بسم الله الرحمن الرحيم
فتوى الزواج بدون إذن الولي
السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته...
أريد
أن استفتي عن هذا السؤال التالي:
أنا شاب أريد أن أتزوج، واخترت البنت التي أريدها
لي كزوجة ورفيقة عمري، فقدمت أمي ودخلت أمي بيتهم، ووافقت على البنت التي اخترتها،
وفتحت أمي الموضوع لأم هذه البنت، فلم تجب عنها برد مقنع، ووصل لنا ردٌ منهم: أننا
لا نعرفهم، وأننا لا نحب أن يتقدم لنا واحد لا نعرفه، وقالوا: الذي يريد أن يتقدم فليقدم
رجالاً وليس نساءاً، وبعدها بفترة جاوزت الشهر، أخذت رقم والدهـا، فقام عمي واتصل بوالدها،
وحكى معه عن أصلنا وفصلنا وكل شي، وقال له: إذا في نصيب ردني خبر على رقمي هذا، فتعنت
أبو البنت بعدم الرد، ولا حتى يقول: لا أو نعم، ويقول: هو حر، ما يرد على أحد،
والبنت كانت موافقة، وقالت: لأبيها لماذا لا تردهم، إذا كان تريد رأيي، أنا موافقة
عليه، فعاند الأب على كلام البنت، ورجعتُ لأبيها مرة أخرى فما كان منه إلا العناد،
والبنت موافقة وراضية وبالغة، وقد وصلني اتصال من البنت، وقالت لي رأيها، وأنها موافقة
لكن أبوها واقف بطريقنا، حيث أنه لا يوجد عيوب ذكرها الوالد فيّ، لكن من باب
العناد، وأنا موظف بمحل، ومعي شقة من نصيبي في بيتنا، حيث وقد توفي والدي وورث لنا
بيت من ثلاثة أدوار، ومعي ما أتحمل به المسؤولية، حيث وأنا معي نصف سيارة أجرة،
تجيب لي بالشهر 30000 غير شغلي، وأنا انتهيت من الدراسة وبقي لي أن أنتهي من الجامعة،
ومستعد لمصاريف الزواج والبنت تريدني، وأنا أريدها، والبنت من معاملة أبوها لها
مستعدة حتى أنها تهرب معي لنتزوج، وأنا أريد رائيكم، كما أن البنت رافضة أن تأخذ
غيري، ودخلت في مشاكل مع أبيها ويتعامل معها تعامل الجلاد للمجرمين، والبنت تطلب
مني أن آخذها بأسرع وقت، ولا أريد أن آخذها إلا بالذي يرضي الله تعالى، وبحسب
الشريعة الإسلامية.
أرجو منكم غاية الرجاء ألا تتأخروا عني بالرد،
وجزاكم الله ألف خير، وأتمنى لكم الأجر والثواب في الدنيا والآخرة.
الجواب والله الموفق للصواب:
أولاً: لا يجوز
لك أخي السائل الكريم الاستمرار في التواصل مع هذه البنت، بعد أن لم يتم قبول الخطبة،
لأن في استمرار تواصلك معها إفساد لها على أبويها، وإيقاع لها في عقوقهما، وهذا من
الكبائر كما في حديث أنس - رضي الله عنه - قال: سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم –
عن الكبائر، قال:" الإشراك بالله، وعقوق
الوالدين، وقتل النفس وشهادة الزور "(1)،
وفي رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال:" كنا عند رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - فقال:" ألا أنبئكم بأكبر
الكبائر؟ ثلاثاً، الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، أو قول الزور،
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – متكئاً، فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا:
ليته سكت "(2).
ثانياً: إنه لا
يجوز للمرأة أن تزوج نفسها، إلا أن يزوجها وليها، فإن أنكحت نفسها بغير إذنها
وليها فنكاحها باطل، فعن عائشة – رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -:" أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها
فنكاحها باطل " ثلاث مرات " ثم قال:" فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له "(3)،
وعن أبي موسى – رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: " لا نكاح إلا بولي "(4).
ومما لا شك
فيه هنا في هذه المسألة أن ولي المرأة هو والدها بإجماع أهل العلم، وهو الأحق
بتزويج ابنته دون غيره، ولا يحق لأحد أن يزوج هذه البنت غير والدها، إلا القاضي
الشرعي إن ثبت أن والدها عاضل لها.
ثالثاً:
إذا كان والد البنت متعنت في زواج ابنته، من دون أن يكون له مسوغ أو مبرر شرعي فهو
آثم؛ لقوله تعالى:﴿ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ﴾
[البقرة:232] والنهي عن العضل يدل على تحريمه؛ لأن الأصل في النهي هو التحريم، كما
هو مقرر في موضعه من علم أصول الفقه، ومقتضى جعل الإسلام الولاية للأب أن ينظر في
مصالح أولاده، وأن يرعى شئونهم، والعضل في النكاح مناقض لهذه الحكمة لأن زواج البنت
من الكفء المتقدم لها مصلحة لها، وقد ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما – قال: سمعت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول:" كلكم
راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله، وهو
مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في
مال سيده ومسئول عن رعيته "
(5)،
فعلى الأب أن يتقي الله ربه، فلا يمنع تزويج ابنته إلا بمبرر شرعي.
رابعاً: لا
يجوز لك الهروب بهذه الفتاة والزواج بها من غير إذن والدها، بأي حال من الأحوال
حتى لو كان والدها متعنتاً، ولكن الطريق الشرعي لك وللبنت، حتى يتم هذا الزواج في
حالة تعنت الوالد هو أن ترفع البنت دعوى قضائية على والدها أنه عاضل لها، فإذا رأى
القاضي أن الوالد متعنت، تولى القاضي تزويجها بنفسه، وإذا رأى أن لوالدها مبرراً
شرعياً على الامتناع، فليس له أن يجبره على هذا النكاح، وليس عليكما إلا أن ترضيا
بقضاء الله وقدره، وقد قال تعالى:﴿ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيرا كثيراً ﴾ [النساء:19]، أما أن تهرب بهذه
البنت وتتزوجها، فهذا مما لا يجوز قطعاً، وهو من عظائم الأمور، وإذا كان المرء لا
يرضى أن يحصل مثل هذا مع ابنته أو أخته... فكيف يرضاه لغيره، ولك أن تضع نفسك في
مكان أبيها، وانظر كيف سيكون حالك إذا هربت ابنتك وتزوجت بدون رضاك، وكما قيل: من
هتك ستر الناس هُتِك ستره، ومن دقَّ بابهم دقُّوا بابه، وكما تدين تدان.
ثم لك أن
تنظر إلى امرأة سمحت لها أخلاقها أن تهرب من أبيها، وأن تعق والديها، وتتمرد
عليهما، هل ستمنعها أخلاقها أن تهرب منك، أو أن تعصيك وتتمرد عليك؟!! ومن خان حق
الأب والأم سيخون قطعاً حق الزوج والولد، ومن يهن يسهل الهوان عليه.
لا شك أن هذا الزواج الواقع بدون رضا الأب – وأمثاله - زواج قد حُكِم عليه بالفشل ابتداءً، قبل أن يقع.
والله
تعالى أعلى وأعلم وإليه المرجع والمآب، وسبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم
أجاب
عنه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي
بن عبد الرحمن بن علي دبيس
غفر
الله له ولوالديه ومشايخه في الدين
الأربعاء
- 26 ربيع الأول 1428 هـ، الموافق 2/4/2008م
(1)
- صحيح البخاري 2/939 برقم 2510.
(2)
- صحيح مسلم 1/91 برقم 143.
(3)
- سنن أبي داود 1/634 برقم 2083، سنن الترمذي
3/407 برقم 1102، قال الألباني: صحيح. انظر: صحيح أبي داود 2/393 برقم 1835.
(4)
- صحيح سنن الترمذي 3/407 برقم 1101، سنن أبي
داود 1/635 برقم 2085، قال الألباني: صحيح. انظر: صحيح أبي داود 2/393 برقم 1836.
(5) - صحيح البخاري 3/414 برقم 844، صحيح مسلم 9/352 برقم 3408.