تحريم الاعتداء على الذمي

الحمد لله رب العالمين الهادي إلى سواء السبيل وأصلي وأسلم على رسوله الكريم وأزواجه وآله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، يقول السائل الكريم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أريد أن أعرف هل يجوز قتل الذمي في بلاد المسلمين؟ وهل للذمي شروط معينة ؟

الجواب: الحمد لله وبعد،،الأخ السائل بارك الله فيك، وزادك من الخير، اعلم أخي الحبيب ما يلي:

أولاً: أن الذمي هو المعاهد الذي أعطى عهداً يأمن به على ماله وعرضه ودينه، فهو من أمن على شروط استوثق منه بها وعلى جزيةٍ يؤديها(1).

أو هو الكافر الذي يستوطن بلاد الإسلام –أي: يتخذها وطناً- بالتزام دفع الجزية وجريان أحكام الإسلام عليه، فهم رعايا الدول الإسلامية من غير المسلمين(2).

أو هو الذي بيننا وبينه ذمة -أي: عهد- على أن يقيم في بلادنا معصوماً مع بذل الجزية(3).

قال القونوي: «الذمة: العهد؛ لأن نقضه يوجب الذم، وتفسر بالأمان والضمان، وكل ذلك متقارب، ومنها قيل للمعاهدين من الكفار ذمي؛ لأنه أومن على ماله ودمه بالجزية، ويسمى محل التزام الذمة بها في قولهم ثبت في ذمته كذا، وفي الصحاح الذمة: أهل العقد»(4).

ثانياً: يحرم قتل الذمي والتعرض له بما يؤذيه مع قيام عقد الذمة للآتي:

1- لما رواه القاسم بن مخيمرة عن رجل من أصحاب رسول الله أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل رجلاً من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما"(5).

2- قال الإمام البخاري: «باب إثم من قتل ذمياً بغير جرم: حدثنا قيس بن حفص حدثنا عبد الواحد حدثنا الحسن حدثنا مجاهد عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً"»(6).

3- الذمي صاحب ذمة وعهد وأمان وقد أمرنا الإسلام بالوفاء بالعهود التي أخذها المؤمنون على أنفسهم أو على غيرهم وعدم الإخلال بها قال تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون [ النحل: 91]، وقال سبحانه: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾[ الإسراء: 34]، والوفاء بالعهود من سمات المؤمنين الصادقين قال تعالى: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾[ البقرة: 177]، وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلماً فعليه مثل ذلك"(7)، وفي حديث أبي هريرة: "وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف"(8)، وفي حديث قيس بن عباد: "المؤمنون تكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثاً فعلى نفسه، ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"(9).

قال ابن حجر: «قوله: "ذمة المسلمين واحدة" أي أمانهم صحيح فإذا أمن الكافر واحد منهم حرم على غيره التعرض له... وقوله: "يسعى بها" أي يتولاها ويذهب ويجيء والمعنى أن ذمة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر شريف أو وضيع فإذا أمن أحد من المسلمين كافراً وأعطاه ذمة لم يكن لأحد نقضه فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحر والعبد؛ لأن المسلمين كنفس واحدة»(10).

فإذا كان هذا في المستأمن فالذمي الذي أعطيناه عهداً وذمة أولى فمن هنا حرم قتله بغير حق(11).

قوله: "ولا ذو عهد في عهده" أي: لا يحل قتل الذمي ما دام قائماً بالعهد غير ناقض إياه(12).

قال ابن قدامة: «وجملته أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم»(13).

4- الذمي له ما للمسلمين وعليه ما عليهم؛ لأنه رضي أن يحكم عليه بالشريعة الإسلامية، ولأن على الدولة الإسلامية أن تحميه من كل ما تحمي منه المسلم(14).

قال الشيخ محمد محمد المختار: «... لأن قتل الذمي من أشد الجرائم والعياذ بالله، ومن تتبع السنة وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد الوعيد الشديد على التعرض لمن له ذمة الله ورسوله، وأنه إذا دخل بلاد المسلمين في ذمة المسلم أو ذمة إمام المسلمين أو من يقوم مقامه، فلا يجوز لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخفر ذمة المسلمين، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذمة المسلمين واحدة... فإن الذمي إذا دخل بلاد المسلمين وله ذمة المسلمين فدمه وماله وعرضه حرام، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين»(15).

5- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا يجوز قتل الذمي بغير حق»(16)، وقال ابن حجر: «بل يحرم عليه قتل الذمي والمعاهد بغير استحقاق»(17)، وقال الإمام الرملي: «بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين قوله: القتل ظلماً أكبر الكبائر بعد الكفر شمل قتل الذمي والمعاهد والمؤمن»(18).

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه موصياً الخليفة من بعده: «وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله  صلى الله عليه وسلم: أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم»(19).

ثالثاً: اتفق الفقهاء على جواز عقد الذمة لأهل الكتاب والمجوس، كما اتفقوا على عدم جوازه للمرتد، أما فيما عدا ذلك فقد اختلفوا: فقال فقهاء الشافعية والحنابلة في المشهور عندهم: لا يجوز عقد الذمة لغير أهل الكتاب والمجوس، بدليل قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾[التوبة: 5]، وهذا عام خص منه أهل الكتاب بآية الجزية ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون﴾[التوبة: 29]، وخص منهم المجوس بقوله عليه الصلاة والسلام: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"(20) فمن عداهم من الكفار يبقى على بقية العموم.

وقال فقهاء الحنفية، وهو رواية عند المالكية، ورواية عن أحمد: يجوز عقد الذمة لجميع الكفار، إلا عبدة الأوثان من العرب؛ لأن عقد الذمة لرجاء الإسلام عن طريق المخالطة بالمسلمين والوقوف على محاسن الدين، وهذا لا يحصل بعقد الذمة مع مشركي العرب؛ لأن القرآن نزل بلغتهم، وحملوا الرسالة، فليس لهم أدنى شبهةٍ في رفضهم الإيمان بالله ورسوله، فتعين السيف داعياً لهم إلى الإسلام، ولهذا لم يقبل رسول الله منهم الجزية.

وفي المشهور عند المالكية: يجوز عقد الذمة لجميع أصناف الكفار، لا فرق بين كتابي وغيره، ولا فرق بين وثني عربي ووثني غير عربي.

ويرى جماعة من المعاصرين قوة هذا الرأي ووجاهته تاريخياً؛ لأن قواد العرب دائماً كانوا قبل أن يقاتلوا أي قوم يعرضون عليهم الإسلام أو الجزية(21).

رابعاً: جمهور الفقهاء على أنه يشترط في عقد الذمة أن يكون مؤبدا؛ لأن عقد الذمة في إفادة العصمة كالخلف عن عقد الإسلام، وعقد الإسلام لا يصح إلا مؤبدا، فكذا عقد الذمة، وفي قول عند الشافعية يصح مؤقتا.

وكذلك يشترط في هذا العقد قبول والتزام أحكام الإسلام في غير العبادات من حقوق الآدميين في المعاملات وغرامة المتلفات، وكذا ما يعتقدون تحريمه كالزنى والسرقة، كما يشترط في حق الرجال منهم قبول بذل الجزية كل عام(22)، وقد ذكر الإمام الماوردي أنه يشترط عليهم ستة شروط مستحقة:

الأول: أن لا يذكروا كتاب الله تعالى بطعن فيه ولا تحريف له.

الثاني: أن لا يذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكذيب له ولا ازدراء.

الثالث: أن لا يذكروا دين الإسلام بذم له ولا قدح فيه.

الرابع: أن لا يصيبوا مسلمة بزنا ولا باسم نكاح.

الخامس: أن لا يفتنوا مسلماً عن دينه ولا يتعرضوا لماله ولا دينه.

السادس: أن لا يعينوا أهل الحرب ولا يودوا أغنيائهم [ولا يؤووا للحربيين عيناً جاسوسا]

 فهذه الستة حقوق ملتزمة فتلزمهم بغير شرط وإنما تشترط إشعاراً لهم وتأكيداً لتغليظ العهد عليهم ويكون ارتكابها بعد الشرط نقضاً للعهد(23).

وزاد بعضهم شروطا أخرى كاستضافة المسلمين، وعدم إظهار منكر في دار الإسلام، وغيرها، واختلفوا في وجوب أو استحباب اشتراط هذا النوع من الشروط.

وجملة ذلك أنه ينبغي للإمام عند عقد الذمة أن يشترط عليهم شروطاً نحو ما شرطه عمر رضي الله عنه، وقد رويت عن عمر رضي الله عنه في ذلك أخبار منها ما رواه الخلال بإسناده عن إسماعيل بن عياش قال: حدثنا غير واحد من أهل العلم قالوا: كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم: إنا حين قدمنا من بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا على أنا شرطنا لك على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديرًا ولا قلاية(24) ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ما كان منها في خطط المسلمين ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نأوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا، وألا نكتم أمرا من غش المسلمين، وألا نضرب نواقيسنا إلا ضربا خفياً في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، ولا نخرج صليبنا ولا كتابنا في سوق المسلمين، وألا نخرج باعوثا(25) ولا شعانين(26)، ولا نرفع أصواتنا مع أمواتنا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وألا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر شركاً، ولا نرغب في ديننا، ولا ندعو إليه أحدا، ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذين جرت عليهم سهام المسلمين، وألا نمنع أحداً من أقربائنا إذا أراد الدخول في الإسلام، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا في مواكبهم، ولا نتكلم بكلامهم وأن لا نتكنى بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير على أوساطنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم، ونرشد الطريق، ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا المجالس، ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا يشارك أحد منا مسلما في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر ثلاثة أيام ونطعمه من أوسط ما نجد ضمنا ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكننا وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق فكتب بذلك عبد الرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب لهم عمر أن امض لهم ما سألوه وألحق فيه حرفين اشترط عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم أن لا يشتروا من سبايانا شيئا ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك(27).

خامساًً: الكفار باعتبار أحكام الشريعة فيهم أربعة أصناف: ذمي، ومعاهد، ومستأمن، ومحارب.

فالذمي الذي سبق ذكره بأنه الذي التزم دفع الجزية ورضي بالإقامة تحت سلطان المسلمين آمناً على نفسه وماله وسائر حرماته.

أما المعاهد بفتح الهاء الذي عاهده المسلمون أي: أعطوه عهداً وموثقاً أن لا يتعرضوا له، وبكسرها الذي عاهد المسلمين أي: أخذ منهم عهداً وموثقاً بالأمان(28)، قال ابن منظور: « المعاهد من كان بينك وبينه عهد وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة ما»(29)، وهو أيضاً معصوم الدم والمال لا يجوز الاعتداء عليه في نفسه ولا ماله، ولا بغش ولا سرقة، ولا أي لون من ألوان العدوان؛ لحديث أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل معاهداً في غير كنهه حرم الله عليه الجنة"(30).

قوله: "في غير كنهه" كنه الأمر حقيقته وقيل وقته وقدره وقيل غايته يعني من قتله في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله((31).

وقد يطلق أيضاً على المستأمن، قال الشوكاني: «المعاهد هو الرجل من أهل دار الحرب يدخل إلى دار الإسلام بأمان فيحرم على المسلمين قتله بلا خلاف بين أهل الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه»(32).

وأما المستأمن بكسر الميم هو الطالب للأمان، وبالفتح هو من يدخل دار غيره بأمان مسلماً كان أو حربيا(33)، والمقصود به هنا هو الحربي الذي دخل دار الإسلام بأمان دون نية الاستيطان بها والإقامة فيها بصفة مستمرة، بل يكون قصده إقامة مدة معلومة لا تزيد على سنة، فإن تجاوزها وقصد الإقامة بصفة دائمة فإنه يتحول إلى ذمي ويكون له حكم الذمي في تبعيته للدولة الإسلامية(34).

وهذا كمن قبله يحرم قتله والتعرض له.

الكافر الحربي: هو غير الذمي والمعاهد والمؤمن، وهو الأصل في الكفار(35).

سادساً: ينطبق ذلك في عصرنا الحاضر على تأشيرة الدخول وعلى دعوات الآحاد من المسلمين التي توجه إلى أناس من المشركين للزيارة ونحوها وعلى عقود العمل أو استقدام الفنيين ونحوهم من قبل شركات يملكها مسلمون وغير ذلك من كل صورة ينطبق عليها التوصيف الشرعي للأمان، ومتى انعقد الأمان صار للحربي المستأمن حصانة من إلحاق الضرر به سواء من المسلم المؤمن أو من غيره من المسلمين أو حتى الذميين(36).

سابعاً: تصرفات الراعي على الرعية منوطة بالمصلحة، والمراد بالراعي كل من ولي أمراً من أمور العامة عاماً كان كالسلطان الأعظم أو خاصاً كمن دونه من العمال فإن نفاذ تصرفات كل منهم ولزومها مترتبة على وجود المنفعة والثمرة في ضمنها وإلا رد تصرفه؛ لأن الراعي ناظر وتصرفه في غير مصلحة يكون حينئذٍ متردد بين الضرر والعبث وكلاهما ليس من النظر في شيء، ولأنه مأمور من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحوط الرعية بالنصح ومتوعد من قبله على ترك ذلك بأعظم وعيد، فعن معقل بن يسار قال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة"(37)، وفي رواية: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة"(38)، وقد نص الشافعي على أن منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم(39)، وعليه فلا يجوز لمن ولي أمراً من أمور المسلمين العامة أو الخاصة أن يدخل عليهم بعهد أو أمان أو غيره ما يوقع بهم الضرر في دينهم أو دنياهم كمنح الأمان لجاسوس يتطلع على عوراتهم ويرصد مواطن الضعف فيهم، فمن أعطي أمانا أو عهداً ثم بدر منه ما يريب وجب على الدولة التعامل معه وأمثاله بحزم.

وفق الله الجميع لطاعته، وأسأل من الله تعالى أن يهدي جميع المسلمين لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصينا جميعاً للبر والتقوى إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه وتعالى، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا الكريم وأزواجه وآله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

جمع وإعداد/ محمد نعمان البعداني.

 19/11/1430هـ الموافق له 6/11/2009م

مراجعة / د. قسطاس إبراهيم

***


(1) انظر: تهذيب اللغة، 1/99، والمعجم الوسيط، 1/315.

(2) نقلاً عن موقع:http://www.paldf.net/forum/showthread .

(3) نقلاً عن موقع: http://www.hssna.com/vb/archive/index .

(4) أنيس الفقهاء، 1/182، 183، وقال ابن منظور: «وعاهد الذمي أعطاه عهدا، وقيل معاهدته مبايعته لك على إعطائه الجزية والكف عنه، والمعاهد الذمي، وأهل العهد أهل الذمة فإذا أسلموا سقط عنهم اسم العهد، وتقول عاهدت الله أن لا أفعل كذا وكذا، ومنه الذمي المعاهد الذي فورق فأومر على شروط استوثق منه بها وأومن عليها فإن لم يف بها حل سفك دمه»، لسان العرب، 3/312، وانظر المصدر نفسه، 12/221، وتاج العروس، 32/205، 206، والمغرب في ترتيب المعرب، 1/307.

(5) أخرجه النسائي، 8/ 25 برقم: 4749، وأحمد ، 4/ 237 برقم: 18097، صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 319، قال شعيب الأرنؤوط: «حديث صحيح وهذا إسناد حسن من أجل والد وكيع - واسمه الجراح ابن مليح الرؤاسي».

(6) أخرجه البخاري، 6/2533 برقم: 6516.

(7) أخرجه البخاري، 3/ 1157 برقم: 3001. 

(8) أخرجه مسلم، 2/ 999 برقم: 1371. 

(9) أخرجه أبو داود، 2/588 برقم: 4734، والنسائي، 8/19برقم: 4734، قال الألباني: «قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين»، إرواء الغليل، 7/ 267.   

(10) فتح الباري، 4/86.

(11) انظر: المفصل في أحكام الهجرة، 4 / 256.

(12) بذل الهمة في التعليق على نكبات الأمة، 1 / 11.

(13) المغني لابن قدامة، 9/195.

(14) انظر تسليم المطلوبين بين الدول، ص 228، 229. 

(15) شرح زاد المستقنع للشنقيطي، 15/379.

(16) مجموع الفتاوى، 34/146.

(17) فتح الباري، 12/261.

(18) حاشية الرملي، 4/2.

(19) أخرجه البخاري في صحيحه، 1/ 469 برقم: 1328.

(20) أخرجه مالك في الموطأ رواية يحيى الليثي، 1/ 278 برقم: 616، والطبراني في المعجم الكبير، 19 /437 برقم: 1059، والبيهقي في السنن الكبرى، 9/ 189 برقم: 18434، والشافعي في المسند، 1/209 برقم: 1008، وأبو يعلى في المسند 2/168 برقم: 862، والبزار في المسند، 3/264 برقم: 1056، وعبد الرزاق في المصنف 6/68 برقم: 10025، وابن أبي شيبة في المصنف، 2/435 برقم: 10765، ضعفه الألباني في إرواء الغليل، 5/88، ويشهد له ما أخرجه البخاري في صحيحه، قال الإمام البخاري: «حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال سمعت عمرا قال: كنت جالسا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدثهما بجالة سنة سبعين عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة عند درج زمزم قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عن الأحنف فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر"» صحيح البخاري، 3/ 1151 برقم: 2987.

(21) الموسوعة الفقهية الكويتية 7/122، 123، نقلاً عن القليوبي 4/229 ، والمغني 8/496،500، 501، والأم 4/240 ، وأحكام القرآن لابن العربي 2/889، والبدائع 7/111، وجواهر الإكليل 1/266، 267، والحطاب 3/380، 381.  

(22) اشترط الفقهاء لفرض الجزية على أهل الذمة عدة شروطٍ منها:

1- البلوغ: ذهب الفقهاء إلى أن الجزية لا تضرب على صبيان أهل الذمة، قال ابن قدامة: «لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في هذا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأبو ثور، وقال ابن المنذر: ولا أعلم عن غيرهم خلافهم»[ المغني 9/270]، وإذا بلغ الصبي من أهل الذمة، فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في وجهٍ إلى أنه يكفي عقد أبيه، وعلى هذا استمرت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه في جميع الأعصار، ولم يفردوا كل من بلغ بعقدٍ جديدٍ، وذهب الشافعية في الوجه الصحيح عندهم إلى أن الصبي إذا بلغ يخير بين التزام العقد وبين أن يرد إلى مأمنه، فإن اختار الذمة عقدت له، وإن اختار اللحاق لمأمنه أجيب إليه، وإذا كان البلوغ في أول حول قومه وأهله أخذت منه الجزية في آخره معهم، وإذا كانت في أثنائه أخذ منه في آخره بقسطه

2- العقل: نقل ابن هبيرة وابن قدامة وابن المنذر اتفاق الفقهاء على أن الجزية لا تؤخذ من مجانين أهل الذمة، وذكر القرطبي أنه إجماع، لكن ابن رشدٍ ذكر خلافًا في المجنون، وذكر النووي نقلاً عن البيان وجهاً ضعيفاً للشافعية لأنه كالمريض والهرم، قال النووي: «وليس بشيءٍ»[ روضة الطالبين 10/299].

3- الذكورة: فجمهور الفقهاء على أن الجزية لا تضرب على نساء أهل الذمة.

4- الحرية: فجمهور الفقهاء على أن الجزية لا تؤخذ من عبيد أهل الذمة، وسواء كان العبد مملوكاً لمسلم أو كافر، وذهب أحمد في رواية عنه إلى أن العبد إذا كان مملوكاً لسيد كافر تؤخذ الجزية من سيده الكافر.

5- المقدرة المالية: اشترط بعض الفقهاء لوجوب الجزية على أهل الذمة المقدرة المالية، فلا تجب على الفقير العاجز عن العمل، وقد اتفق الفقهاء على أن الجزية توضع على الفقير المعتمل -المكتسب- وهو القادر على العمل، واختلفوا في الفقير غير المعتمل، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعي في قول غير مشهور له إلى أن الجزية لا توضع على الفقير غير المعتمل، وذهب الشافعية وأبو ثور إلى أن الجزية توضع على الفقير غير المعتمل كما توضع على الفقير المعتمل، إلا أن غير المعتمل تكون ديناً في ذمته حتى يوسر، فإذا أيسر طولب بما عليه من جزية.

6- اتفق الفقهاء على أن الرهبان المخالطين للناس، والمشاركين لهم في الرأي والمشورة والمكايد الحربية والفكرية تؤخذ منهم الجزية، وهم أولى بها من عوامهم، فإنهم رءوس الكفر، وهم بمنزلة علمائهم، واختلفوا في أخذ الجزية من الرهبان الذين انقطعوا للعبادة في الصوامع، ولم يخالطوا الناس في معايشهم ومساكنهم، فذهب أبو حنيفة في رواية القدوري ومالك وأحمد في روايةٍ والشافعي في أحد قوليه إلى أن الجزية لا تفرض عليهم، وسواء كانوا قادرين على العمل أم غير قادرين؛ لأن الرهبان لا يقتلون ولا يتعرض لهم فإذا كان الراهب لا يقتل فهو محقون الدم بدون عقد الذمة، والجزية إنما وجبت لحقن الدم، فلم تجب عليه، كما لا تجب على الصبي والمرأة ؛ وذهب أبو حنيفة في روايةٍ نقلها عنه محمد بن الحسن، وهو قول أبي يوسف وأحمد في روايةٍ إلى أن الجزية توضع على الرهبان إذا كانوا قادرين على العمل، وذهب الشافعي في القول المعمول به عند الشافعية وأبو ثورٍ إلى أن الجزية تجب على الرهبان الذين ينقطعون للعبادة في الأديرة والصوامع، سواء أكانوا موسرين أو غير موسرين، قادرين على العمل أم غير قادرين .

7- السلامة من العاهات المزمنة: إذا أصيب المطالب بالجزية بعاهةٍ مزمنةٍ، كالمرض، أو العمى، أو الكبر المقعد عن العمل والقتال فقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية منه، فظاهر الرواية عند الحنفية ومذهب أحمد والشافعي في أحد قوليه: أن الجزية لا تؤخذ من هؤلاء ولو كانوا موسرين، وذهب المالكية وأبو يوسف من الحنفية إلى أن الجزية تؤخذ من الزمنى والعميان والشيوخ الكبار إذا كان لهم مال، ومذهب أبي ثورٍ أن الجزية تؤخذ من المصابين بالعاهات المزمنة، ولو لم يكونوا موسرين، انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، 15/175-182.

(23) الأحكام السلطانية، 1/165، وانظر لما بين القوسين المربعين الموسوعة الفقهية الكويتية, 7 / 123.

(24) أما الدير فللنصارى خاصة يبنونه للرهبان خارج البلد يجتمعون فيه للرهبانية والتفرد عن الناس، وأما القلاية فيبنيها رهبانهم مرتفعة كالمنارة والفرق بينها وبين الدير أن الدير يجتمعون فيه والقلاية لا تكون إلا لواحد ينفرد بنفسه ولا يكون لها باب بل فيها طاقة يتناول منها طعامه وشرابه وما يحتاج إليه، أحكام أهل الذمة، 3/1171.

(25) البَاعُوثُ: اسْتِسْقاءُ النَّصَارَى وهو اسمٌ سُرْيَانيّ، انظر: تاج العروس، 5/171.

(26) الشعانين: عيد مسيحي يقع يوم الأحد السابق لعيد الفصح يحتفل فيه بذكرى دخول السيد المسيح بيت المقدس، انظر: المعجم الوسيط، 1/485.

(27) انظر: المغني لابن قدامة ، 9/282، والموسوعة الفقهية الكويتية، 7 / 123.

(28) شرح مختصر خليل للخرشي، 15 / 62.

(29) لسان العرب، 3/313.

(30) أخرجه أبو داود، 2 / 92 برقم: 2760، والنسائي، 8/ 24 برقم: 4747، وأحمد، 5/ 36 برقم: 20393، صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 318 برقم: 2453.   

(31) عون المعبود، 7/313.

(32) نيل الأوطار، 7/155، والمعاهدة ميثاق يكون بين اثنين أو جماعتين، وفي القانون الدولي: اتفاق بين دولتين أو أكثر لتنظيم علاقات بينهما، و العهد الأمان واليمين والموثق والذمة والحفاظ والوصية، انظر: مختار الصحاح، 1/192، والمعجم الوسيط، 2/634.

(33)- الدر المختار، 4/166، بتصرف.

(34) فقه السنة، 2 / 697.

(35) موسوعة الفقه الكويتية، 42 / 198، وانظر: الأراك مجموع فتاوى البراك، 1 / 22، وموقع: http://www.paldf.net.

(36) نقلاً عن شبكة فلسطين للحوار: http://www.paldf.net/forum/showthread.

(37) أخرجه البخاري، 6/ 2614 برقم: 6731.  

(38) أخرجه مسلم، 1/ 125 برقم: 142.

(39) أشباه ونظائر السيوطي، 1/121، وشرح القواعد للزرقا، 1/309، وقواعد الفقه للبركتي، 1/70، والمنثور للزركشي، 1/309.