بسم الله الرحمن الرحيم

اجتماع الحوالة والصرف


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[آل عمران: 102]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً[النساء: 1]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً*يصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً[الأحزاب: 70-71].

أما بعد فإن عملية التحويل المصرفي إحدى الخدمات المعتادة والمتكررة التي لا تخلو بلد من بلاد المسلمين أو البلاد الأجنبية منها وهي عملية تقدم خدمة للناس في الداخل والخارج، وهي بهذا الإطار وهذا المسمى لم تكن معروفة في عصور أئمة الفقه رحمهم الله تعالى، ولذلك لم ترد ضمن العقود والمعاملات التي ورد ذكرها وترتيبها في مصنفاتهم على ضوء ما هو مشهور لديهم في عصورهم من تصرفات وأحداث قاموا باستنباط أحكامها من خلال الأدلة التفصيلية.

وفي هذا العصر استجدت صور وأحداث من معاملات وغيرها؛ نتيجة لتغير أوضاع الحياة وتشابك مصالح الناس، فكان دور العلماء والباحثين المعاصرين لهذه الأحداث والصور لا يعدو أن يكون تخريجاً أو إلحاقاً لها تحت الأصول والقواعد الكلية ومقاصد الشريعة التي قررها سلفنا الصالح من أئمتنا وفقهائنا -رحمهم الله جميعاً- والتي تعتبر مناطاً لتعلق هذه الأحداث والصور عليها، أو تفريعها منها، فما استقام من هذه الأحداث والصور مع تلك القواعد والأصول اعتمدوه وكيفوه تكييفاً مناسباً، فإن جاء مخالفاً منعوه، وحكموا عليه بالبطلان، وعملية التحويل المصرفي ما هي إلا صورة من صور المعاملات القديمة بمسمى جديد، وبالنظر إلى حقيقتها وما تقوم به من فوائد ومزايا نجد أنها لا تتعارض مع أصول الشريعة الإسلامية وقواعدها، بل تتفق وروح الشريعة؛ لذا فإن العلماء والباحثين المعاصرين لم يختلفوا في القول بمشروعيتها، وإنما كان الخلاف في تكييفها كمعاملة مستجدة، وتحت أي من العقود الشرعية تندرج(1)، وبيان تفاصيل هذه المعاملة موضوعه في غير هذا البحث الذي أراد الباحث من خلاله التعرض لإحدى الجزئيات التي لها تعلق بهذه المعاملة وهي مسألة اجتماع الحوالة مع الصرف إلا أني سأتعرض في بداية هذا البحث لتعريف الحوالة والصرف وبيان حكم كل منهما كما يلي:

أولاً: الحوالة: مشتقة من التحول بمعنى الانتقال، وفي الشرع نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وهي اسم من أحال الغريم إذا دفعه عنه إلى غريم آخر.

ومقصودنا بالحوالة هنا هي الحوالة المصرفية: وهي صك(2) يحول به المال من جهة إلى أخرى(3).

أو هي: أن يدفع شخص إلى مصرف مبلغاً من المال ليحوله إلى شخص بعينه في بلد آخر فيحرر المصرف حوالة بذلك المبلغ إلى مصرف آخر أو فرع له في ذاك البلد يأمره بدفع المبلغ إلى ذلك الشخص المعين، أو يقوم المصرف بناء على رغبة دافع المبلغ بالكتابة أو الإبراق إلى المصرف الآخر بتسليم المبلغ إلى شخص دون أن يتسلم العميل حوالة محررة بذلك ويسمى هذا النوع بالتحويل البريدي، ويتقاضى البنك عمولة(4).

جاء في قرارات مجمع الفقه الإسلامي بأن: «الحوالات التي تقدم مبالغها بعملة ما، ويرغب طالبها تحويلها بنفس العملة جائزة شرعا، سواء أكان بدون مقابل أم بمقابل في حدود الأجر الفعلي، فإذا كانت بدون مقابل فهي من قبيل الحوالة المطلقة عند من لم يشترط مديونية المحال إليه وهم الحنفية، وهي عند غيرهم سفتجة: وهي إعطاء شخص مالاً لآخر لتوفيته للمعطي أو لوكيله في بلد آخر، وإذا كانت بمقابل فهي وكالة بأجر، وإذا كان القائمون بتنفيذ الحوالات يعملون لعموم الناس فإنهم ضامنون للمبالغ؛ جرياً على تضمين الأجير المشترك»(5).

قال الشيخ محمد محمد المختار الشنقيطي: «الحوالات الموجودة الآن هي قرض، وهي آخذة حكم السفتجات؛ لأنك تأتي إلى المصرف وتعطيه عشرة آلاف، وحين يأخذ المبلغ فإنه لا يحيلك بنفس المبلغ، وإنما حقيقته أنه أخذ هذا القرض في ذمته وأحال إلى وكيله أن يعطيك إياه، وأنت لا تحيل إلا لمصلحة، فكأنك أقرضته لمصلحتك، وهذا وجه دخولها في السفتجات؛ لأنه يريد توصيلها وفي توصيلها مئونة، فإن جاء يسافر هو بنفسه فمئونة السفر مكلفة، وإذا استأجر الغير فإنه يدفع قيمة استئجار الغير، فهي داخلة في حكم السفتجة، فعلى قول من قال من الصحابة بالترخيص في السفتجات، وهذا مع اتحاد العملة فلا إشكال في الجواز، يكون في حكم السفتجة جائزة [الجائزة] على قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهم-، والنفس تطمئن إلى هذا القول، خاصة كما قال الإمام مالك: إن الناس يحتاجون إلى ذلك، فخفف فيه لوجود المصلحة، وصار فيه نوع من الإرفاق وهو متفق مع مقصود الدين » (6).

الحوالات المصرفية على نوعين:

النوع الأول: الحوالات المُبْرَقة، أو التي تسمى (السويفت): يقوم فيها العميل بتوكيل البنك أو محل الصرافة بأن يحول مبلغاً من المال إلى حساب آخر لدى بنك آخر في نفس الدولة، أو في دولة أخرى ليقوم العميل باستيفائه من ذلك الحساب بنفسه أو يستوفيه غيره هناك.

النوع الثاني: الشيكات المصرفية: وهي أوامر بالدفع صادرة من المصرف المحيل إلى المصرف المحال عليه بناءً على طلب العميل بحيث يتسلم العميل الشيك ويستطيع أن يصرفه بنفسه أو يصرفه المستفيد بنفسه من البنك المحال عليه.

الفرق بين الطريقتين: أن الطريقة الأولى التحويل يكون عن طريق البنوك أو المصارف عن طريق (السويفت)، أما الثانية فالتحويل يكون عن طريق الشيكات يعني يكون الشيك بيد العميل(7).

ثانياً: الصرف: يطلق في اللغة على عدة معاني منها: رد الشيء عن وجهه، وبيع الذهب بالفضة ومنه الصيرفي؛ لتصريفه أحدهما بالآخر، يقال: صرفه يصرفه صرفاً فانصرف، وصارف نفسه عن الشيء صرفها(8)، والصرف عند الفقهاء: بيع النقد بالنقد من جنسه وغيره(9)، وفي الاقتصاد: مبادلة عملة وطنية بعملة أجنبية ويطلق على سعر المبادلة(10).

يأتي الإشكال في مسألتنا-اجتماع الحوالة مع الصرف- من جهة الصرف؛ لأن من شرط الصرف التقابض في مجلس العقد قبل افتراق المتعاقدين، وألا يكون فيه خيار ولا تأجيل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ"(11)، والريالات والدولارات وغيرها من العملات أجناسٌ مستقلةٌ لها ما للذهب والفضة من الأحكام، فلا يجوز شراء عملة بعملة إلا يداً بيد(12).

وعن سليمان بن أبي مسلم قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يداً بيد فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يداً بيد ونسيئة فجاءنا البراء بن عازب فسألناه؟ فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "ما كان يدا بيد فخذوه وما كان نسيئة فذروه"(13).

وعن ابن عمر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم آشتري الذهب بالفضة أو الفضة بالذهب؟  قال: "إذا اشتريت واحداً منهما بالآخر فلا يفارقك صاحبك وبينك وبينه لبس"(14).

قال صاحب الزبد:

وشَرْطُ بيعِ النَّقدِ بالنَّقدِ كَمَا
 

في بيعِ مطعُومٍ بما قَد طُعِمَا
  

تقَابُضُ المَجلِسِ والحُلُولُ زِدْ
 

عِلْمَ تَمَاثُلٍ بِجِنسٍ يَتَّحِدْ(15)
  

ثالثاً: اجتماع الحوالة مع الصرف

اختلف الفقهاء المعاصرون في جواز اجتماع الحوالة مع الصرف، ولهم في ذلك عدة أقوال:

القول الأول: يرى قائله منع اجتماع الحوالة والصرف وعدم صحة هذا العمل؛ لعدم حصول التقابض في الصرف إذا اجتمع مع الحوالة ، والتقابض في الصرف شرط لصحته، وإلا وقعت النسيئة والتأخير في الصرف، ولا خلاف في أن وجود التأخير يوجد الربا الموجب للتحريم(16)، وبالتالي لا بد من فصل الصرف عن التحويل؛ بأن يتم صرف العملة الموجودة إلى الثانية المطلوبة ويتم التقابض وتسليم المال، ثم يعيد طالب تحويل المال العملة التي استلمها إلى البنك أو الصراف ثانية بعد أن استلمها منه ليقوم بتحويلها، أو أن يحول المبلغ ويتسلمه المحال إليه، ثم يصرفه المحال إليه بعد تسلمه له بالتقابض مع الصراف، واستدلوا على ذلك بأدلة منها:

1- حديث مالك بن أوس بن الحدثان قال: أقبلت أقول من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة بن عبيدالله -رضي الله عنه- وهو عند عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أرنا ذهبك ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نعطك ورقك، فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: كلا والله لتعطيه ورقه أو لتردن إليه ذهبه؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الورق بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء"(17).

وجه الدلالة: أن عمر -رضي الله عنه- أنكر على طلحة فعله، وبين له حقيقة القبض، وقد قال العلماء في قوله: "هاء وهاء": خذ وهات أو خذ واعطِ، كناية عن التقابض في المجلس، فهذا هو القبض الشرعي في الصرف خذ وهات حتى لا يكون فيه تأخير، فلو كان هناك قبض آخر لذكره أو أشار إليه(18)، وهذه المعاملة تفتقر لهذا القبض.

2- حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ"(19).

وجه الدلالة: أن التقابض شرط لصحة الصرف، وبين النبي صلى الله عليه وسلم حقيقته بقوله: "يداً بيدٍ"، ولا يحدث هنا- إذا اجتمعت حوالة وصرف- القبض يداً بيدٍ.

3- حديث سليمان بن أبي مسلم قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يداً بيد فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يداً بيد ونسيئة فجاءنا البراء بن عازب فسألناه؟ فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال:"ما كان يدا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه"(20).

4- حديث أبي المنهال أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب -رضي الله عنهما- كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه وما كان بنسيئة فردوه(21)، وعنه قال: باع شريك لي ورقا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج فجاء إلي فأخبرني فقلت هذا أمر لا يصلح، قال: قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك علي أحد فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع فقال: "ما كان يدا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا"، وائت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته فقال مثل ذلك(22).

وجه الدلالة في هذه الأحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز من الصرف ما حصل فيه التقابض، أما ما حصل فيه التأخير في القبض فلا، وفي اجتماع الحوالة مع الصرف تأخير للقبض، ولا يحصل قبض حقيقي يتوافق مع قوله صلى الله عليه وسلم: "يداً بيدٍ".

 5- أن الفقهاء اشترطوا في الصرف التقابض، وهو لا يحصل في تحويل العملات(23)، قال ابن المنذر: «أجمع كل ممن نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد»(24).

6- إذا لم يتم القبض في عقد الصرف في الحال فإن ذلك يفتح الباب واسعاً للنزاع والتحايل والإنكار وأكل المال بالباطل، فالتشديد على القبض في المجلس دون تأخير الذي أطبقت عليه الأحاديث واتفق عليه المسلمون ظهرت حكمته واضحة في العصر الحديث في ضوء التغيرات السريعة التي تحدث بين لحظة وأخرى في أسواق (البورصة) وبيع الذهب والعملات، حيث إن التأخير فيه لدقائق قليلة تترتَّب عليه أحيانًا فروق قد تَصِل إلى الملايين، ووجود مثل هذه الفروق إذا لم يتم القبض في عقد الصَّرف في الحين يفتح الباب واسعاً للنزاع والتحايل والإنكار وأكل المال بالباطل(25).

7- إن صح اعتبار الشيك قبضاً بالنسبة للحوالة، فلا يمكن اعتبار ذلك قبضاً بالنسبة للصرف الشرعي؛ لأن شرط جواز الصرف التقابض في المجلس، والشيك في حد ذاته ليس هو مقابل بدل الصرف بل نائباً عنه، ويلزم لقبض قيمة ما أثبت فيه مفارقة المجلس قبل القبض الحقيقي للنقود، فلا يقوم مقام بدل الصرف في المجلس، فلا يعتبر قبضه قبضاً في الصرف(26).

القول الثاني: يرى أصحابه جواز هذا النوع من المعاملات -الجمع بين الصرف والتحويل-وصحته، على اعتبار أن استلام الشيك المصدق أو ورقة الحوالة والإيصال المعتمد بالتحويل هو قبض حكمي يأخذ حكم القبض الحقيقي، بشرط أن يحمل تاريخ اليوم الذي تم فيه الصرف.

والأدلة ما يلي:

1- القياس على ما كان يحصل من ابن الزبير وابن عباس -رضي الله عنهم-، فعن عطاء -رحمه الله- أن ابن الزبير -رضي الله عنهما- كان يأخذ بمكة الورق من التجار فيكتب لهم إلى البصرة وإلى الكوفة فيأخذون أجود من ورقهم، قال عطاء: فسألت ابن عباس رضي الله عنه عن أخذهم أجود من ورقهم؟ فقال: «لا بأس بذلك ما لم يكن شرطا وبه نأخذ»(27)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يأخذ الورق بمكة على أن يكتب لهم إلى الكوفة بها(28).

إن ما يحصل اليوم من أخذ البنك النقود من طالب التحويل وتسليم شيك بشرط أن يكون الشيك بتاريخ اليوم وسعر صرف اليوم هو عين ما كان يفعله ابن الزبير، فإن قبض الشيك يقوم مقام قبض محتواه، فهو كالنقود، فإذا كانت السفتجة تقوم مقام القبض، فالشيك يقوم مقامه من باب أولى(29).

2- عندما يتسلم طالب التحويل الشيك مثلاً، أو يتسلم الإشعار بأن المصرف المأمور قد أبرق –أرسل برقية-للمصرف المحوَّل إليه، أو اتصل به هاتفياً، وأمر بصرف المبلغ حالاً للمستفيد، فإن القبض يتم حالاً بمجرد الانتهاء من عملية التحويل، وبتاريخ اليوم الذي تم فيه الصرف، وأن طالب التحويل يستطيع في اليوم نفسه أن يذهب للجهة المحول عليها، ويقبض المبلغ بدون تأخير.

أما إذا أرخ المصرف الشيك بحيث يكون التسليم لمحتواه بعد مدة، أو أبرق إلى المصرف الآخر بتسليم طالب التحويل المبلغ بعد مدة-كشهر مثلاً-، فلا يجوز ذلك؛ لكونه لا يعتبر قبضاً حيث إن تاريخ القبض قد تأخر(30).

3- قول شيخ الإسلام ابن تيمية «والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وتارة باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر، وتارة بالعرف كالقبض والتفريق»(31).

وقوله: «المرجع في القبض إلى عرف الناس وعادتهم من غير حد يستوي فيه جميع الناس في جميع الأحوال والأوقات»(32)، وقال: «فالقبض مرجعه إلى عرف الناس حيث لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع»(33)، وقال ابن قدامة: «وقبض كل شيء بحسبه»(34)، وهذه المعاملات ترجع إلى عرف العصر؛ لأن القبض مرده إلى العرف، فالشيك هو الذي تعارفت المصارف على نقل ملكية النقود به، وإذا تعارف الناس على نقل هذه الملكية بالتلكس، أو الفاكس، أو البريد الإلكتروني مثلاً، فإن هذا يكون قبضاً في عرفهم، ويمكن أن يتوصل الناس إلى وسائل أخرى تنتقل بها ملكية النقود، فتقوم هذه الوسائل مقام قبض النقود ذاتها(35).

4- أن القبض كما يكون حسياً يداً بيد يكون كذلك حكمياً، ويصح به الصرف، ومن القبض الحكمي القيد المصرفي في حال أودع أحد الطرفين المال في حساب الطرف الآخر مباشرة أو بحوالة مصرفية، ومن ذلك تسليم شيك مصدق، فالشيك أو الإشعار الذي يتسلمه طالب التحويل هو قبض حكمي قام مقام القبض الحقيقي، إذا كان الشيك أو البرقية يحمل نفس التاريخ الذي وقع فيه الصرف.

5- حاجة الناس إلى هذه المعاملة اليوم، والحاجة تنزل منزلة الضرورة، وفي إلزام الناس بالقول الأول حرج ومشقة، والمشقة تجلب التيسير، ورفع الحرج عن الأمة مقصد من مقاصد ديننا الحنيف، كيف وقد قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[الحج: 78)(36).

وقد جاء في قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم الأحد 13 رجب 1409 هـ الموافق 19 فبراير 1989 م إلى يوم الأحد 20 رجب 1409 هـ الموافق 26 فبراير 1989 م بأن المجمع قرر ما يلي:

«أولا: يقوم استلام الشيك مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود بالتحويل في المصارف.

ثانياً: يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف أو بعملة مودعة فيه»(37).

وجاء في قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بـ(أبو ظبي) بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 6 ذي القعدة 1415هـ، الموافق 1- 6 إبريل 1995م بشأن الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة [في الفقرة (ب) منه]:

«ب- إذا كان المطلوب في الحوالة دفعها بعملة مغايرة للمبالغ المقدمة من طالبها، فإن العملية تتكون من صرف وحوالة بالمعنى المشار إليه في الفقرة (أ)، وتجري عملية الصرف قبل التحويل، وذلك بتسليم العميل المبلغ للبنك، وتقييد البنك له في دفاتره بعد الاتفاق على سعر الصرف المثبت في المستند المسلم للعميل، ثم تجري الحوالة بالمعنى المشار إليه»(38).

وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم المال المحول من عملة لعملة أخرى، مثلاً أقبض راتبي بالريال السعودي وأحوله للريال السوداني، علماً بأن الريال السعودي يساوي ثلاثة ريالات سودانية، هل هذا ربا ؟ فأجابوا: « يجوز تحويل الورق النقدي لدولة إلى ورق نقدي لدولة أخرى، ولو تفاوت العوضان في القدر؛ لاختلاف الجنس كما في المثال المذكور في السؤال لكن بشرط التقابض في المجلس، وقبض الشيك أو ورقة الحوالة حكمه حكم القبض في المجلس»(39).

وعليه فإذا أعطيت العميل إيصالاً معتمداً بالتحويل، كان هذا بمثابة القبض(40).  

القول الثالث: يوافق قائله القول الثاني ويشرط أن يكون المصرف يملك العملة المحول لها سواء كان في صندوقه المحلي أو في صندوقه المركزي، وعليه يجوز هذا النوع من المعاملات ويعتبر استلام الشيك المصدق أو ورقة الحوالة والإيصال المعتمد بالتحويل قبض حكمي، بشرط أن يحمل تاريخ اليوم الذي تم فيه الصرف، وتقييد ذلك بكون المصرف يملك العملة المحول لها، سواء كان في صندوقه المحلي أو في صندوقه المركزي ، أما إذا كان المصرف لا يملك المبلغ المراد تحويله بالعملة المراد التحويل إليها فإنه حينئذ لا يجوز مثل هذا؛ لأنه يكون قد صارف بما لا يملكه إذا كان المبلغ المراد تحويله ليس موجوداً في صندوق المصرف المحلي ولا في قيوده أيضا عند المصارف الأخرى، وإنما سيقوم المصرف على تأمين النقد المحول له مستقبلا، فتسلم الشيك أو السند ليس في معنى القبض لمحتواه، وحينئذ يكون المصرف قد صارف بما لا يملكه وقت المصارفة، وهو أشبه برجل صرف ذهباً بفضة وهو لا يملك الفضة وإنما سيعمل على تأمينها في المستقبل، وهذا لا يجوز، فمن أراد التحويل بعملة أخرى، عليه أن يحول بعملة شائعة يغلب على الظن وجودها في صندوق البنك أو المصرف مثل اليورو والدولار، ولا يأتي بعملة نادرة قد لا تكون موجودة عند البنك أو المصرف لا في الصندوق المحلي ولا حتى في المركزي؛ لأنه إذا صارف البنك بهذه العملة الغير موجودة عنده يكون قد صارف بما لا يملك، وهنا يقع في الإشكال، وإذا صارف بالعملة الشائعة فإنه يتسلم إما شيكاً أو سنداً رسمياً من البنك ويقيد فيه سعر العملة المحولة لها أيضا، وحينئذ لا بأس بهذا(41).

القول الرابع: يرى وجوب جريان الفصل كما في القول الثاني، إلا أنه يجيز القبض الحكمي في الصرف؛ كأن يتسلم طالب التحويل من المصرف شيكاً يملك بقبضه القدرة على التصرف فيه بتسليم محتواه أو تحويله، واستدلوا بما يلي:

1 - استدلوا على وجوب الفصل بالأدلة العامة التي تفيد عدم جواز بيع الحاضر بالغائب في الصرف، والتي استدل بها أصحاب القول الأول .

2 - استدلوا على أنه يكفي القبض الحكمي في الصرف بما استدل به أصحاب القول الثاني من أن قبض الشيك أو نحوه قائم مقام بدل الصرف، ولكن بشروط ثلاثة:

الأول: أن يكون الشيك مؤرخاً بتاريخ اليوم الذي تم فيه الصرف.

الثاني: أن يكون المسحوب عليه مليئاً يستطيع أن يفي بقيمة المبلغ المحوَّل إليه.

الثالث: أن يكون الشيك مكتوباً بكامل المبلغ الذي تمَّ الاتفاق عليه(42).

القول الخامس: يرى قائله بأن اجتماع الصرف والحوالة فيه مشكلة، وهي معاملة لا تجوز إلا للضرورة، وهذا القول منقول عن  الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى (43).

القول السادس: إذا وجدت حوالة مع صرف ولم يشترط أجل خاص لتسليم الحوالة، ووقع تأجيل اضطراري بسبب اختلاف العملة بحيث تمت المصارفة بين العملتين دون تقابض وتلتها الحوالة فوراً خالية عن أجل مشروط فلا بأس شرعاً إن شاء الله بسبب الحاجة العامة لذلك، ولأن أصول التعامل المصرفي تقتضي بأن المبادلات التي تدخل فيها إحدى العملات لابد أن تأخذ زمناً، ولعموم البلوى في عدم إمكان التقابض في الحال وذلك عند احتياج صاحب المال إلى نقل نقوده إلى بلد آخر ذي عملة أخرى له فيها مصلحة معينة, على أنه إذا أمكن بلا حرج إجراء التقابض الفوري في الصرف أو ما يقوم مقام التقابض من تسليم شيك بالمبلغ فلا يجوز العدول عنه؛ لأن التقابض مشترط بالنص الشرعي في صرف الذهب بالفضة وعكسه فيقاس صرف العملات الورقية على صرف الذهب بالفضة وعكسه، ويجب التقابض فيه ويشترط في الشيك المأخوذ بعملة أخرى أن يكون قابلاً للصرف في الحال ولا يصح أن يكون مؤجلاً (44).

سبب الخلاف

يرجع الخلاف في المسألة إلى الأسباب التالية:

السبب الأول: هل القبض الحكمي معتبر في الصرف أم لا ؟

السبب الثاني: هل قبض الشيك يقوم مقام قبض محتواه أم لا ؟

السبب الثالث: هل البنك أو المصرف وكيل ؟

فمن جعل القبض الحكمي معتبراً أجازه، وكذلك من اعتبر قبض الشيك يقوم مقام قبض محتواه أجازه، ومن جعل البنك أو المصرف بمثابة الوكيل أجاز هذه المعاملة؛ لوجود التقابض بين الوكيل (البنك) والمستلم (المحول إليه)، ومن لم يعتبره وكيلا، أو لم يعتبر القبض الحكمي معتبراً، أو لم يعتبر قبض الشيك يقوم مقام قبض محتواه حرمها.  

مناقشة الأدلة

أولاً: نوقشت أدلة القول الأول القائل بعدم صحة القبض الحكمي في الصرف من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: بأنه لا يستقيم الاستدلال بالقياس على موقف عمر -رضي الله عنه-؛ لأن عمر أراد من المتصارفين أن لا يتفرقا إلا عن قبض، وهنا لا تفرق إلا بقبض الشيك، وقبضه بمثابة قبض النقود؛ لأن قبض الشيك كالحوالة، فإن من خصائصه أنه لا ينبغي أن يسحب إلا على من لديه مقابل وفائه، وأنه لا يلزم لاعتباره شيكاً قبول المسحوب عليه وهذه خصائص الحوالة فيأخذ حكمها، وقد قال ابن قدامة: «الحوالة كالتسليم »(45)، وقال النووي: « وإنما لم يرجع عليه؛ لأن الحوالة بمنزلة القبض»(46)، وقال المرداوي: «الحوالة به والإبراء منه- أي الدين- كالقبض على الصحيح من المذهب، وقيل إن جعلا وفاء فكالقبض وإلا فلا»(47)، وقال الشيخ ستر الجعيد: « والشيكات السياحية يمكن أن تعتبر بمثابة النقود لا سيما وهي محاطة بضوابط بواسطتها يمكن حفظ الحق وعدم ضياعه، وهي في نفسها تقوم بوظائف النقود، فلا مانع من إلحاقها بها يعضد ذلك ما رجحنا من أن الشيك عامةً أصبح كالنقد، وأن إلحاقه به متوجه والشيكات أكثر إيغالاً في معنى النقدية من الشيكات عامة، وبالتالي فينطبق عليها ما سبق من وصف الورق النقدي في القول المختار»(48).

وأفتت لجنة الإفتاء في وزارة الأوقاف الكويتية بأن: « القيد في الحسابات الجارية على ما هو معمول به بصوره لا يمكن الرجوع فيها إلا بإرادة صاحب الحساب يعتبر من قبيل القبض، وهو قبض حكماً بناءً على العرف الجاري في المعاملات المصرفية؛ لأن القبض ورد الشرع بالأمر به ولم يحدد كيفية معينة له»(49).

الوجه الثاني: قولهم إن القبض الشرعي هو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " يداً بيد" أي: خذ وهات، ولو كان هناك قبض آخر لذكره، فهذا الاستدلال يُرد عليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من قوله هذا حصول القبض، والقبض ليس له حد شرعي، ومرده إلى عرف الناس واصطلاحهم كما دل على ذلك كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

أيضاً فإن قوله: "يداً بيد" يراد به التعيين الذي تثبت به الحقوق كما يدل على ذلك حديث ابن عمر –رضي الله عنهما- إذ قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله رويدك أسألك: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء"(50).

وبناءً عليه فالتعيين يكون قبضاً، فيكون القبض إما يدويا أو حسابياً.

يعترض عليه: بأن الحديث ضعفه الترمذي وغيره.

الوجه الثالث: نوقش قولهم بأن الشيك في حد ذاته ليس هو مقابل بدل الصرف؛ بل نائب عنه بأن غاية القبض إنما هو إثبات اليد، فإن كان ذلك حاصلاً فلا ينظر إلى الشكل في المبادلة، لذلك فقد أجاز الفقهاء الصرف إذا كان في الذمة، كما في مسألة اقتضاء الدين، سواء كان أحدهما ديناً والآخر نقداً، أو كان المبلغان عبارة عن دينين في ذمة كل من المتصارفين، ثم تطارحا صرفا.

ثانياً: مناقشة أدلة القول الثاني القائل بصحة اجتماع الصرف مع الحوالة من عدة أوجه:

الوجه الأول: بأن قابض الشيك أو الإشعار قد يتأخر عن تقديمه إلى المصرف، وقد يزيد السعر أو ينقص في هذه الفترة قليلاً، فيتضرر أحدهما، فلا يتحقق الوصف الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء".

إلا أنه قد أجيب عن هذا الاعتراض: بأن المصرف المراسل أو فرعه مستعدان للوفاء بقيمة الشيك أو بمقتضى الإشعار طالما أن الشيك أو البرقية تحمل تاريخ اليوم الذي تم فيه الصرف وإن تأخر في تقديمه فإن هذا التأخير ليس من عمل المصرف بل هو من عمل العميل كما أن التأخير لا يكون إلا لمصلحة أو لعذر.

وأجيب عنه: بأن الضمانات والضوابط ليست كافية للقول بأن تسلم الشيك في معنى قبض محتواه.

الوجه الثاني: أن قبض الشيك ليس في قوة قبض محتواه؛ لأن التصرف الذي يملكه حامل الشيك من قبض محتواه هو نهائي، في حين أن قابض الشيك يمارس عند قبض الشيك بعض التصرفات، وهي الموقوفة على الوفاء الفعلي، وقد يكون الشيك بدون رصيد وقت الصرف بأن يقوم الساحب بتصفية رصيده مثلاً، أو يكون الرصيد غير كاف بقيمة الشيك، فلا يتم القبض في وقته، أو احتمال تجميد رصيد الساحب، أو إفلاسه، أو احتمال تعليق صرف الشيك على إخطار للمصرف من صاحب الرصيد، وهذه الاحتمالات تؤثر على اعتبار قبض الشيك قبض لمحتواه، وبذلك يظهر الفارق.

أجيب عن هذا الاعتراض: بأن هذا الفرق لا يؤثر في الإلحاق؛ حيث إن قبض المحتوى (النقد) هو الآخر ليس بالنهائي؛ إذ قد يكون مزوراً أو معيباً؛ بل إن مخاطر الشيك بدون رصيد قد تقل عن مخاطر الأوراق النقدية المزيفة؛ من حيث إن النقود لا يمكن معرفة أول من زورها؛ لأنها تتداول بالمناولة، في حين أن الشيك يتداول بطريق يتمكن فيه من معرفة من تداوله، حيث إن كثيراً من الدول تفرض عقوبة جنائية على محرر الشيك بدون رصيد، وهذه العقوبة تقف حاجزاً لمُصدره بدون رصيد، وعلى ذلك يمكن القول بأن مسئولية ساحب الشيك عن صدق محتواه يشبه ضمان الدول للأوراق النقدية التي تصدرها، وما بينهما من فروق لا يؤثر في الإلحاق.

أيضاً هذه الاحتمالات على فرض التسليم بها فإنها إنما ترد على الشيك غير المصدق فحسب.

يمكن الاعتراض بأن الأخطار المترتبة على النقد أقل منها في الشيكات؛ لأن أخطار النقد يمكن معرفتها من خلال النظر خصوصاً لمن يكثر تعامله بها، بخلاف أخطار الشيك.

وأما القول بأن الصرف قد يعلق على إخطار من صاحب الرصيد فهذا خارج عن محل النزاع؛ لأن البحث هنا في الشيك المطلق غير المعلق وفاؤه بشرط وصول إخطار من الساحب.

الوجه الثالث: جعل القيد المصرفي والشيك قبضاً حكمياً يقوم مقام القبض الحقيقي أجيب عنه بأن حقيقة القبض الحكمي لا تعدو أن تكون حالة من التمكن من القبض وليس ذات القبض الحقيقي، وبالتالي فإنها لا تصلح أن تعتبر في عقد الصرف؛ لأن المعتبر فيه القبض الحقيقي، وتفريق العلماء بين القبض الحقيقي والقبض الحكمي تظهر ثمرته في مسائل وهي جواز التصرف في المبيع قبل قبضه، ونقل الضمان من البائع إلى المشتري، والذي عليه المحققين أن التمكن من القبض ينقل الضمان لكنه لايبيح التصرف في المبيع أشار إلى هذا الكاساني من الحنفية وشيخ الإسلام رحمهما الله تعالى.

إن صرف النقود وتقييد أحد البدلين في حساب العميل لدى المصرف صرف لم يتحقق فيه شرط القبض؛ وذلك لأن التكييف الشرعي للحسابات الجارية (قرض) وبالتالي فإن بدل الصرف ما زال في ذمة المصرف، والقول بأنه من قبيل القبض الحكمي لا يكفي؛ لأن القبض الحكمي الوارد في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- إنما هو في الاستيفاء وليس في المعاوضة، والذي نتج عن القبض الحكمي في المسألة اشتغال ذمة المصرف في بدل الصرف، فهو متضاد مع مقصود الشارع من براءة الذمم كما في مسألة صرف ما في الذمة والذي دل عليها حديث ابن عمر، وقد حقق شيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- القبض الحكمي واعتباره على ضوء مسألة صرف ما في الذمة المقصودة من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- حيث قال: كنت أبيع الإبل في البقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا بأس إذا أخذتهما بسعر يومهما فافترقتما وليس بينكما شيء"(51)، فذكر أنه ليس من جنس المعاوضات وإنما من جنس الاستيفاء، فكما لا يقال إن من اقترض درهما ورده درهما أنه باع درهما بدرهم، لا يقال إن من استقرض الدراهم وردها دنانير –بغير شرط مسبق أو عهد وإلا كان ذلك من الربا– أنه باع الدراهم بالدنانير، بل هو استوفى حقه وبرأت ذمته، والشارع له تشوف إلى إبراء الذمم، ولقطع الحيلة الربوية في صرف ما في الذمة والتي تمكن في أخذ زيادة على القرض اشترط النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون بسعر يومها، وعلل ذلك أهل العلم حتى لا يربح فيما لم يضمن، فالحوالة في الصرف جائزة بشرط أن يقبض بدل الصرف من المحال عليه في مجلس العقد، وعليه فلو تم عقد الصرف داخل المصرف وأحال على المصرف وقبض قبل التفرق جاز.

الوجه الرابع: القياس على ما كان يحصل من ابن الزبير إذ كان يأخذ بمكة الورق من التجار فيكتب لهم إلى البصرة وإلى الكوفة فيأخذون أجود من ورقهم، الاستدلال بهذا الأثر خارج عن محل البحث؛ لأن عبد الله بن الزبير إنما كان يأخذ الدراهم من بعض الناس في مكة قرضاً في ذمته ثم يرد ذلك القرض لهم في العراق عن طريق أخيه مصعب، وهذا ما يسمى عند الفقهاء بالسفتجة، ومن المعلوم أنه إذا انحصر الإقراض والوفاء في السفتجة بين المقرض والمقترض أو نائب أحدهما فإنها تكون من قبيل الاقتراض في الذمة، فتبين أن لا علاقة لذلك بمسألة القبض التي هي محل البحث(52).

أما القول السادس القائل إنه إذا لم يشترط أجل خاص لتسليم الحوالة ووقع تأجيل اضطراري بسبب اختلاف العملة بحيث تمت المصارفة بين العملتين دون تقابض وتلتها الحوالة فوراً خالية عن أجل مشروط فلا بأس؛ بسبب الحاجة العامة لذلك، وأن أصول التعامل المصرفي تقتضي أن المبادلات لابد أن تأخذ زمناً، ولعموم البلوى في عدم إمكان التقابض في حال احتياج صاحب المال إلى نقل نقوده إلى بلد آخر ذي عملة أخرى له فيها مصلحة معينة, فأقول: إن قصد بالتأخير أن يحصل الافتراق دون تقابض فهذه التعليلات ضعيفة؛ لأن النصوص النبوية التي ذكرت اشتراط التقابض في الصرف لم تفرق في وجوب التقابض لصحة الصرف بين كون التأجيل اضطراري أو غير اضطراري هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الحاجة العامة موجودة في زمننا وزمن نزول الوحي ومع هذا شرط النبي صلى الله عليه وسلم لصحة الصرف التقابض في المجلس، ومعلوم أن نصوص الشرع أشد مراعاة لظروف الناس وحاجاتهم، وعدم وجود أي تقابض في هذه المعاملة يقتضي معارضتها للنصوص الصحيحة الصريحة، وبالتالي يكون هذا التعليل والاجتهاد في مقابل النصوص ومتصادما معها، وبالتالي فهو تعليل واجتهاد فاسد وهذا ما يسمى عند أهل الأصول بفساد الاعتبار، مع أن أصحاب هذا القول قالوا: إنه إذا أمكن بلا حرج إجراء التقابض الفوري في الصرف أو ما يقوم مقام التقابض من تسليم شيك بالمبلغ فلا يجوز العدول عنه؛ وهذا النوع من التقابض -أي الحكمي- ممكن ويسير بل التقابض الحقيقي ممكن الحصول مع شيء من التأني وعدم العجلة، والله أعلم.   

 

الترجيح:

المترجح في المسألة -والله أعلم- والذي تطمئن به النفس بعد عرض الأقوال وأدلتها والمناقشة لها أنه لا بد من فصل عملية الصرف عن التحويل، وأسلم طريق للفصل وأبرؤه للذمة وأحوطه ما جاء في القول الأول: بأن يتم صرف العملة الموجودة إلى الثانية المطلوبة ويتم التقابض والتناجز وتسليم المال، ثم يعيد طالب تحويل المال العملة التي استلمها إلى البنك أو الصراف ثانية بعد أن استلمها منه ليقوم بتحويلها بعقد آخر مستقل ومنفصل عن عملية التحويل، أو أن يحول المبلغ ويتسلمه المحال إليه، ثم يصرفه المحال إليه بعد تسلمه له بالتقابض مع الصراف، والأمر يسير لكن يحتاج إلى شيء من التأني والصبر، لكن إذا كانت هناك مشقة أو ضيق أو حرج، فيكفي استلام وقبض الشيك المصدق أو ورقة الحوالة والإيصال المعتمد بالتحويل ويعتبر ذلك قبضاً حكمياً يأخذ حكم القبض الحقيقي؛ لأن الفقهاء يقولون: «كل ما ورد به الشرع مطلقاً ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف، كالحرز في السرقة والتفرق في البيع والقبض »(53)، وبشرط أن يفصل عملية التحويل عن الصرف، فيسلم العملة للمصرف ثم يستلم ويقبض الشيك المصدق أو ورقة الحوالة أو الإيصال المعتمد بالتحويل، ثم يوكل المصرف أن يجري عملية التحويل بعقد جديد مع مراعاة الشروط السابق ذكرها، من كون الشيك مؤرخاً بتاريخ اليوم التي تم فيه الصرف، وأن يملك المصرف العملة المحول لها، سواء كان في صندوقه المحلي أو في صندوقه المركزي، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه الكريم وأزواجه والصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

إعداد/ محمد نعمان البعداني

19/8/200م.

مراجعة : د. قسطاس إبراهيم

***



(1) الحوالة والسفتجة، 1/189،190.

(2) الصك في اللغة: الضرب الشديد بالشيء العريض، يقال: صكه صكا إذا ضربه في قفاه ووجهه بيده مبسوطةً، وقيل: الضرب عامةً بأي شيءٍ كان، الموسوعة الفقهية الكويتية 27/46، وصك البيع: بيان رسمي مكتوب يمكن للبائع أن يحول بموجبه للمشتري ملكية شيء من ممتلكاته، الموسوعة العربية العالمية.

(3) المعجم الوسيط، 1/209، والتعريفات، 1/126.

(4) بحوث لبعض النوازل الفقهية المعاصرة، 11 / 4.

(5) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، 2/ 17583.

(6) شرح زاد المستقنع، 7 / 218.

(7) فقه المعاملات المصرفية، 1/37- 39.

(8) العين، 7/ص109، والمحكم والمحيط الأعظم، 8/301.

(9) إعانة الطالبين، 3/21، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام، 1/98، وقواعد الفقه، 1/214، وعمدة القاري، 12/130.

(10) المعجم الوسيط، 1/513.

(11) رواه مسلم، 3/1210 برقم: 1587 عن عبادة بن الصامت.

(12) فتاوى الشيخ محمد صالح المنجد، فتوى رقم 95378.

(13) رواه البخاري، 2/ 884 برقم: 2365

(14) روا أحمد، 2/ 89 برقم: 5628، قال الهيثمي: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح» مجمع الزوائد، 4/208 برقم: 6563.

(15) متن زبد ابن رسلان، 1/184 و185.

(16) شرح زاد المستقنع للشنقيطي، 7/218، 219.

(17) رواه مسلم، 3 / 1209 برقم: 1586.

(18) شرح النووي على صحيح مسلم، 11/12، وفتح الباري، 4/378، وشرح الزرقاني، 3/361، 362، وعون المعبود، 9/141، والمغني، 4/30، والحوالة والسفتجة، 1/201.

(19) تقدم تخريجه ص 3.

(20) تقدم تخريجه ص 4.

(21) رواه أحمد، 4/371 برقم: 19326، قال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط الشيخين».

(22) رواه مسلم، 3/ 1212 برقم: 1589.

(23) فتاوى المعاملات الشائعة، الدكتور الصادق عبد الرحمن الغرياني، ص:9.

(24) المغني 4/54.

(25) فتاوى الصادق الغرياني، 1/ 6.

(26) الحوالة والسفتجة، 1/202، نقلا عن أحكام عقد الصرف ص427

(27) المبسوط للسرخسي، 14/37.

(28)  المصدر نفسه.

(29) الحوالة والسفتجة، 1/ 200.

(30) المصدر نفسه.

(31) مجموع الفتاوى، 29/448.

(32) القواعد النورانية، 1/114، ومجموع الفتاوى، 29/20.

(33) مجموع الفتاوى، 30/275.

(34) المغني، 4/90.

(35) الحوالة والسفتجة, 1 / 201.

(36) نقلاً عن موقع الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف (الإمارات): www.awqaf.ae/Fatwa.aspx?SectionID.

(37) مجلة البحوث الإسلامية، 51/373.

(38) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، 2 / 17583.

(39) فتاوى اللجنة الدائمة 13/ 448.

(40) نقلاً عن موقع الإسلام سؤال وجواب: http://islamqa.com.

(41) نقلاً عن موقع: http://www.taimiah.org/Display.asp، وموقع الأكاديمية الإسلامية المفتوحة:www.islamacademy.net .

(42) الحوالة والسفتجة، 1 / 202.

(43) نقلاً عن موقع تميمه: http://www.taimiah.org/Display.asp.

(44) فتاوى قطاع الإفتاء بالكويت، 3/118.

(45) المغني، 4/343.

(46) إعانة الطالبين، 3/75.

(47) الإنصاف للمرداوي، 3/18.

(48) بحوث لبعض النوازل الفقهية المعاصرة،11/ 7.

(49) فتاوى قطاع الإفتاء بالكويت، 1/ 223.

(50) رواه أبو داود، 2/270 برقم: 3354، والترمذي، 3/544برقم: 1242، والنسائي، 7 /281برقم: 4582،  قال الترمذي: «هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر » وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود،1/336 برقم: 727، ورواه ابن حبان،11/ 287 برقم: 4920، قال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على صحيح ابن حبان: «إسناده حسن على شرط مسلم ».

(51) تقدم تخريجه ص 11.

(52) انظر لهذه المناقشة: الحوالة والسفتجة، 1/ 199-204، وموقع أهل الحديث: http://www.ahlalhdeeth.com، وموقع المسلم: http://almoslim.net/node ، وحاشية ابن القيم على سنن أبي داود، 9/257.

(53) إيضاح القواعد الفقهية، للشيخ عبدالله اللحجي، ص 80.