الإيمان

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدمة

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره  ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم .

وبعد : فإن أول واجب على الإنسان أن يعرف الله سبحانه وتعالى عن طريق العلم ، قال تعالى : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [محمد: 19] . وأن يعرف رسول ربه ، وصدق رسالته ، عن طريق العلم الذي يورث اليقين ، قال تعالى : ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾ [الرعد:19] ، وأن يعرف الحكمة من خلقه  في هذه الدنيا ، وأن يعرف مصيره الذي إليه يسير، وأن يعرف دين ربه الذي هو مأمور باتباعه .

وإذا كان شرف العلم بشرف المعلوم ، فإن علم الإيمان يتعلق بمعرفة الله ، ومعرفة رسوله ، ومعرفة دين الله، وإذا كانت أهمية العمل تتناسب مع الفائدة التي يجنيها الإنسان منه ، كما تتناسب مع الخطر الذي يدفعه الإنسان عن نفسه بهذا العلم ، فإن علم الإيمان يحقق للإنسان السعادة والفوز العظيم ، في الدنيا والآخرة.

ولقد وعد الله المؤمنين في الدنيا بوعود كثيرة ، منها :

1-   النصر على أعدائهم ، قال تعالى : ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم:47] .

2-   الدفاع عنهم ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الحج:38] .

3-   الولاية لهم ، قال تعالى : ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [البقرة:257] .

4-   الهداية لهم ، قال تعالى : ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الحج:54] .

5- عدم تسليط الكافرين عليهم ، قال تعالى : ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾ [النساء:141] .

6- التمكين لهم والاستخلاف في الأرض ، قال تعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾ [النور:55] .

7- الرزق الطيب ، قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف :96] .

8-   العزة ، قال تعالى : ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

9- الحياة الطيبة ، قال تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ [النحل:97] .

هذا بعض ما يفوز به المؤمنين في الدنيا ، وهذا هو الذي تحقق لأسلافنا المؤمنين الصادقين .

أما الدار الآخرة فحسبهم قول الله سبحانه : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا(1) (107)خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا(2) [الكهف: 107، 108] . وقوله تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ(8)خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لقمان:8، 9] .

ومن يتأمل أحوال المسلمين اليوم يجد أن ما وعد الله المؤمنين به في الدنيا غير متحقق لهم ، مما يشهد بأن إيمانهم ضعيف ، أو أنهم فقدوا صفات كثيرة من الإيمان أو أكثرها ، فغاب عنهم في حياتهم الدنيا ما وعد الله به المؤمنين من : النصر والولاية ، والدفاع ، والهداية ، والاستخلاف ، والتمكن ، وعدم تسليط الكافرين، والرزق الطيب، والعزة، والحياة الطيبة، ومن استمر على حاله هذا فسيخسر ما أعده الله للمؤمنين في الآخرة كما خسر في الدنيا ، بل ربما خسر نفسه في نار جهنم .

لذلك كان لا بد من تقوية الإيمان وتثبيته وتجديده وذلك بنشر علومه بين المسلمين ، وبتطبيق أحكام الدين، وكان على العلماء أن يبادروا للقيام بهذا الواجب ، خاصة وهم يشاهدون هجوم المبادئ الإلحادية على المسلمين ، ونشاط الحركات التنصيرية ، كما يشاهدون انتشار الخرافات والأباطيل ، التي يحاول أهلها أن ينسبوها بالباطل إلى الدين .

وهذا كتاب الإيمان نضعه بين يدي المسلمين ، من سلسلة تعليم الواجبات الدينية ، ونسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه ، وأن ينفع به المسلمين .

وإننا نطلب من كل غيور على دينه ، أن يبذل جهده لتعلمه وتعليمه لأهله وجيرانه ، ولسائر المسلمين، والله الموفق .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

 

الإيمان وحقيقته

 

لقد بين الله سبحانه ولعباده حقيقة الإيمان الذي يقبل الله به الأعمال . ويتحقق به ما وعد الله المؤمنين.

الإيمان اعتقاد وعمل :

قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:15] ونرى من هذه الآية ، أن الإيمان المقبول الصادق ، هو الاعتقاد الذي لا يخالطه ريب ، وهو العمل المتمثل في الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله .

ذلك لأن اعتقاد القلب لا يكفي لقبول الإيمان ، فلقد كان إبليس معتقداً بالله ، فقد جاء على لسانه في القرآن الكريم : ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص:79] ومع ذلك فقد وصفه الله بالكفر لتكبره عن عمل ما أمره الله به ، قال تعالى : ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:34] .

فالإيمان الحق إذن هو الذي يشتمل على :

1-     العقيدة الثابتة التي لا يخالطها شك .

2-     العمل الذي يصدق العقيدة وهو ثمرتها .

ـ والعمل أنواع :

-       عمل القلب، مثل : الخوف من الله ، والإنابة إليه ، والتوكل عليه .

-       عمل اللسان ، مثل نطق الشهادتين ، والتسبيح والاستغفار والدعوة إلى الله.

-   عمل الجوارح ، مثل : الصلاة والزكاة والصوم والجهاد في سبيل الله ، وطلب العلم لله ، والتجارة والزراعة والصناعة تحقيقاً لأمر الله في استخلاف الأرض طبقاً لتعاليم الإسلام .

 

ـ الإيمان يزيد وينقص :

وهناك أسباب ، تقوي الإيمان ، فيزيد ، قال تعالى : ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ [الأنفال:2] وهناك أسباب من المعاصي تضعف الإيمان كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...) .

وإذا أردنا الفوز بتحقيق الإيمان فعلينا أن نقيمه:

1-     تصديقاً ثابتاً في القلوب عن طريق العلم .

2-  وعملاً في القلوب : عن طريق التذكير والتفكر ، وخاصة في آيات الله الكونية والقرآنية وفي الوعد والوعيد .

3-  وقولاً باللسان : وبكثرة الذكر وقول الحق ، والدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وتعلم العلم وتعليمه ، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر .

4-  وعملاً بجوارحنا : بإقامة أركان الإسلام ، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس ، وبمجاهدة النفس للامتثال لأمر الله ، وبمجالسة الصالحين كما قال تعالى : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:28،29] .

وهذا كله يحتاج أولاً إلى إصلاح القلوب وتنقيتها من الأمراض الصادة عن الهدى.

 

 

إصلاح القلوب

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:88 ،89].

ـ القلب السليم قلب المؤمن:

فكما أن الأرض الصالحة للزراعة تتصف بأوصاف فكذلك قلب المؤمن يتصف بأوصاف، منها :

1 ـ الإقبال على الحق :

الذي ينتج عنه معرفة الحق واتباعه ، قال تعالى : ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِي(17)الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:17، 18] أما القلوب الكافرة السقيمة ، فتراها معرضة عن الحق ، فتبقى جاهلة لا تهتدي إليه ، قال تعالى : ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام : 4] .

 

2 ـ حب الحق وانشراح الصدر للإسلام :

وصاحب القلب السليم يحب الحق ، وينشرح صدره لتعلم الإسلام ، فيستحق بذلك هداية الله . وأما صاحب القلب السقيم ، فتراه يكره الحق ، ويضيق صدره لسماع الإسلام ، وبهذا يعرض نفسه لعقاب الله له بإضلاله ، قال تعالى : ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام : 125] وذلك لأنهم يكرهون الحق ، قال تعالى ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: 70].

 

3 ـ إجابة دعوة الإيمان ، وحب الازدياد منه :

وصاحب القلب السليم يستجيب لدعوة الإيمان ، كما حكى الله عن أهل القلوب السليمة قولهم : ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾  [آل عمران : 193] ويحب المؤمن دائماً أن يزداد من الإيمان ، قال تعالى : ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(124)وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: 124، 125] . وأما أهل القلوب المريضة فتراهم يصدون عن سبيل الله، قال تعالى : ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم:3].

وترى أهل القلوب السليمة يتفكرون في أنفسهم ، وفي خلق السماوات والأرض ، وفي الهدى الذي جاءهم من خالقهم ، يعرفهم الحكمة من حياتهم، وموتهم ويصف لهم ماضيهم ومستقبلهم ، والجنة التي أعدها الله لعباده المؤمنين، والعذاب الذي ينتظر الكافرين ، ويتفكرون في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأدلة صدقه وكيف يطبقون ما أمرهم به لتتحقق لهم سعادة الدنيا والآخرة ، وليتقوا عذاب النار ، قال تعالى : ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران : 191] ولكن الكافرين ، عطلوا أسماعهم وعقولهم ، عما خلقت له من التفكير ، فلا يعترفون إلا يوم يندمون يوم القيامة، كما قال تعالى عنهم : ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10)فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10، 11] .

 

4 ـ التذكر :

والإنسان ينسى ، ولكن صاحب القلب السليم يتذكر فيبصر ولا يعمى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201] ، لذلك شرع الله التذكير ، فقال سبحانه : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55] ، وقال سبحانه : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى(9)سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى(10)وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى(11)الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى(12)ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ [الأعلى: 9-13] أما أهل القلوب السقيمة فتراهم في غفلة لا يؤمنون ، قال تعالى : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:39] فإن ذكرت بعض الغافلين عن الآخرين فربما يقول لك: أجئت لتعلمني الإسلام اليوم؟ وأنا مسلم خير منك؟!

 

5 ـ اليقين :

وترى صاحب القلب السليم الذي يتفكر ويتعلم ، ويتذكر ، قد وصل إلى اليقين كما بين ذلك ربنا في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ(3)وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: 3، 4] أما الغافل المعرض فتراه في ريب وشك ، قال تعالى : ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان:9] .. ولا يعرف اليقين إلا كما قال تعالى : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:12] .

 

6 ـ لين القلوب لذكر الله :

وترى أهل القلوب السليمة تلين قلوبهم وجلودهم لذكر الله وآياته ، أما الكافرون فترى قلوبهم قاسية، قال تعالى : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(22)اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 22، 23] .

فترى أهل هذه القلوب القاسية يتكبرون ويعاندون ويجحدون الآيات والدلائل ، قال تعالى : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14] ، وهؤلاء المتكبرون يعاقبون ، قال تعالى : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146] . هذا في الدنيا وأما يوم القيامة فجزاؤهم كما قال تعالى : ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: 20].

 

7 ـ اتباع القرآن والسنة :

وترى صاحب القلب السليم ، قد التزم الطاعة لربه ولرسول ربه ، وأخذ يسلك في هذه الدنيا في كل شأن من شؤونه ، طبقاً لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71].

والتزم أمر الله القائل : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:58] ، والقائل : ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7] ، ذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله ، قال تعالى : ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .

وأما صاحب القلب المريض فتراه يتبع كل شيطان مريد ، وتراه يتبع هواه ويعبد نفسه لغير الله ، ويندم لكن يوم لا ينفع الندم ، قال تعالى : ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [الأحزاب:66].

فإذا اتصفت قلوبنا بالصفات الطيبة السابقة فعندئذ نكون من أهل القلوب السليمة الصالحة التي تنبت فيها شجرة الإيمان، وتترعرع وتثمر الأعمال الصالحة وإذا كنا لا نجد في أنفسنا الأعمال الصالحة فإذن ذلك يرجع إلى ضعف شجرة الإيمان التي نبتت في قلوبنا والتي لم تستكمل صفات الصلاح، وما لم نبادر بإصلاح ما في قلوبنا فلن يتغير شيء من حالنا ، قال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11] .

وقال عليه الصلاة والسلام : (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب)(3). ولن تصلح القلوب إلا بنمو الإيمان فيها وتمكنه .


الإيمان بالله

 

ـ الإيمان بالله تعالى واجب على الإنسان :

إذا تفكر الإنسان قليلاً سيجد أن الله الذي خلقه قد أعطاه أدوات يتعلم بها سائر العلوم الدينية والدينوية وبغيرها لا يمكنه أن يكتسب شيئاً من علم ، قال تعالى : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ(4) لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78] . ومن أول شكره سبحانه أن نستخدم أدوات العلم التي وهبنا إياها، في العلم به ، قال تعالى : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: 19] وبغير أن يعلم الإنسان خالقه لا يمكنه أن يتبع هداه الذي يسعده في الدنيا والآخرة فيكون من الخاسرين ، لذلك كان أول واجب على الإنسان أن يعرف الله تعالى .

 

 

العلم طريق الإيمان

 

وإذا أراد الإنسان إيماناً صحيحاً فعليه بالعلم ، قال تعالى : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:19] ، ذلك لأن إيمان المقلد لغيره سرعان ما يهتز عند أول امتحان وعند أول شبهة، قال تعالى : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:9] وقال : ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:11].

الأدلة العلمية على الإيمان بالله سبحانه

القواعد العقلية

ـ القاعدة الأولى ـ العدم لا يخلق شيئاً :

العدم الذي لا وجود له لا يستطيع أن يصنع شيئاً لأنه غير موجود .

 

الموجود

إذا تأملنا في المخلوقات التي تولد في كل يوم ، من إنسان ، وحيوان ، ونبات، وتفكرنا في كل ما يحدث في الوجود ، من رياح ، وأمطار ، وليل ، ونهار ، ونظرنا إلى ما يجري في كل حين : من حركات منتظمة للشمس والقمر، والنجوم والكواكب ، إذا تأملنا في هذا وغيره من التغيرات المحكمة التي تجري في الوجود ، في كل لحظة ، فإن العقل يجزم بأن هذا كله ليس من صنع العدم ، وإنما هو من صنع الخالق الموجود سبحانه. قال تعالى : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ(35)أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 35، 36] .


ـ القاعدة الثانية ـ التفكر في المصنوع يدل على بعض صفات الصانع:

إن كل شيء يوجد في المصنوع يدل على قدرة ، أو صفة عند الصانع ، فلا يمكن أن يوجد شيء في المصنوع ، إذا كان الصانع لا يملك قدرة ، أو صفة مكنته من فعل ذلك الشيء في المصنوع . مثال :

إذا رأيت باباً من خشب ، قد أتقن صنعه ، فإنك ستعلم أن الصانع يملك الخشب، وأنه يستطيع أن يقطعه بانتظام ، وأنه قادر على أن يجعل الخشب أملس، وأنه يملك مسامير ، وأنه يقدر على تثبيت أجزاء الباب بالمسامير، وأن لديه خبرة في صناعة الأبواب.. فإذا وجدنا ثقباً منتظماً في الباب (محل المفتاح) شهد لنا ذلك بأن الصانع لديه قدرة ، على ثقب الباب بدقة وأن لديه إحكاماً في عمله ، وهكذا نجد كل شيء في المصنوع ، يدل على قدرة, أو صفة عند الصانع ، لأنه لا يمكن أن يوجد في المصنوع إلا إذا كان الصانع يملك قدرة أو صفة تمكنه من صنع ذلك الشيء .

وهكذا سنجد أن التفكر في المصنوع يدلنا على بعض صفات صانعه ، ومن هنا نعرف أن التفكير في المخلوقات يدل على بعض صفات الخالق.. قال تعالى : ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ(3)وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(4)وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(5)تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: 3-6] ، وإذا ما تأملنا وتفكرنا في المخلوقات فستعلمنا آيات الله فيها ببعض صفات الله سبحانه ، قال تعالى : ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:101]، وقال تعالى : ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 185].

 

الحي الدائم

إن الطعام الذي نأكله لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يتحرك ، ولا ينمو ، ولا يتنفس ولا يتزوج ولا ينام، ولا يستيقظ ، فإذا دخل الطعام جسمك أصبح جسماً حياً ، يتصف بالأوصاف السابقة ، وكذلك الحال في طعام الحيوان ، وكذلك مواد الماء والتراب والهواء التي يتغذى بها النبات لا تنمو ولا تثمر ولا تتنفس ولا تتغذى . فإذا دخلت جسم النبات تحولت إلى نباتات حية، ذات بهجة، فهذه الحياة التي تدب في كل جسم ، من نبات أو حيوان أو إنسان ، في كل يوم ، وفي كل لحظة تشهد أنها من صنع واهب الحياة .

ولقد حاول الإنسان أن يخلق الحياة ؛ فباء بالفشل الذريع ، وأعلن الباحثون في الشرق والغرب عجزهم عن خلق الحياة ، وصدق الله القائل : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ(73)مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 73، 74] نعم : والبشر يعجزون عن استرداد أي شيء يأخذه الذباب ، لأنه بمجرد أخذه يصب عليه من لعابه ، فيحوله من فوره شيئاً آخر لا تنفع استعادته .

إن الحياة التي وهبت ، وتوهب على الدوام في الكائنات الحية ، لا تكون إلا من الحي الدائم سبحانه .

وكل حياة يهددها الموت حتى جاءت أسبابه ، لكن خالق الأسباب لا تضره الأسباب ، فهو الحي الدائم الذي لا يموت . قال تعالى : ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد:2] ، وقال سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان : 58] .

 

العليم

إذا تأملت في أجنة الحيوانات ، سترى أن العيون تخلق في أرحام الأمهات، حيث الظلام الشديد ، مع أن العيون لا ترى إلا في الضوء، فيشهد ذلك : أن الذي يخلق العيون ، يعلم أن تلك الأجنة ستخرج إلى عالم فيه النور، وهكذا يشهد خلق الأجنحة للطيور داخل البيض : أن الخالق يعلم أنها ستطير في الهواء، فخلق لها الأجنحة قبل ولادتها ، وهكذا كل مخلوق ترى خلقه وهو جنين، قد أعد بما يناسب ظروف الحياة التي سيعيش فيها، حتى جنين الشجرة (البذرة) يهيئه الله بجزء يكون الأوراق والأغصان ، وجزء يضرب في الأرض لامتصاص الماء والتراب(الأملاح)، ولا يكون ذلك ، إلا من صنع من يعلم أن النبات سيحتاج إلى الماء ، والتراب، والضوء ، والهواء .

وإذا رأيت الذكور تخلق ، فسترى أن الخالق قد علم أعدادها ، فخلق لها من الإنبات ما يكفي لبناء الأسر وسيشهد لك ذلك أنه من صنع العليم سبحانه، قال تعالى : ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:49].

والماء العذب إذا كان راكداً تعفن ، ولكن العليم بذلك جعل البحار مالحة ، وجعل موجها متحركاً ، حتى لا تفسد الحياة على الأرض بعفونة البحر.

هذا وكل ما في الكون يشهد : بأن الخالق لهذا الكون لا شك عليم بما يخلق ، سبحانه، وهو القائل : ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:14]. وعلم الله محيط بكل شيء لم يسبقه جهل ، ولا يدخل عليه نسيان، قال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:12].

 

الحكيم

وإذا تأملت في صور المخلوقات ، وجدت أن كل جنس يحكمه الخالق سبحانه على مثال واحد .

ففي الإنسان : العينان في الوجه، والأنف بينهما، واليدان في الجانبين ، والقدمان من أسفل . ولا تجد أن عيناً ، نبتت لإنسان في ركبته، أو يداً ظهرت في رأسه ، وهذا يشهد أنه من صنع الحكيم ، الذي أحكم خلق الإنسان. وكذلك كل جنس من الحيوان ، أو النبات قد أحكمه ربه ، على صورة ومثال واحد.

فمن أحكم هذه الصورة إلا القائل : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران : 6].

وإذا تأملت في الهواء الذي تتنفسه ، سترى أنك تستهلك الهواء الصالح (الأكسجين) وتحوله إلى هواء فاسد (ثاني أكسيد الكربون) ، ولكن مقدار الهواء الصالح لا ينقص ، لأن الخالق ، جعل النبات ، يعوض الهواء الصالح ، بقدر محكم ، بحيث تبقى نسبة الهواء عند قدر معلوم ، لا تزيد ولا تنقص ، ألا يشهد ذلك: أنه من صنع العليم الحكيم؟!

وإذا نظرت على أنفك ، وجدته قد أحكم ليتناسب مع وظيفته ، فالهواء يدخل من ثقبين بين العينين ، لكن العليم الحكيم غطى هذين الثقبين بالأنف ، وجعل النصف الأعلى من الأنف عظماً ، حتى لا تضغط الرياح على هذا الغطاء، فتسد الثقبين ، فيمتنع التنفس ، كما يشارك عظم الأنف على حماية العينين وفتح الأنف باستمرار لدخول الهواء، إذ لو كان الأنف كله من عظام لما تمكنا من إخراج المخاط . وجعل الخالق جدار الأنف مائلاً لكي يصطدم الهواء بالجدار المائل ، فيرده إلى الحواجز الداخلية ، ليصطدم الهواء بالجدار المائل، فيرده إلى الحواجز الداخلية، ليصطدم بها ، فيلامس الهواء الداخل المحاط المبطن لجدار الأنف، فتلتصق به الجراثيم، والأتربة، فيتصفى الهواء قبل دخوله.. وفي الشتاء تتكاثر الدماء في الأنف ، فتراه محمراً, وذلك لتدفئة الهواء الداخل ، وفي الصيف يقوم الأنف بترطيب وتبريد الهواء الجاف، أو الحار.

ألا يشهد ذلك كله أنه من صنع العليم الحكيم؟!

وهكذا : لو تأملنا في خلق كل شيء في الأرض والسماء، لوجدنا أنه قد خلق في غاية الإحكام.

والإحكام في كل شيء ، يشهد لكل عاقل ، أنه من صنع الحكيم العليم سبحانه، قال تعالى : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 84] .

 

الخبير

تأمل إلى طعامك ؛ كيف خرج من تراب ، وماء واحد أنواع مختلفة الثمار، والألوان : ستجد ذلك يشهد لك أنه في غاية الإحكام وتأمل إلى هذا الطعام : كيف يكون منه الخبير سبحانه ، لحماً ، ودماً ، وعظماً ، وشحماً ، ولبناً، وجلداً , وشعراً ، وأصابع ، وأظافر، وأعصاباً ، وسوائل، مختلفة.

وتأمل إلى وجهك ؛ كيف يخرج اللعاب من الفم والمخاط من الأنف ، والدمع من العينين ، والشمع من الأذنين ، وكل هذه الإفرازات من طعام واحد!! فيشهد لك خلقها أنها من صنع الخبير .

وكيف يكون الحال لو خرج اللعاب من الأنف؟ والمخاط من الفم؟ والشمع من العين؟ والدمع من الأذن؟! فمن حدد التركيب؟! ومن حدد المكان؟ أليس هو العليم الخبير الحكيم.

والنطفة التي خلق الإنسان منها ؛ جعلها الخبير العليم الحكيم أعضاء متباينة، وأجهزة محكمة ، متعاونة لخدمة الإنسان .

والسمك في البحر يحتاج إلى الهواء لتنفسه ، فأذاب له الخبير الرحيم الهواء، مع قطرات المطر ، التي تنزل في البحر، وأعد السمك بجهاز خاص (الخياشيم) لتستخلص به ذلك الهواء الذائب في الماء .

وإذا تفكرت وأمعنت النظر وجدت كل شيء في الكون، قد صنع بخبرة بالغة، تشهد لك أنها من صنع الخبير سبحانه.

 

الرزاق

عندما كان الإنسان حبيساً في ظلمات الرحم، ولا يستطيع بشر أن يمده بشيء، ومن ماء ، أو غذاء، حتى الأب، والأم التي هو في جوفها يتخلق ، لكن رحمة ربه الرزاق ساقت له الرزق ، ناضجاً مهضوماً، من أنبوبة هي حبل السرة، وعندما يخرج الطفل وينقطع حبل السرة ، يخرج الرزاق غذاء ذلك الوليد من ثدي أمه ويلهمه استخراج ذلك الغذاء (اللبن) بمص الثدي ، وهو بعد لا يبصر، ولا يسمع ولا يعقل .

ثم يرزق الله العباد من النباتات ، والأشجار ، التي تصنع الطعام من الماء ، والتراب والهواء ، ويسخر الله الشمس للنبات ، لإتمام صنع الغذاء الذي يحتاجه الإنسان ، والحيوان ، وما كان للغذاء أن يوفر لولا أن الله يسوق الماء العذب ، ويهيئ التربة الصالحة للزراعة، ويوجد الجو ، والظروف المناسبة، لإنتاج الغذاء من النباتات، قال تعالى : ﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا(27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31)مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:24-32].

فإذا أكل الإنسان ، أو الحيوان الطعام ، وتم هضمه بما خلق الله خلق لكل كائن من أجهزة هضم، ساقه الرزاق إلى كل نقطة في جسم الكائن الحي سواء كانت في وسط المخ ، أو على سطح الجلد، أو مخ العظام.. وصدق الله القائل: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا(5) فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك:21].

إن الرزاق سبحانه ، قد تكفل بالأرزاق ، فساق رزق بعض الأسماك إلى أعماق البحار ، وساق رزق بعض الدود ، إلى جوف الصخر ، وساق رزق الأجنة إلى ظلمات الأرحام ، وساق رزق جنين النبات ، إلى جوف البذرة.. قال تعالى : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:6] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:3] . ومن أيقن أن رزقه موهوب له من خالقه، فلن يقدر أحد على سلبه رزقه ولن يخشى على رزقه أحد غير الله .

 

الهادي

إذا تأملت في أهداب الجفن الأعلى في العين ، وجدتها تنحني إلى أعلى ، وأهداب الجفن الأسفل ، تنحني إلى أسفل ، ولو انعكس الأمر لتشوشت رؤية العين .. فمن هدى ويهدي كل شعرة في كل جفن ، من إنسان أو حيوان، إلا الهادي سبحانه؟!

من الذي يهدي أسنان الفك الأسفل أن تتجه إلى أعلى ، وأسنان الفك الأعلى أن تتجه إلى أسفل؟! . من الذي هدى الإنياب أن تنمو فوق الأنياب؟! . والأسنان فوق الأسنان؟! والأضراس (المطاحن) فوق الأضراس؟

من؟ إلا الهادي ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:2، 3] من يهدي كل عضو في كل جسم ، من نبات ، أو حيوان ، أو إنسان ، إلى أن يأخذ مكانه الصحيح ، بين باقي الأعضاء ، وأن ينمو بالقدر المناسب لباقي الأجزاء؟!

ومن الذي يهدي البذرة (الحبة) وهي تشق التربة عند نموها أن ترسل العروق (الجذور) إلى أسفل ، والساق والأوراق إلى أعلى ؟! ولماذا لم نجد بذرة واحدة ينعكس الأمر فيها؟!

ألا يشهد ذلك كله صاحب عقل : أن ذلك من صنع الهادي سبحانه؟

من الذي يهدي أوراق الشجر إلى التوزع على الساق ، أو على الأغصان، فإذا خرجت الورقة الأولى من جهة ، خرجت الثانية من جهة أخرى؟!

من الذي يهدي الشمس ، والقمر ، والنجوم في حركاتها ، ويهدي الطيور الرحالة إلى بلدانها البعيدة؟!

ألا هو الهادي : ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 2، 3] والذي يهدي الشعرة ، والبذرة الورقة ، وأكمل هدايته للإنسان فأرسل له الرسل وأبان له الهدى .

ومن أيقن أن الله هو الهادي الحكيم فلن يقبل أي فكرة تعارض هدى الله ، شعاره قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [الأنعام: 71] .

 

الحافظ

إن الذي حفظك من الأخطار وأنت تتخلق في بطن أمك ، هو الذي يحفظ المخ الضعيف بقفص قوي من عظام الجمجمة ، ويحمي العين بعظام الحاجب والأنف والوجنة، ويحمي القلب والرئتين بالقفص الصدري .

إنه الذي لم يكلفك بإدخال الهواء إلى جسمك ، أو إخراجه في نومك أو في يقظتك، ولو كلفك ذلك ، لما تمكنت أن تعمل شيئاً ، غير إدخال الهواء وإخراجه ، فإن غلبك النوم، انقطع عنك الهواء ويأتيك الموت.

إن الحافظ هو الذي يسوق السحب فوق رأسك ، فلا ينزلها سيولاً تصب، فتهلك الحرث والنسل .

إن الحافظ سبحانه هو الذي أحاط الأرض بغلاف من الهواء يمنع من الأشعة الكونية القاتلة القادمة من الشمس والنجوم؛ من أن تهلك الحياة والأحياء، وهو الذي جعل غلاف الهواء درعاً واقياً من تدمير الشهب، والنيازك التي تسقط على الأرض بالملايين ، كل يوم وليلة، وهو الذي ثبت الأرض، من أن تميد تحت أقدامنا بالجبال الراسيات!!

أفلا نشكر للمولى سبحانه : أن حفظنا من داخلنا ، ومن فوقنا ، ومن تحتنا وصدق الله القائل : ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ(6) مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] .

ومن أيقن أن الله حافظه ، فلا يضره من في السماوات والأرض إلا بما قدر الله له، شعاره قول الله : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:51] .

 

صفات أخرى

وإذا تأملت إلى الطعام الواحد ، تأكله الأسرة ، فيتكون في جسم الرجل رجلاً، وفي جسم المرأة امرأة وفي جسم الطفل طفلاً .. فغذا أكله الهر تحول على جسم هر ، وإن أكله الفأر ، أو الكلب ، كان فأراً أو كلباً ، مع أنه نفس الطعام، فسبحان المصور الذي يصور كيف يشاء .

وإذا تأملت إلى حنان الأم ، ورحمتها بابنها ، سواء كانت امرأة ، أم أنثى حيوان ، وجدت التضحية البالغة تظهر لك ، حتى إن الدجاجة التي تخاف من صوت الطفل تنتفش ، وتهاجم من أراد فراخها بسوء .

إن تلك الرحمة التي تحمى بها صغار المخلوقات تشهد أنها من صنع الرحيم الرحمن.

وإذا تأملت إلى ضخامة المخلوقات : كالنجوم ، التي هي أكبر من أرضنا بملايين ملايين المرات ، وتأملت إلى أدق المخلوقات التي تجتمع الملايين منها في قطرة ماء، وسألت نفسك : كيف خضعت كل هذه المخلوقات ، لسيطرة واحدة، ونظام محكم دقيق؟! عندئذ ستجد الإجابة : بأن هذا من صنع القوي المهيمن سبحانه وتعالى.

 

الواحد الأحد

ويقدم الوجود كله شهادة بأنه من صنع الواحد الأحد .

فأنت ترى أن غذاءك ؛ يتوقف على عمل المعدة، والأمعاء ، ويقول الأطباء: إن عمل الأمعاء يتوقف على عمل الدماء ، ويتفوق دور الدماء على الهواء وحركة التنفس ، ويتوقف الهواء الصالح للتنفس على عمل النباتات، ويتوقف عمل النباتات على وجود الشمس ، ووجود الشمس يتوقف على وجود الكواكب المحيطة بها والنجوم الأخرى .. وهكذا نجد : أن كل شيء ، يعتمد في وجوده وعمله على غيره من الأشياء كما رأينا ، أن المعدة مرتبطة بنجوم السماء ، وذلك يشهد أن الجميع من صنع رب واحد ، قال تعالى : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:91] وقال تعالى : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 1-3] .

ولو كان هناك آلهة غير الله لحدث الصراع بينهم على تسيير هذه المخلوقات وعندئذ يذب الفساد على الأرض والسماء ، قال تعالى : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22] .

 

ـ من صاحب هذه الصفات؟

رأينا مما سبق أننا إذا تفكرنا في الكون والمخلوقات من حولنا وجدنا أن كل شيء يشهد بأن خالق هذه المخلوقات هو : الخالق ، الحي ، الدائم ، العليم ، الحكيم ، الخبير ، الرزاق ، الهادي ، الحافظ ، المصور ، الرحيم ، القوي، القادر ، المهيمن، الواحد ، الأحد .

وكما شهد الكون كله بهذه الشهادات فإن المسلم قد شهد مع الكون كله وردد هذه الشهادة عن علم ويقين فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله).

وإذ كنا عرفنا من القاعدة الأولى : أن العدم لا يخلق شيئاً ، وعرفنا من القاعدة الثانية بعض صفات الخالق ، فإننا سنعرف من القاعدة الثالثة أنه لا يتصف بهذه الصفات إلا أن الله وحده لا شريك له .

 

ـ القاعدة الثالثة ـ فاقد الشيء لا يعطيه :

إن الذي لا يملك مالاً ، لا يطلب الناس منه المال ، والجاهل لا يأتي منه العلم، ذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه .

وبالتفكير رأينا العلامات ، والآيات في المخلوقات التي تعرفنا بصفات الخالق سبحانه ، وإذا عرفنا الصفات، عرفنا الموصوف .

فالذين يزعمون أن الطبيعة خلقتهم ، خالفوا العقل وحاربوا الحق ، لأن الكون يشهد أن خالقه حكيم ، عليم ، خبير ، هاد ، رزاق ، حافظ ، رحيم واحد أحد .

والطبيعة الصماء الجامدة لا تملك علما ، ولا حكمة ، ولا حياة ، ولا رحمة ، ولا إرادة ، فكيف ظن الجاهلون هذا الظن؟! وفاقد الشيء لا يعطيه .

 

ـ ما هي الطبيعة؟

الطبيعة هي هذه المخلوقات بما هي عليه من صفات، ولقد عبد الوثنيون أجزاء من الطبيعة مثل : الشمس ، والقمر ، والنجوم ، والنار ، والأحجار ، والإنسان ، ويتوهم الوثنيون الجدد (الطبيعيون) أن مجموع الأوثان السابقة (الطبيعية) هي التي خلقتهم ، مع أن الطبيعة لا تملك عقلاً ، ولهم عقول؟!! ولا تملك علماً ، ولهم علم!!! ولا تملك خبرة ، ولهم خبرة!! ولا تملك إرادة ، ولهم إرادة!!! أما علموا أن فاقد الشيء لا يعطيه ، قال تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ(73)مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 73، 74].

 

شبهة ورد

يزعم بعض الملاحدة بأن الطبيعة هي التي تخلق المخلوقات ، ويستدلون على ذلك بما يشاهد من تكون الدود على بقايا وفضلات بعض الحيوانات والإنسان!

ولقد تقدم العلم وكشف للناس أن هذا الدود الذي يتكون على الفضلات وغيرها قد جاء من بيض صغير لا تراه العيون ، وأمكن مشاهدتها بالمكبرات (المجاهر أو المايكروسكوبات) وسقطت شبهة الملاحدة في هذا الباب .

ولكنهم عادوا وقالوا : إذا كان الدود قد جاء من دود سابق عن طريق البيض الصغير الذي لم نراه ، فإن الجراثيم التي تعفن الأطعمة وتفسدها قد جاءت من الطبيعة ، ولم تولد من جراثيم سابقة ، ولكن هذه الشبهة أيضاً دحضت قبل أكثر من ثمانين عاماً عندما اكتشف الباحثون طريقة يحفظون بها الطعام دون أن يتعفن وذلك بعزل الطعام عن علب محكمة تقتل فيها الجراثيم بالحرارة ، أو الأشعة ، وتعزل عن الهواء حتى لا تأتي جراثيم عديدة عن طريق الهواء . وبهذا عرف الناس أن جميع المخلوقات تأتي من مخلوقات سابقة ، ولا تتولد من الطبيعة كما يزعم الجهلة من الملحدين .

وإن تعجب أيها المسلم فمن زعماء الإلحاد الذين يعرفون الحقائق منذ أكثر من ثمانين عاماً ، ولكنهم يصرون على نشر هذه الجهالات لترويج الإلحاد الذي لا يعيش إلا مع الجهل!!

 

الرد على ضلالات النصارى

عندما نجى الله عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ من كيد أعدائه ، ورفعه إلى السماء ، وقع باقي العلماء من النصارى تحت إرهاب الرومان ، فاختفى كثير منهم ، وقتل آخرون ، فشاع الجهل بين النصارى ، وضاع إنجيل عيسى ، فاستبدلوه بأناجيل من تأليفهم ، وكتب كل مؤلف اسمه على إنجيله الذي يختلف عن باقي الأناجيل وأصبح لديهم عدد من الأناجيل ، مثل : إنجيل متى ، إنجيل يوحنا ، إنجيل مرقص ، إنجيل لوقا ، إنجيل برنابا ، حتى بلغ عدد الأناجيل أكثر من سبعين إنجيلاً ثم اختاروا في مؤتمر نصراني أربعة من هذه الأناجيل ، وأحرقوا ما بقي ، وزعموا : أن الله ثالث ثلاثة : وأن عيسى ابن الله .. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .. ثم قالوا بعد ذلك : إن الله واحد ، فأصبحوا يعتقدون بما لا يقبله العقل ، وهو أن الله واحد ، وأنه ثلاثة في نفس الوقت .

قال البوصيري :

جعلوا الثلاثة واحداً ولو اهتدوا         لم يجعلوا العدد الكثير قليلاً

ويزعموا : أن الله (أي عيسى) مات مصلوباً ، مع اعتقادهم أن الملائكة لا تموت ، وأن البشر (اليهود والرومان) هم الذين قتلوا عيسى . ويقررون في أناجيلهم أن بعض أتباع المسيح وجدوه حياً ، بعد حادثة الصلب والله يقول : ﴿.. وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء : 157،158] .

وأما قولهم : أن عيسى لا أب له ، مما يدل ـ بزعمهم ـ على أن الله أباه ، فقد رد القرآن عليهم ، قال تعالى : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران : 59] ، وقد بين المولى سبحانه : أن عيسى بشر كان يأكل الطعام ، ومن أكل الطعام احتاج لقضاء الحاجة ، فكيف يكون ربا من تحكمه ضرورات الطعام ، والشراب ، وقضاء الحاجة؟ قال تعالى : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75].

 

مجيب المضطر إذا دعاه

 

ويمكن لكل إنسان أيضاً ، أن يعرف ربه عن قرب وذلك عن طريق مشاهدة إجابة الله للدعاء ، فكم خرج المؤمنون يطلبون ـ بقلوب وجلة تائبة ـ من ربهم أن يسقيهم الغيث ، فكان الجواب على الفور في كثير من الأحيان ، ويأتي الغيث إلى القرية أو المدينة التي خرجت تدعوا ربها ، والقرى والمدن التي بجوارها لا يأتيها شيء، وكم رأى المضطرون تفريجاً لحالة الكرب بدعائهم ، قال تعالى : ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل : 62] . وقال الشاعر :

وكم أصاب المسلمين من جفاف
وطلبوا من الإله الفرجا
فهل طبيعة أجابت أم وثن

 

فنفروا ثقالهم مع الخفاف
فحققوا الفوز ونالوا المخرجا
أم أنه السميع كشاف المحن

 

موقف الكافرين من أدلة الإيمان

 

إن أدلة الإيمان بالله كثيرة ، وعددها كعدد مخلوقاته ، لأن كل مخلوق يدل على صفات خالقه ، لكن الكافرين لم ينتفعوا بهذه الأدلة ، لأن قلوبهم مريضة ، ليست صالحة لاستقبال الهدى ، كما هو حال القلوب المؤمنة ـ كما بينا سابقاً ـ فترى الكافر: معرضاً عن آيات الله ، ويجادل بالباطل ، قال تعالى : ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾ (7) [الحج: 8].

وتراه يكابر في آيات الله ، قال تعالى : ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14] وتراه يلبس الحق بالباطل ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا(8) الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:42] . وتراهم يصدون عن سبيل الله ، قال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء : 167] .

ـ التقليد في الكفر :

ومن أهم سمات الكافرين : أنهم وهم يرفضون الإيمان بأدلته الساطعة ـ يستبدلون به الكفر بدون دليل ، اللهم إلا التقليد الأعمى ، قال تعالى : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: 104].

ـ افتراء الشبهات :