيب الله لما يقترحه من مقترحات ، كأن يقول أحدهم : إذا أراد الله أن أؤمن به؛ فعليه أن يفعل كذا ، وكذا .. وهذا شبيه بقول الكافرين ، كما حكى عنهم القرآن : ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا(90)أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا(91)أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 90-92] .

ولو جعل الله الطريق إلى الإيمان , هو : أن يستجيب سبحانه لمقترحات الناس؛ لوجدنا من يشترط لإيمانه أن يجعل الله الليل نهاراً ، والشمس قمراً ، والأرض سماء، والرجال نساءً ، ونجد غيره يشترط عكس ذلك؟ وثالثاً يشترط لإيمانه ، قتل فلان من الناس ، وموت فلان ، وهلاك البلدة الفلانية!! ورابعاً بعكسه!! وعندئذ تفسد الأرض ، والسماء ، قال تعالى : ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون:71] .

لقد أقام الله الدلائل الكافية في مخلوقاته ، وخلق لنا أسماعاً ، وأبصاراً ، وأفئدة نعرف بها تلك الدلائل ، وبهذا تقوم الحجة وتسقط الشبهات .

معرفة الله بأسمائه وصفاته

ـ أهمية معرفة الأسماء والصفات :

إذا قيل لك : إن فلاناً من الناس كريم ، وإن من صفاته أنه : يعطي من طلبه ؛ فأنت عندئذ ستطمع في عطائه ، وتقدره في نفسك، وتنتفع بمعرفتك لهذه الصفة عند حاجتك ، والعكس لو علمت أنه بخيل . وإذا قيل لك : إن الحكومة عادلة في أحكامها ، تهتم بمن يسكن داخل بلادها ، وتعاقب من يخالف نظامها ، فسترى الناس يسلكون داخل تلك الدولة بما يجعلهم ينتفعون بما تمنحه الدولة من خدمات ، وبما تتصف به من صفات العدل ، واحترام النظام ، وترى الناس يحبون تلك الحكومة بقدر ما تمتاز به من صفات الخير ، كما تراهم يحرصون على أن لا يعرضوا أنفسهم للعقاب والتأديب .

"ولله المثل الأعلى" . فمن يعرف صفات ربه سبحانه وأسماءه الحسنى تتسع دائرة معرفته بمن بيده ملكوت السماوات والأرض ، فترى سلوكه وسعيه متناسباً مع علمه بأسماء الله وصفاته ، أما الذين كفروا فيقول عنهم الله تعالى: ﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(12) [الحج: 74] .

ولقد حذر القرآن من تحريف أسماء الله ، فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ([13)) فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180] . كما حذر القرآن من وصف الله بمالا يليق به سبحانه . فقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [ المؤمنون : 91] .

 

الوحي الطريق الأمثل لمعرفة أسماء الله وصفاته :

إن علم الإنسان بمخلوقات الله محدود ، وهو لا يستطيع أن يحيط بالله علماً.

فالسماوات السبع بالنسبة للكرسي كسبعة دراهم في ترس ، والكرسي بالنسبة للعرش ، كحلقة رميت في فلاة (صحراء) ، و ﴿ الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(14) [طه : 5] . وعلمنا لا يكاد يبلغ حدود النجوم التي هي زينة السماء الدنيا، لذلك لا نستطيع أن نحيط بالله علماً ، قال تعالى : ﴿ .. وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ(15) حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [ البقرة : 255] . فلا نعرف الله حق معرفته ، إلا بتعليم منه ـ سبحانه ـ ، وقد جاءنا من الله البيان ، والعلم ، فعرفنا سبحانه بنفسه وبأسمائه ، وصفاته ، فنقف عندها ونمجده ـ سبحانه ـ بذكرها .


ـ تنزيه الله عن مشابهته للخلق :

وعندما يقال : الملك الفلاني كريم ، والبواب الذي معه كريم ، وطفله كريم ، فلا شك أن السامع سيفرق : بين الملك ، وبوابه ، وطفله ، وذلك بالرغم أن الجميع من بني آدم ، فإذا قيل لك : الله كريم ، فلا شك أنك ستعلم أن كرم المولى ـ جل وعلا ـ لا يشابهه شيء من كرم عباده ، المملوكين الضعفاء .

وهكذا في كل صفة من صفاته سبحانه ، فعلمه ليس كعلم عباده ، وحكمته ليست كحكمة المخلوقين ، ورحمته بالمؤمنين ، وانتقامه من الكافرين ليس كرحمة وانتقام عباده المخلوقين . كل ذلك وغيره له فيه الكمال الأعلى ، ولا يشبهه فيه أحد، قال تعالى : ﴿ .. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى : 11] فالنقص يلحق غيره وله الكمال الذي يليق به وحده .

 

 

الإيمان بأسماء الله وصفاته

كما جاءت في الكتاب والسنة

 

ومن فضل الله علينا أنه سبحانه بعلمه وحكمته ، قد عرفنا بنفسه في كتابه ، وسنة نبيه ، فعرفنا أنه : له الأسماء الحسنى ، وصفات الكمال العليا ، ولا يمكن لأحد أن يصف الله بأحسن وأفضل مما وصف الله به نفسه، كما أنه لا يمكن لأحد من المؤمنين أن ينتقص من صفات الله التي وصف نفسه بها سبحانه .

 

ـ استحالة إدراك الذات(16) :

بالأدلة العقلية والنقلية نعرف أن نعرف أن الله غير مخلوقاته ، فلا بد أن تكون صفاته مختلفة عن صفات مخلوقاته ، فكل المخلوقات ناقصة الصفات، وهو سبحانه ، صاحب الكمال .

ولقد جاءنا منه الوصف والبيان ، فنؤمن به كما وصف نفسه في كتابه العزيز وكما جاء في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم دون سؤال عن حقيقة الذات، قال تعالى : ﴿ .. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] ، فهو سميع ، وهو بصير ولكن سمعه ليس كسمع مخلوقاته ، وبصره ليس كبصر مخلوقاته ، ولا نستطيع الإحاطة به ، وهو الكبير المتعال .

 

ـ العقل والتصور :

ولقد خلق الله للإنسان عقلاً يعقل به الحقائق ، ويعرف به الحق من الباطل، والضار من النافع ، وجعله عماد التكليف ، فمن فقد عقله رفع عنه القلم ، وجعل الله للعقل طاقات واسعة .

وخلق الله للإنسان قوة يتصور بها الأشياء ، تعينه على تنظيم الأمور وتخيلها ، ولكن قوة التصور ضعيفة ، ومحدودة ، فإذا وصفت لك مدينة ، عقلت أن فيها أشياء ، وتصورت تلك الأشياء ، ولكنك إذا رأيت تلك المدينة ستجد أنها على غير الصورة التي تصورتها من قبل .

وإذا طرق شخص الباب استطعت أن تعقل أن طارقاً يطرق الباب ، ولكن تصورك يعجز أن يتصور ؛ من الطارق حقيقة؟ وما طوله؟ وما عرضه؟ وما لونه؟ وما حجمه؟ .. فقوة العقل اخترقت حاجز الباب ، فعقلت أن طارقاً موجود يطرق الباب فقط ، بينما عجزت قوة التصور ، وحبسها حاجز الباب أن تنفذ .

"ولله المثل الأعلى " . فالعقل يؤمن بالله ، وقوة التصور تعجز عن إدراك الله سبحانه : ﴿ .. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] .

 

الأسماء الحسنى

لله الأسماء الحسنى ، وله تسعة وتسعون اسماً ، من أحصاها دخل الجنة، وله أسماء أخرى غيرها ، كما جاء في الحديث .

قال تعالى : ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180] . ومن الأسماء الحسنى :

"الواحد ، الأحد الصمد(17)، القيوم(18)، الخالق، المصور ، الرحمن ، الرحيم ، اللطيف ، الرزاق ، الواسع(19)، العظيم ، العزيز(20)، الحكيم ، العليم ، الحافظ ، الهادي، المحيي ، المميت ، الوارث(21).

 

 

شهادة أن محمداً رسول الله

ـ الأدلة البينة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم :

يؤكد الله رسله بالبينات الدالة على صدق رسالتهم حتى لا يكذبهم الناس، قال تعالى : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (22)، ولقد أيد الله محمداً صلى الله عليه وسلم ببينات واضحة وأدلة قاطعة معجزة منها :

ـ البينة (المعجزة) القرآنية :

لقد جعل الله معجزة محمد صلى الله عليه وسلم دائمة لتقنع الناس جميعاً إلى يوم القيامة ، وجعل القرآن الكريم أقوى المعجزات ، وحفظه سبحانه من التحريف، قال تعالى : ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ (23) [هود: 17] .

ولهذه البينة القرآنية أوجه توضح إعجاز القرآن نذكر منها:

ـ فصاحة القرآن وعظمته الدائمة :

القرآن مكون من أحرف الهجاء (أ ، ب ، ت ، ث) وكلام الناس مكون من نفس الأحرف ، لكن فصاحة القرآن أعجزة الإنس والجن ، على أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه ، فأنت إذا سمعت خطبة فصيحة ، أو قصيدة بليغة ، أعجبتك ، سرعان ما تصبح هذه الخطبة أو القصيدة بالية في سمعك إذا كررت عليك لأنه ما من كلام بشر إلا وهو يبلى إذا كرر .

ولكن ، كم يقرأ المسلمون الفاتحة ، والسور القصار؟ وكم يختم الدارس للقرآن كتاب الله ، ويعيده ، فما أحس قارئ للقرآن أن الفاتحة أو أي سورة قد أصبحت بالية ، فعلى أي شيء يدل هذا؟ لا شك أن هذه الظاهرة تشهد لكل عاقل أن القرآن كلام الله ، الذي لا يبلى .

ولقد تحدى القرآن من ارتاب في صدقه أن يأتي بسورة من مثله ، قال الله تعالى : ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ(24) مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(23)فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 23، 24] .

 

ـ إخبار القرآن بالغيب :

الغيب لا يعلمه إلا الله ، ولقد أخبر القرآن بغيوب كثيرة ، فكان هذا دليلاً على أن القرآن من عند الله ، وأن محمداً الذي بلغ القرآن للناس رسول الله ومن هذه الأخبار الغيبية :

1 ـ عندما انتصر الفرس وهم عباد أوثان على الروم وهم أهل كتاب في فلسطين فرح المشركون في مكة، وتوعدوا المسلمين بمصير كمصير الروم ، فساء ذلك المؤمنين فأنزل الله قوله : ﴿ الم(1)غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(5)وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:1-6].

وعندما نزلت هذه الآيات رددها المسلمون ، وتهكم بما وعدت به الكافرون، وتصدى كافر لأبي بكر رضي الله عنه يراهنه على أن الفرس ، لن تنهزم في المدة التي حددتها الآيات بكلمة (بضع سنين) ، وهي مدة تمتد من ثلاث سنوات ، إلى عشر ولا تزيد ، فقبل أبو بكر الصديق الرهان قبل تحريم الرهان، وسمح الرسول صلى الله عليه وسلم بمضي الرهان ، ووقف الكافرون مع الكافر الذي دخل الرهان ، كما وقف المسلمون ينتظرون تحقيق وعد الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع)(25)  ، ووضعت النبوة أمام امتحان ، فقد جاء الخبر الإلهي بانتصار الروم المهزومين ، وليس هناك من الدلائل ما يدل على أنهم ينتصرون ، وحدد الموعد بأقل من عشر سنين، وكان الخبر بصيغة لا تقبل التأويل ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم : 6] ، والكفار جميعاً يعلمون أن محمداً من أعقل الناس، ولا يمكن أن يورط نفسه في مثل هذا الامتحان ، لو لم يكن في غاية الثقة من ربه وتصديقه له .

لذلك ما مرت سبع سنوات حتى تحقق وعد الله ، وفرح المؤمنون، وظهر صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فآمن جمع من الناس، ودخلوا في دين الله .

2 ـ لقد كانت المحاولات كثيرة جداً ، لاغتياله صلى الله عليه وسلم من المشركين ، ومن اليهود ، عن طريق الحرب ، وعن طريق المؤامرة ، ومع ذلك فقد نزل قرآن ، يعد رسول الله بأن أعداءه لن يصلوا إليه ، قال تعالى : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60] وقال سبحانه : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67] وبعد نزول هذه الآية ، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة الذين كانوا يحرسونه ، فقال : ( يا أيها الناس انصرفوا عنا فقد عصمنا الله عز وجل)(26) .

ولقد كثرت المؤامرات ، ولكن الله سبحانه أحبطها ، تحقيقاً لوعده ، ولقد استشهد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من الخلفاء ، الأربعة الراشدين والإسلام قوي ، والكفر مندحر ، وأسباب الأمن متوفرة للخلفاء ولم تكن متوفرة في عهد الرسول ، لكن الدفاع الإلهي ، هو الذي نجى رسوله الذي وثق بوعد ربه ، فمضى في دعوته ، وصرف حرسه ، فصدقه الله ما وعده .

3 ـ لقد كان الرسل يتعاقبون على الأرض ، ولكن منذ أن ظهر رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم انقطع الرسل ، وذلك تصديقاً لقول الله سبحانه : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب : 40] . فهذا خبر غيبي صدقته القرون التي جاءت بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم تشهد بأنه لا نبي آخر بعد خاتم الأنبياء .

 

ـ الإعجاز العلمي الحديث للقرآن :

قال تعالى : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [ فصلت : 53] .

لقد تحقق الوعد من ربنا في هذا الزمان ، فرأى الكافرون الذين لم يتبينوا الحق آيات الله في آفاق المخلوقات، وما رأوا تلك الآيات والأسرار إلا بأدق الأجهزة والوسائل كالطائرات والغواصات ، والتي لم يملكها الإنسان إلا في هذا الزمان ، فكان لهم في ذلك بينة بأن الله هو الذي أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم عن هذه الأسرار في الخلق ، يوم لا أجهزة بحث علمي ، ولا طائرات ، ولا غواصات ، فكان هذا لوناً جديداً من إعجاز القرآن ، يبين للكافرين اليوم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق هذا الدين ، ومن أمثلة ذلك:

1-            ما كان أحد يظن أن أصل السماء ونجومها ، وكواكبها هو الدخان ، حتى تقدمت أجهزة البحث العلمي ، وشاهد الباحثون بقايا الدخان ، لا تزال تتكون منه النجوم إلى يومنا هذا ، والله يقول : ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11] .

2-            وكشف الباحثون الآن : أن نجوم السماء لا تزال تخلق ، وأن مدن النجوم يتباعد بعضها عن بعض ، وبهذا عرف أن السماء لا تزال تتسع ، قال تعالى : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ(27) وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات : 47] .

3-            وكشف الباحثون أخيراً : أن القمر كان مشتعلاً ثم انطفأ ، ومحي ضوؤه، وأن النور الذي يخرج منه في الليل ليس إلا انعكاساً من سراج آخر ، هو الشمس ، والله يقول : ﴿ .. فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ [الإسراء : 12] ، قال المفسرون : ( آية الليل القمر وآية النهار الشمس) ، وقال ابن عباس رضي الله عنه : (كان القمر يضيء كالشمس) . وقال المفسرون : ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أي طمسنا ضوءها . ثم ذكر القرآن القمر وسراجه ، فقال تعالى : ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان : 60] انظر : قال الله : ﴿ سِرَاجًا ﴾ , ولو كان القمر يضيء ، لقال الرحمن : (سراجين) ولم يقل: سراجاً .

4-             وكان الناس يظنون : أن من صعد في السماء تنفس الهواء العليل ، فلما صنع الإنسان الطائرات الحديثة وصعد في السماء ، وجد : أن من صعد في السماء؛ يضيق صدره ، ويبلغ أشد درجات الضيق بسبب أن الهواء ينقص كلما صعد الإنسان في السماء ، والله يقول ﴿ فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125] .

5-            وما كان أحد يتصور أن الجبال تخرق الأرض ، كالأوتاد ، حتى اكتشف الدارسون ، أن تحت الطبقة الأرضية الصلبة ، التي نعيش عليها ، طبقة لينة لزجة تحتها ، وأن تحت كل جبل ، جذراً يغوص في هذه الطبقة اللينة ، فيمسك الأرض الصلبة ، التي نعيش عليها ، من أن تضطرب من تحتنا ، بسبب لين ما تحتها ، والله يقول : ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ [النبأ : 7]. ويقول : ﴿ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ .

6-            واكتشف الدارسون : أن الماء إذا نزل أخرج النبات ، وأن النبات يخرج مادة خضراء اللون ، هي التي تصنع فيها الحبوب والثمار ، ومن هذه المادة الخضراء تخرج الحبوب ، والثمار ، والله يقول : ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً ... (28) [الأنعام : 99] .

7-            واكتشف الباحثون أن في النباتات جميعاً زوجية (ذكر وأنثى) وما كان أحد يعلم ذلك من قبل . والله يقول : ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: 36] .

8-            واكتشف الأطباء أن الأعصاب التي تتألم بحريق النار وشدة البرد توجد في الجلد فقط ، كما تتركز باقي أعصاب الإحساس في الجلد مما يجعل الإنسان يتألم عند دخول إبرة الطبيب في منطقة الجلد ، فإذا غارت في اللحم تلاشى الألم ، وقد بين القرآن أن الألم بالحرق يكون في الجلد ، في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ(29) جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 56] .

9-            واكتشف الدارسون أن اللبن في الأنعام يستخلص من بين الفرث في الأمعاء الدقيقة ، فتبقى الفضلات التي تخرج في صورة بعر ، وغيره ، بعد أن كانت كلها فرثاً سائلاً ، ثم تدخل المواد الغذائية في الدم ، ثم يستخلص اللبن من الدم في الضروع ، والله يقول : ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ(30) لبناً خالصاً سائغاً للشاربين﴾ [ النحل : 66 ].

10-          ما كانت البشرية تعرف أن في البحر موجاً داخلياً غير الموج السطحي ، وما كان الناس يعلمون أن في أعماق البحار ظلمات ، فجعل الله للأسماك سرجاً تنير لها في تلك الظلمات ، وما كان أحد يعلم أن الموج بسطحه المائل يشتت الضوء الذي يسقط عليه من أعلى فيكون بذلك ظلمة كما تفعل السحاب في منع بعض الأشعة ، من النفاذ إلى أسفل ، لكن كل هذه الأسرار قد ذكرها الله في آية واحدة، قال تعالى : ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾ (31) [النور : 40] .

هذه الأسرار وغيره في أعماق السماء ، وأعماق الماء ، وباطن الأرض ، وبطون الأنعام ، وجوف النبات ، وفي تركيب الإنسان ، ما عرفها الإنسان إلا في هذا الزمان ، بعد أن صنع أدق الآلات ، التي تمكن بها من معرفة هذه الأسرار.

فمن كشف لمحمد صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربعمائة عام ، يوم لا طائرات ، ولا غواصات ، ولا مخترعات علمية ؟! إن هذا كله يشهد لكل عاقل ، في أمريكا أو روسيا ، في الهند أو الصين ، في أوروبا أو استراليا ، أن هذا القرآن نزل بعلم الله ، قال تعالى : ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الفرقان : 6] كما يشهد لكل عاقل ، أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم .


علامات الساعة

 

قال تعالى : ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾ [الجن: 26، 27] . وإخبار محمد صلى الله عليه وسلم بغيب علامات الساعة ، التي لم تظهر أماراتها إلا في زماننا ، يشهد له بصدق الرسالة ، كما يشهد بأن الساعة حق ، وأنها قد أصبحت قريبة .

ـ ومن العلامات التي ظهرت ما يلي :

1 ـ أمور عظيمة لم تخطر على بال أحد من قبل :

هذه العجائب ، والأمور العظام ، التي حدثت في المخترعات ، وفي عالم السياسة ، والأنظمة ، والعلوم ، وهذه الأحداث العالمية ، التي ما كانت تخطر على بال أحد ، سواء في أحوال المسلمين ، أو الكافرين ، يصدق عليها وصف: الأمور العظيمة ، التي لم تخطر على بال أحد من السابقين، وقد أخبرنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تقوم الساعة حتى تروا أموراً عظاماً لم تكونوا ترونها ولا تحدثون بها أنفسكم)(32) .

2 ـ الحفاة العراة رعاة الغنم وتطاولهم في البناء :

إن الحافي الذي لا يملك حذاء ، العاري الذي لا يجد ثوباً يستر كل جسمه ، العالة في طعامه على غيره ، الذي لا يجيد من العمل غير رعي الغنم ، إن الذي يتصف بكل هذا لا يتصور أحد من الناس من قبل ، أنه سيتمكن من بناء أي بيت ، فضلاً على أن يجعل ذلك البيت من البيوت الطويلة ، ويطاول غيره في البناء ، وفضلاً عن أن يكون ذلك ظاهرة لا تحدث لشخص واحد، بل تحدث لجماعات كثيرة من رعاة الغنم الحفاة ، العراة ، العالة ، فهذا أمر ما كان يخطر ببال أحد، لكن الأمر وقع، فبعد أن فتح الله على المسلمين وغيرهم من ثروات الأرض، وخاصة البترول، رأينا رعاة الغنم الحفاة ، العراة ، العالة ، يتطاولون في البنيان، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن هذه من علامات الساعة ، فقال : (إذا رأيت الحفاة ، العراة ، العالة ، رعاء الشاء يتطاولون في البنيان فانتظر الساعة)(33) .

 

3 ـ ظهور الكاسيات العاريات المائلات المميلات رؤوسهن كأسنمة الجمال:

كان هناك بعض الصعوبة في فهم حالة النساء اللائي وصفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهن سيخرجن في آخر هذه الأمة ، وأنهن كاسيات عاريات ، وقد يحتار الإنسان ، كيف تكون المرأة كاسية ، وعارية في آن واحد حتى رأينا ذلك في زمننا ، فللمرأة كساء ، ولكنه شفاف يصف الجسم ، ويظهره [أولها الملابس الكثيرة ، ولكنها تفصلها قصيرة] أو تكون لابسة كاسية في بعض الأماكن، متعرية في أماكن أخرى. وهن أيضاً مائلات مميلات ، وقد اكتمل الميل عن الطريق المستقيم ، والتمايل بالأجساد ، حتى وضعوا لهن في أحذيتهن كعوباً عالية ، لاستكمال الميل في الأجسام ، وهن بهذا الميل مميلات لكثير من الشباب مضلات لهم بفتنتهن المعروضة .

ورؤوسهن كأسنمة البخت المائلة : أي كأسنمة الجمال المائلة . وهذا ما نشاهده في زماننا ، مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كشف الله له هذا الغيب ، قبل ألف وأربعمائة عام ، فقال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس(34)، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات ، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها)(35) .

 

4 ـ نطق الجماد :

قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام : (إنها أمارات من أمارات بين يدي الساعة ، أوشك الرجل أن يخرج ، فلا يرجع، حتى يحدثه نعلاه ، وسوطه ، ما أحدث أهله من بعده)(36) .

النعل جماد ، والسوط جماد ، وما كان أحد يتصور أن الجماد سينطق ، وقد نطق الجماد فعلاً ، وأما كيف يحدث نعل، أو السوط الرجل عما أحدث أهل بيته بعده؟ فقد اخترعت الآن أجهزة يحملها الإنسان في يده ، فتنقل له الأصوات ، والكلام من بيته ، أو من بيت غيره ، [ وما بقي إلا أن تشكل في شكل سوط ، ليسهل حملها ، أو تصنع في الحذاء فلا ترى] ويمكن تركيبها في طرف العصا أو في مكان ما من الحذاء بحيث لا ترى .

 

5 ـ قبض العلم ، وكثرة الزلازل ، وتقارب الزمان ، وظهور الفتن ، وإطالة البناء:

قبض العلم هو موت العلماء وعدم وجود من يخلفهم ، والمقصود بهم علماء الإسلام ، وقد دل الحديث على ذلك، وكثرة الزلازل هو ما نشاهده ، ونسمعه في هذه الأيام من الزلازل المدمرة .

وتقارب الزمان ؛ أي أن الأيام تمر ، وكأنها ساعات قليلة ، وسبب ذلك كثرة الأحداث التي تجعل الإحساس بالزمن يقل (والله أعلم) فإذا كنت مشغولاً في عمل مرت الساعة وكأنها لحظات، أما إذا كنت فارغاً فتحس بطول الزمان ، وزماننا هذا أيامه مملوءة بالأعمال ، مما يجعلها تمر بسرعة، وظهور الفتن، أي كثرة الفتن، التي تفتن الإنسان عن دينه ، والإعلان بها .

وأما إطالة البناء فما عليك إلا أن تقارن بين المنازل قبل خمسين عاماً والمنازل في أيامنا هذه ، وكيف استطالت ، وهذا كله قد أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، وحتى يتطاول الناس في البنيان)(37) .

 

6 ـ تسليم الخاصة ، وفشو التجارة وقطع الأرحام وكثرة القراءة وشهادة الزور:

تسليم الخاصة : هو أن يخص الإنسان بالسلام من يريد ، وفشو التجارة انتشارها ، وفشو القلم أي كثرة استخدام القلم ، وهو دليل على كثرة القراءة والكتابة ، وهذا كله جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل : (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام ، وفشو القلم ، وظهور الشهادة بالزور ، وكتمان شهادة الحق)(38) .

7 ـ كثرة الزنا وشرب الخمر :

قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام : (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ، ويكثر الجهل ، ويكثر الزنا ، ويكثر شرب الخمر)(39) ، وكثرة الجهل ، أي الجهل بالدين.

 

8 ـ انتشار التعامل بالربا :

قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام : (ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا ، فمن لم يأكله أصابه من غباره)(40) .

وقد انتشر التعامل بالربا في زماننا عن طريق البنوك وغيرها ، وإن كنا نرى ظهور بنوك إسلامية لا تتعامل بالربا، نسأل الله أن يكثر من هذه البنوك الإسلامية.

 

8 ـ التحية بالتلاعن وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال:

يأمر الإسلام بالتحية الحسنة ، والرد الأحسن ، وهكذا كان المسلمون ، حتى ظهر في زماننا من يحيي غيره باللعن ، قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (لا تزال الأمة على شريعة حسنة ما لم تظهر فيهم ثلاث : ما لم يقبض منهم العلم، ويكثر فيهم ولد الخبث ، ويظهر فيهم السقارون) قالوا: وما السقارون؟ قال : (نشء يكونون في آخر الزمان تكون تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التلاعن)(41) .

وما كان أحد يتصور أن الرجل سيتشبه بالمرأة ، والعكس ، حتى فاجأنا الزمان بهذه المصيبة ، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا عن هذا، وكشف الله له ما سيقع ، فقال عليه وعلى آله الصلاة والسلام : (من علامات اقتراب الساعة تشبه الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال)(42).

 

9 ـ وطائفة على الحق ظاهرين:

ومهما كثر الفساد ، قد شاءت حكمة الله سبحانه، أن تبقى طائفة على الحق ظاهرة ، تقيم الحجة على الناس بالدعوة إلى دين الله ، وتتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا ما نشاهده ، فلا يخلو مكان إلا وفيه من يظهر دين الله ، ويتمسك بكتاب الله ، وسنة رسوله .

وفي هؤلاء ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من يخذلهم حتى يأتي أمر الله)(43) .

وبعد : فهذا قليل من كثير ، مما أخبر به رسول ربنا صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربعمائة عام ، يشهد بصدق نبوته ، وبأنه نذير لنا وبشير لنا بين يدي عذاب شديد ، فكما رأينا علامات الساعة اليوم فسنرى الساعة غداً ، لأن المخبر بها واحد، وهو الصادق المصدوق ، محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم .

 

بينة تغير نظام الخلق

ـ من القرآن الكريم :

لقد خلق الله الكون على نظام ثابت ، ولكن الله يخرق هذا النظام تأييداً لرسله، وتصديقاً لهم .

ومن أمثلة ذلك : ما حدث لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وهي بينات كثيرة أقنعت الكثير من الناس ، بصدق رسالته ونبوته، ومنها:

1- انشقاق القمر :

نظام الخلقة الثابت هو أن القمر جسم واحد ، ولا يقدر على شقه نصفين أحد إلا الله ، ولكن الكفار لما كذبوا محمد صلى الله عليه وسلم ، وطالبوه بآية تصدقه شق الله له القمر نصفين ، فقال عليه وعلى آله الصلاة والسلام : (اشهدوا) ، قال الكافرون: سحرنا محمد ، ولم يكذبوا الآية التي شاهدوها فأنزل الله قوله : ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ(1)وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: 1، 2](44) .

 

1 ـ الإسراء والمعراج :

شاء الله أن يرفع رسوله إلى سدرة المنتهى ، فوق السماء السابعة ، فلم يعرج به من مكة ، بل أسري به منها ليلاً ، إلى بيت المقدس ، ثم عرج به من بيت المقدس.

وقد كان في إسرائه الدليل للكفار على صدقه ، لأنهم كذبوا الرسول ، ثم امتحنوا صدقه ، فسألوه عن وصف بيت المقدس ، وهم يعلمون أنه لم يره من قبل ، فوصفه حجراً حجراً ، فسألوه عن قافلة لهم في الطريق ، فحدد مكانها ، وعدد رجالها ، ومن أي القبائل هم ، ووصف الإبل ، وذكر وصف الجمل الذي يتقدم القافلة ، وما يحمل ، بل وحدد الزمن الذي تصل فيه القافلة ، فوصلت في الموعد الذي حدده ، فكان في ذلك كله دليلاً على إسرائه ، وكان الإسراء دليلاً على المعراج في السماء ، وذكر القرآن الإسراء ، فقال سبحانه : ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] ، وقال سبحانه عن المعراج : ﴿ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى(12)وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى(13)عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى(14)عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى(15)إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى(16)مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى(17)لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾(45) [النجم : 12-18] ، وكانت الجنة والنار من آيات الله التي رآها عليه وعلى آله الصلاة والسلام . إن الإسراء والمعراج خرق للعادة، وقد جعله الله تصديقاً لرسوله .

 

3 ـ الرياح والجنود التي لا ترى تقاتل مع الرسول وصحبه:

لقد كان المسلمون في جانب في الخندق الذي حفروه حول المدينة لمنع المشركين من الوصول إليها ، وكان الكفار في الجهة الأخرى من الخندق ، فإذا برياح شديدة وجنود لا ترى ، تطفئ نار الكافرين وتكفئ قدورهم، وتهدم بناءهم ، وتقتلع خيامهم ، وتشرد خيلهم وجمالهم ، وإذا بالمشركين الذين جاءوا من أماكن بعيدة، وحاصروا المسلمين ليالي طويلة ، يطردون رغم أنوفهم، ويعودون خائبين ، وأصبح المسلمون يرددون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : (الحمد لله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده) .. وفي ذلك نزل قول الله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب : 9].

 

4 ـ النعاس والمطر والملائكة تنزل لتأييد المسلمين :

توجه المسلمون لقتال المشركين في بدر ، وهم خائفون لقلتهم ، وضعفهم، فأنزل الله النعاس أماناً لهم ، واحتلم بعضهم ، فأخذ الشيطان يوسوس لهم ، ويخوفهم من الموت، وهم جنب ، ليردهم عن المعركة، فأنزل الله ماء ليغتسلوا به ، وليثبت الرمال به تحت أقدامهم عند سيرهم إلى المعركة ، ثم نزلت الملائكة عند اللقاء بين الجيشين فهزم الكفار هزيمة نكراء في أول معركة بين الكفار والمسلمين.. وفي ذلك نزل قوله تعالى : ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ(11)إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾(46) [الأنفال : 11 ، 12] .

5 ـ جنود الله تنصر محمداً على الكافرين أثناء الهجرة :

قررت قريش قتل محمد صلى الله عليه وسلم فأحاط شبابها بداره ، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من بينهم وقد أغشى الله أبصارهم واختفى في غار حراء وصاحبه أبا بكر الصديق رضي الله عنه يخشى أن ينظر الكفار الذين يطاردونهم إلى داخل الغار فيكتشفونها ولكن جنود الله صرفتهم عن النظر إلى داخل الغار .

وطارد الفارس المدرب سراقة بن مالك الرسول وصاحبه بعد خروجهما من الغار ، فلما قرب منهما ساخت قوائم فرسه في الرمال ، حتى لامست بطن الفرس الأرض ، وسقط من فوق فرسه ، فأخذ سراقة يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمان ، وإلى هذا تشير الآية : ﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (47) [ التوبة : 40] .

 

سؤال وجواب :

قد يسأل سائل فيقول : وكيف أجعل إيماني بوقوع هذه الخوارق كإيمان من شاهدها؟ والجواب: بالتفكر في الأمر، واستخدام العقل نصل إلى هذا الإيمان ، فمثلاً خارقة الرياح والجنود التي لم تر ، وخارقة انشقاق القمر ، وغيرهما من الخوارق ، لقد وقعت هذه الخوارق أمام مئات وآلاف المسلمين والمشركين، ثم نزل قرآن سجل هذا الذي وقع ، وسمعه المسلمون وسمعه الكافرون ، فصدق المسلمون ما ذكره القرآن من وقوع تلك الخوارق أمامهم ، فثبتوا على إيمانهم، وعبادتهم ، وجهادهم ، وصدق المشركون بما حدث ، فلم يكذبوه، بل فسروا الانشقاق وباقي الخوارق بأنه سحر مستمر ، ثم تحولوا بعد ذلك إلى الإيمان والإسلام ، وأصبحوا هم الحملة لهذا الدين إلى مشارق الأرض ومغاربها .

ولقد حفظ الله القرآن من كل تبديل وتحريف فأنت ترى أن النسخة من القرآن الموجودة في أمريكا ، والصين , والهند ، وروسيا ، وأوربا ، وأفريقيا ، هي نفس النسخة التي كان يقرأها الآباء والأجداد في مشارق الأرض ومغاربها، وهي نفس النسخة التي نزلت على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا نعرف أن الخوارق البينة سجلت في أعظم سجل ، أجمع الناس على اختلاف أجناسهم وأوطانهم وأزمانهم على صحة سنده.

ولو أن القرآن أخبر بأن حادثة وقعت للناس وهي لم تقع ، مثل انشقاق القمر، أو تسليط الرياح على المشركين في غزوة الأحزاب ، لكذب بها الكافرون والمسلمون ، وعندئذ لا يبقى أحد على الإسلام ، لكن الذي حدث هو العكس ، فدل ذلك على أن كل ما سجله القرآن هو الحق الذي وقع وشاهده وصدقه المسلمون والكافرون ، وحفظه الله لنا في القرآن بدون تحريف أو تبديل .

 

بينة تغير نظام الخلق

ـ من الحديث الشريف :

وقد حفظ المسلمون أقوال رسولهم ، وأعماله وتقريراته ، وحفظوا أوصافه الخلقية والجسدية ، وكل ما يتصل به، ووصفوا الخوارق التي أجراها الله على يده، والتي كانت سبباً في إسلام الكثير منهم ، وتناقلوا ذكرها جيلاً بعد جيل ، وانبرى علماء الحديث يدققون في الروايات في كل جيل ويضبطون الألفاظ، ويتحرون السند.

ولقد حدثت خوارق كثيرة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت في كتب الحديث ، نذكر منها الخوارق التالية:


1 ـ تكثير الماء القليل :

كان المسلمون بحاجة إلى ماء وهم في المدينة للوضوء قال أنس رضي لله عنه : (أتى النبي صلى الله عليه وسلم بإناء ، وهو بالزوراء مع أصحابه ، فوضع يده في الإناء ، فجعل ينبع من بين أصابعه ، فتوضأ القوم ، قال قتادة : قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة)(48) .

وحدث مثل هذا والرسول مسافر مع سبعين من أصحابه . رواه البخاري.

وحدث مثل هذا في الحديبية والمسلمون ألف وأربعمائة ـ رواه البخاري ـ فزاد ماء البئر .

وحدث مثل هذا أيضاً في سفر الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، عندما مسح على مزادتي امرأة كانتا فارغتين من الماء ، فامتلأتا فشرب المسلمون وكان عددهم أربعين رجلاً ، ثم ملأ كل قربته فعادت المرأة تقول : لقيت أسحر الناس أو هو نبي كما يقولون ، فأسلم قومها(49).

 

2 ـ تكثير الطعام القليل :

كان الرسول صلى الله عليه وسلم جائعاً ، فجاءه أبو طلحة ببضعة أقراص من شعير ، فأمر الرسول بفتها ودعا الله ، وأمر أن يأكلوا منها عشرة عشرة، حتى شبع الجميع، وكان عددهم سبعين أو ثمانين رجلاً .

واشتد الجوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم يحفرون الخندق ، فذبح جابر رضي الله عنه شاة لرسول الله وبعض أصحابه، فنادى الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الخندق كانوا ألفاً ، فبارك الله اللحم، والخبز، حتى شبعوا جميعاً(50).

في غزوة الخندق ، وفي غزوة تبوك . أصيب المسلمون بمجاعة فاستأذنوا الرسول أن يذبحوا الإبل ، فاقترح عمر رضي الله عنه أن يجمع المسلمون بقايا طعامهم ويدعو الرسول بالبركة ، فوافق الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا، فبارك الله لهم في الطعام ، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه(51). فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أني رسول الله .

 

3 ـ حنين جذع النخلة وتسبيح الطعام :

لما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستناد في خطبة الجمعة إلى جذع النخلة ، الذي كان يستند إليه ، بعد أن صنع له المنبر ، حن الجذع كحنين الناقة ، حتى كاد يتصدع ، فجاء إليه رسول الله ، وضمه حتى سكن(52).

 وروى البخاري والترمذي : أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

4 ـ حماية الرسول من أعدائه :

أقسم أبو جهل؛ أن يطأ رقبة محمد بقدمه إذا رآه يصلي ، فرآه يصلي، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لينفذ وعده ، فعاد على عقبه وهو يتقي بيديه، فقيل له : ما لك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة .

وتآمرت يهودية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدست السم في شاة قدمتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم أنها مسمومة فمجها ، بينما أصاب السم بعض أصحابه .

5 ـ إخباره بالغيب :

لقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بما هو كائن في حياته، وبعد موته ، إلى قيام الساعة .

لقد كان سبب إسلام شعب اليمن أن الرسول صلى الله علهي وسلم أخبر الفرس واليمنيين بأن ملك الفرس قد قتله الله انتقاماً لرسوله ـ عليه وآله والصلاة والسلام ـ وحدد الرسول الليلة التي قتل فيها كسرى ملك الفرس، فكان هذا سبباً في إسلام شعب اليمن وإسلام الفرس الذين كانوا في اليمن ، ودخلوا في دين الله أفواجاً .

 

البشارات في الكتب السابقة

لا يستطيع أحد أن يزعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الذي كتب لليهود ، والنصارى ، والمجوس ، والهندوس في كتبهم المقدسة: أوصافه ، واسمه ، وأوصاف زمنه ، وبلاده التي تشهد له ، بأنه رسول من عند الله، لأن ذلك قد كتب في كتبهم قبل ولادته بقرون كثيرة ، قال تعالى : ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾(53) [الشعراء:196] .

وقد كانت هذه البشارات سبباً في إقناع أجيال من النصارى ، والمجوس ، واليهود ، والهندوس ، إلا أن الذين أصروا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم قاموا بالتحريف ، والتبديل لهذه البشارات ، وبرغم ذلك لا تزال  في كتبهم بشارات، تشهد بصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، ومن تلك البشارات:

ـ في التوراة :

جاء في التوراة : أن نبياً سيظهر في مكة , ( الديار التي سكنها قيدار) ـ وهو أحد أبناء إسماعيل عليه السلام ، وقيدار سكن مكة ، كما تحكي التوراة ذلك ـ وأن اسمه يرتفع فيها ، وأنه يركب الجمل ، وأنه يحارب بالسيف، وأنه ينتصر هو وأصحابه ، وأنه يبارك عليه في كل يوم ، (وهذا ما يفعله المسلمون عند التشهد) ، وأن ملوك اليمن تأتيه بالقرابين ، وأن علامة سلطانه على كتفه بقدر بيضة الحمام (وهذه العلاقة كانت على كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه أوصاف لا تنطبق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم).

كما جاء في التوراة : أن الله تجلى على الناس في أماكن ثلاثة ، وهي :

سيناء ، حيث أعطي موسى عليه السلام التوراة .

ساعير (جبال في فلسطين) حيث أعطى الإنجيل لعيسى عليه السلام .

مكة (فاران) ، حيث نزل القرآن على محمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام.

تقول التوراة التي بين يدي اليهود إلى يومنا هذا : (جاء الرب من سيناء ، وأشرق لنا من ساعير ، وتلألأ من جبل فاران) ، وفاران هو الاسم القديم لمكة، كما تذكر التوراة نفسها في سفر التكوين(21: 22) .

وقد أشار بعض الباحثين ، إلى أن القرآن قد أشار إلى هذه الأماكن الثلاثة بقوله تعالى : ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ(1)وَطُورِ سِينِينَ(2)وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾ [ التين: 1-3] .

التين والزيتون : إشارة إلى منابتهما في فلسطين .

طور سينين : سيناء .

هذا البلد الأمين : مكة .

 

ـ في الإنجيل :

جاء في إنجيل برنابا ، في الباب (220) : أن عيسى عليه السلام ، قال لأتباعه : (وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله).

وجاء في إنجيل يوحنا أن عيسى عليه السلام ، أخبر قومه بالنبي الذي سيأتي بعده ، فقال : (إن لي أموراً كثيرة ، أيضاً لا أقول لكم ، ولكن لا تستطيعون الآن أن تحتملوا ، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم ويخبركم بأمور آتية) .

ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي جاء بعد عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وتكلم بالوحي ، وأخبر الناس بالغيب الذي سيأتي.

وقال أحد كبار العلماء من النصارى ، هو الأب عبد الأحد داود الآشوري، في كتابه (الإنجيل والصلب) : إن العبارة التي يرددها النصارى الآن (المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة) لم تكن هكذا من الأول بل كانت : (المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وللناس أحمد)، قال تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: 6] .

 

ـ في كتب الهندوس :

جاء في كتاب (السامافيدا) وهو كتاب مقدس عند البراهمة في الهند، في الفقرة السادسة، والثامنة من الجزء الثاني، ما نصه : (أحمد تلقى الشريعة من ربه وهي مملوءة بالحكمة) .

وجاء في كتاب (ادروافيدم) ـ وهو كتاب مقدس عند الهندوس ـ : (أيها الناس اسمعوا وعوا يبعث المحمد(54) بين أظهر الناس ، وعظمته تحمد حتى في الجنة، وهو المحامد)(55) .

وجاء في كتاب (بهوش برانم) من كتب الهندوس المقدسة: (في ذلك الحين يبعث أجنبي مع أصحابه باسم محامد(56) الملقب بأستاذ العالم(57) والملك يطهره بالخمس المطهرة)(58) ـ الجزء : 1 ـ فصل 3 ـ عبارات 3 ـ وما بعدها(59) .

 

ـ في كتب المجوس :

جاء في كتاب (زندا أفستا) (أن الله سيبعث رسولاً هذا وصفه: رحمة للعالمين، ويتصدى له عدو ويسمى أبا لهب ، ويدعو إلى إله واحد) . وصدق الله القائل: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ ﴾ [البقرة: 146] واليهود والنصارى هم أهل الكتاب ، والهندوس والمجوس أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن نسن بهم سنة أهل الكتاب ، غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم ، لأنه والله أعلم قد تطاول العهد على كتبهم، وكثر فيها التحريف ، ولقد كانت هذه البشارات وغيرها سبباً في إسلام الكثير من أسلاف اليهود ، والنصارى ، والمجوس ، والهندوس .

 

شهادة أحواله بصدق نبوته صلى الله عليه وسلم

ما من شخص يتصدى لأمر الناس إلا وسلط الناس أنظارهم عليه لدراسة أحواله ، فما تمر الأعوام إلا وقد انكشف على حقيقته ، وخاصة إذ انقلب بين أوضاع الضعف والقوة ، والخوف والأمن ، والفقر والغنى ، وقلة الأتباع وكثرتهم، والشدة والرخاء ، كما حدث في حياة محمد صلى الله عليه وسلم ، وإذا تأملنا أحواله وجدناها تشهد بأنها أحوال لا تكون إلا لنبي ، ومن أبرز هذه الأحوال:

1 ـ الصدق :

لقد شهد له قومه بالصدق فسموه قبل أن يبعثه الله بالرسالة (الصادق الأمين) ولقد قال له أبو جهل : إنا لا نكذبك ، ولكن نكذب ما جئت به(60) فأنزل الله قوله : ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ [الأنعام: 33] . ولقد عرف عنه الصدق في كل أموره حتى في مزاحه صلى الله عليه وسلم الأمر الذي لا يتحقق إلا لنبي مرسل .

2 ـ الالتزام الكامل بما يدعو الناس إليه :

إن النفس البشرية تكره أن يفرض عليها قيود الالتزام ، وخاصة إذا وصلت إلى درجة التمكن في المجتمع ، وإذا تأملنا حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدنا أن حاله يشهد بأنه أتقى الناس، وأكملهم خلقاً ، وأعظمهم عبادة ، كان يصوم حتى يقول أهله لا يفطر ، وكان يقوم الليل في صلاته حتى تفطرت قدماه ، فقالت عائشة رضي الله عنها : لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال : (أفلا أكون عبداً شكوراً؟)(61) .

كان ينفق المال فلا يبقى في بيته شيئاً ، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي.

وما حفظ عنه من أذكار وأدعية يشهد أنه كان دائم الذكر لربه ليلاً ونهاراً، وعند كل عمل من الأعمال ، وكان مع ذلك هو الرسول ، المبلغ لدين الله ، قائد جيش المسلمين ، وكان المسلمون إذا حمي الوطيس احتموا برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مضرب المثل في الشجاعة والإقدام .. ثبت يوم حنين مع مائة من أصحابه لأربعة آلاف من المشركين ، ونصرهم الله على عدوهم .

خيره المشركون في مكة بين إعطائه ما يريد من المال ، والجاه ، والسلطان ، مع ترك الدين وبين الحرب ، والتنكيل به إن أصر على دينه ، فاختار أن يبلغ ما أمره الله به ، وبعد أن خضعت له الدنيا ، نزل قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب : 28 ] . فاخترن جميعاً رسول الله ، وزهدن رضوان الله عليهن في الحياة الدنيا وزينتها .

لقد كان مثلاً أعلى للحكم بين الناس بالعدل ، فقال : (لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها)(62) .

وكان مثلاً أعلى في كل شيء ، حتى أنك تجد كل أبناء أمته يحاول أن يتشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم في أي جانب ، فلا يستطيع أن يبلغ درجته ، فاجتماع المثل العليا في كل جانب لا يكون إلا لنبي مرسل، شهد له ربه بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4] ، وجعله أسوة للناس ، فقال سبحانه : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب : 21].

3 ـ قيامه بالرسالة وتبليغ الناس :

لقد أدى الرسول حق الرسالة والتبليغ ، فمرة باتصاله الشخصي ، ومرة بدعوة الناس إلى الطعام ، ومرة بعرض نفسه على القبائل صابراً ، والقبائل ترده واحدة بعد واحدة ، ومرة بدعوة الناس إلى الاجتماع ، ومرة بالتصدي للناس ، ومرة بإرسال الدعاة من أصحابه ، ومرة بإرسال الرسل إلى الملوك والأمراء، ومرة بجهاد الذين يصدون عن سبيل الله ، ولقد واجه الكفار هذه الدعوة وأهلها بألوان من القسوة والشدة ، والأذى ، فهذه قريش تهزأ برسول الله وأصحابه ، ثم تفتك ببعض المسلمين حرقاً ، وقتلاً ، وتعذيباً وتحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات في شعب أبي طالب ، حتى أكل المسلمون الجلد والشجر ويشتد الأذى فيهاجر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين : إلى الحبشة فراراً بدينهم ، ثم إلى المدينة ، وتأخرت قريش على قتل رسول الله ، ولكن الله أمره بالهجرة ، للنجاة من كيدهم ، بلغ ما أمره به ربه حتى الذي فيه عتاب له من ربه مثل قوله تعالى : ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى(1)أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى(2)وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى(3)أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى(4)أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى(5)فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى(6)وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى(7)وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى(8)وَهُوَ يَخْشَى(9)فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾(63) [عبس : 1-10] وذلك بسبب أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو بعض كبار الكفار ، فجاءه المسلم الأعمى ابن أم مكتوم يسأله ، فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه لئلا يشغله بسؤاله عن دعوة كبراء القوم الذين إذا أسلموا كان إسلامهم خيراً للمسلمين ، فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن عبس بوجهه وابن أم مكتوم أعمى ، لا يرى وجه الرسول العابس ، فلا يؤذيه ذلك ، ولكن الله سبحانه أنزل عليه العتاب فبلغه الرسول كما نزل(64).

إن سعي محمد صلى الله عليه وسلم كان منصباً في حياته كلها على أن يبلغ ما أمره به ربه أن يبلغه مهما كانت المصاعب والعقبات ، وفي حجة الوداع، قال للمسلمين : (ألا هل بلغت)؟ فيشهدون له ، بأنه قد بلغ إليهم دين الله ، فيقول: (اللهم اشهد)(65) . إن حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل جانب من جوانبها تشهد بأن صاحب هذه الأحوال لا يكون إلا نبياً رسولاً .

 

أحوال أتباعه وأعدائه

الشاهد بصدق رسالته

ـ أتباعه :

إن قدرة الأستاذ تظهر في تلاميذه ، ومهارة المدرب تظهر على من دربهم ، وصدق الرسول يظهر في أحوال أتباعه ، فهم الذين عاشوا معه، ورباهم ، وزكاهم ، وعلمهم ، ومن تأمل في أحوال الصحابة ، يجد مصداق وصف الله لهم: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [ آل عمران : 110] ، ولقد شهدت شعوب الأرض في ذلك الزمان للمسلمين بأنهم خير أمة عرفتها البشرية ، ذلك لأن القاعدة في معاملة الشعوب والدول أن أي شعب أو دولة تغزو دولة أخرى وشعباً آخر ينتج عن هذا الغزو كراهيةٌ وحقدٌ بين الشعوب . نرى شاهداً عليه إلى يومنا بين المستعمِرين ، والمستعمَرين ، لكن هذه القاعدة نقضت مع الفاتحين المسلمين ، الذين سادوا الأرض في زمنهم ، لقد أحدث الفتح الإسلامي حباً ونصراً ، وولاءً ، وامتزاجاً بين المسلمين وغيرهم ، وأصبحت تلك الشعوب المفتوحة تحمد الله على أن أرسل إليهم هؤلاء الفاتحين المسلمين ، وإذا بحثت عن السبب ستجد أن الصراع بين الناس يكون على الدنيا ، أما المسلمون فقد بذلوا دنياهم ، لإسعاد الناس في الآخرة ، لأنهم آمنوا بالآخرة حق الإيمان ، ولأن هذا الإيمان والسلوك كانا ثمرة الامتناع الكامل بالأدلة التي قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدق رسالته ، وبالسلوك العملي الذي تجسد فيه الإيمان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ـ أعداؤه :

بعد طول العناد تحول الأعداء إلى أشد الأنصار ، وأسلم الكثير من أهل الكتب السابقة ، كل ذلك تصديقاً لرسول الله وإيماناً به .

 

صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان

إن وضع القوانين والتنظيمات لأي شيء يتوقف على العلم بحقيقة من توضع له القوانين ، وبالظروف المحيطة.

والإنسان يجهل حقيقة روحه ، والمستقبل الذي سيواجهه لذلك عجز الإنسان أن يضع تشريعات وقوانين دائمة تصلح لكل زمان ومكان ، لكن الخالق سبحانه هو العليم بحقيقة خلق الإنسان ، قال تعالى : ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك : 13] .

وهو المحيط علماً بما كان وما سيكون، ولذلك لا يمكن لبشر أن يأتي بشريعة ثابتة مرنة تتناسب مع كل زمان ومكان إلا إذا كان مرسلاً بها من عند ربه.

ولقد حكم المسلمون مشارق الأرض ومغاربها مئات السنين فكانت شريعة الإسلام صالحة للحكم طوال القرون في مختلف البيئات والأماكن .

ولقد فرضت شريعة الإسلام نفسها في زماننا هذا رغم ضعف أهلها ، فجعلتها الأمم المتحدة مصدراً من مصادر القانون الدولي ، مع أن القانون الروسي أو الأمريكي لا يعتبر أي منهما مصدراً من مصادر القانون الدولي .. ولقد شهد خبراء القانون الدولي (الأجانب) بأن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان.

قال الدكتور (إيزيكو انسابا توحين) أحد علماء القانون (إن الإسلام يتمشى مع مقتضيات الحاجات الظاهرة فهو يستطيع أن يتطور دون أن يتضاءل في خلال القرون ويبقى محتفظاً بكامل ما له من قوة الحياة والمرونة ، فهو الذي أعطى للعالم أرسخ الشرائع ثباتاً ، وشريعته تفوق في كثير الشرائع الأوربية .

أما المؤتمر الدولي للقانون الذي انعقد في (لاهاي) عام 1932 فهو الذي طالب عصبة الأمم ، أن تجعل الشريعة الإسلامية مصدراً من مصادر القانون الدولي بعد أن اقتنع خبراء القانون الدوليين بعظمة الشريعة الإسلامية ، وفائدتها للناس في هذا الزمان .

وأما المؤتمر الدولي للقانون المقارن الذي انعقد في باريس عام 1952م ، فقد طلب من الجهات القانونية الدولية أن تسمح بانعقاد المؤتمر الدولي للفقه الإسلامي في كل سنة بدلاً من عقده في كل عشر سنوات ، وعللوا ذلك بأنهم يرغبون أن يتعلموا الفوائد الكثيرة من دراستهم للشريعة الإسلامية فقالوا في مؤتمرهم: (نظراً لما ثبت للمؤتمرين من الفائدة المحققة التي أتاحتها البحوث التي عرضت في خلال أسبوع (الفقه الإسلامي) وما دار حول هذه البحوث من مناقشات أثبتت بجلاء أن (الفقه الإسلامي) يقوم على مبادئ ذات قيمة أكيدة لا مرية في نفعها ، وإن اختلاف المبادئ في هذا الجهاز التشريعي الضخم، منطو على ثروة من الآراء الفقهية ، وعلى مجموعة من الأصول الفنية البديعة التي تتيح لهذا الفقه أن يستجيب بمرونة هائلة لجميع مطالب الحياة الحديثة ، فإن أعضاء المؤتمر يعلنون رغبتهم في أن يظل أسبوع الفقه الإسلامي يتابع أعماله سنة فسنة) .

فمن أين لأمي بعث منذ ألف وأربعمائة عام أن يأتي بهذا التشريع لو لم يكن مرسلاً من عند ربه؟

وعجباً للجهلة من المسلمين ، الذين يريدون إلغاء الشريعة الإلهية واستبدالها بالقوانين البشرية!!

 

إخلاص العبادة

ـ أولاً : ما هي العبادة :

هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه وأمر به فكل ما أمرنا الله به ففعله عبادة؛ وكل ما نهانا عنه فالابتعاد عنه عبادة ، والعادات المشروعة مثل : الأكل، والشرب، واللباس، تصبح عبادات إذا قصد بها امتثال أمر الله سبحانه وتعالى، والاستعانة بها على طاعته .

ولا تكون العبادة صحيحة إلا إذا كانت خالصة له ، موافقة لشرعه وجمعت بين غاية الخضوع والذل لله ، مع كمال المحبة له ، قال الله تعالى في وصف المؤمنين : ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165] .

والعبادة : هي الغاية التي خلق الله لها الخلق ، وأرسل لها الرسل، وإذا كان الله قد سخر للإنسان ما في السماوات وما في الأرض ، فإنما ذلك ليسخر الإنسان هذا كله في طاعة الله سبحانه وتعالى ، قال الله تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (66) [لقمان:20] .. وقال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي ﴾ [الذاريات : 56]، وقال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ(67) فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾ [النحل: 36] .

وللعبادة شرطان أساسيان لا تقبل إلا بهما :

1 ـ الإخلاص لله : فلا يعبد إلا الله ، ولا يقصد غير وجه الله ابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى ، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة : 5] .

2 ـ متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم : أي لا يعبد الله إلا بما شرع على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [آل عمران:31] وقال تعالى في وصف الكافرين : ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [الشورى: 21] ، فمن صلى المغرب أربع ركعات مثلاً بطلت صلاته ومن صلاها ثلاثاً فهي صحيحة ، ذلك لأن الثانية موافقة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والأولى مخالفة لما جاء به الرسول ، قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام : (من أحدث في أمرنا هذا ليس منه فهو رد)(68) .

 

ـ ثانياً : أنواع العبادة :

وتتحقق العبودية لله سبحانه بتمام خضوع الإنسان باطناً وظاهراً ، اعتقاداً وقولاً وعملاً للمولى سبحانه .

والعبادة أنواع : منها :

 

أ ـ عبادات اعتقادية

1 ـ اعتقاد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله :

وذلك عن طريق العلم القطعي الذي لا يبقى معه ريب ولا شك .. قال الله تعالى : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ [محمد: 19] وقال تعالى : ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾ [الرعد : 19] .

2 ـ محبة الله عز وجل :

قال الله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165] . وهي المحبة المقترنة بالذل والخضوع والاستسلام والذي لا يكون إلا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ﴾ [ آل عمران: 31] ، ومن مقتضى حبنا لله أن نحب رسوله صلى الله عليه وسلم وأن نحب دين الإسلام .

وأما محبة الأبناء والأهل فليست عبادة لهم لأنها لا تستلزم الخضوع والاستسلام الكامل لهم ، وهي مع ذلك لا تكون أكبر من محبة المؤمنين لله وللرسول، فإن تعارض حب الله ورسوله مع غيره سقط الحب الذي لغير الله من قلب المؤمن.. قال الله تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾(69) [التوبة : 24] .

3 ـ الخوف من الله وخشيته مع الرجاء والطمع في رحمته :

قال تعالى : ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (70) [الرمز: 9].

وقال تعالى في وصف المؤمنين : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (71) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴾ [المعارج: 27، 28] .

وقد يخاف العبد من أمور دنيوية ولكن هذا الخوف ليس عبادة لتلك الأشياء لأنه خوف فطري من أسباب يعتقد المؤمن أن الله هو الذي قدرها ، ولا يصل هذا الخوف في قلب المؤمن إلى درجة أكبر من خوف الله سبحانه وتعالى إذ أنه يعتقد أن الله سبحانه قادر على إنقاذه من كل سوء . قال تعالى : ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ الأنعام: 17] .

4 ـ الإنابة إلى الله :

وهي الإسراع إلى مرضاة الله والرجوع إليه واستغفاره وطلب توبته ، قال تعالى : ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ(54)وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾(72) [ الزمر : 54، 55] ، وقال تعالى في وصف المؤمنين : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا(73) عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران : 135] .

5 ـ التوكل على الله والاستعانة به :

وحقيقة التوكل : هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة .

ولقد قدر الله ونظم الكون بأقدار وسنن وأسباب ، وتعبدنا بالأخذ بها ، ومن أقوى هذه الأسباب : التوكل على الله ، قال الله تعالى : ﴿.. وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3] . وقال تعالى : ﴿ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 84] .. وقال تعالى : ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التغابن : 13] . وفرض الله على عباده في كل صلاة أن يقولوا : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة : 5] وفي الحديث الشريف: (.. وإذا استعنت فاستعن بالله..)(74) .

 

ب ـ عبادات قولية :

1 ـ النطق بالشهادتين :

إذ لا يصح إسلام المرء ما لم ينطق بالشهادتين إلا الأخرس فيُكْتَفى منه بما يدل على إيمانه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة , فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام(75) وحسابهم على الله ) .

2 ـ ذكر الله والتسبيح والاستغفار:

قال الله تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب:41، 42]. وقال تعالى : ﴿وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هو: 3] . وقال تعالى : ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3] .

3 ـ الدعاء والاستغاثة:

إن الذي يدعو ويستغيث يكون عاقلاً إذا دعا من يسمعه ويسمع غيره في كل وقت ، وفي كل مكان ، وبأي لغة ، وأيضاً يكون عاقلاً إذا دعا من يعتقد أنه قادر على إجابة دعوته ، وتفريج كربته، وقضاء حاجته بأسباب غيبية ، وقدرة خارقة تقدر على التصرف في هذا الكون ، وهذا لا يكون إلا لله، ولا يكون لأحد من خلقه حياً أو ميتاً ، ومن اعتقد أن غير الله يملك شيئاً من ذلك من دون الله فتوجه إليه بالدعاء فقد وقع في الشرك ، قال الله تعالى : ﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13)إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:13، 14] .

وقال الله تعالى : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(76) [غافر: 60] . وقال تعالى : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [ البقرة: 186] ، فإن كان ذلك الذي يتوجه بالدعاء لغير الله جاهلاً فيجب على من يعلم أن يبين له ويجب عليه الاتباع وإنقاذ نفسه من الوقوع في الشرك .

4 ـ الحلف بالله :

فالمسلم لا يحلف إلا بالله تعظيماً له وإجلالاً ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)(77) .

ومن حلف بغير الله معظماً له كتعظيم الله ، خائفاً منه كخوفه من الله فقد وقع في الشرك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من حلف بغير الله فقد أشرك)(78) ، ولا يجوز الحلف بالأمانة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من حلف بالأمانة فليس منا)(79) .

5 ـ الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قال الله تعالى : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:33].. وقال تعالى : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108] ، وقال تعالى : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران : 104 ].

 

ج ـ عبادات عملية

1 ـ إقامة الصلاة :

قال الله تعالى : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة : 5] وقال تعالى في وصف المؤمنين : ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 37] . وقال تعالى : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:41] ، وقال تعالى : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132] .

 

2 ـ إيتاء الزكاة :

قال الله تعالى : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5] وقال تعالى : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ..﴾ [البقرة: 110] .

وقال تعالى : ﴿لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 162] .

3 ـ صوم رمضان :

قال الله تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ(80) عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] . وقال تعالى : ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة : 185] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)(81) .

4 ـ حج البيت لم استطاع إليه سبيلاً :

قال الله تعالى : ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران : 97] ، وقال تعالى : ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ (82) [ الحج: 27] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان)(83) .

5 ـ الحكم بما أنزل الله :

ليس من حق أحد أن يضع قوانين وتشريعات للإنسان إلا الخالق سبحانه، قال تعالى : ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 54] ، فمن جعل من نفسه أو من غيره مشرعاً لقوانين وأنظمة لم يأذن بها الله يرى أنها أفضل من الإسلام فقد أشرك بالله ، ودعا إلى عبادة غير الله ، قال تعالى : ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [الشورى: 21] . وقال تعالى: ﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ [يوسف: 40] . والمؤمن يستسلم لحكم الله ، ويخضع لشريعته بنفس راضية ، قال تعالى : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (84) [النساء:65] .

 

6 ـ الجهاد في سبيل الله :

قال الله تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الصف: 10، 11] ، وقال تعالى : ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران:142].


7 ـ النذر لله :

قال الله تعالى : ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا(85) [الإنسان: 7] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعِصِه)(86) .

8 ـ الطواف ببيت الله الحرام :

قال تعالى : ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [البقرة:125] . وقال تعالى : ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج: 29] .

9 ـ الذبح لله :

قال الله تعالى : ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام : 162 ، 163] ، والذبح من النسك ، قال تعالى : ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر:2].

وروى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لعن الله من ذبح لغير الله)(87) .

أولاً : صدق العزيمة بالعبادة

ومن يريد أو يعبد ربه فإنه يحتاج إلى عزيمة صادقة يتغلب بها على الكسل والتواني ، ويتمكن بها من بذل الجهد في طاعة الله ، حتى يصدق قوله عمله، قال تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2] ومن أراد عوناً لتقوية عزيمته فعليه بجلساء الخير , قال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(27)يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا(28)لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان: 27-29] .

ثانياً : الإيمان بالملائكة

الإيمان بالملائكة : هو الإقرار الجازم بوجودهم وأنهم خلق وعباد لله مسخرون ومكرمون . قال تعالى : ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 27] .

وقال سبحانه : ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ﴾ [التحريم: 6] ، وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ(19)يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ(88) [الأنبياء : 19 ، 20]. وقد جعلهم الله أقساماً ، منهم الموكل بأداء الوحي إلى الرسل ، وهو الروح الأمين جبريل عليه السلام ، ومنهم الموكل بقبض الأرواح ، وهو ملك الموت وأعوانه ، ومنهم الموكل بالصور، وهو إسرافيل، ومنهم الموكل بالمطر، وهو ميكائيل ، ومنهم الموكل بأعمال العباد، وهم الكرام الكاتبون ، ومنهم الموكل بحفظ العبد من بين يديه ومن خلفه وهم المعقبات. قال تعالى : ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الرعد: 11] . ومنهم الموكل بالجنة ونعيمها ، وهم رضوان ومن معه ، ومنهم الموكل بالنار وعذابها ، وهم مالك ومن معه من الزبانية ورؤساؤهم تسعة عشر، ومنهم الموكل بفتنة القبر ، وهما منكر ونكير ، ومنهم حملة العرش، ومنهم الموكل بالنطف في الأرحام من تخليقها إلى نفخ الروح ، ومنهم ملائكة يدخلون البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون ، ومنهم ملائكة سياحون يتتبعون مجالس الذكر ومنهم صفوف قيام لا يفترون ومنهم ركع وسجد لا يرفعون ، ومنهم غير ما ذكر ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴾ [المدثر: 31] ونصوص هذه الأقسام من الكتاب والسنة كثيرة معروفة عند العلماء .

ثالثاً : الإيمان بالكتب

الإيمان بالكتب معناه التصديق الجازم بأن جميعها منزل من عند الله ، وأن الله تكلم بها حقيقة ، قال تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: 136] ، فمنها ما كان كلاماً إلى الرسول بدون واسطة (الرسول الملكي) ، ومنها ما بلغه الرسول الملكي إلى البشر ، قال تعالى : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ﴾ [الشورى: 51] ، وقال لموسى: ﴿ قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين﴾ [ الأعراف: 144] ، وقال تعالى : ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ [النساء: 164] ، وقال تعالى في شأن التوراة : ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [ الأعراف : 145] ، وقال في عيسى: ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ ﴾ [ الحديد : 27] ، وقال تعالى : ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [النساء:163]، وقال تعالى في شأن القرآن : ﴿ لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 166] وقال تعالى : ﴿ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ(89) وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء : 106] ، وقال تعالى : ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (90) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعر: 192-195] ، وقال تعالى : ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت : 42] .

والكتب التي سماها الله في القرآن هي :

القرآن ، والتوراة ، والإنجيل ، والزبور ، وصحف إبراهيم وموسى ، قال تعالى : ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(2)نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ [آل عمران : 2، 3] ، وقال تعالى : ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [النساء : 163] ، وقال تعالى : ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى(36)وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ [النجم: 36، 37] وذكر الباقي منها جملة فقال تعالى : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ..(91) [الحديد:45] .

القرآن العظيم

منزلته من الكتب المتقدمة :

يقول الله تعالى : ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ..﴾ [المائدة:48] ، وقال سبحانه : ﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ﴿يونس: 37] ، ومهيمناً: أي مؤتمناً وشاهداً على ما قبله من الكتب، ومصدقاً؛ يعني يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف ، وتبديل ، وتغيير ، ويحكم عليها بالنسخ، أو التقرير، ولهذا يخضع له كل متمسك بالكتب المتقدمة ممن لم ينقلب على عقبه ، كما قال تبارك وتعالى : ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ(52)وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ [القصص: 52، 53] .

ـ على جميع الأمة التزامه :

يجب على جميع الأمة اتباعه ظاهراً وباطناً والتمسك به ، والقيام بحقه ، قال تعالى : ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأنعام: 155] ، وقال تعالى : ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ.. ﴾ [الأعراف: 3] والآيات في ذلك كثيرة ، وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب الله فقال : (فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به) ، وفي حديث الإمام علي كرم الله وجهه مرفوعاً : (إنها ستكون فتن، قلت : فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله) وذكر الحديث(92).

ـ التمسك به والقيام بحقه :

حث الإسلام أتباعه على حفظه ، وتلاوته ، والقيام به آناء الليل والنهار، وتدبر آياته ، وإحلال حلاله ، وتحريم حرامه، والانقياد لأوامره، والانزجار بزواجره ، والاعتبار بأمثاله ، والاتعاظ بقصصه ، والعمل بمحكمة، والتسليم بمتشابهه ، على ما يليق بكمال الله من غير تجسيم ولا تعطيل ، والوقوف عند حدوده ، والذب عنه من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، والنصيحة له بكل معانيها، والدعوة إلى ذلك على بصيرة .

ـ وعد الله بحفظه :

ولقد تكفل الله بحفظ القرآن ، من أن تمتد إليه يد التحريف والتغيير، والتبديل والزيادة أو النقصان ، قال الله تعالى : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9] والغاية من ذلك أن تبقى حجة الله على الناس قائمة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها . ولا يكون حجة كذلك إلا باستمرار وجوده في الناس محفوظاً إلى يوم القيامة ، ليرجعوا إليه في عقائد الدين ، واستبانة الواجبات التي يأمرهم بها والمحرمات التي ينهاهم عنها ، والفضائل والكمالات التي يحثهم ويندبهم إليها، وفي الاستنباط من نصوصه المختلفة للأحكام الشرعية لكل ما يجد في حياة الناس، ويطالعوا مواعظه ، ونصائحه وأمثاله، وآدابه ، وما تضمنه من بشائر، ونذر، ووعد، ووعيد، وسائر الوسائل والأساليب التربوية المختلفة ، الهادية إلى طريق مستقيم .

ـ الشاهد على حفظه

يجب على كل عاقل أن يؤمن ويطمئن أن القرآن الذي يقرأه اليوم هو نفس القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك لو أن أحداً أخذ آية من كتاب الله ، وذهب إلى لندن ، وباريس ، وموسكو، وواشنطن ، وبكين ، وتل أبيب ، وطاف مدن أفريقيا ، واستراليا ، وذهب إلى مكة ، والمدينة ، وأخذ مصحفاً من كل هذه الأماكن والمدن ، وفتح السورة المأخوذ منها تلك الآية ، لوجد أن القرآن واحد، والآية التي أخذها منه واحدة ، بل إنه يجد أن كل ما بين دفتي المصاحف كلاماً واحداً لم يتغير ولم يتبدل ، وصدق الله القائل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9] .

السنة المبينة للقرآن وحفظها

قال تعالى : ﴿ .. وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44] ولقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب ربه للناس، بأقواله ، وأفعاله وتقريراته ، ولقد حفظ الله هذا البيان النبوي فيما دونته الأمة في كتب السنة النبوية ، وقد حفظ الله سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بجعل الكثير من خلقه حافظين لها عن ظهر قلب ، عاقدين لها حلقات التدريس معلمين إياها كل من يجهلها ، حتى وجد في الأمة المحمدية من يحفظ عن ظهر قلب الألوف من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بأسانيدها ، ودرجاتها ، مثل : البخاري ، ومسلم، ومؤلفي الأمهات الست ، وغيرها ، وذلك لأن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم مبينة للكتاب المبين ، وجزء من الدين ، الذي ينظم كامل السلوك اليومي للمسلم في صلاته ، وصيامه وزكاته وحجه وبيعه وشرائه وزواجه وطلاقه، وعلاقاته بأسرته وجيرانه.. ، وما الذي يجب على المسلم نحو ربه وأمته.. وكل ذلك مدون مضبوط محفوظ .

ـ اختيار الله خير أمة لحفظ كتاب الله وسنة رسوله:

لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين ، فقد تكفل الله بحفظ الدين الذي بعث به إلى يوم القيامة من التبديل أو التحريف، فهيأ الله لذلك صحابة رسول الله الذين قال الله تعالى فيهم : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.. ﴾ [آل عمران: 110] ، وقال فيهم سبحانه : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143] ووصفهم رسول الله بأنهم خير القرون .

وإذا كان السبب الرئيسي في التحريف والتبديل هو الهوى فإن الله قد هيأ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تهيئة خاصة ليستقيموا على الدين ويحفظوه للعالمين ، قال تعالى : ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ ﴾ [الحجرات : 7] .

وبهذا الإعداد استحقوا أن يصفهم الله سبحانه بهذه الأوصاف .

ـ الصادقون المفلحون :

قال تعالى : ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ(8)وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (93) [الحشر: 8، 9] .

ـ المؤمنون حقاً :

قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال : 74] .

ـ أشداء على الكفار رحماء بينهم الركع السجد :

قال تعالى : ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾ [الفتح: 29] .

ـ رضي الله عنهم :

قال تعالى : ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ً ﴾ [الفتح: 18] .

ـ أوصاف الصحابة التي رشحتهم للإمامة الدينية والدنيوية :

ذكرت الآيات السابقة أن الصحابة رضوان الله عليهم يتصفون بتلك الأوصاف.

·            خير أمة أخرجت للناس .

·            الأمة الوسط الشاهدة على الناس .

·     هم الراشدون الذين حبب الله إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان .

·            هم الصادقون والمفلحون والمؤمنون حقاً .

·            أشداء على الكفار رحماء بينهم .

·            الركع السجد الذين اطلع الله على ما في قلوبهم فرضي عنهم .

فاستحقوا بذلك أن يستخلفهم الله على الأرض ، وأن يوفيهم ما وعدهم، وقد تحقق ذلك في زمن الخلفاء الراشدين رضي الله(94) عنهم كما قال سبحانه : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55] .

وكما استحقوا الإمامة الدنيوية ، والتمكين على أيديهم للدين الذي يرتضيه الله، استحقوا أن يجعلهم الله أئمة للذين يرضى الله عنهم وعن من يتبعهم بإحسان ، قال الله : ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100] .

هذه هي الأمة التي حفظ الله بها الدين ، ورضي عنها وأرضى عنها الأمم والشعوب ، فدانت لها وأحبتها رغم اختلاف أجناسها وألوانها ولغاتها .


رابعاً : الإيمان بالله وبالرسل عليهم السلام

 

الإيمان بالرسل ركن من أركان العقيدة ، وعليه فيجب على الإنسان أن يؤمن بجميع رسل الله دون تفريق بينهم ، قال تعالى : ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 136] .

وبين الله أن هذا هو إيمان المؤمنين فقال سبحانه : ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 285] .

وأخبر أن البر في هذا الإيمان ، فقال سبحانه : ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ .. ﴾ [البقرة : 177] .

وإذا آمن الإنسان ببعض الرسل ولم يؤمن بالبعض الآخر ، وفرق بينهم في الإيمان بهم فهو كافر ، قال سبحانه : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا(150)أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا(151)وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [ النساء: 150-152] .

ـ الحكمة من إرسال الرسل :

1 ـ أرسل الله الرسل لتعريف الناس بربهم وخالقهم ، ولدعوتهم على عبادة الله وحده والكفر بما يعبد من دونه ، قال تعلى : ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ(95) [النحل: 36] وقال سبحانه : ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ [الزخرف:45] وقال ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي ﴾ [الأنبياء:25] .

2 ـ أرسلهم لإقامة الدين ، وللحفاظ عليه ، والنهي عن التفرق فيه ، وللحكم بما أنزل الله ، قال تعالى : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ [الشورى: 13] وقال : ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء: 105] .

3 ـ أرسلهم لتبشير المؤمنين بما أعد لهم من نعيم مقيم جزاء طاعتهم ، وإنذار الكافرين بعواقب كفرهم وإسقاط كل عذر للناس ، وإقامة الحجة عليهم من ربهم ، قال تعالى : ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 165] .

4 ـ أرسلهم لإعطاء الأسوة الحسنة للناس في السلوك القويم والأخلاق الفاضلة والعبادة الصحيحة ، والاستقامة على هدى الله مثل قوله تعالى في نبينا : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب : 21] .

5 ـ أرسلهم الله لإنقاذ البشر من الاختلاف في أصول حياتهم، وهدايتهم إلى الحق الذي يريد خالقهم ، قال تعالى : ﴿ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل:64] .

6 ـ أرسلهم لبيان الأعمال الصالحة التي تزكي النفس الإنسانية وتطهرها وتغرس فيها الخير ، قال تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2] .

صفات الرسل عليهم السلام

لابد أن يكون كل واحد من الرسل عليهم الصلاة والسلام متصفاً بسمو الفطرة وصحة العقل والصدق في القول ، والأمانة في تبليغ ما عهد إليه بتبليغه ، والعصمة من كل ما يشوه السيرة البشرية ، وسلامة البدن مما تنبو عنه الأبصار ، وتنفر منه الأذواق السليمة وقوة الروح بحيث لا تستطيع نفس إنسانية أو جنية ، أن تسيطر عليه بسطوة روحية ، لأن الله يمده بمدد منه .

وإنما لزمت هذه الصفات للرسل لأنه لو انحطت فطرتهم عن فطرة خيرة أهل زمانهم ، أو مس عقولهم شيء من الضعف ، أو تضاءلت أرواحهم لسلطان نفوس أخرى أو ضعفت نفوسهم وإرادتهم عن تنفيذ أوامر الله ونواهيه والتزام طاعته , أو كانوا عاجزين عن تبليغ جميع ما عهد به الله إليهم تبليغه بسبب خوف أو طمع أو نسيان أو غير ذلك ، لو أصيبوا بنقص في شيء من هذا لما كانوا أهلاً لهذا الاختصاص الإلهي الذي يفوق كل اختصاص وهو : اختصاصهم بالوحي والكشف لهم عن أسرار علم الله التي أوحيت إليهم ، ولما كانوا أهلاً لهذا الاصطفاء الرباني، وكذا لو لم تسلم أبدانهم عن المنفرات لكان انزعاج النفوس لمن رآهم حجة للمنكر لدعواتهم.

أما فيما عدا ذلك فالرسول بشر يعتريه ما يعتري سائر أفراد هذا النوع من المخلوقات ، فهو يأكل ويشرب وينام وينكح ، ويمرض وقد ينسى فيما لا علاقة له بتبليغ ما أمره الله بتبليغه ، وقد يخطئ في تصريف بعض الأمور الإنسانية التي تدخل في باب الاجتهاد المأذون به ، ولكنه ينبه للخطأ عن طريق الوحي حتى لا يكون الخطأ (بمقتضى وجوب التأسي به) هو الصواب ، وقد تمتد إليه أيدي الظلمة، ويناله الاضطهاد والتعذيب وقد يقتل منهم من لم يؤمر بالجهاد .

ـ الرسل السابقون :

منهم من قصه الله علينا ، فذكرهم بأسمائهم ، ومنهم من لم يقصه علينا ، قال سبحانه وتعالى : ﴿ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164] ، فنؤمن بجميعهم تفصيلاً فيما فصل الله ، وإجمالاً فيما أجمل الله .

فأما الذين قصهم الله علينا فهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(83)وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(84)وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ(85)وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام:83-84] ، وفي وقوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران : 33] ، وفي وقوله : ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ﴾ [ هود: 50] , وفي وقوله : ﴿ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنْ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنبياء :85] ، وقال : ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [هود : 61] ، وقال : ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ [الأحزاب : 40] .

هؤلاء الرسل أرسلهم الله إلى الأمم في جميع العصور المتطاولة فلم تخل أمة من رسول يدعوهم إلى الله ويرشدهم إلى الحق ، يقول سبحانه وتعالى : ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ [النحل: 63] , ويقول : ﴿ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ [فاطر : 24] وقال : ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ [الرعد: 7] .

محمد صلى الله عليه وآله وسلم

كان الرسل يبعثون إلى أممهم خاصة، كما قال تعالى : ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ [الرعد: 7] ، وبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ، قال تعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107] وقال سبحانه: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 1] .

وكانت بينات الرسل ومعجزاتهم تتجلى لمن يشاهدها ، أو يسمع عنها سماعاً متواتراً ممن شاهدها ، وجعل الله بينة محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزاته المصدقة لرسالته ثابتة ومتجددة إلى قيام الساعة لتقوم بها الحجة على الناس.

ومحمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا نبي بعده ، لذلك حفظ الله الدين الذي بعث به وحفظ بيناته ومعجزاته المصدقة برسالته صلى الله عليه وسلم(96) .

 

خامساً : الإيمان باليوم الآخر :

الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان العقيدة ، يجب التصديق به لا محالة ، ويدخل في ذلك : الإيمان بأشراط الساعة ، وأماراتها التي تكون قبلها لا محالة وبالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه ، وبالنفخ في الصور، وخروج الخلائق من القبور ، وما في موقف القيامة من الأهوال ، والأفزاع، وتفاصيل الحشر ، ونشر الصحف، ووضع الموازين ، وبالصراط ، والحوض ، والشفاعة لمن أذن الله ، وبالجنة ونعيمها ، وبالنار وعذابها ، وغيرها من الأمور التي ورد ذكرها في القرآن أو في الصحيح من السنة .

 

الأدلة على الإيمان باليوم الآخر

ـ الأدلة العقلية :

1 ـ إخباره تعالى عن اليوم الآخر بقوله : ﴿ الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ إلى قوله : ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ (97) [البقرة: 1-4] وبقوله : ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: 136] وقوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7)أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس: 7، 8] . وقوله سبحانه وتعالى : ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ(5)وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ﴾ [الذاريات : 5، 6] وقوله : ﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾ [الحج: 7] ، وقوله تعالى : ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [التغابن : 7] ، وقوله : ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ(4)لِيَوْمٍ عَظِيمٍ(5)يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 4-6] وقوله : ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ(1)وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2)أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ(3)بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 1-4] وقوله : ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(38)لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ(39)إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: 38-40] . وغيرها من الآيات.

2 ـ إخباره صلى الله عليه وسلم لما قال له جبريل عليه السلام . أخبرني عن الإيمان ، قال : (أن تؤمن بالله وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره) (98) ، ونحو ذلك كثير كثير .

3 ـ اتفاق جميع الأديان السماوية ، وإيمان الملايين من الأنبياء ، والمرسلين، والحكماء ، والعلماء ، والصالحين من عباد الله ، باليوم الآخر وبكل ما ورد فيه ، وتصديقهم الجازم بذلك .

1 ـ صلاح قدرة الله الخالق على إعادة الخلائق بعد فنائهم، لأن إعادتهم ليست بأصعب من خلقهم ، وإيجادهم على غير مثال سابق .

2 ـ تأكدنا من صدق الرسول صاحب الآيات والمعجزات التي تشهد للعقول بصدق رسالته ، وعلمنا أن الله أسرى برسول الله ، فرأى الجنة والنار ، وحمل إلينا كلام الله ، الذي خلق الحياة الدنيا ، والحياة الأخرى ، وأخبرنا عن الحياة التي تنتظرنا بعد موتنا .

فعلمنا بالدار الآخرة جاءنا من أوثق المصادر من الذي خلق الدنيا والآخرة ، ومن رسوله الذي رأى الجنة والنار ، ذلك وعد الله والله لا يخلف المعياد .

3 ـ ولقد أخبرنا رسول الله بأمارات ستقع في الدنيا ، تكون علامة على قرب الساعة فشاهدنا الكثير منها. وما شاهدنا من علامات الساعة يؤكد لنا صدق ما أخبر الرسول به عن الساعة والآخرة ، وكما رأينا هذه العلامات في الدنيا حقاً بعد ألف وأربعمائة عام فسنرى الجنة والنار حقاً ، يقول الله تعالى : ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف: 44].

4 ـ خالق الإنسان أكمل من الإنسان ، والإنسان يحب العدل، ولا شك أن الله هو الذي خلق حب العدل في الأولين والآخرين ، وما عدل الناس جميعاً إلا قبس من عدل الله ، فالله هو العدل الحكيم .

ومن العدل أن يثاب المحسن ، ويعاقب المسيء ، ولكن هذه الدنيا لا يتحقق العدل فيها ـ وقد علمنا عدل الله ـ لذلك تجزم العقول بأن الله لا بد أن يقيم موازين العدل في حياة أخرى ، قال تعالى : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ [القلم : 35، 36] .

ويقول سبحانه : ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ [الأنبياء : 47] .

5 ـ وإذا نظرنا إلى خلق السماوات والأرض نجد أن كل شيء قد وضع في مكانه اللائق به ، فالسماء وما فيها من نجوم وكواكب ، وليل ونهار ، والأرض وما فيها من نبات وحيوان ، وإنسان ، وجماد ، وكل شيء قد وضع في مكانه اللائق به بالحق .

فالقلب في مكانه ، والعين في مكانها ، والورقة في مكانها على الشجرة، والزهرة في مكانها ، وهكذا . ولا نجد مخالفة للحق في الأرض إلا في حال الإنسان، فنجد الظالم في مكانه ، وقد نجد النبي المرسل مطارداً يؤذيه السفهاء.

فلماذا لا نرى الحق قائماً في حياة الناس ، كما قام في خلق الأرض والسماء؟!

إن العقول تدلنا على أن الذي خلق السموات والأرض بالحق ، لا بد أن يقيم الحق في أحوال الناس ، وإذا كان هذا لا يكون في الدنيا نظراً لكونها دار ابتلاء وامتحان .. فلا بد أنه يتحقق في الدار الآخرة ، قال تعالى : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الجاثية:21،22] .

6 ـ وإذا تأمل الإنسان كيف حفظه الله ولم يضعه وهو نطفة من ماء مهين ، أو هو علقة كما تولى الله حفظه سبحانه طوال حياته ، من تأمل هذا تأكد أن الله لا يضيع الإنسان بالموت ، ويجعله يذهب سدى ، فالحكيم الذي يحفظ الأجزاء الصغيرة لا يضيع الخلقة التامة ، قال تعالى : ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38)فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى(39)أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾ [القيامة: 36-40] .

 

الحياة البرزخية

يؤمن المسلم بأن نعيم القبر وعذابه ، وسؤال الملكين فيه حق وصدق ، للأدلة الآتية :

ـ الأدلة النقلية :

قال تعالى : ﴿ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ(99) إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 100] ، وقال تعالى : ﴿ ... وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ(45)النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (100) [غافر: 45، 46] ، وقال تعالى : ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ .. ﴾ [إبراهيم : 27] وقد ورد أن التثبيت في الحياة يكون عند سؤال الملكين في القبر ، وقال تعالى : ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ(101) [الأنعام:93].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن العبد إذا وضع في قبره ، وتولى عنه أصحابه ، فإنه يسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان ، فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبدالله ورسوله ، فيقال له : انظر إلى مقعدك في النار ، قد أبدلك الله به مقعداً في الجنة، فيراهما جميعاً ، فيفسح له في قبره ؛ وأما المنافق أو الكافر ، فيقال له : ماكنت تقول في هذا الرجل ، فيقول : لا أدري ، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت ولا تليت ، ويضرب بمطارق من حديد ضربة ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين) وقال صلى الله عليه وسلم : (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة ، فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار ، فمن أهل النار، فيقال : هذا مقعدك ، حتى يبعثك الله يوم القيامة) .. وقال ـ عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ لما مر بقبرين: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة ، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ) وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، ومن عذاب النار ، ومن فتنة المحيا والممات ) وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة البالغة حد التواتر .

ـ الأدلة العقلية :

1 ـ الإيمان بالله ، وملائكته ، كتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، يستلزم الإيمان بعذاب القبر، ونعيمه ، وكل ما يجري فيه ، لأن الكل من الغيب ، فمن آمن بالبعض لزمه عقلاً الإيمان بالبعض الآخر .

2 ـ ليس عذاب القبر أو نعيمه وما يقع فيه من سؤال الملكين مما ينفيه العقل أو يجعله مستحيلاً بل العقل يقره ويشهد به .

إن النائم قد يرى الرؤيا بما يسره فيتلذذ بها ، وينعم بتأثيرها في نفسه ، الأمر الذي يحزن له أو يأسف إن هو استيقظ .. كما أنه قد يرى الرؤيا بما يكره فيستاء لها ويغتم ، الأمر الذي يجعله يحمد من أيقظه ، فهذا النعيم ، أو العذاب في النوم يجري على الروح حقيقة ، وتتأثر به ، وهو غير محسوس ، ولا مشاهد لنا ، ولا أنكره أحد، فكيف ينكر إذن عذاب القبر أو نعيمه؟

 

أهوال يوم القيامة

نشاهد أهوال يوم القيامة من خلال الآيات القرآنية ومنها قوله تعالى : ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1)وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ(2)وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ(3)وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ(4)وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ(5)وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ(6)وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ(7)وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9)وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ(10)وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ(11)وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ(12)وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾(102) [التكوير:1-13]، وقوله : ﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)إِذَا رُجَّتْ الْأَرْضُ رَجًّا(4)وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا(5)فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ (103) [الواقعة: 1-6] ، وقوله تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1)يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ (104) كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 1 ، 2] ، وقوله تعالى : ﴿ فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ(105) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34)وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ(35)وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ(36)لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 33-37] إلى آخر الآيات. (يرجع في تفسير ما سبق من الآيات إلى كتب التفسير) .

 

الجنة والنار

ـ الجنة :

هي دار الموحدين ، ودار الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ودار الذين اتقوا ربهم، ودار عباد الله المخلصين، ودار الذين يخافون ربهم ، ودار الموفين بعهد الله إذا عاهدوا ، ودار المجاهدين في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم ، ودار التائبين العابدين الحامدين الساجدين ، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر .

وقد بين الله تفصيلاً في كتابه العزيز الجنة ونعيمها ، وأنهارها ، وأشجارها ، وثمارها ، وطعامها ، وشرابها ، وثيابها ، وحللها ومساكنها وغرفها وحورها، وذكر أن نعيمها لا يشبه نعيم الدنيا ، قال جل شأنه : ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى : (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)(106) .

ـ والنار :

هي دار الكافرين ، والمستكبرين عن طاعة الله وعبادته، وقد وصف الله وقودها ونيرانها المتأججة ، ووصف طعامها وشرابها ، ووصف عذابها بما يدخل الرعب في قلوب المجرمين وبما يخوف الله به كل متكبر جبار أثيم ، ليرتدع عما هو فيه .

وأهون أهل النار عذاباً من له نعلان ، أو شراكان من نار يغلي منهما دماغه ، كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً يوم القيامة .

ومن أراد التفصيل في أوصاف الجنة والنار فعليه بمطالعة كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يجد فيهما الكثير الكافي .

 

ثمرة الإيمان باليوم الآخر

الإيمان باليوم الآخر يجعل لحياتنا غاية سامية ، وهدفاً أعلى وهذه الغاية هي فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، والتحلي بالفضائل ، والتخلي عن الرذائل الضارة بالأبدان ، والأديان ، والأغراض ، والعقول ، والأموال .

 

كيف يكون البعث ؟

ـ الأصول التي ركب منها الإنسان :

يتكون الإنسان من ثلاثة أشياء:

1-  الأصل الذي يتناسل من آدم عليه السلام وجاء مع النطفة (البذرة).

2-  التراب الذي جاء في صورة طعام ، فنمي به الأصل الذي تناسل من آدم ، وكون الجسم الآدمي .

3-  الروح التي نفخت في الجنين وهو في بطن أمه .

 

ـ فترة الامتحان ونهايتها :

وبامتزاج هذه العناصر الثلاثة بأمر الله يوجد الإنسان الحي الذي يقضي فترة الامتحان في هذه الدنيا ، قال سبحانه : ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2] .. فإذا جاء أجل انتهاء الامتحان ووقت الخروج إلى دار الجزاء جاء الموت ، قال تعالى : ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [الأعراف: 34] ، وقال تعالى : ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ﴾ [المنافقون: 11] .

ـ بالموت تعود الأصول إلى حالتها الأولى :

وبالموت يعود التراب الذي تكون منه الجسد ، إلى أصله ، قال تعالى : ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ [ق: 4] ويبقى من الجسد عجب الذنب (البذرة) وهو الجزء الذي يركب الإنسان عند التكوين ، وهو شيء صغير جداً ، وهذا الجزء لا تأكله الأرض ولا يبلى قال عليه وآله الصلاة والسلام: (كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب ، منه خلق وفيه يركب)(107) .

وأما الروح فتعود إلى حيث شاء الله إلى يوم القيامة .

 

ـ وعند البعث تجتمع الأجزاء الثلاثة مرة ثانية :

فإذا جاء موعد البعث ينزل الله مطراً من السماء تنبت به الأصول (البذور) أي عجب الذنب الذي لم يبل ، قال عليه وآله الصلاة والسلام : (.. ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ، وليس من الإنسان شيء إلا بلي إلا عظم واحد وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة)(108) .

وشبيه بهذا ما يحدث في الدنيا ، فأنت ترى الأشجار تتحطم إذا جاء الجفاف، فلا يرى الإنسان للأشجار والنباتات أي بقية إلا البذرة التي تكون مدفونة تحت التراب، أو الأحجار ولا تراها العيون ، فإذا نزل المطر انفلقت تلك البذور وأنبتت الأشجار وسائر النباتات ، قال تعالى : ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ [الروم: 19] . وقال عليه وآله الصلاة والسلام للذي سأله قائلاً : يا رسول الله كيف يعيد الله الخلق وما آية ذلك؟ فقال صلى الله عليه وسلم : (أما مررت بوادي قومك جدباً ثم مررت به يهتز خضراً ؟ قال : نعم ، قال : فتلك آية الله في خلقه, كذلك يحيي الله الموتى) .

فإذا نبت عجب الذنب من التراب ، وعاد الجسد جاءت كل روح إلى جسدها ، ولذلك قال تعالى : ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ [التكوير: 7] .

وهكذا يعود الخلق مرة ثانية كما بدأ أول مرة ، قال تعالى : ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 104] .

 

ـ الرد على المكذبين باليوم الآخر :

نكتفي في الرد على المكذبين باليوم الآخر بما رد الله عليهم بقوله : ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(6)وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ(7)وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(8)ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ(9)ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ (109) [الحج: 5-7] وبقوله تعالى : ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(77)وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ(78)قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ(79)الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80)أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ(81)إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ (110) [يس : 77-83]  وبقوله تعالى : ﴿ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ(1)بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ(2)أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ(3)قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ(4)بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ(5)أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴾  [ق:1-6] .

 

سادساً : الإيمان بالقدر :

ـ معنى القدر :

شاء الله أن يخلق الخلائق وقضى أن تكون بأقدار وأوصاف محددة ، قال تعالى : ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾(111) [الفرقان : 2] وهو العليم بما سيكون في مخلوقاته فأمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ ، ما هو كائن إلى يوم القيامة ، قال تعالى : ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج: 70] ، وكل ما في الوجود من حركات وسكنات ما يشاء إنما هو كائن بمشيئة الله سبحانه قال تعالى : ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾ [الروم: 54] ولا يحدث شيء إلا بقدرة الله ومشيئته ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا(23)إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.. ﴾ [الكهف: 23، 24] . فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .

ـ الإيمان بالقدر :

والإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان كما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل بقوله : (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) , ولا يستطيع الإنسان أن يحيط علماً بأسرار الله سبحانه ، إلا إذا كان علمه كعلم الله ـ وهذا أمر مستحيل ـ ألا ترى إلى ما يقوم به الأطباء والخبراء ، والمهندسون من أعمال ، لا يعرف غيرهم تمام الحكمة منها إلا من بلغ من علمه درجة علمهم؟

ولو رأى أحد الجهال مثلاً طبيباً يفتح بطن مريض ويقص الأمعاء ، لكان من أشد الناس اعتراضاً ، لكنه عندما يعرف أن الطبيب حكيم في تصرفاته ، خبير في عمله فإنه يتنازل عن رأيه واعتراضه ، معترفاً بجهله أمام علم الطبيب .

والمؤمن يعرف لربه الكمال الأعلى الذي يليق به فتراه مؤمناً بأن كل عمل لا يحدث إلا وله حكمة ، وإذا غابت عنه الحكمة الإلهية في أمر من الأمور عرف جهله أمام علم الله وترك الاعتراض على الحكيم ، الخبير ، العليم القائل : ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء:23] .

ـ من ثمار الإيمان بالقدر :

من آمن أن الله خلق كل شيء بقدر تراه حريصاً على معرفة أقدار الخير ليدفع بها أقدار الشر ، فهو يدفع قدر الجوع بقدر الطعام ، وقدر المرض بقدر الدواء ، وقدر الفقر ، بقدر السعي في طلب الرزق .

ومن آمن بقدر الله سبحانه تراه لا يأسى على ما فاته ، ولا يصيبه اليأس بسبب كثرة المصائب ، ولا يفتخر، أو يتكبر مهما أوتي من حظوظ ، مؤمناً بقوله تعالى : ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(22)لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (112) [الحديد: 22، 23] .

ومن آمن بقدر الله سبحانه وقدرته ومشيئته ، وعرف عجزه وحاجته إلى خالقه ، تراه صادقاً في توكله على ربه ، يأخذ بالأسباب التي قدر الله أقدارها ، ويطلب من ربه العون على ما أعجزه منها ، يردد في يقين قول الله: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة : 51] .

 

شبهتان

ـ الشبهة الأولى :

يزعم بعض الجهلة أن الله هو الذي أضلهم وأرغمهم على عدم الصلاة والصيام وسائر الطاعات ، وهدى غيرهم ، متذرعين بقول الله سبحانه لرسوله : ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56] .

إن الذين يرددون هذه الشبهة لم يعلموا أن الهداية قسمان :

1-                        هداية إرشاد .

2-                        هداية إعانة .

أما هداية الإرشاد فهي كمن يدلك على الطريق الذي يوصلك إلى البيت الذي تريد ، ثم يتركك فهو قد هداك إلى الطريق وأرشدك .

ورسل الله يقومون بهذه الهداية للبشرية ، فهم يرشدون الناس إلى الطريق الذي يوصلهم إلى الجنة ، قال تعالى مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:52].

أما هداية الإعانة ، فمثلها كمثل شخص كريم رحيم ودود ، سألته عن الطريق إلى البيت الذي تريد ، فأرشدك إليه ، فطلبت منه العون، فحملك على سيارته ، وأخذ بيدك إلى هدفك ، فهذه هداية إعانة . وهذه لا تكون إلا لشخص قبل هداية الإرشاد وطلب العون .

وإذا كان الرسل يقومون بهداية الإرشاد لا يملكون هداية التوفيق والمعونة لأن الله سبحانه لا يعطيها إلا لمن شاء ، قال تعالى مخاطباً نبينا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿ .. إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .. ﴾ [القصص: 56] ، فهو العادل الذي يهدي من قبل هداية الإرشاد بهداية التوفيق والإعانة ، قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ﴾ [محمد: 17] .

ولا يضل سبحانه إلا من يشاء إضلاله ممن رفض هداية الإرشاد ، وزاغ عن الطريق، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ (113) [الصف:5] .

ـ الشبهة الثانية :

يقول بعض الجهلة : إن ما كتبه الله في اللوح ، هو الذي جعل تارك الصلاة تاركاً للصلاة ، وجعل المصلي مصلياً ، وهذا وهم لأن المصلي يقوم إلى الصلاة باختياره ، دون إجبار، وتارك الصلاة يتركها دون إكراه أو إجبار ، وهذا ما يعرفه كل إنسان، لأن الله أراد أن يخلق الإنسان وله حرية واختيار .

أما إذا سأل السائل : كيف لا يكون ما قد كتب في اللوح مخبراً للإنسان على العمل، مع أنه قد كتب منذ الأزل؟ فنقول : إن الأمر سهل ، يوضحه هذا المثال:

ألا ترى أن الأستاذ الذكي الخبير بأحوال طلابه ، الذي يضع أسئلة الامتحان, لو أنه كتب في ورقة ، أسماء من هو متأكد أنهم سيرسبون في الامتحان ، وبين أسماء من هو متأكد من نجاحهم ، ثم جاء الامتحان وظهرت النتيجة ، ثم جاء الذين رسبوا محتجين بقولهم: إن ما كتبه الأستاذ علينا في الورقة بأننا سنرسب هو السبب في رسوبنا! فهل سيقبل عذرهم؟ أم أنه سيقال لهم: إن ما كتبه الأستاذ في الورقة أمر يتعلق بعلمه وخبرته السابقة بأحوالكم . ورسوبكم متعلق بإهمالكم ، فلا تعتذروا لإهمالكم بعلم الأستاذ وخبرته ـ (ولله المثل الأعلى) ـ فهو سبحانه خالق الخلق ، وهو العليم بأحوالهم ، قال تعالى : ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك:14] ، ولقد خلقنا الله سبحانه لقضاء فترة الامتحان على هذه الدنيا وهو جل شأنه يعلم نتيجة الامتحان ، فكتب الشقاء على الأشقياء ، وكتب السعادة للسعداء ، حسب علمه المحيط بما كان وما سيكون .

وربما أخطأ الأستاذ في تقديره لنتائج طلابه ، لكن قدر الله لا خطئ في تقديره لأعمال خلقه ، والكتابة في اللوح أمر متعلق بعلم الله السابق ، فترك الصلاة مثلاً أمر متعلق بتمرد وإهمال ومعصية تارك الصلاة . وقد أراد الجاهلون أن يعتذروا للمعصية والضلال بعلم الله وكماله .

إن علم الله سابق لا سائق ، ولقد أخبر الله رسوله بما هو كائن إلى يوم القيامة، ورأينا فيما سبق في علامات الساعة ، أن كثيراً من الأشياء التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم وكتبها المسلمون في كتب الحديث ، تقع الآن .

فهل يزعم شخص : أن كتابة المسلمين لما يحدث الآن هو الذي أحدثها؟ إن العلم سابق، لا سائق .

 

مقتضيات الإيمان

1 ـ التصديق بكل ما جاء من عند الله :

فالمؤمن يصدق بكل ما أخبر به الله سبحانه وتعالى في كتابه ، أو على لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم تصديقاً جازماً لا يخالطه شك ولا ريب .

والمؤمن يؤمن أن كل ما خالف أو يخالف ما أخبر به الله سبحانه فهو باطل مهما زينه أصحابه أو زيفوه ، وذلك لأنه يؤمن بأن الدين من عند الله العليم ، الحكيم الذي أحاط بكل شيء علماً ، قال الله تعالى : ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ(7)أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ [التين:7، 8].

2 ـ طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم :

وذلك أن من آمن بالله ورسوله ، وتيقن أن وعد الله حق ، وأن الله عز وجل قد رتب الأجر والثواب على طاعته وطاعة رسوله، والامتثال لأوامره وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فإن إيمانه بذلك يلزمه الاستسلام لأوامر الله ورسوله فالمؤمن يتحرى في كل عمل يعمله أن يكون عمله موافقاً لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69] وقال تعالى : ﴿ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ [النساء: 80] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ) قيل : ومن يأبى ؟ قال : ( من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)(114) .

3 ـ أداء الفرائض :

فالقلب إذا عمر بالإيمان فإن ذلك يقتضي أن تنبعث الجوارح بالأعمال الصالحة، والاجتهاد في أداء الفرائض.

وأما من لا يؤدي الفرائض ، ويدعي أنه مؤمن فلا شك أنه كاذب قد خدعه الشيطان ، وزين له سوء عمله، فلو أن قلبه صلح بالإيمان لصلح جسده كله بأداء الفرائض ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب)(115) .

4 ـ القيام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات :

ولا يتم إيمان المرء إلا بقيامه بما أوجبه الله عليه ، وانتهائه عما حرمه الله عليه ، طبقاً لما جاءنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7] .

5 ـ التوبة والاستغفار :

إن المؤمن إذا استـزله الشيطان ببعض ما كسب فأوقعه في شيء مما حرمه الله عليه فإنه يسارع إلى التوبة وذلك بالندم على ما فرط في جنب الله ، ولا يصر على معصيته ، ويطلب المغفرة من الله ، قال الله تعالى في وصف عباده المؤمنين: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾(116) [آل عمران: 135] وقال تعالى : ﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:53] .

6 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مقتضيات الإيمان ومن صفات المؤمنين ، قال الله تعالى : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ ﴾ [التوبة: 71] .. والارتباط بين قوة الإيمان من قلب المؤمن ، وقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ارتباط وثيق ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان)(117). في رواية : (ليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان) .

والمؤمن لا يفرط في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأنه إذا ترك هذه الفريضة فإن مصيره إلى الخسران ، فضلاً عن أن يظل من المؤمنين الصادقين، قال الله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1-3] .

7 ـ دعوة الناس إلى دين الله وجهاد الصادين عن سبيل الله :

إن العبد إذا ذاق حلاوة الإيمان ، وتمكن حب الله في قلبه ، فإنه يسعى جاهداً في أن يبعد نفسه وأهله والناس جميعاً من ظلمات الكفر والإلحاد والغفلة إلى نور الإيمان والقرآن والهداية، فهو يدعو إلى الله محتملاً أذى الناس، محتسباً الأجر والثواب عند الله سبحانه، قال الله تعالى : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت:33] وقال تعالى : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: 108] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)(118).

وأما أولئك الذين يصدون عن سبيل الله ، ويقفون حائلاً بين الناس وبين الدخول في دين الله ، فإن المؤمن مكلف بأن يجاهدهم ، حتى يمكن لدين الله في الوصول إلى كافة الناس، فيؤمن من آمن عن بينة ويهلك من هلك عن بينة قال تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(11)يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(12)وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الصف:10-13] . وقال تعالى : ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.. ﴾ [الأنفال: 39] .

 

8 ـ موالاة المؤمنين والتبرؤ من الكافرين :

الولاء : هو حب وود ومناصرة وتأييد المؤمن لأخيه المؤمن ، ومن أهم مقتضيات الإيمان أن يستكمل المؤمن ولاءه لإخوانه المؤمنين ، ولا يعطي المؤمن ولاءه على غير أساس الإيمان . قال الله تعالى : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55)وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ ﴾ [المائدة: 55، 56] وقال تعالى : ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71] .

وقد جعل الله للمؤمنين أسوة حسنة في التبرؤ من الكافرين ، قال الله تعالى : ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ [الممتحنة:4].

 

نواقض الإيمان

أولاً : الكفر وأنواعه

أ ـ كفر التكذيب :

وهو اعتقاد كذب الرسول صلى الله عليه وسلم في أي شيء مما جاء به ، قال الله تعالى : ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ(25)ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ [فاطر: 25، 26] .

ب ـ كفر إباء واستكبار :

وهو مثل كفر إبليس ، فإنه لم يجحد أمر الله ، ولا قابله بالإنكار ، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار ، وهو مثل حال من يعلم أن دين الإسلام هو دين الحق الذي لا يقبل الله سواه، والذي فيه صلاحه في الدنيا والآخرة ، ثم يتركه ، ويتخذ له ديناً أو مذهباً من صنع البشر، قال الله تعالى : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 34] .

جـ- كفر الإعراض :

وهو الإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يصدقه ولا يكذبه ولكنه يعرض عنه قال الله تعالى : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ﴾ [السجدة: 22] .