بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفِطْر وأحكامه

 

الحمد لله رب العالمين الهادي إلى سواء السبيل أحمده واستعينه واستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ربي لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا إلى يوم الدين، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 102]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً[النساء: 1]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾[الأحزاب: 70-71].

أما بعد فإن من الفرائض التي  افترضها الله على عباده في هذه الشريعة الغراء صوم رمضان، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة الآية: 183]، فهو أحد أركان الإسلام فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، و إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان"(1)، فكان لزاماً على المسلم أن يتعلم من هذه الفريضة، وأن يعرف من أحكامها ما يصلح هذه العبادة وما يفسدها، حتى يكون أداؤه لها أداء صحيحا، يتقرب به إلى مولاه، ويفوز فيه برضاه، وفي هذا البحث سنتحدث عن أحكام الفطر، وسيكون السير فيه على النحو الآتي:

المبحث الأول: تعريف الفطر

المبحث الثاني: المفطرات

المبحث الثالث: المفطرون

المبحث الرابع: موانع الفطر المعتبرة  

 

المبحث الأول: تعريف الفِطْر

الفِطْرُ في اللغة: بكسر الفاء يطلق على: العنب إذا بدت رؤوسه، وعلى القطع ومنه يقال للصائم إذا أكل أو شرب أو تناول مفطِرا؛ لأنه يقطع صومه، ومنه قولهم دخل وقت الفطِر أي: قطع الصوم، وعلى الفتح والإبراز، وعلى الترك ومنه أفطر فلان إذا ترك الصوم(2).   

قال ابن فارس: «فطر: الفاء والطاء والراء أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه، من ذلك الفطر من الصوم، يقال أفطر إفطاراً وقوم فطر أي مفطرون »(3).

الفطر في الاصطلاح: يحصل بتناول شيء من الطعام أو الشراب أو الجماع أو سائر المفطرات، وعدم الإمساك عنها، مع عدم وجود المانع منه كالنسيان مثلاً، سواء تناول هو المفطر بالإدخال كالأكل والشرب، أو بالإخراج كالاستقاءة، أو طرأ عليه كحيض أو نفاس، ويمكن تعريف الفطر بأنه: « عدم الإمساك عن الطعام أو الشراب أو الجماع إمساكاً يعتبر به صائماً » (4).

المبحث الثاني: المفطرات

المفطرات جمع مفطر: وهي الأشياء التي يحصل بها فساد الصوم وانقطاعه وهي:

1،2- الأكل والشرب؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾[ البقرة: 187]، فمن أكل أو شرب في رمضان بعد طلوع الفجر الصادق -وهو الخيط الأبيض- المذكور في الآية ذاكراً لصومه فقد أفطر، ويلزمه القضاء.

3- الجماع: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا. قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق(5)  فيه تمر -والعرق المكتل- قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذ هذا فتصدق به فقال: الرجل أعلى أفقر مني يا رسول الله، فو الله ما بين لابتيها - يريد الحرتين(6)- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك"(7)، ولكل يوم حكمه من وجوب الكفارة إذا أفسده بجماع.

3- الحيض والنفاس: فعن معاذة رضي الله عنها قالت: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت:أحرورية(8)أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل. قالت: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"(9).

فدم الحيض أو النفاس إذا نزل أحدهما أثناء الصوم أفسده، ولو قبل الغروب بلحظات.

4- إنزال المني باستمناء، أو ضم، أو تقبيل، أو مباشرة، أو مداعبة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عز وجل الصوم لي وأنا أجزي به يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي والصوم جنة وللصائم فرحتان فرحة حين يفطر وفرحة حين يلقى ربه ولخلوف  فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"(10).

أما ما ذهب إليه الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى من أن الاستمناء لا يفسد الصوم(11)، فمخالف لما دلت عليه النصوص النبوية: كحديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق؛ لأن فيه: "يقول الله عز وجل الصوم لي وأنا أجزي به يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي"، فأي شهوة تركها من يستمني بيده، أو بزوجته، أو أمته، بضم، أو تقبيل، أو مباشرة ؟!

فإن قيل: المراد من قوله: "يدع شهوته" الجماع أي: أن يدع جماع زوجته، فهذا مردود بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله: إلا الصيام فهو لي و أنا أجزي به يدع الطعام من أجلي، و يدع الشراب من أجلي، ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان فرحة حين يفطر، وفرحة عند لقاء ربه"(12)، فعطف ترك الزوجة على ترك اللذة للدلالة على المغايرة، وأن المراد مطلق الإمساك عن شهوة الفرج فيستوي في ذلك الجماع والاستمناء بأي طريقة حصل فكلها مفسدة للصوم.

قال الإمام بدر الدين العيني: « قيل المراد بالشهوة في الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب، قلت: الشهوة أعم، فيكون من قبيل عطف العام على الخاص، ولكن قدم لفظ الشهوة سعيد بن منصور في الحديث المذكور آنفا، وكذلك من رواية الموطأ بتقديم الشهوة عليهما فيكون من قبيل عطف الخاص على العام، وفي رواية ابن خزيمة من طريق سهيل عن أبي صالح عن أبيه "يدع الطعام والشراب من أجلي، ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي"، وفي رواية أبي قرة من هذا الوجه "يدع امرأته وشهوته وطعامه وشرابه من أجلي"(13)، وأصرح من ذلك ما وقع عند الحافظ سمويه: "من الطعام والشراب والجماع من أجلي"»(14).

ما أشار إليه الإمام العيني من رواية الحافظ سمويه نصها: "كل حسنة يعملها ابن آدم فإنه تضاعف له ما بين العشرة أضعاف إلى سبع مئة ضعف إلا الصوم فإنه لا يدري أحد ما يقول فيه، يقول الله تعالى: يترك شهوته من الطعام والشراب والجماع وغض بصره وكف لسانه من أجلي، فالصوم لي وأنا أجزي به فرحتان للصائم فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه عز وجل..."(15)

قال الشيخ أحمد الخليلي: « بل لو قلنا بأنه استقر الإجماع العملي على أن الاستمناء ناقض للصوم لما أخطأنا؛ فإننا لم نعرف من المتقدمين من خالف في ذلك إلا ابن حزم -رحمه الله تعالى-»(16).

قال الشيخ محمد رفيع العثماني: «وقول ابن حرم قول شاذ، والجمهور على خلافه»(17).

5- الردة: لقوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[ الزمر: 65]

6- القيء عمداً لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء"(18).

وللعلماء في القيء ثلاثة أقوال:

الأول: القيء يفطر مطلقاً قاء عمداً أو ذرعه القيء، وبه قال ربيعة، ودليله: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر"(19).

الثاني: القيء لا يفطر مطلقاً قاء عمداً أو ذرعه القيء، وهو مروي عن ابن عباس، وابن مسعود رضي الله عنهم، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث لا يفطرن الصائم: القيء، والاحتلام، والحجامة"(20)، ولأن الفطر بما يدخل لا بما يخرج.

الثالث: التفريق بين القيء عمداً –الاستقاءة- وبين من غلبه القيء، فالأول يفطر، والثاني لا يفطر، وهو قول الجمهور، ودليلهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء"، ولأن ذرع القيء مما لا يُمكن التحرز عنه بل يأتيه على وجه لا يمكنه دَفعه فأشبه الناسي(21).

الراجح: والذي يترجح في هذه المسألة هو القول الأخير؛ لأن حديث: "من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء" قد صح عند جماعة من أهل الحديث، وهذا الحديث عليه العمل عند أكثر أهل العلم(22)، ومن ذرعه القيء غير قاصد أن يدخل الفساد على صومه إذ أن غلبة القيء مما لا يمكن الاحتراز منها؛ لأنه شيء يغلبه بخلاف من استقاء عمداً؛ لأنه يمكنه الاحتراز منه، وقياساً على من أكل أو شرب ناسياً فإنه لم يقصد تعاطي ما يفسد صومه، وكذلك من غلبه القيء، ولأن الجمع بين الأدلة أولى من إهمال أحدها(23) فقوله: "قاء فأفطر" أي قاء عمداً وقوله: "ثلاث لا يفطرن الصائم القيء..." أي: إذا غلب الصائم، وبهذا يزول الإشكال، ومما يستأنس به في الترجيح: ترجيح كثير من أهل الحديث له واضح جداً من خلال تراجمهم، فإذا نظرت في كتبهم وجدتهم إذا ذكروا أحاديث عدم الفطر بالقيء ترجموا لها بمن يغلبه القيء، وإذا ذكروا أحاديث الفطر بالقيء ترجموا لها بمن تعمده.


 

المبحث الثالث: المفطرون

المفطرون ثلاثة أقسام:  

القسم الأول: من يجوز له الإفطار وهم:

1،2- المريض والمسافر؛ لقوله تعالى: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[ البقرة: 184]، فقد نصت هذه الآية على جواز فطرهما، ويقضيان أياما أُخرى بدل التي أفطراها؛ لأن المرض والسفر من أسباب التخفيف، ولبيان وتفصيل الحكم في صوم المسافر والمريض، أعقد هذان المطلبان:

المطلب الأول:حكم صيام المريض

أولاً: المرض في اللغة: يطلق على: السقم، وإظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها، وعلى الضعف والوهن، وعلى النقص، وعلى الفتور، وعلى كل ما خرج به الإنسان عن الصحة، وعلى الانحراف عن الصواب، وعلى الشك؛ لأن المريض جسده متردد بين الهلاك والمعافاة(24).

المرض اصطلاحاً: هو ضعف في القوى يترتب عليه خلل في الأفعال، أو خروج البدن عن الاعتدال الخاص(25)، أو فساد المزاج، وسوء الصحة بعد اعتدالها، ومنه قولة تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾[ الشعراء: 80](26).

ثانياً: أحوال المرضى

المرضى لهم أحوال فليس كل المرضى على حالة واحدة:

الحالة الأولى: مريض لا يستطيع الصوم ولا يطيقه بحال من الأحوال؛ لمرض يُرجى برؤه، فهذا يُفطر، ويقضي إذا شُفي من مرضه؛ لقوله عز وجل: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾[ البقرة: 185] .

الحالة الثانية: مريض لا يستطيع الصوم ولا يطيقه بحال من الأحوال؛ لمرض لا يُرجى برؤه، بإخبار الطبيب الحاذق الثقة المأمون، وقال جماعة لابد أن يكون مسلما، أو بالعرف المتعارف عليه بأن هذا المرض مزمن لا يرجى برؤه، فهذا يُفطِر، وعليه الفدية يُطعم عن كل يوم مسكينا.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:  «ومن لا يقدر على الصوم بحال وهو الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم، والمريض الذي لا يرجى برؤه، فإنه لا يجب عليهما الصوم؛ لقوله عزوجل: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾[ الحج: 87]، وفي الفدية قولان: أحدهما: لا تجب؛ لأنه سقط عنه فرض الصوم فلم تجب عليه الفدية كالصبي والمجنون، والثاني: يجب عليه عن كل يوم مد من طعام، وهو الصحيح»(27)، ودليل وجوب الفدية ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أنه ضعف قبل موته فأفطر وأمر أهله أن يطعموا مكان كل يوم مسكينا» (28)، وفي رواية: « أن أنساً رضي الله عنه ضعف عن الصوم قبل موته عاما فأفطر وأطعم كل يوم مسكينا »(29)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «من أدركه الكبر فلم يستطع صيام شهر رمضان فعليه لكل يوم مد من قمح»(30)، وفي الحديث: "رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما مكان كل يوم مسكينا ثم نسخ ذلك في هذه الآية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[البقرة: 185]، وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحامل و المرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينا"(31)، وإثبات الإطعام قد أخرجه أبو داوود في حديث طويل وفيه: "وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم "(32).

قال الإمام البخاري: « وقال عطاء: يفطر من المرض كله كما قال الله تعالى، وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما: تفطران ثم تقضيان، وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام فقد أطعم أنس بعد ما كبر عاماً أو عامين كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً وأفطر»(33).

الحالة الثالثة: مريض يستطيع الصوم و يطيقه ولكن يلحقه بسببه مشقة وضرر فيرخص له بأن يفطر؛ لأن الضرر يزال(34)، والمشقة تجلب التيسير.

 قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: «للمريض حالتان: إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجبا، الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل»(35)، وقال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: «قيل للمريض حالتان: إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة، وإن كان يطيقه مع تضرر ومشقة كان رخصة وبهذا قال الجمهور »(36).

الحالة الرابعة: المريض الذي يخاف من زيادة المرض أو طوله أو بطء برئه أو ضرر فيجوز له الفطر.

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: «وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه، أو يخاف تماديه، أو يخاف تزيده صح له الفطر»(37).

الحالة الخامسة: المريض مرضاً يسيراً لا يلحقه فيه ضرر ولا مشقة كوجع الضرس أو الأصبع أو الصداع الخفيف فيجب عليه الصوم ولا يجوز له الفطر؛ لعدم وجود ما يبيح له الترخص؛ لأن الله عز وجل عندما رخص للصائم في الفطر ذكر العلة بقوله  عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾[ البقرة: 185]، فأي تيسير يحصل لمن مرضه يسير ولا يحصل به أدنى الضرر الذي يُزال، ولأنه شاهد للشهر لا يؤذيه الصوم فلزمه كالصحيح، قال الإمام النووي: « وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا خلافاً لأهل الظاهر»(38)، وقال ابن قدامة: « والمرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه»(39). 

 


 

المطلب الثاني: صيام المسافر

أولاً: تعريف السفر

السفر لغة: قطع المسافة البعيدة، والانكشاف والجلاء وسمي السفر بذلك؛ لأن الناس ينكشفون عن أماكنهم(40).

السفر اصطلاحاً: الخروج للارتحال عن بيوت المصر على قصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فما فوقها بسير الإبل ومشي الأقدام(41).

ثانياً: الصوم في السفر

قال الله تعالى: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[ البقرة: 184]، فهذه الآية نص  على جواز فطر المسافر، ويقضي أياماً أُخرى بدل الأيام التي أفطرها حال سفره، وإن صام صح صومه وسقط عنه الفرض، وهو الذي عليه جماهير علماء الأمة من المتقدمين والمتأخرين خلافاً لأهل الظاهر الذين يرون أن فرض الصائم أياماً أخرى غير رمضان، وعليه لو صام في السفر فلا يجزئه ذلك تمسكاً منهم بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ والراجح هو الذي عليه جماهير علماء الأمة من المتقدمين والمتأخرين؛ لأن تقدير الآية فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أُخر هذا أولاً، أما ثانياً: فالأحاديث الدالة على ذلك ومنها حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله في سفر في شهر رمضان، فلما غابت الشمس قال: "يا فلان انزل فاجدح(42)لنا، قال: يا رسول الله إن عليك نهارا، قال: انزل فاجدح لنا، قال: فنزل فجدح فأتاه به فشرب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال بيده: إذا غابت الشمس من هاهنا، وجاء الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم"(43)، ومعنى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا صياماً، وكان ذلك في شهر رمضان، فلما غربت الشمس أمره النبي صلى الله عليه وسلم  بالجدح؛ ليفطروا، فرأى المخاطب آثار الضياء والحمرة التي بعد غروب الشمس فظن أن الفطر لا يحل إلا بعد ذهاب ذلك، واحتمل عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرها، فأراد تذكيره وإعلامه بذلك، ويؤيد هذا قوله: "إن عليك نهارا" لتوهمه أن ذلك الضوء من النهار الذي يجب صومه، وهو معنى: "لو أمسيت" أي: تأخرت حتى يدخل المساء(44)، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم صائم هو وأصحابه في السفر، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسنا"(45).

أما قوله صلى الله عليه وسلم: "أولئك العصاة أولئك العصاة"(46)، فهذا في حق من يلحقه المشقة والضرر في الصوم في السفر، أو كانوا قد أمروا بالفطر ذلك الوقت أمراً جازماًً؛ لبيان الرخصة والجواز، فلما أبو سماهم عصاة، أو كانوا في غزو فيكون الفطر أقوى لمواجهة العدو، فهو يختلف باختلاف الحال، والسفر المبيح للفطر هو الذي تقصر فيه الصلاة.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «"أولئك العصاة أولئك العصاة" هكذا هو مكرر مرتين وهذا محمول على من تضرر بالصوم، أو أنهم أمروا بالفطر أمرا جازما لمصلحة بيان جوازه فخالفوا الواجب، وعلى التقديرين لا يكون الصائم اليوم في السفر عاصياً إذا لم يتضرر به، ويؤيد التأويل الأول قوله في الرواية الثانية: "إن الناس قد شق عليهم الصيام"(47)»(48).

3- الكبير العاجز عن الصوم: لما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما بأنه كان يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾[ البقرة: 184] قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا»(49)، فمن عجز عن الصوم سقط عنه وعليه الفدية يطعم عن كل يوم مسكينا.

ولحديث أنس بن مالك «أنه ضعف قبل موته فأفطر وأمر أهله أن يطعموا مكان كل يوم مسكينا»(50)، وفي رواية: «أن أنسا رضي الله عنه ضعف عن الصوم قبل موته عاما فأفطر وأطعم كل يوم مسكينا»(51)، وعن أبي هريرة قال: «من أدركه الكبر فلم يستطع صيام شهر رمضان فعليه لكل يوم مد من قمح»(52)، وفي الحديث الآخر: "رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما مكان كل يوم مسكينا ثم نسخ ذلك في هذه الآية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾[ البقرة: 185] وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم والحامل و المرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينا"(53).

أما مقدار الإطعام فمختلف فيه بين الفقهاء: فعند الشافعية مد من طعام و سواء في الطعام البر والتمر والشعير وغيرها من أقوات البلد، وعند الحنفية يجب لكل يوم صاع(54) تمر أو نصف صاع حنطة، وعند الحنابلة مد حنطة، أو مدان من تمر أو شعير(55).

وسئل الشيخ العلامة محمد بن إسماعيل العمراني: ما مقدار ما يطعم به المسكين عن كل يوم ؟

[فأجاب قائلا:]«تقدر بحسب الأسعار فيقدر قيمة وجبتين في اليوم: إما أن يقدر قيمة الغداء والعشاء، أو قيمة الغداء والصبوح، مما يباع في المطاعم من متوسط ما يأكله غالب الناس، وكل وقت بحسبه»(56).

4، 5- الحامل و المرضع إذا خافتا على أنفسهما تفطران؛ لحديث: "إن الله تعالى وضع شطر الصلاة أو نصف الصلاة والصوم عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى"(57) أي: ووضع الصوم عن المرضع أو الحبلى وتقضيان، وإن خافتا على ولديهما تفطران وتقضيان، قال الإمام البخاري: « وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما: تفطران ثم تقضيان»(58)، وفي إطعام مسكين عن كل يوم مع الصيام خلاف بين الفقهاء، فقال بالإطعام الحنابلة(59)، وهو الصحيح عند الشافعية(60)، ولا يلزم الإطعام عند الأحناف(61).


 

القسم الثاني: من يجب عليه الإفطار ويحرم عليه الصوم:

1،2- الحائض والنفساء: لحديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم فذلك نقصان دينها"(62).

وهنا لابد للمرأة أن تتنبه؛ لأن بعض النساء ربما تظن أن الإفطار للحائض من باب الرخص لا العزائم فلربما صامت جهلاً منها بالحكم فتقع في إثمين: إثم الوقوع في الحرام بصومها وهي حائض أو نفساء، وإثم ترك الواجب لظنها أنها قد صامت وسقط عنها الوجوب فلا تقضي مع أن صومها لم يصح.

3- من كان الصوم يضره ضرراً كبيراً، قد يؤدي إلى تلف نفسه أو عضو من أعضائه؛ لأن نفسه ليست ملكاً له فلا يجوز السعي في إتلافها، ولكن هذا لا يثبت إلا بقول الأطباء العدول الحاذقين.

القسم الثالث: من يحرم عليه الفطر ويجب عليه الصوم: وهو كل مسلم، بالغ، عاقل، صحيح غير مريض، مقيم غير مسافر، قادر على الصوم، مع سلامة المرأة من الحيض أو النفاس؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[ البقرة: 183] ، وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[ البقرة : 185].

 قال ابن حزم رحمه الله تعالى: «اتفقوا على أن صيام نهار رمضان على الصحيح المقيم العاقل البالغ الذي يعلم أنه رمضان, وقد بلغه وجوب صيامه وهو مسلم وليس امرأة لا حائضا ولا حاملا ولا مرضعا ولا رجلا أصبح جنبا(63)، أولم ينوه من الليل، فرض مذ يظهر الهلال من آخر شعبان إلى أن يتيقن ظهوره من أول شوال، وسواء العبد والحر، والمرأة والرجل، والأمة والحرة، وذات زوج أو سيد...»(64).

 

المبحث الرابع: موانع الفطر المعتبرة

أولاً: تعريف مانع الفطر

مانع الفطر أو مانع بطلان الصوم: هو ما اعتبره الشرع مانعاً من اعتبار الصوم باطلاً بالرغم من طروء المفسد عليه و المبطل له(65).

ثانياً: العوارض المانعة من الفطر

العوارض التي بحث الفقهاء في كونها مانعة من الفطر أو غير مانعة ثمانية:

النسيان، الغلبة(66)[ما لا يمكن الاحتراز منه]، والإكراه، والخطأ، والنوم، والإغماء، والجنون، والجهل بالتحريم(67).

ثالثاً: تفصيلها عند فقهاء المذاهب

أ- الحنفية: المعتبر عندهم منها ثلاثة فلا يفسد بها الصوم وهي:

1- النسيان: يستوي في ذلك الأكل والشرب والجماع ناسيا، والنفل والفرض فيه سواء.

2- الغلبة: كأن يدخل الغبار أو الدخان حلق الصائم لم يضره؛ لأنه لا يستطاع الامتناع منه.

3- الجهل بالتحريم في دار الحرب من مسلم لم يهاجر؛ لأن الخطاب النازل خفي فيصير الجهل به عذراً؛ لأنه غير مقصر، أما إذا انتشر الخطاب في دار الإسلام فقد تم التبليغ من صاحب الشرع فمن جهل من بعد فإنما أُتي من قبل تقصيره لا من قبل خفاء الدليل فلا يعذر.

ولم يعتبروا غيرها مانعاً للفطر إلا الاحتلام في النوم فقط؛ لأنه داخل في الغلبة فيكون عفواً (68).

ب- المالكية: اعتبر فقهاء المالكية من هذه الموانع الاحتلام في النوم؛ والغلبة في بعض الوجوه التي لا يمكن الاحتراز عن أسبابها كالذباب يطير إلى الحلق، وغبار الطريق لم يفطر، والنسيان عندهم معتبر في صوم النفل فقط فلا يفسد صوم النفل به(69)خلافاً للفرض فيفسد بتناول المفطرات ولو نسياناً، والنسيان في صوم الفرض رافع للكفارة فقط، فمن أكل أو شرب أو جامع ناسيا في رمضان فعليه القضاء في قول مالك.

أما الإغماء والجنون: فصحة الصوم تتوقف على العقل فلا يصح الصوم من مجنون وعليه قضاء ما جن فيه ولو سنين كثيرة، فإذا جن الصائم أو أغمي عليه مع الفجر فعليه القضاء؛ لعدم صحة صومه؛ لزوال عقله وقت النية، بخلاف ما لو كان مجنونا أو مغمى عليه قبل الفجر وأفاق وقت الفجر فلا قضاء عليه؛ لسلامته وقت النية، كما يلزمه القضاء إن جن أو أغمي عليه بعد الفجر كل يومه أو جله، ولا قضاء عليه إن أغمي عليه بعد الفجر نصف يومه أو أقل من النصف(70).

ج- الشافعية: أما الجنون: فإن نفس الجنون مفطر عندهم فلو طرأ عليه في أثناء النهار جنون بطل صومه(71)، وأما الباقية فأربعة منها تمنع من الفطر مطلقاً ولا يفسد معها الصوم وهي:

1- النسيان: يستوي في ذلك الأكل والشرب والجماع أو غير ذلك من منافيات الصوم سواء قل ذلك أم كثر.

2- الغلبة: كمن طارت ذبابة فوقعت في جوفه بغير اختياره.

3- النوم: كما إذا احتلم أو جومعت نائمة فلا تفطر، أما لو استدخلت ذكره نائما أفطرت هي دونه.

4- الإغماء: لو كان مغما عليه وقد نوى من الليل وأفاق في بعض النهار فأوجره غيره شيئا في حال إغمائه لغير المعالجة لم يبطل صومه، وإن أوجره معالجة وإصلاحا له فهل يفطر؟ فيه وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين أصحهما:لا يفطر(72).

وأما الثلاثة المتبقية ففيها التفصيل على النحو التالي:

أما الإكراه: فإن فُعِل ذلك به بغير اختياره بأن أوجر الطعام في حلقه مكرها لم يبطل صومه، وإن شد امرأته ووطئها وهي مكرهة لم يبطل صومها، وإن أكره حتى أكل بنفسه أو أكرهت المرأة حتى مكنت من الوطء فوطئها ففيه قولان مشهوران:

أحدهما: يبطل الصوم؛ لأنه فعل ما ينافي الصوم لدفع الضرر وهو ذاكر للصوم فبطل صومه كما لو أكل لخوف المرض أو شرب لدفع العطش.

والثاني: لا يبطل ؛لأنه وصل إلى جوفه بغير اختياره فأشبه إذا أوجر في حلقه والأصح لا يبطل، وصوبه النووي (73).

وأما الجهل بالتحريم: فإذا أكل الصائم أو شرب أو جامع جاهلاً بتحريمه فإن كان قريب عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة بحيث يخفى عليه كون هذا مفطرا لم يفطر؛ لأنه لا يأثم فأشبه الناسي الذي ثبت فيه النص، وإن كان مخالطاً للمسلمين بحيث لا يخفى عليه تحريمه أفطر؛ لأنه مقصر(74).

وأما الخطأ: فإن أكل الصائم أو جامع وهو يظن أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع، أو يظن أن الشمس قد غربت ولم تغرب لزمه القضاء فلا يعتبر مثل هذا مانعاً من فساد الصوم, ومن دخل الماء إلى جوفه في المضمضة والاستنشاق بالخطأ فثلاثة أقوال أصحها: إن بالغ أفطر وإلا فلا، والثاني: يفطر مطلقا، والثالث: لا يفطر مطلقا، والخلاف فيمن هو ذاكر للصوم عالم بالتحريم، فإن كان ناسيا أو جاهلا لم يبطل،  ولو سبق الماء من غسل تبرد أو من المضمضة في المرة الرابعة قيل: إن بالغ أفطر وإلا فهو مرتب على المضمضة وأولى بإبطال الصوم؛ لأنه غير مأمور به، واختار النووي في الرابعة الجزم بالإفطار؛ لأنها منهي عنها(75).

د- الحنابلة: أما الجنون: فقد جاء في المغني: «الثالث: الجنون فحكمه حكم الإغماء، إلا أنه إذا وجد في جميع النهار لم يجب قضاؤه... وأما إن أفاق في بعض اليوم فلنا منع في وجوبه وإن سلمناه فإنه قد أدرك بعض وقت العبادة فلزمه كالصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم في بعض النهار وكما لو أدرك بعض وقت الصلاة»(76).

وأما الجهل: فالصحيح من المذهب أَن الجاهل بالتحريم يفطر بفعل المفطِرات(77).

أما الستة الباقية فثلاثة مانعة من الفطر مطلقاً فلا يفسد معها الصوم وهي: الغلبة: كأن طار إلى حلقه ذباب أو غبار لم يفسد صومه هذا المذهب، والنوم: كأن يفعل شيئا من ذلك وهو نائم لم يفسد صومه؛ لأنه لا قصد له، ولا علم بالصوم، فهو أعذر من الناسي، والإغماء فمتى أفاق المغمى عليه في جزء من النهار صح صومه سواء كان في أوله أو آخره، ولو أوجر المغمى عليه لأجل علاجه لم يفطر على الصحيح من المذهب(78).

وأما النسيان والإكراه: فمانعان من الفطر مطلقاً في غير الجماع سواء أكره على الفطر حتى فعله بنفسه أو فُعل به ذلك لم يفسد صومه(79).

وفي الجماع مكرهاً أو ناسياً عن الإمام أحمد روايات ثلاث:

الأولى: أنه يفطر وعليه القضاء والكفارة، وهو الصحيح في المذهب، سواء أكره على الجماع حتى فعله أو فعل به، والثانية: أن عليه القضاء لا الكفارة، والثالثة: لا قضاء عليه ولا كفارة؛ لعدم فساد الصوم بهما، وهو اختيار ابن تيمية رحمه الله تعالى(80).

وأما الخطأ: فمانع إذا لم يوجد إسراف ولا مبالغة من الصائم في المضمضة و الاستنشاق، لأنه وصل إلى حلقه من غير إسراف ولا قصد فأشبه ما لو طارت ذبابة إلى حلقه وبهذا فارق المتعمد، فأما إن أسرف فزاد على الثلاث أو بالغ في الاستنشاق فقد فعل مكروها لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة رضي الله عنه: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما"(81)، ولأنه يتعرض بذلك لإيصال الماء إلى حلقه، فإن وصل إلى حلقه فقد قال أحمد: يعجبني أن يعيد الصوم وهل يفطر بذلك ؟ على وجهين: أحدهما: يفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن المبالغة حفظا للصوم فدل ذلك على أنه يفطر به، ولأنه وصل بفعل منهي عنه فأشبه التعمد، والثاني: لا يفطر به؛ لأنه وصل من غير قصد فأشبه غبار الدقيق إذا نخله، وأما المضمضة لغير الطهارة فإن كانت لحاجة كغسل فمه عند الحاجة إليه ونحوه فحكمه حكم المضمضة للطهارة وإن كان عابثاً أو تمضمض من أجل العطش كره، وسئل أحمد عن الصائم يعطش فيتمضمض ثم يمجه؟ قال: يرش على صدره أحب إلي.

فإن فعل فوصل الماء إلى حلقه أو ترك الماء في فيه عابثا أو للتبرد فالحكم فيه كالحكم في الزائد على الثلاث لأنه مكروه.

   وإن أكل معتقدا أو ظانا أنه ليل فبان نهارا في أوله أو آخره كمن يعتقد أن الشمس غابت ولم تغب أو أن الفجر لم يطلع وقد طلع فعليه القضاء؛ لأن الله تعالى أمر بإتمام الصوم(82).

إعداد/ محمد نعمان البعداني

24/شعبان/1430هـ، الموافق له: 15/8/2009م

***


(1) أخرجه البخاري، 1/ 12 برقم: 8، ومسلم، 1/45 برقم 16.

(2) انظر: وانظر العين،  7/ 418، وتاج العروس، 7 /350. 

(3) معجم مقاييس اللغة، 4/510.

(4) معجم لغة الفقهاء.

(5) العرق: بفتحتين ضفيرة تنسج من خوص وهو المكتل والزبيل ويقال إنه يسع خمسة عشر صاعا، والمكتل بكسر الميم الزنبيل، وهو ما يعمل من الخوص يحمل فيه التمر وغيره. المصباح المنير، 2/405و525.

(6) اللابة: الحرة وهي الأرض ذات الحجارة السود والجمع (لاب) انظر المصدر السابق، 2/560.

(7) رواه البخاري، 2/684 برقم: 1884، ومسلم، 2/781  برقم: 1111.

(8) نسبة إلى حروراء، قيل هي قرية بظاهر الكوفة،وقيل موضع على ميلين منها نزل به الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب فنسبوا إليها. معجم البلدان، 2/245. 

(9) رواه البخاري 1/122، برقم: 315، ومسلم، 1/265 برقم: 335.

(10) سبق تخريجه ص 24.

(11) المحلى، 6/203.

(12) رواه ابن خزيمة في صحيحه، 3/197برقم: 1897 قال الأعظمي: «إسناده صحيح»، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 1/237 برقم: 978.

(13) رواه الطبراني في المعجم الأوسط، 9/ 30 برقم: 9042.

(14) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 10/259.

(15) تالي تلخيص المتشابه، 1/342.

(16) مجلة مجمع الفقه الإسلامي ص426، الدورة العاشرة، العدد العاشر، الجزء الثاني،1418هـ ـ 1997م

(17) ضابط المفطرات في مجال التداوي ص 97.

(18) رواه الترمذي، 3/98 برقم: 720، وابن ماجه، 1/536 برقم: 1676، وأحمد /498 برقم: 10468، وموطأ الإمام مالك رواية يحيى الليثي، ص215، من كلام ابن عمر، صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة، 2/67 برقم: 1368.

(19) رواه أبو داود، 1/725 برقم: 2381، والترمذي، 3/98 برقم: 720، وأحمد، 5/195برقم: 21748، وابن حبان, 3/377 برقم: 1097، والنسائي في الكبرى، 2/213 برقم: 3120، قال الألباني: «والاضطراب الذي وقع في سنده لا يعله؛ لأن حسينا المعلم قد جوده كما قال الترمذي وأحمد»، انظر: تمام المنة ص111، وصححه في صحيح أبي داود، 2/ 452 برقم: 2085. 

(20) رواه الترمذي، 3 /97 برقم: 719، وقال: «حديث أبي سعيد الخدري حديث غير محفوظ»، والدارقطني, 2/183 برقم: 16، والبيهقي في الكبرى، 4/220 برقم: 7823، وابن خزيمة، 3/235 برقم: 1978، ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي ص82، برقم114.

(21) انظر المجموع، 6/328، وبداية المجتهد، 2/ 156و157، والمغني لابن قدامة، 3/ 23.

(22) انظر: مسند الشافعي ص104 برقم: 472، ونيل الأوطار، 1/235.

(23) انظر الإحكام في أصول الأحكام، 2/353.

(24) معجم مقاييس اللغة، 5/311، ولسان العرب، 7/231 و232، وتاج العروس، 10/153. 

(25) التعاريف للمناوي، 1/ 649.

(26) معجم لغة الفقهاء، ص 422.

(27) المجموع شرح المهذب، 6/255.  

(28) رواه الدارقطني في السنن، 2/207 برقم: 17، والبيهقي في السنن الكبرى، 4/271 برقم: 8104، قال الألباني: «أخرجه الدارقطني بسند صحيح»، انظر إرواء الغليل، 4/21. 

(29) رواه الطبراني في المعجم الكبير، 1/242 برقم: 675، قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح» انظر: مجمع الزوائد 3/385 برقم:4950.

(30) رواه الدارقطني في السنن، 2/208 برقم: 19، والبيهقي في السنن الكبرى، 4/271 برقم: 8103، قال الألباني: «أخرجه الدارقطني وفيه عبد الله بن صالح وفيه ضعف» انظر إرواء الغليل، 4/212.   

(31) رواه البيهقي في السنن الكبرى، 4/230 برقم: 7866، قال الألباني: « وإسناد هذه الرواية صحيح على شرط الشيخين، والحديث رواه أبو داود من طريق ابن أبي عدي عن سعيد به، إلا أنه اختصره اختصارا مخلا ولفظه: "﴿وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾[البقرة:184) قال:كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا والحبلى و المرضع إذا خافتا، قال: أبو داود يعني على أولادهما أفطرتا وأطعمتا" انظر سنن أبي داود 1/708 برقم: 2318، قال الألباني: «ووجه الإخلال أنه اختصر جملة( وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم[أي الإطعام]) فصارت الرواية تعطي الترخيص للشيخ والمرأة بالإفطار وهما يطيقان الصوم، والواقع أن هذا منسوخ بدليل رواية الجماعة عن ابن عروبة وما قبلها من الروايات» ثم قال: « وأما رواية أبي داود فهي شاذة » انظر إرواء الغليل، 4/18و19.

(32) أخرجه أبو داود، 1/194 برقم: 507، صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 1/ 103 برقم: 479. 

(33) أخرجه البخاري في صحيحه معلقا، 4/1637.

(34) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 112.

(35) تفسير القرطبي، 2/276. 

(36) فتح القدير،1/233.  

(37) تفسير القرطبي،  2/276.

(38) المجموع شرح المهذب، 6/257.  

(39) لابن قدامة (3/41)

(40) انظر: مقاييس اللغة، 3/82، و لسان العرب، 4/368، و تاج العروس، 12/44، والمصباح المنير، 1/278.

(41) دستور العلماء، 2/123، والتعريفات، 1/157، والتعاريف، 1/406.

(42) الجدح: هو خلط الشيء بغيره والمراد هنا خلط السويق بالماء وتحريكه حتى يستوى،والمجدح بكسر الميم عود مجنح الرأس ليساط به الأشربة وقد يكون له ثلاث شعب.انظر شرح النووي على صحيح مسلم، 7/210و211.

(43) رواه مسلم، 2/772 برقم: 1101.

(44) انظر شرح النووي على صحيح مسلم، 7/ 210 و211.

(45) رواه مسلم، 2/786 برقم: 1116.

(46) رواه مسلم، 2/785 برقم: 1114، والحديث بتمامه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة أولئك العصاة".    

(47) رواه مسلم، 2/785 برقم: 1114.

(48) انظر شرح النووي لصحيح مسلم، 7/ 232 و 233.

(49) رواه البخاري في صحيحه، 4/ 1638 برقم: 4235.

(50) سبق تخريجه ص 6.

(51) سبق تخريجه ص 6.  

(52) سبق تخريجه ص 6.

(53) سبق تخريجه ص 7.    

(54) قال الداؤودي: معياره الذي لا يختلف أربع حفنات بكفي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما إذ ليس كل مكان يوجد فيه صاع النبي، فكل حفنة مد، انظر: لسان العرب: 8/215، والقاموس المحيط 1/955. 

(55) انظر المجموع، 6/258، والمغني لابن قدامة، 3/31، وبداية المجتهد لابن رشد، 2/ 177.

(56) انظر فتاوى الشيخ على موقع جامعة الإيمان .http://www.jameataleman. .

(57) أخرجه أبو داود، 1/ 732 برقم: 2408. قال الشيخ مقبل الوادعي: «هذا حديث حسن»، انظر: الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين، 2/ 438.   

(58) أخرجه البخاري معلقا، 4/ 1637.

(59) المغني لابن قدامة، 3/37، والفروع وتصحيح الفروع، 3/26.

(60) المجموع للنووي، 6/ 267.

(61) الفتاوى الهندية، 1/207. 

(62) رواه البخاري، 2/689 برقم: 1850، وقال أبو الزناد إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرا على خلاف الرأي فما يجد المسلمون بدا من اتباعها من ذلك أن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة .

(63) انظر المجموع للنووي، 6/314، والمغني لابن قدامة، 3/36.

(64) مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات ص36.

(65) المفصل في أحكام المرأة المسلمة، 2/ 70.

(66) الغَلَبةُ: حال تبدو للعبد لا يمكن معها ملاحظة السبب ولا مراعاة الأدب، انظر: معجم مقاليد العلوم ص211.

(67) ضابط المفطرات في مجال التداوي للعثماني ص 118.

(68) الهداية شرح البداية،1/ 132و133و138و139، والمبسوط، 3/65 و98، وأصول البزدوي، 1/345، وبدائع الصنائع، 2/239.

(69) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 2/142.

(70) انظر المدونة للإمام مالك، 1/ 270و271و276و277و278، وحاشية الدسوقي 1/523 ، ومنح الجليل شرح مختصر خليل 2/ 146، والقوانين الفقهية ص 90، والخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية ص 195.

(71) للشربيني، 1/632 و633.

(72) انظر المجموع للنووي، 6/ 334 و335.

(73) المصدر نفسه ، 6/333و336.

(74) المصدر نفسه، 6/335.

(75) المصدر السابق، 6/337 – 339. 

(76) لابن قدامة، 3/ 12.

(77) الإنصاف للمرداوي، 3/304.

(78) انظر المغني لابن قدامة، 3/12، 23، والإنصاف للمرداوي، 3/ 304 - 306.

(79) الإنصاف للمرداوي، 3/304.

(80) الإنصاف للمرداوي 3/311.

(81) رواه أبو داود، 1/82 برقم: 142، والترمذي، 3/155 برقم: 788، وقال: «هذا حديث حسن صحيح وقد كره أهل العلم السعوط للصائم ورأوا أن ذلك يفطره وفي الباب ما يقوي قولهم»، والنسائي، 1/66 برقم: 87، وابن ماجه، 1/142 برقم: 407. والحديث صححه الألباني في إرواء الغليل، 4/85 برقم: 935، وفي صحيح سنن أبي داوود، 1/241و242 برقم: 130.

(82) المغني لابن قدامة، 3/17و18، والمبدع في شرح المقنع، 3/29.