قمار اليانصيب
المقدمة:
الحمد
لله الذي منَّ علينا بنعمة الإسلام والصلاة والسلام على سيدنا محمد عليه أفضل
الصلاة والسلام وبعد:ـ
إن من بلايا هذا الزمان، هيمنة المادية الغربية على ثقافة المسلمين، والتي ساعدت
على انتشار ثقافة الجهل من جديد، بتسميات مغلفة وملفقة وحقيقتها المرض العضال والسم
الزعاف، وأخذت تعمل في المجتمعات ليل نهار , قال الله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق
فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ ءآَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى
اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس : 59] .
ولقد شاهدنا الممارسات القبيحة لصور الجاهلية السابقة في جوانب شتى من الحياة بغير
علم، حتى نشأ الجهل من جديد وتخلفنا وتخلفت مجتمعاتنا , وابتعد بعض الناس عن حكم
الله، وخالفوا أمر الله في نهيه ومن ذلك ممارسة اليانصيب الذي حرمه الله في كتابه
ودل عليه حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، ومرد ذلك كله الابتعاد عن هدى الله
العظيم، يقول ابن القيم : ( فتغيير صور المحرمات وأسمائها مع بقاء مقاصدها وحقائقها
زيادة في المفسدة التي حرمت لأجلها ) .
المبحث
الأول
التعريف
تعريفه في اللغة : النصيب : من أنصباء الجزور
(1)
والخطر، النصيب(2)،
والنصيب : اسم للحظ الذي أنت عليه
(3)،
والحظ :النصيب
(4)
والحظَّ : حظاً وحظاء، والحظوة سهم صغير يلعب به الصبيان، حظاءُ وحظوات إحدى
حظَّيا لقمان (وهو لقمان بن عاد) وحظياته سهامه
(5)
تعريفه اصطلاحا :
مال يجمعه هيأت متخصصة بالقمار من جميع الناس بغرض الدخول بعملية الحظ.
حقيقته:
أن تعلن هيئة أو شركة أو نادي متخصص بالقمار بجائزة ثمينة للفائز إثر بيع قسائم
بأرقام متسلسلة بأعداد كثيرة، يختار نهاية المطاف أحد الأعداد، أو اشتراك بثمن
معلوم بدخول نادي أو دخول سوق تجاري،أو... وبعدها تجرى قرعة باختيار أحد الكروت
الموجودة عبر القرعة، أو من خلال بيع سلعة معينة يزاد في سعرها أو ينقص من جودتها
عبر كوبون ويطبع منها الآلاف، ثم تجمع من خلال هذه العملية أموال كثيرة يؤخذ جزء
منها ثمن الجائزة وبقية الأموال للقائمين على المسابقة أو للشركة البائعة .
المبحث
الثاني
أنواع
اليانصيب
المطلب
الأول
يا نصيب
شراء السلع
الأول: النصيب على أشياء مستورة:
جرت العادة في بلدان كثيرة بيع أدوات بسيطة على
الأطفال على أساس الحظ والنصيب، بثمن وصورته أن يأتي الطفل إلى البقال ويدفع له
مبلغ من المال للدخول في عملية الحظ والنصيب،في فتح خانة مغلّفة في كرتون غليظ مقسم
إلى مربعات، ليحصل على ما بداخلها، ويكون بداخلها أشياء ويظهر له شيء إما بسعر أقل
مما دفع أو شيء بسعر أكثر مما دفع، وهذه صورة من صور اليانصيب.
الثاني: النصيب على أشياء مرئية :
تتعدد صور اليانصيب على أشياء مرئية في الواقع،
ولها حكم اليانصيب طالما قومر بها في مال وحظ ومصادفة وكلما سافرت إلى منطقة تجد
مخترعات جديدة في اليانصيب، وأذكر هنا بعض الصور في ذلك :
1- أن يظهر الباعة أشياء ثمينة مخلوطة بأشياء
غير ثمينة وتعرض للنصيب عبر أرقام للاختيار، بعد دفع ثمن الدخول في عملية اليانصيب
.
2- يقوم بعض الباعة بعمل رقعة من خشب أو غيرها
وقطعة حديد مستطيلة مدببه(علامة يعرف بها الفائز) من طرف مغروس في وسطها مسمار
ومثبته بالمسمار بوسط الرقعة حتى تصير سهلة الحركة ثم توزع أشياء على حافة الرقعة
بعضها ثمين وبعضها غير ثمين وتوزع إما على أربع جهات إذا كانت الرقع مربعة أو أكثر
وتحرك القطعة الحديد فتدور بسرعة إلى أن تقف فإذا جاء الرأس المدبب على شيء ثمين
أخذه المراهن وإذا جاء على شيء غير ثمين أخذه المراهن وإذا لم يأتي على شيئاً لم
يأخذ شيء ويخسر، وكثيرا ما يكون هذا اليانصيب في الأسواق.
3- يانصيب الأرقام، يقوم بعض الباعة في بعض
الأسواق بجمع كوم من السلع فيها أنواع كثيرة منها ما قيمته ثمين ومنها ما قيمته
قليل وتافه، وقد تكون البضاعة محمولة في سيارة أو مفروشة في الأرض ثم يسجل أرقاماً
في دفتر ونفس الأرقام في البضائع وتجرى عملية البيع بثمن معلوم وفق الحظ والمصادفة
في السلعة في فتح الدفتر والحصول على الرقم المدفوع ثمنه أو بوسائل أخرى .
4- نصيب عبر آلة : يقوم البعض بتوصيل سلك (إما
متعرج، أو مستقيم) بين طرفي تيار كهربائي , ويصنع دائرة ضيقة من سلك رفيع تمثل أحد
قطبي التيار، ويطلب من المشترك أن يمرر السلك من بداية الطرف الأول إلى نهاية الطرف
الثاني ويرصد له جائزة عينية أو نقدية إذا مرر السلك دون أن يحدث التماس في قطبي
التيار .
ثالثا : يانصيب تجارية مبنية على السحب:
صورته هي أن يرغب أحد ببيع سيارة، فيحدد لها ثمناً بمائة ألف ريال مثلا، ويعمل ألف
كرت مرقمة قيمة الكرت ألف ريال للدخول في المسابقة ثم يجري السحب على هذه الكروت
ويختار كرت الفائز بالقرعة والنصيب وتخسر الكروت الباقية وفي حاشية المختار :
(البيع بالرقم فاسد، لأنَّ فيه زيادةَ جهالةٍ تمكنت في صلب العقد وهي جهالة الثمن
برقم لا يعلمه المُشْتري فصار بمنزلة القمار)
(6)
ولقد سئل الشيخ / عبد العزيز بن باز : فأجاب
هذه المعاملة من القمار
السؤال : في مدينتنا جمعية تعاونية قامت بعرض سيارة أمام مدخلها بحيث من يشتري منها بضائع بالسعر المادي
بمائة درهم فأكثر تصرف له مجانا قسيمة مرقمة مطبوعا فيها ( قيمتها عشرة دراهم )
ويتم فيما بعد سحب يفوز فيه صاحب الحظ السعيد - كما يقولون- بتلك السيارة
المعروضة . وسؤالي هو :
1- ما حكم الاشتراك في هذا السحب بتلك القسيمة المصروفة بدون مقابل ولا يخسر
المشترك شيئا في حالة عدم الفوز ؟
2- ما حكم الشراء من تلك الجمعية بغرض الحصول على القسيمة المذكورة للتمكن من
الاشتراك في القرعة ؟ وبما أن الناس هنا بما فيهم المثقفون مترددون ومحتارون قبل
هذا الأمر، أرجو من سماحتكم الإجابة على السؤالين المرفقين بما تيسر من الدليل
ليكون المسلمون على بينة في دينهم . جزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته . م . ع . د الفجيرة- الإمارات العربية المتحدة
الجواب : هذه المعاملة تعتبر من القمار وهو الميسر الذي حرمه الله والمذكور في قوله
تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا
الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا
يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي
الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ ﴾ [المائدة:90، 91]، فالواجب على ولاة
الأمر وأهل العلم في الفجيرة وغيرها إنكار هذه المعاملة والتحذير منها، لما في ذلك
من مخالفة كتاب الله العزيز وأكل أموال الناس بالباطل، رزق الله الجميع الهداية
والاستقامة على الحق
(7).
رابعا: يانصيب مبنية على التشجيع على
الشراء :
وصورته أن تعرض شركة من الشركات أو محل من
المحلات أو مصنع من المصانع بضائعها ( مسابقات البسكويت، والصابون .....) على
الزبون بزيادة القيمة أو قلة في جودتها وترصد جائزة للفائز بكوبونات مخفية في
البضاعة والذي يحصل على الرقم المطلوب يحصل على جائزة ثمينة.
خامسا: يانصيب شراء السلع :
يعده الشيخ :محمد صالح المنجد من صور الميسر : (وصورته أن يشتري سلعة بداخلها شيء
مجهول أو يعطى رقما عند شرائه للسلعة يجرى عليها السحب لتحديد الفائز بالجوائز)
(8) .
كل هذه الأنواع من اليانصيب التي حرم
الله في كتابه وحدث بها المصطفى - صلى الله عليه وسلم -
ووجه التحريم فيها:
1- خسارة طرف وربح طرف وهذا وجه القمار
المحرم.
2- التردد بين الربح والخسارة وهذا أيضا
من وجه القمار المحرم .
3- قائم على الحظ
والمصادفة في الربح وهذا أيضا من وجه القمار المحرم.
4- أكل للمال بالباطل
وهذا أيضا من وجه القمار المحرم.
وأدلة التحريم :
قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا
الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ
مُنْتَهُونَ ﴾، وقوله -صلى الله عليه وسلم- : " من قالَ لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق "
(9)، وهو قائم على أكل أموال الناس بالباطل، واستنـزاف أموالهم، بطرق ما كرة، وحيل ملتوية
ومحرمة، والله يحرم أكل المال بالباطل، قال تعالى: ﴿ يٰأَ
يُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْولَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَـطِلِ
إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ .
المطلب الثاني
يانصيـب وسائل الإعلام
أولاً: يانصيب أندية التلفيزيون
يقيم التلفزيون أندية للمسابقة يدخلها المشاركون
بدفع مبلغ للدخول في هذه الأندية وتكون بكروت مرقمة يختار منها رقم بالقرعة والحظ،
وترصد جائزة للفائز من مجموع المال المحصول عليه من المشتركين .
ثانياً : يانصيب الصحف
شراء صحفية بغرض الحصول على الكوبون :ومثالها :
أن تقوم مجلة من المجلات بإنزال مسابقة ثقافية وغيرها وتنزل كوبون في المجلة ويزاد
في سعر المجلة ويقبل الناس على الشراء ويزداد بيع النسخ ومن مجموع الربح يفوز احد
المشتركين.
ثالثا: يانصيب الاتصالات
تتبنى ِشركة من الشركات مسابقة ثقافية وغيرها، وللإشترك في المسابقة يتصل المتسابق
ليدخل في عملية اليانصيب مع زيادة في سعر قيمة الإتصال لصالح المرتبين للمسابقة
وجائزة للفائز، ولقد سئل الدكتور يوسف القرضاوي
ما الحكم في المسابقات المليونية أو ما دونها عبر الهواتف الدولية؟
فأجاب :
هذه المسابقات التي يشترك فيها الناس عن طريق الاتصال بالهواتف الدولية أو المحلية
على أمل الربح ثم تكون النتيجة أن الملاين يخسرون أجرة الاتصالات الهاتفية التي
يدفعونها لشركات الهاتف، وتتقسمها شركة الهاتف مع منظمي المسابقات، وأجاب أنها لون
من القمار الذي حرمه الله وأكل أموال الناس بالباطل وعملية سرقة مقنعة ومغلفة
بالمسابقات ثم قال ومن المؤسف أن يشيع في مجتمعاتنا المسلمة هذا النوع من المسابقات
وجوائز السحب الكبرى وألوان اليانصيب ونحوها مما ينكرهه الإسلام ويحرمه وينشئ
شبابنا المسلم على هذه التطلعات غير المشروعة، ليسبح في غير ماء، ويطير بغير جناح )
(10)
، ووافق الدكتور/ يوسف القرضاوي في التحريم بعد الاطلاع علي فتواه مجموعة من
مشايخي منهم الشيخ العلامة / محمد بن إسماعيل العمراني والأستاذ الدكتور/ حسن مقبول
الأهدل، والدكتور/ عبد الوهاب بن لطف الديلمي، والدكتور/أمين على مقبل .
وقد سئل الشيخ / سليمان بن ناصر العلوان هذا السؤال :
انتشر في هذه الأيام الاتصال على الرقم الذي يبدأ 700 وقيمة المكالمة بحدود 5 ريال للدقيقة الواحدة، وعلى ضوء الاتصال تدخل في مسابقة أو سحب فوري، وقد تكسب مبلغاً مالياً أو تخسر قيمة المكالمة .أرجو توضيح الحكم الشرعي مفصلاً ؟ والله يحفظكم ويرعاكم
الجواب : عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هذا الأمر من القمار الذي حرمه الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم- ، وهو مؤسس لجلب الأموال سواء كانت من حلال أو من حرام، وقائم على أكل أموال الناس بالباطل، واستنـزاف أموالهم، بطرق ما كرة، وحيل ملتوية ومحرمة، ولهذه المسابقة سلبيات كثيرة، ومضار متعددة، فمن ذلك : تبذير مال المسابق، نتيجة المكالمات ومنها إضاعة الوقت في المكالمات الخيالية التي هي إلى ضررها أقرب منها إلى نفعها، ومنها التلاعب بعقول الناس، ومنها الاعتماد على سبب قد لا يمت للحقيقة بصلة، ومنها أن هذه المسابقة قد تعطل على بعض ضعاف النفوس من الناس أعمالهم التجارية الصحيحة فبدلاً من أن يكسب من عمل يده يجلس الأيام في متابعة هذه المسابقة ويُمضي الساعات في ملاحقة هذه الأمور الوهمية .
ومن صور القمار أن تخاطر بدفع المال دون عين أو منفعة رجاء أن تنال أكثر كما في برنامج من
سيربح المليون المبثوث عبر قناة إم بي سي، ومنها مسابقات كنـز الأحلام والتي انتشرت
في بعض الفضائيات العربية، ومن ذلك جوائز السحب في بعض المحلات التجارية،
فيشتري أحدهم سلعة – لعله ليست له بها حاجة - بقصد أن يغنم هذه الجائزة، ومن ذلك،
اللعب بالنرد، والشطرنج والبلوت ونحو ذلك على عوض، ومنه التأمين على النفس والرخصة،
والبيت، والسيارة، والبضاعة، ما لم تكن إكراهاً، أو اضطراراً.
وهذه البرامج، والجمعيات، والتأمينات، المؤسسة على القمار سلبياتها الاقتصادية متعددة
بل توقع الاقتصاد في هوة سحيقة، ولا تضيف شيئاً يستحق الذكر إلى ثروة المجتمع،
وميزانية الفرد، فلا عجب حين أجمع العلماء على تحريم القمار، وتجريم فاعله
وتأديبه، أو الحجر عليه، والحث على التجارة، والترغيب في ذلك، بطرق زاكية وغايات
محمودة، وليست التجارة في الإسلام نـهب أموال المجتمع بالمكر والخديعة وغير ذلك من
أساليب الترويج المغرية والغريبة المضللة، وفي نفس الوقت ليست وظيفة مالية شأنها
إنماء الثروة الاقتصادية فحسب.
وهذا الأمر الذي جاء في السؤال هو من الميسر الذي جاء تحريمه في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ ﴾، والمتأمل في الآيات القرآنية يجد أن الله تعالى كثيراً ما يقرن الميسر بالخمر، يقول تعالى : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾ [البقرة: 219]، ذلك لأن كلاً منهما يستحوذ على الفكر، ويمنعه من التفكير السليم، ويسيطر على دينه ودنياه ويورث العداوة والبغضاء، وقليله يدعو إلى كثيره، ومفاسده راجحة، ونفعه مرجوح وعاقبته سيئة .
قال العلامة ابن القيم: ( فقرن الميسر بالأصنام والأزلام والخمر، وأخبر أن الأربعة
رجس من عمل الشيطان، ثم أمر باجتنابها، وعلق الفلاح باجتنابها، ثم نبه على وجوه
المفسدة المقتضية للتحريم فيها، وهي ما يوقعه الشيطان بين أهلها من العداوة والبغضاء،
ومن الصد عن ذكر الله، وعن الصلاة
(11)
.، وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى - إلى أن مفسدة الميسر أعظم
من مفسدة الربا ، قال : ( فتبين أن الميسر اشتمل على مفسدتين : مفسدة في المال وهي
أكله بالباطل . ومفسده في العمل، وهي ما فيه من مفسدة المال وفساد القلب والعقل وفساد ذات
البين وكل من المفسدتين مستقلة بالنهي، فينهى عن أكل المال بالباطل مطلقاً ولو كان
بغير ميسر كالربا، وينهى عما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة
والبغضاء ولو كان بغير أكل مال، فإذا اجتمعا عظم التحريم : فيكون الميسر المشتمل
عليهما أعظم من الربا، ولهذا حرم ذلك قبل تحريم الربا، ومعلوم أن الله تعالى لما حرم
الخمر حرمها ولو كان الشارب يتداوى بها، كما ثبت في الحديث الصحيح . وحرم بيعها
لأهل الكتاب وغيرهم، وإن كان أكل ثمنها لا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ولا يوقع
العداوة والبغضاء ؛ لأن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه، كل
ذلك مبالغة في الاجتناب . فكذا الميسر منهي عن هذا وعن هذا . والمعين على
الميسر كالمعين على الخمر، فإن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان . وكما أن
الخمرة تحرم الإعانة عليها ببيع أو عصر أو سقي أو غير ذلك ؛ فكذلك الإعانة على
الميسر : كبائع آلاته، والمؤجر لها والمذبذب الذي يعين أحدهما ؛ بل مجرد الحضور عند
أهل الميسر كالحضور عند أهل الخمر
(12)
والشريعة تحارب الميسر، وتطارده في كل المجالات، ولا تبيح منه شيئاً . وفساده وقبحه يعلم بالشرع، والعقل، ولو لم يرد في تحريمه دليل من الكتاب، والسنة، والإجماع لكانت المصلحة تقتضي منعه، وزجر فاعله، فقد جاءت الشريعة بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها .
قال ابن القيم
: وإذا تأملت أحوال هذه المغالبات، رأيتها في ذلك كالخمر، قليلها يدعو
إلى كثيرها، وكثيرها يصد عن ما يحبه الله ورسوله، ويوقع فيما يبغضه الله ورسوله،
فلو لم يكن في تحريمها نص ؛ لكانت أصول الشريعة، وقواعدها، وما اشتملت عليه من
الحكم والمصالح وعدم الفرق بين المتماثلين، توجب تحريم ذلك، والنهي عنه(13)
وحين كانت الشريعة الإسلامية مؤسسة على العدل، ومحاربة الظلم بكل أشكاله وصوره
وألوانه، وجاءت بقواعد نورانية منها القاعدة العظيمة (لا ضرر ولا ضرار) وعلى
هذا الأساس منعت كل المعاملات التي يتخللها ظلم ومنها الميسر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فمن العدل فيها
ما هو ظاهر، يعرفه كل أحد بعقله كوجوب تسليم الثمن على المشتري، وتسليم المبيع على
البائع للمشتري ... ومنه ما هو خفي جاءت به الشرائع أو شريعتنا – أهل الإسلام – فإن
عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود إلى تحقيق العدل، والنهي عن الظلم دقه وجله ؛
مثل أكل المال بالباطل . وجنس الربا والميسر . وأنواع الربا والميسر التي " نهى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم- مثل بيع الغرر، وبيع
حبل الحبلة"(14)
(15)
وإن المال هو عصب الحياة، وهو قوام الإنسانية، به يعمر الكون، وهو زينة الحياة الدنيا، به يحج ويجاهد، وهو المقرب إلى الجنة أو النار، أو النعيم أو العذاب، فطوبى لمن أخذه على وجهه المشروع، والطريق المتبوع، وويل ثم ويل لمن أخذه بالحيل المحرمة، والطرق المحظورة .
إن الشريعة جاءت بتنمية الاقتصاد قال تعالى : ﴿َإِذَا
قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾
[الجمعة:10]، وذلك على وفق طرق صحيحة، ووسائل سليمة، وجاء فضل المال الصالح على
لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- " نعم المال الصالح للمرء الصالح"
(16).
وبينت الآيات القرآنية، والسنة النبوية، الطرق الصحيحة لتنمية الاقتصاد والحفاظ على
الأموال، وجاء في ضمن إطار الضروريات الخمس التي اتفقت الشرائع على المحافظة عليها،
وهي : الدين، والنفس، والعقل،والعرض، والمال .
فأهيب بالمسلمين أن يتحروا الكسب الحلال، والمطعم الصافي الخالص من شوائب الشبه
والارتياب، وأن تكون طريقتهم المتبوعة في كسب المال، وكل شؤون الحياة كطريقة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فهم النبراس الأعظم، والجيل
المعظم والقرن المفضل، فهم القدوة، وبهم الأسوة، وسلوكهم هو الذي يدل على هذا الفهم وبإطلالنا على
سيرهم وتراجمهم نجدهم وكأنهم في عالم غير عالمنا، يأخذون بالأسباب في الكسب، ويجعلون جزءاً من أوقاتهم للعلم والدعوة
وجهاد الذين كفروا، فإذا دعا داعي الجهاد فهم الرجال، ومنهم الأغنياء بلا بطر،
وفيهم الفقراء بلا ضجر، وفيهم من يدفع الدنيا بالراحتين والصدر، ومنهم من أتته
الدنيا وهي راغمة، وكانوا أشد الناس بعداً عن توظيف كل أوقاتهم في التكالب على
الدنيا، وجمع الحطام الفاني، ففتحوا البلاد، وأنشئوا المدن، وأقاموا الدول)
(17)
المطلب
الثالث
يانصيب
الاشتراك
أولا: يانصيب اشتراك في الأسواق والشركات والبنوك
تقيم بعض الشركات أسواقاً تجارية يأتي إليها الناس ويتم الدخول فيها بقطع بطاقة
مرقمة بمبلغ من المال ومن مجموع المحصل ترصد جائزة بالقرعة للفائز وما تبقى من
المال يكون لصالح العاملين عليها، ومن ضمن هذه الأسواق عندنا في اليمن كانت إلى وقت
ليس بالبعيد تعقد في حضرموت في شهر معلوم في السنة يعقدون معرض لبيع السيارات
ويرصدون جائزة سارة لمن اشترك بدخول السوق.
ولقد سئل الشيخ /عبد الله بن منيع عضو هيئة كبار
العلماء بالمملكة العربية السعودية في حكم سحب البنوك في الكويت بملغ 50 دينار
للشهادة، ويشترى البعض هذه الشهادات واحدة أو اثنتين أو عشرة وفى كل شهر يكون هناك
سحب على هذه الشهادات ومن يفوز بهذا السحب يكو ن له جائزة مقدارها ألف دولار أو
مائة ألف دولار أو مليون دولار، مع العلم بأن هذه الشهادة تسترجع بكامل مبلغها بعد
السحب .
فأجاب: هذا نوع من الميسر وهو اليانصيب،
واليانصيب يتطور علينا، وفى كل يوم يأتي بطريقة ؛ لكن المعيار لمعرفة اليانصيب هو
انك عندما تدخل في هذا السحب، فهل دخلته بحيث أنك لن تنفق شيئا أبدا ولو أنفقت فلسا
واحدا، قد يقول شخص والله أنا ما أنفقت شيئا هذه الشهادة خمسون دينار سترد لي كاملة
نقول له لا .
ألا
أنفقت هذه الخمسين دينار والتي ستستثمر لصالح من هي بيده وسيكون عائدها الاستثماري
قرابة دينار , فأنت الآن دخلت في هذا السحب بدينار والدينار هذا ضاع عليك ولو كان
الخمسين دينار عندك ممكن أن توجهها لاستثمار من الاستثمارات مثل الصناديق
الاستثمارية أو يكون عندك قدرة على البيع والشراء تبيع وتشترى وتحصل فيها فأنت الآن
أعطيت البنك خمسين دينار وحسبت لك فائدة ربوية بهذه الشهادة هذه الفائدة الربوية
استحلها في مقابل أنه أجاز لك دخول هذا السحب، فهذا هو اليانصيب وهو الميسر وهو
القمار فهو حرام بلا شك
(18).
وجه المقامرة فيها:
1- خسارة طرف وربح طرف وهذا وجه المقامرة
الحرمة.
2- التردد بين الربح والخسارة في هذه
العملية .
3- الربح إن تأتى فهو
قائم على الحظ والمصادفة في الربح.
4- أكل لأموال الناس
بالباطل وبدون وجه حق .
وأدلة التحريم :
قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا
الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ
مُنْتَهُونَ ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم : " من قالَ لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق " ، وهو قائم على
أكل أموال الناس بالباطل، واستنـزاف أموالهم، بطرق ما كرة، وحيل ملتوية
ومحرمة، والله يحرم أكل المال بالباطل قال تعالى: ﴿ يٰأَ
يُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْولَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَـطِلِ
إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ .
المطلب الرابع
يانصيب دخول
بعض الدول
تقيم بعض الدول للدخول في بلدانها عملية اليانصيب، وصورته بأن تعلن تلك الدول
للدخول في بلدانها للعمل عن الاشتراك بمبلغ معين، ثم يفوز أحد المتقدمين أو مجموعة
من المتقدمين، ففي اليمن تجري السفارة الأمريكية في كل عام اليانصيب، للدخول إلى
أمريكا للعمل، يتم فتح باب السحب والتسجيل بمبلغ خمسة ألف ريال، وتجرى القرعة في
السفارة لمن يفوز، وهذا من الميسر المحرم .
سئل : أ.د. سعود بن عبد الله الفنيسان عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن
سعود الإسلامية سابقاً عن حكم اخذ الجنسية الأمريكية باليانصيب .
السؤال : ما هو الحكم الشرعي في يانصيب الحصول على الجنسية الأمريكية والدليل؟
الإجابة : اليانصيب كما عرفها القانون هي: لعبة يسهم فيها عدد من الناس، بأن يدفع
كل منهم مبلغاً صغيراً ابتغاء
كسب النصيب، وهو عبارة عن مبلغ نقدي كبير، أو سلعة من السلع يوضع تحت السحب، ويكون لكل مساهم رقم، ثم توضع أرقام
للمساهمين في مكان، ويسحب منها عن طريق الحظ رقم أو أرقام، فمن خرج رقمه كان هو الفائز
بالنصيب، وهذا من القمار المحرم، كما في حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- مرفوعاً: "من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه:
تعال أقامرك فليتصدق" من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-، والقمار هو الميسر
المحرم بنص القرآن" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ
وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ
مُنْتَهُونَ" ، وسبب تحريم الميسر في الآية هو أن المشركين في مكة كانوا يتقامرون على الجزور
ناقة يتوزعونها أسهماً بينهم تبلغ [29] سهماً، ثم يضعون هذه الأسهم في خريطة
( كيس ) ويخبصونها ثم يبدأ كل واحد منهم يسحب سهماً، فمن ظهر له رقم من هذه الأسهم
دفع جزءاً من قيمة الجزور يماثل قيمة سهمه الذي خرج له، وهكذا حتى النهاية ثم
يدفعون قيمة هذه الأسهم الـ [29] إلى صاحب الجزور، ثم يذبحونها ويتصدقون بلحمها على
الفقراء منهم، فجاءت الآية بالتحريم، هذا عن الشق الأول لسؤالك وهو حكم (اليانصيب)
.
أما الشق الثاني: وهو تجنس المسلم بالجنسية الأمريكية أو غيرها، فأقول إذا كان
السفر والإقامة المؤقتة في بلاد الكفار لغير غرض شرعي فمنهي عنها؛ لأحاديث كثيرة
منها حديث " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر
المشركين"، قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: "لا تراءى ناراهما"(19)، فإن
النهي عن التجنس بجنسية الدولة الكافرة من باب أولى؛ لأنها إقامة دائمة، فالنهي عنها أشد
وأعظم، وقد تدعوه الحال إلى أن يتحاكم إلى محاكمها وأنظمتها الكفرية، والإقامة بين
أظهر الكفار تسبِّب ضعف الدين ورقته وضياع الأولاد والأهل، واستمراء المعاصي
والمنكرات؛ لأن كثرة المساس تذهب الإحساس، كما يقال، هذا كله إذا كان التجنس بجنسية
الدولة الكافرة أو الإقامة فيها لغير ضرورة شرعية، أما إذا كان هناك ضرورة تدعوه لأخذ
جنسية الدولة الكافرة، كأن لا يأمن على نفسه أو أهله، فهو يلاحق ظلماً وعدواناً، أو
لا يستطيع طلب الرزق له ولأولاده في بلاده التي نشأ بها، ولم يجد دولة مسلمة
تؤيه، كما هو الحال اليوم مع كثير من الدعاة أو المعارضين لحكوماتهم، أو يكون المسلمون
(الأقلية المسلمة) في بلاد الكفار بحاجة إلى من يعلمهم دينهم، ولا يحصل لهم هذا
إلا إذا تجنَّس من يدعوهم بجنسية دولتهم، ففي مثل هذه الحالات يجوز أخذ جنسية دولة
كافرة بشروط منها:
1- أن يكون ولاؤه الحقيقي ومحبته القلبية لأمته المسلمة، ولو خالط الكفار وعاشرهم
في الظاهر إنما لحمله
جنسيتهم.
2- أن لا يترتب على أخذه
الجنسية ارتكابه لمحظور شرعي قطعي الدلالة.
3- أن يتمكن من إظهار شعائره التعبدية من صلاة
وصيام وزكاة ونحوها.
4- أن يكون مضطر ضرورة شرعية لا محالة له منها للقاعدة الأصولية ( الضرورات تبيح
المحظورات) والضرورة تقدر بقدرها، أو يكون طلبه للجنسية باعثه حاجة ملحة لا مندوحة
له منها؛ للقاعدة الفقهية (إن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة) وإذا جازت
الإقامة في بلاد الكفار لغرض شرعي جاز أخذ الجنسية؛ لأنها متفرعة عنها في كل حال،
وما قد يرد على أخذ الجنسية من التحاكم إلى محاكم الكفر وقوانينه يرد على المقيم في ديار الكفر، فإنه ملزم باتباع
أنظمة البلاد وقوانينها، ومثله من أسلم في دار الكفر أو ولد فيها مسلماً.
وإذا جاز للمسلم أن يتوظف في حكومة كافرة، ويطبق من أنظمة الدولة ما يوافق شرع
الله، كما كان من تولي نبي الله يوسف - عليه السلام- وظيفة المالية والخزانة لفرعون مصر قال
تعالى: ﴿ قال اجْعَلْنِي عَلَى
خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف :55]، فإن أخذ الجنسية من الدولة
الكافرة أهون من هذا، ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية (السابق لعصره) حيث يقول :
(الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها
أوجب أو أحب، فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوباً تارة واستحباباً أخرى، ومن هذا الباب تولي يوسف
الصديق – عليه السلام –على خزائن الأرض لملك مصر، بل ومسألته له أن يجعله على خزائن
الأرض، وكان هو وقومه كفاراً، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ
جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا
زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر: :34]، وقال
تعالى عنه: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ
مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ
وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف:
39-40]، ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على
حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم،
ولم يكن يوسف – عليه السلام- يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله، فإن
القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال يوسف – عليه السلام- بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل
بيته، وهم مسلمون، بل وفيهم أبوه نبي الله يعقوب – عليه السلام- ما لم يكن يمكن أن
يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا
وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ﴾ [التغابن: 16 ]
(20)
واستنباطاً من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية هذا نقول: إذا كان نبي الله يوسف – عليه السلام- لم يستطع أن يفعل كل ما يريده فيمنع
فرعون وجنده، وحاشيته من استئثارهم بالمال العام وتبذيره وحفظه لصالح الأمة، مع أنه
-عليه السلام- هو المشرف والمتولي للخزانة العامة لدولة فرعون، وإنما فعل يوسف –
عليه السلام- من العدل والإحسان ما تمكن منه وقدر عليه، إذا كان هذا جائزاً في حق
يوسف -عليه السلام- وهو نبي يوحى إليه، فإنه في حق غيره من البشر أولى، ومنهم
المتجنس بجنسية الكفار اضطراراً، فإن عليه أن يفعل الممكن من العدل والإحسان،
وأخيراً ولو كان قليلاً مما اشتملت عليه أنظمة تلك البلاد وقوانينها وإظهار شعائر دينه
من صلاة وصيام، وخلاصة الجواب: أن ما تفعله بعض المكاتب التجارية من اليانصيب
للاقتراع للحصول على الجنسية الأمريكية أعتقد أنه مزايدة تجارية، ولا يمكن لدولة أن تجعل
أنظمتها كالتجنس بأيدي تجار يزيدون عليها، ولو فرض وقوعه في دولة من الدول لامتنع
في أمريكا، وبالأخص بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي غيرت مجرى التاريخ أو
كادت، والتجنس بالجنسية الأمريكية أو غيرها جائز إذا توفرت في طالبها الشروط السابق
ذكرها
(21)
ووجه القمار:
1- خسارة الكثير ليربح القيل وهذا وجه
المقامرة المحرمة.
2- التردد بين الربح والخسارة.
3- قائم على الحظ
والمصادفة .
المطلب الخامس
يانصيب الاشتراك في الجمعيات الخيرية
تساير بعض الجمعيات
الخيرية عمليات اليانصيب بغرض الكسب لصالح الجمعية ويكون عبر فتح باب الاشتراك
بشراء أرقام ثم ترصد جائزة ثمينة وما تبقى ينفق في صالح الأعمال الخيرية .
وجه التحريم :من
الأصول الشرعية في الشريعة الإسلامية تحريم ما جاء من الحرام ولو كان المقصد منه
الخير ففي الشريعة الإسلامية الغاية لا تبرر الوسيلة وأدلة التحريم واضحة في هذا
الأمر، قال تعالى: ﴿ يٰأَ يُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ
تَأْكُلُواْ أَمْولَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَـطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارَةً عَن
تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ
رَحِيماً﴾.
وجه القمار:
1-قام اخذ المال على الحظ والمصادفة .
2- أكل لأموال الناس بالباطل بدون مقابل.
3- الغبن الحاصل على
الطرف الخاسر .
4- خسارة طرف وربح طرف
وهذا وجه المقامرة الحرمة.
5- التردد بين الربح والخسارة.
(1)
انظر لسان العرب 3/
29.
(2)
انظر الفائق
لمحمود الزمخشري 1/36 .
(3)
انظر التعريف لمحمد عبد الرؤوف المناوي 1/700.
(4)
لسان العرب مادة
"حظظ" 7/440.
(5)
القاموس المحيط مادة "حظَّ "ص 1138، 1239 .
(6)
انظر حاشية المختار على الدر المختار 4/275.
(7)
مجلة الدعوة العدد 1145 في 29 / 10 / 1408 هـ .
(8)
انظر محرمات استهان الناس بها ص53 .
(9)
صحيح البخاري 5 / 2264 ، برقم 5756.
(10)
الانترنيت موقع "إسلام أن لاين".
(11)
انظر الفروسية ص 308.
(12)
مجموع
الفتاوى 32/237.
(13)
انظر الفروسية ص 309.
(14)
صحيح البخاري 2/753 ، برقم 2036.
(15)
انظر مجموع الفتاوى ج 28/ 385 .
(16)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده
4/197 ، برقم 17798 تخريج مشكلة الفقر 1/ 9 ، برقم 1.
(17) عبر الماسنجر
ana009@gawab.com سليمان بن ناصر العلوان .
(18)
في الانترنيت ,
klmatyba@hotmail.com الشيخ /عبد الله بن منيع عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.
(19)
سنن أبي داود 2 / 52 ، برقم 2645، وصححه الألباني في صحيح أبي داود 2 / 501 ،
برقم 2304.
(20)
مجموع الفتاوى 30/55 .
موقع الإسلام اليوم – (21)بتاريخ2/5 1425هـ .